المتمرد سيد درويش أول من ترجم الأحاسيس الشعبية إلى ألحان

فكتور سحاب يعيد الاعتبار لـ«المؤسس»

المتمرد سيد درويش أول من ترجم الأحاسيس الشعبية إلى ألحان
TT

المتمرد سيد درويش أول من ترجم الأحاسيس الشعبية إلى ألحان

المتمرد سيد درويش أول من ترجم الأحاسيس الشعبية إلى ألحان

حين قيل لسيد درويش إن رأسه يشبه رأس فيردي، أجاب: «أنا فيردي مصر». وهو قول له خلفياته. فقد روى توفيق الحكيم في كتابه «فنان الشعب»: «رأيت سيد درويش بعيني، يأتي معنا إلى تياترو الكورسال ليشاهد جوقة الأوبرا الإيطالية، تعرض توسكا، ومدام بترفلاي لبوتشيني، والبلياتشو لليونكافالو». فقد تأثر الرجل بما كانت تقدمه الفرق الغربية التي تفد إلى مصر من أوبرات. صحيح أنه لم يحقق حلمه بدراسة الموسيقى في إيطاليا لأن الموت عاجله، غير أن فضوله وعصاميته، كانا له سنداً عظيما.
وأهمية كتاب «سيد درويش المؤسس» لمؤلفه فكتور سحاب، الذي صدر هذا الأسبوع بفضل أول تعاون مشترك بين «دار نلسن» في بيروت، و«دار ريشة للنشر والتوزيع» في مصر، أنه يعيد الاعتبار لعبقري، لا بل لأسطورة موسيقية أحدثت ثورة فنية عربية، رغم عمره الفني القصير للغاية والذي لم يتعد الست سنوات.
مغني العمّال
كانت عائلة سيد درويش تحضّره لأن يصبح شيخاً مقرئاً، لكنه سرعان ما خلع العمامة والقفطان، وعمل مغنياً، في ورشة بناء، يحض العمال على الاجتهاد. وصادف أن سمعه سليم عطا لله فصحبه معه إلى بلاد الشام عام 1909. وكان لا يزال في السابعة عشرة.
لم يلق النجاح الذي يستحقه، لكنه أفاد وتعلم على موسيقيين كثر: «حفظت التواشيح والضروب الموسيقية القديمة ثم أناشيد الكنائس». لكن رحلة ثانية إلى بلاد الشام، كانت له الفاتحة لنجاحات، سيعود بعدها إلى مصر قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى، وقد ذاع صيته، مما سهل عليه الانطلاق، لكن كل ما يعثر عليه في تلك الفترة يدلل على أن الاهتمام به، ومكافآته كانت دون ما يستحق، إلى أن كان لقاؤه بالشاعر بديع خيري، ومن ثم أحداث ثورة 1919. وعمله مع نجيب الريحاني.
موهبة سيد درويش الكبيرة، وقدرته الفائقة على العمل وتأليفه المقطوعات الاستعراضية، ومن ثم تلحين المسرحيات وكان أولها «كله من ده»، كل هذا جلب عليه خيراً كثيراً، وتقديراً من الناس، بحيث أحلوه في المرتبة مكان سلامة حجازي. لكن سيد درويش المبذر، الذي صرف ما في الجيب، منتظراً أن يأتي ما في الغيب، عاش أيام فقر مدقع، نتيجة سلوكه هذا ومات ولم يخلف وراءه «إلا عصاه والعود ورزمة من الأوراق التي دون عليها أغنياته، وولدين هما محمد البحر وحسين درويش». وهو الذي تزوج في عمره القصير، أربع نساء، لم يدم زواجه من إحداهن سوى يوم واحد.
العبقري المظلوم
المحزن في حياة سيد درويش الذي توفي وهو لا يزال في الحادية والثلاثين، كمّ الظلم والألم اللذين تعرض لهما رغم الخدمة الاستثنائية التي أسداها للموسيقى العربية. صاحب أجمل الألحان والمغني والممثل، هو بحد ذاته ثورة، في كل ما فعله خلال حياته الفنية. وضع عشرة أدوار تعتبر جزءاً خطيراً من تراثه الفني، وهي ليست تجديداً خالصاً، كما يظن البعض، وهنا أهميتها، بل استفاد من تطوير من سبقه، وبنى عليه، مركزاً على مضمون اللحن وأسلوب التعبير.
ويقدم الكتاب تفاصيل فنية موسيقية حول تفاصيل التجديدات المثيرة التي أحدثها سيد درويش، والألحان التي تركها ولا تزال تهزّ الوجدان، وأهمية موشحاته، وذكاء الطقاطيق التي عرف بها حتى قيل إنه وضع ست وستين طقطوقة، كثير منها أصابت شهرة واسعة مثل «يا عزيز عيني»، و«أهه ده اللي صار»، و«يا بلح زغلول»، التي قصد بها سعد زغلول، و«زوروني كل سنة مرة».
لحن سيد درويش مائتين وثلاثاً وثلاثين أغنية مسرحية، في ثلاثين تمثيلية غنائية واستعراضاً وأوبرا. كما كتب الأوبريتات التي اعتبرت تطويراً عظيماً للمسرح الغنائي، الذي سينحسر في مصر بعد وفاته. قال عنه عاصي الرحباني: «فنان متمرد، أول من ترجم الأحاسيس الشعبية إلى قوالب موسيقية سليمة، وأول من لحن الأوبريت كما يجب أن تلحن... وأول فنان يعمّ فنه الشرق، أيام كانت لا تربطه أي وسيلة إعلامية. إنه رائد جيله، وأستاذ مدرسة عريقة، وفنان شعبي كبير جداً».
فنان الشعب وضميره
ودرويش هو أول من استعمل آلات الأوركسترا الغربية في الموسيقى العربية، مما أعطى رونقاً خاصاً لموسيقاه المسرحية. ويقال إن «ثمة تناقضاً، بين طابع كثير من مؤلفات درويش المسرحية، ونوازعه إلى الطرب العربي الأصيل». لكن الأرجح أن سيد درويش في الموسيقى كما كل التوفيقيين في تلك المرحلة، الذين حاولوا المصالحة بين الجديد الوافد الذي أبهرهم، والقديم الذي لم يريدوا التخلي عن أصالته وعمق جذوره. وفي الكتاب تفاصيل وافيه لمحبي الموسيقى حول تقنيات سيد درويش الموسيقية، وتجديداته وإضافاته.
لكن ما صنع شهرة الرجل فعلاً، هي الروح الشعبية لأغنياته التي كان يجمعها من أفواه الناس، وأصرّ على العيش بينهم، وأن ينهل من معينهم، لا يفارق الشارع والسوق، والعمّال.
وهو ما صنع، تلك النزعة الحماسية في ألحانه، حتى لنشعر أن جميع أغنياته فيها نبرة وطنية، منها ما يشتكي من الغلاء، ويعترض على الظلم، ويساند الفقراء، ويحضّ المرأة على النهوض: «ده وقتِك ده يومِك يا بنت اليوم، قومي اصحي من نومك بزياداكي نوم».
عبّرت أغنياته عما يجول في خاطره، رغم أنه لم يكن كاتبها في أغلب الأحيان، بل كان يفضل أن يطلب تأليفها عن موضوع عزيز على قلبه، أو يختارها من أشعار جاهزة.
أكثر من ذلك أن درويش أعلى من شأن الملحن، وكبح ميل المغنين، كما شاع في القرن التاسع عشر، للارتجال والتصرف والتطريب الفطري، وألزمهم باحترام ما يضعه من ألحان، احتراماً لعمله. هكذا وضع الملحن في المرتبة الأولى بعد أن كان كاتب الكلام هو الأولى بالالتزام بما يقدمه للمطرب، فيما يشعر، هذا الأخير، أن بمقدوره التصرف في اللحن على هواه.
نحت صوره بالموسيقى
ويلفت الكاتب إلى أن الكلام على درويش يفتقد كثيراً للمعرفة الموسيقية، لذلك فإن رأي أحد أنجب تلامذته هو محمد عبد الوهاب، يبدو في غاية الأهمية «إن الشيخ سيد هو الذي فصل الموسيقى العربية عن الموسيقى التركية، وأبرز الملامح المستقلة في الموسيقى العربية». الشيخ سيد هو الذي أنشأ التعبير الموسيقي والتصوير بالموسيقى والغناء ويعتبر دور «أنا هويت وانتهيت»، الذي نال شهرة كبيرة، «هو مبتدأ التعبير التمثيلي الانفعالي أو الدرامي في الغناء العربي».
نحت درويش بألحانه صوراً ومشاعر، كأنه يحكي بموسيقاه قصصاً. وهو ما أثمر بعد ذلك الحوار الغنائي الذي يعتقد أنه دخل الموسيقى العربية مع ديالوغ «على قد الليل ما يطول» من رواية «العشرة الطيبة». ثم أدخل المونولوغ على الموسيقى العربية من خلال «والله تستاهل يا قلبي» عام 1920. وهو أول من اعتمد استخدام الأصوات أو الألحان المتعددة والمتزامنة، أي ما يسمى الـ«بوليفونيا».
حفلات تأبين عديدة أقيمت، لسيد درويش بعد موته عام 1923 إلا أن أغنياته طويت في غالبيتها، وأريد لها أن تخبو، ولم تعد إلى الحياة، إلا بعد ثورة 1952. حيث تم العمل على إحياء أعماله، وتدوين موسيقاه وتأديتها. ومع ذلك، بقي مظلوماً هذا الكبير، فتجديده أسيء فهمه، وأحياناً نظر إليه بدونية، أو بشيء من الحسد.
الفنان الشامل
من مواليد الإسكندرية عام 1892، السنة عينها التي ولد فيها موسيقي كبير آخر هو محمد القصبجي ونجيب الريحاني الذي سيتخصص بعد ذلك في تقديم مسرحيات سيد درويش الغنائية، وكذلك شريكه الأقرب بديع خيري ومحمود بيرم التونسي. من أسرة فقيرة، مات والده النجار وهو لا يزال في السابعة، أرسلته أمه إلى الكتّاب ثم إلى المدرسة، لكن سرعان ما استهواه الغناء.
العرب يرددون أغنياته مثل «سالمة يا سلامة» و«زوروني كل سنة مرة» و«الحلوة دي» و«طلعت يا محلا نورها»، و«أنا هويت»، ولكن يغيب عن الناس فهم قدرته الاستثنائية على الاستفادة من التراث وتطويعه، ومدّ جسور هائلة بين الشعب والأغنية التي تخترق الضمائر وتشعل الوجدان.
وكما يقول في الكتاب سليم سحاب «ماذا عن الأوبريتات الثلاثين التي لحنها سيد درويش، ماذا عن أغنياته للطوائف الاجتماعية المختلفة؟ ماذا عن الأوبرا التي شرع في تلحينها؟ وماذا عن عشرات الطقاطيق والموشحات والأدوار؟ هنا لا تجد جواباً».
درويش هو «أول موسيقي عربي شمولي من ناحية معرفته بالمدارس الموسيقية العربية الهامة خارج مصر». لكن إنجازه الأهم هو تخليص الموسيقى العربية نهائياً من اللكنة الموسيقية التركية التي سيطرت عليها، بوقت وجيز، وكان يحتاج عشرات السنين. أنجز هذا بفضل إصغائه لغناء الناس بمختلف فئاتهم وطبقاتهم ومهنهم، معتبراً أنهم النبع الصافي الذي ينهل منه. عن غناء العمال يقول سيد درويش: «أين نحن من هؤلاء العمال؟ إنهم المؤلفون والملحنون إنهم الطبيعة، والطبيعة فوق الفن».


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

إدمان وسائل التواصل الاجتماعي يصيب الكبار أيضاً... فكيف نحد من استخدامها؟

استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)
استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)
TT

إدمان وسائل التواصل الاجتماعي يصيب الكبار أيضاً... فكيف نحد من استخدامها؟

استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)
استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)

يمكن تشبيه إدمان وسائل التواصل الاجتماعي بإدمان المخدرات أو السجائر. وبينما يدور جدل بين الخبراء حول الحد الفاصل بين الإفراط في الاستخدام والإدمان، وما إذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي تُسبب الإدمان، فلا شك أن الكثيرين يشعرون بأنهم لا يستطيعون التخلص من جاذبية منصات مثل «إنستغرام» و«تيك توك» و«سناب شات» وغيرها، وفق ما ذكرته وكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وتسعى الشركات التي صممت هذه التطبيقات جاهدةً لإبقائك مُلتصقاً بها لعرض الإعلانات التي تُدرّ عليها مليارات الدولارات. وقد تبدو مقاومة إغراء التصفح اللانهائي، وجرعات الدوبامين التي تُفرزها مقاطع الفيديو القصيرة، والشعور بالرضا عن الذات الذي تُوفّره الإعجابات والتفاعلات الإيجابية... وكأنها معركة غير متكافئة.

وتركزت معظم المخاوف بشأن إدمان وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال، لكن البالغين أيضاً عُرضة لاستخدامها بكثرة لدرجة أنها قد تُؤثر على حياتهم اليومية.

إدمان أم لا؟ وما علاماته؟

تُعرّف الدكتورة آنا ليمبكي، الطبيبة النفسية في كلية الطب بجامعة ستانفورد الأميركية، الإدمان بأنه «الاستخدام القهري المستمر لمادة أو سلوك ما رغم الضرر الذي يلحق بالنفس أو بالآخرين».

وخلال شهادتها في محاكمة تاريخية تتعلق بأضرار وسائل التواصل الاجتماعي بلوس أنجليس، قالت ليمبكي إن ما يجعل منصات التواصل الاجتماعي مساحة للإدمان الشديد هو «إمكانية الوصول إليها على مدار الساعة، وبشكل غير محدود وسلس».

ويشكك بعض الباحثين في مدى ملاءمة مصطلح «الإدمان» لوصف الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي، بحجة أن الشخص يجب أن يعاني من أعراض محددة. وتشمل هذه الأعراض رغبات قوية، وأحياناً لا يمكن السيطرة عليها، وأعراض انسحاب، لتُصنّف الحالة على أنها إدمان.

ولا يُعترف بإدمان وسائل التواصل الاجتماعي كاضطراب رسمي في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، وهو المرجع القياسي الذي يستخدمه الأطباء النفسيون وغيرهم من ممارسي الصحة النفسية لتقييم المرضى وعلاجهم. ويعود ذلك جزئياً إلى عدم وجود إجماع واسع النطاق حول تعريف إدمان وسائل التواصل الاجتماعي، وما إذا كانت المشكلات النفسية الكامنة تُسهم في الاستخدام المُفرط لها. لكن مجرد عدم وجود اتفاق رسمي حول هذه المسألة لا يعني أن الاستخدام المُفرط لوسائل التواصل الاجتماعي لا يُمكن أن يكون ضاراً، كما يقول بعض الخبراء.

تقول الدكتورة لوريل ويليامز، أستاذة الطب النفسي في كلية بايلور الأميركية للطب: «بالنسبة لي، المؤشر الأهم هو شعور الشخص تجاه (الكمية) التي يستخدمها، وكيف يؤثر ذلك على مشاعره». وتضيف: «إذا اكتشف المستخدمون أنهم يتابعونها بكثرة لدرجة أنهم يفوتون أشياء أخرى قد يستمتعون بها، أو أموراً يحتاجون إلى الاهتمام بها، فهذا استخدام ضار. إضافةً إلى ذلك، إذا شعرتَ بعد استخدامها بالإرهاق والإنهاك والحزن والقلق والغضب بشكل متكرر، فهذا الاستخدام ليس جيداً لك».

بمعنى آخر، هل يؤثر استخدامك لوسائل التواصل الاجتماعي على جوانب أخرى من حياتك؟ هل تؤجل أعمالك المنزلية، أو عملك، أو هواياتك، أو وقتك مع الأصدقاء والعائلة؟ هل حاولت تقليل وقتك على وسائل التواصل الاجتماعي لكنك أدركت أنك غير قادر على ذلك؟ هل تشعر بالسوء حيال استخدامك لوسائل التواصل الاجتماعي؟

ويقول أوفير توريل، أستاذ إدارة نظم المعلومات في جامعة ملبورن الأسترالية، الذي درس استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لسنوات، إنه «لا يوجد اتفاق» حول مصطلح إدمان وسائل التواصل الاجتماعي، لكن «من الواضح أننا نواجه مشكلة. ليس بالضرورة أن نسميها إدماناً، لكنها مشكلة، وعلينا كمجتمع أن نبدأ بالتفكير فيها».

نصائح للحد من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي

تقول ويليامز إنه قبل وضع حدود للتصفح، من المفيد فهم كيفية عمل منصات التواصل الاجتماعي والإعلانات لجذب المستخدمين. وتضيف: «فكّر في وسائل التواصل الاجتماعي كشركة تحاول إقناعك بالبقاء معها وشراء منتج أو خدمة، وضَعْ في اعتبارك أن هذه المعلومات ليست ضرورية، وقد لا تكون صحيحة. ابحث عن مصادر معلومات بديلة. وتذكر دائماً أنه كلما زاد عدد مرات رؤية معلومة ما، زادت احتمالية تصديقها».

ويقترح إيان أندرسون، الباحث في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، إجراء تغييرات بسيطة وفعّالة للحد من استخدام تطبيق التواصل الاجتماعي المفضل لديك. ويُعد تغيير مكان التطبيق على هاتفك أو إيقاف الإشعارات من «التدخلات البسيطة»، لكن أكثر الخيارات فاعلية، مثل عدم إدخال هاتفك إلى غرفة النوم أو غيرها من الأماكن التي تستخدمه فيها عادةً، قد تُساعد أيضاً.

أيضاً، يمكن للأدوات التقنية أن تساعد في الحد من الإفراط في استخدام الأجهزة الإلكترونية. وتحتوي أجهزة «آيفون» و«أندرويد» على أدوات تحكم مدمجة لتنظيم وقت استخدام الشاشة. وتتيح هذه الأدوات للمستخدمين فرض قيود عامة على فئات معينة من التطبيقات، مثل تطبيقات التواصل الاجتماعي أو الألعاب أو الترفيه، أو التركيز على تطبيق معين، من خلال تحديد الوقت المسموح باستخدامه فيه.


مشكلات تقنية تحول دول إطلاق «أرتيميس 2» إلى القمر في مارس

صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
TT

مشكلات تقنية تحول دول إطلاق «أرتيميس 2» إلى القمر في مارس

صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)

أعلن رئيس وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» جاريد آيزكمان، السبت، أن إطلاق مهمة «أرتيميس 2» لن يكون ممكناً في مارس (آذار)، بسبب مشكلات تقنية في الصاروخ الذي سينقل رواداً في رحلة حول القمر للمرة الأولى منذ أكثر من 50 عاماً.

وأوضح آيزكمان أن فرق «ناسا» رصدت هذه المشكلات ليلاً، وهي عبارة عن خلل في تدفق الهيليوم في إحدى طبقات الصاروخ.

وأشار في منشور عبر منصة «إكس» إلى أن الأعطال التي تسببت في ذلك، «أيّاً كانت»، ستجبر الوكالة على إعادة الصاروخ إلى مبنى التجميع «ما سيجعل نافذة الإطلاق المقررة في مارس مستبعدة».

وسبق للوكالة أن أعلنت أنها تخطط لإطلاق المهمة اعتباراً من 6 مارس، بعدما أجرت للصاروخ اختباراً شاملاً في ظروف حقيقية بدا للوهلة الأولى ناجحاً.

شعار وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» (رويترز)

لكنّ إدارة الوكالة أوضحت أن المهندسين سيحتاجون إلى أيام عدة لتحليل البيانات المتعلقة بهذا الاختبار، وأن من الضروري إجراء مناورات أخرى وعمليات تَحقُّق.

وستكون هذه المهمة التي تنطلق من قاعدة كاب كانافيرال في ولاية فلوريدا وتستمر نحو عشرة أيام أول رحلة مأهولة حول القمر منذ أكثر من 50 عاماً.

وكانت «ناسا» حددت خمس نوافذ إطلاق ممكنة في مارس، وأعلنت أيضاً ست فترات محتملة أخرى للإطلاق في أبريل.


اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
TT

اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)

بعد يومين من الجدل المصاحب لنشر شهادات نسائية عبر حسابات موثّقة على «فيسبوك» ضد مؤلف مسلسل «فخر الدلتا»، قررت الشركة المنتجة للمسلسل حذف اسم المؤلف «مؤقتاً» من شارة العمل.

ومنذ بدء عرض المسلسل، الذي يقوم ببطولته «اليوتيوبر» أحمد رمزي في تجربته الدرامية الأولى، تحدثت فتاة عن تعرضها للتحرش من المؤلف خلال عملهما معاً قبل سنوات عدة، مشيرة إلى أنه حاول لاحقاً الاعتذار عما بدر منه، لكنها لم تقبل اعتذاره.

ورافق هذه الشهادة عدد من التدوينات الأخرى كتبتها فتيات عملن مع المؤلف الشاب في أماكن عمل سابقة، غير أن أيّاً منهن لم تعلن لجوءها إلى القضاء أو تقديم بلاغات رسمية ضده. كما تضمنت الشهادات تعليقات من فتيات أخريات تحدثن عن تعرضهن لوقائع مماثلة، في حين التزم المؤلف الصمت، وأغلق حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأصدرت الشركة المنتجة للمسلسل بياناً، الجمعة، أكدت فيه اطلاعها على التدوينات المنشورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أنها، مع أخذ الاتهامات على محمل الجد، قررت إزالة اسمه من شارة العمل «مؤقتاً» لحين التحقق من صحة ما يُتداول، واتخاذ الإجراءات المناسبة بناءً على ما تسفر عنه نتائج التحقيق.

فريق عمل المسلسل (الملصق الترويجي للعمل - الشركة المنتجة)

المسلسل، الذي يشارك في بطولته انتصار وكمال أبو رية، إلى جانب أحمد عصام السيد، ويخرجه هادي بسيوني، تدور أحداثه في إطار اجتماعي حول شاب يعيش في دلتا مصر، وينتقل إلى القاهرة لتحقيق حلمه بالعمل في مجال الإعلانات. ويتكوّن العمل من 30 حلقة، ولا يزال تصويره جارياً.

وعدّ الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين قرار الشركة المنتجة «مخالفاً لقاعدة أساسية في القانون، وهي أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، معتبراً أن الإجراء جاء استباقياً قبل التحقيق في الوقائع المذكورة. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «رد الفعل اتخذ طابع الاستجابة الإعلامية لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي بهدف تجنب دعوات مقاطعة مشاهدة العمل».

وتابع أن «حذف اسم المؤلف من شارة العمل لا يعد الإجراء المناسب في مثل هذه الحالات لعدة أسباب، في مقدمتها أن العمل من تأليفه، وحقه الأدبي يقتضي نسبته إليه. أما الاتهامات التي يواجهها، ففي حال ثبوتها يجب أن تتم محاسبته قانونياً عبر تحقيقات رسمية، وليس عبر إصدار أحكام مسبقة من مواقع التواصل دون جهات تحقيق مستقلة».

ويرى الناقد الفني خالد محمود الرأي نفسه؛ إذ أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «بيان الشركة يعكس استجابة لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً أن المسلسل يمثل التجربة الدرامية الأولى لبطله، وبالتالي هناك مساعٍ لتجنب أي عثرات قد تؤثر في متابعة العمل، الذي تكلف مالياً، ولا يزال يُعرض في بداية السباق الرمضاني».

ووصف مسألة حذف الاسم بأنها «تصرف غير مبرر» و«لا يتناسب مع طبيعة الاتهامات التي يواجهها، والتي يُفترض أن تكون محل نظر أقسام الشرطة وتحقيقات النيابة»، على حد تعبيره، مستبعداً عدول الشركة عن قرارها أو الإعلان عن نتائج التحقيقات قريباً، في ظل أن جهة الإنتاج ليست مسؤولة أساساً عن التحقيق في وقائع حدثت قبل التعاقد مع المؤلف، ومع أشخاص لا تربطها بهم أي صلة.