باريس والجزائر عازمتان على الوصول إلى «علاقات استراتيجية شاملة»

ماكرون ينفي أن يكون الغاز هو «المحرك الرئيسي» لزيارته

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال استقباله الرئيس الفرنسي في قصر المرادية مساء أول من أمس (رويترز)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال استقباله الرئيس الفرنسي في قصر المرادية مساء أول من أمس (رويترز)
TT

باريس والجزائر عازمتان على الوصول إلى «علاقات استراتيجية شاملة»

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال استقباله الرئيس الفرنسي في قصر المرادية مساء أول من أمس (رويترز)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال استقباله الرئيس الفرنسي في قصر المرادية مساء أول من أمس (رويترز)

(تحليل سياسي)
إذا كان الجزائريون، رسميين ومجتمعاً مدنياً، يأملون من زيارة الرئيس الفرنسي أن يحصلوا أخيراً من فرنسا، الدولة المستعمرة لبلادهم طيلة 132 عاماً، على اعتذار عن الجرائم التي ارتكبها الاستعمار بحقهم، أو التعبير عن الندم، أو على الأقل اعتراف يذهب في هذا الاتجاه، فإن أملهم خاب مرة أخرى، لأن إيمانويل ماكرون لن يخطو هذه الخطوة، نظراً لتبعاتها السياسية في الداخل الفرنسي، ولأن الاستجابة للرغبة الجزائرية ستكون باهظة الثمن سياسياً. ثم هناك اليمين المتطرف، الذي ما فتئ ينتقد ماكرون في كل مناسبة من هذا النوع، ويرى أنه يحطّ من قدر وقيمة فرنسا.
لذا، فإن ماكرون في زيارة العمل والصداقة للجزائر، التي تنتهي اليوم في مدينة وهران، وجد المَخرج المناسب، وقال أمس خلال مؤتمر صحافي بالعاصمة الجزائرية إن ما يريده هو «الحقيقة»، ولذا فقد اتفق مع الرئيس الجزائري على إنشاء لجنة مشتركة من المؤرخين الفرنسيين والجزائريين، الذين ستفتح لهم صفحات الأرشيف الفرنسي والجزائري لجلاء هذه الحقيقة. وستكون مهمة اللجنة وفق ماكرون «النظر في كامل تلك الفترة التاريخية... منذ بداية الاستعمار إلى حرب التحرير، من دون محظورات».
ولمزيد من التوضيح، ولتفكيك مسبق لأي تأويل، أضاف ماكرون أن ما تقرر «ليس تعبيراً عن ندم أبداً». وبذلك سعى ماكرون لإخراج هذا الملف من ساحة الجدل، الذي يسمم العلاقات الثنائية منذ عقود، وذلك بعد أن تبين له أن اللجنة الفرنسية التي شكّلها في 2020 وعهد بها إلى المؤرخ بنجامين ستورا، الخبير بشؤون الاستعمار الفرنسي والمقبول جزائرياً، لم تفِ بالغرض، رغم المقترحات الكثيرة التي عرضها، والتي تم تنفيذ الكثير منها.
ثمة موضوع آخر كان يأمل الجزائريون أن يحمل ماكرون جديداً حوله، إلا أن أملهم خاب مجدداً. فليس سراً أن الجزائريين يولون ملف التأشيرات أهمية خاصة. والحال أن ماكرون أمر العام الماضي بتخفيض عددها إلى النصف، رداً على ما رأته باريس مماطلة جزائرية في الموافقة على استرداد مواطنيها الموجودين على التراب الفرنسي بطريقة غير شرعية. وفي مؤتمره الصحافي، لم يعلن ماكرون عن تغير جذري في سياسة التأشيرات المتّبعة التي ربط بينها وبين محاربة الهجرات غير الشرعية. ووفق العرض الفرنسي، فإن ماكرون وتبون قررا «العمل معاً وفي مناخ من الثقة الجماعية». وقال الرئيس الفرنسي: «سنكون صارمين للغاية لكي نكافح معاً الهجرة غير الشرعية والشبكات الإجرامية، وسنكون أكثر فاعلية بكثير في استباق الهجرة غير الشرعية، وحتى نتمكن من مرافقة المهاجرين غير الشرعيين بشكل أكثر فاعلية». وبكلام آخر، فإن ماكرون حصل على وعد من نظيره الجزائري بالتعاون في استرداد مواطنيه، وفي المقابل وعد من جهته بـ«اعتماد مقاربة أكثر مرونة بكثير للهجرة الانتقائية، أي أُسر مزدوجي الجنسية، وكذلك الفنانين والرياضيين، ورجال الأعمال والسياسيين الذين يغذّون العلاقات الثنائية».
وكثيرة هي الملفات التي كانت موضع بحث الجانبين. لكن اللافت أن كليهما أبان عن رغبة مشتركة جامحة في قلب صفحة الماضي والنظر إلى المستقبل. وبرز ذلك أولاً من خلال الاستقبال الحار لماكرون، الذي انتظره الرئيس تبون عند سلم الطائرة وعانقه طويلاً. ثم برز ذلك في كلمتيهما إلى الصحافة مساء اليوم الأول من الزيارة في قصر المرادية الرئاسي، حيث أكد تبون أنه يريد «علاقة استراتيجية شاملة مع فرنسا» تكون مبنية على «مبادئ الاحترام والثقة». ووصف المحادثات بأنها كانت «صريحة وتنم عن خصوصية العلاقة بين بلدينا وعمقها وتشعبها». كما جاء كلام ماكرون في السياق نفسه خلال حديثه عن «النظرة إلى المستقبل»، والتغلب على القضايا، التي حالت وتحول دون تعزيز التعاون والعمل المشترك.
وبعيداً عن أدبيات الاستقبال والبروتوكولات، فإن النتيجة الأولى الرئيسية لعودة التلاقي الفرنسي - الجزائري هو اتفاق الطرفين على تشكيل مجموعة من اللجان الحكومية المشتركة في «القطاعات الاستراتيجية والاقتصادية». علماً بأن باريس تشهد تراجعاً مقلقاً لحضورها في الاقتصاد الجزائري لصالح منافسين من الصين وتركيا وإيطاليا وغيرها. كما يريد الطرفان الالتفات بشكل خاص إلى إطلاق الشراكات المتجددة والمبدعة، وعدم الاكتفاء بالأشكال والصيغ السابقة لجهة التعاون «الفوقي». ومن هنا تكمن الأهمية التي أولاها ماكرون للقاء رجال الأعمال من الشباب ومن الرياضيين والمثقفين والفنانين بحيث يكون التلاقح متنوعاً وشاملاً.
وفي المجال الأمني، يعي الجانب الفرنسي أنه بحاجة للجزائر في منطقة «الساحل» التي تشكو من النزاعات والإرهاب. كما أن خروج قوة «برخان» الفرنسية من مالي يشكّل فشلاً بيّناً لباريس بعد وجود عسكري تواصل لمدة تسع سنوات. يضاف إلى ذلك أن فرنسا تعاني من المنافسة في بلدان كانت ضمن دائرة نفوذها التقليدي. ومن هنا، فإن توافق الطرفين على «العمل المشترك» من أجل الاستقرار في مالي ومنطقة الساحل وليبيا والصحراء يبدو بالغ الأهمية. كما أصبح اليوم واضحاً أن باريس تعوّل على الجزائر التي أبقت على خطوط التواصل مع المجلس العسكري في مالي، خصم فرنسا، وهي مهتمة بالوضع الليبي، وتتمتع بعلاقات جيدة مع سلطات النيجر، وبنسيج من العلاقات مع الكثير من العواصم الأفريقية. ولا شيء يمنع أن يتعاون الطرفان سياسياً وأمنياً، ولكن أيضاً اقتصادياً، والاستثمار معاً في الكثير من البلدان الأفريقية.
وقبل الزيارة، رأت وسائل إعلام أن مبررها الأول البحث عن مصادر بديلة للغاز الروسي، إلا أن ماكرون عمد أمس إلى دحض هذا الادعاء، معتبراً الأخبار المتداولة «تافهة»، وأكد أن فرنسا «لا تستهلك كميات كبيرة من الغاز... وعلاقتنا مع الجزائر ليست مبنية على الغاز فقط». أما بالنسبة للاتفاق الذي حصل بين الجزائر وإيطاليا لحصول روما على مزيد من الغاز الجزائري، فقد عدّه ماكرون «أمراً طبيعياً»، بالنظر إلى أن إيطاليا «قد تكون بحاجة أكثر للغاز، ومصلحة فرنسا من مصلحة دول الاتحاد الأوروبي».
وما يجعل ماكرون مرتاحاً في ملف الغاز هو أن بلاده تعتمد على المحطات النووية لإنتاج الكهرباء، ولا تعاني من تبعية ذات معنى إزاء الغاز الروسي، كما هو حال ألمانيا أو إيطاليا أو دول أوروبية كبرى أخرى. بيد أنه تجدر الإشارة إلى أن ماكرون حث أول من أمس في معرض دعوته الجزائر إلى التعاون لوضع حد للحرب في أوكرانيا، على العمل «للتصدي معاً» لتبعات الحرب الروسية على أوكرانيا، ذاكراً منها الإنسانية والغذائية، ولكن أيضاً على صعيد الطاقة، وهو ما فُهم منه أن ملف الغاز تم بحثه بين الطرفين، وأنه دعوة للجزائر لأن تلعب دوراً في الحلول مكان الغاز الروسي. والحال أن الجزائر وموسكو تقيمان علاقات تعاون ودية، وقد بقيت السلطات الجزائرية بعيدة عن إدانة الحرب المشار إليها. فيما يرى اختصاصيو قطاع الطاقة أن الجزائر، التي تعد من بين الدول العشر الأولى في تصدير الغاز في العالم، لا تستطيع الحلول محل روسيا، وأن زيادة إنتاجها تفترض حصول استثمارات ضخمة في هذا القطاع. لكن الواضح أن استفحال أزمة المحروقات وانعكاسها على الحياة اليومية للمواطنين الأوروبيين، جعل الجزائر قِبلة للقادة الباحثين عن حلول لتوفير الغاز لصناعاتهم وللاستخدامات المنزلية، تجنباً لحركات احتجاجية على غرار ما عرفته فرنسا مع «السترات الصفراء».
واليوم يُنهي ماكرون زيارته للجزائر من مدينة وهران، حيث أُعد له برنامج ثقافي - فني - رياضي ولقاءات مع شخصيات متنوعة الاهتمامات، وسيعود إلى الجزائر العاصمة للتوقيع على بيان تعاون مشترك بين البلدين.


مقالات ذات صلة

فرنسا: صدامات بين الشرطة ومتظاهرين في عيد العمال

العالم فرنسا: صدامات بين الشرطة ومتظاهرين في عيد العمال

فرنسا: صدامات بين الشرطة ومتظاهرين في عيد العمال

نزل مئات الآلاف إلى شوارع فرنسا، اليوم (الاثنين)، بمناسبة عيد العمّال للاحتجاج على إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّه الرئيس إيمانويل ماكرون، في مظاهرات تخلّلتها في باريس خصوصاً صدامات بين الشرطة ومتظاهرين. وتوقّعت السلطات الفرنسية نزول ما بين ألف وألفين من الأشخاص الذين يشكّلون «خطراً»، وفقاً لمصادر في الشرطة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم فرنسا: ماكرون يتطلّع إلى انطلاقة جديدة لعهده

فرنسا: ماكرون يتطلّع إلى انطلاقة جديدة لعهده

بإعلانه فترة من مائة يوم لانطلاقة جديدة بعد تعثّر، يقرّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالمأزق السياسي الذي وصل إليه بعد مرور عام على إعادة انتخابه. في 24 أبريل (نيسان) 2022 أعيد انتخاب الرئيس البالغ من العمر 44 عاماً، وهزم بذلك مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن في الدورة الثانية، تماماً كما حدث قبل خمس سنوات. وهذا يعد إنجازاً في ظل الجمهورية الخامسة خارج فترة التعايش، من جانب الشخص الذي أحدث مفاجأة في 2017 من خلال تموضعه في الوسط لتفكيك الانقسامات السياسية القديمة. لكن انطلاقة هذه الولاية الثانية، التي ستكون الأخيرة حسب الدستور، فقدت زخمها على الفور.

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم شعبية ماكرون تقترب من أدنى مستوياتها

شعبية ماكرون تقترب من أدنى مستوياتها

أظهر استطلاع للرأي نشرت نتائجه اليوم (السبت)، أن أكثر من 70 في المائة من الفرنسيين غير راضين عن أداء الرئيس إيمانويل ماكرون الذي تقترب شعبيته من أدنى مستوياتها، في تراجع يعود بشكل رئيسي إلى إصلاح نظام التقاعد المثير للجدل. وبحسب الاستطلاع الذي أجراه «معهد دراسات الرأي والتسويق» (إيفوب) لحساب صحيفة «لو جورنال دو ديمانش»، أبدى نحو 26 في المائة فقط من المشاركين رضاهم عن أداء الرئيس، بتراجع نقطتين مقارنة باستطلاع مماثل في مارس (آذار).

«الشرق الأوسط» (باريس)
ماكرون يواجه موجة غضب شعبي

ماكرون يواجه موجة غضب شعبي

يواجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون موجة غضب شعبي مستمرة بعد إقرار قانون إصلاح نظام التقاعد.

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم ماكرون يوسّع مروحة اتصالاته لاستئناف مفاوضات السلام بين روسيا وأوكرانيا

ماكرون يوسّع مروحة اتصالاته لاستئناف مفاوضات السلام بين روسيا وأوكرانيا

رغم انشغال الرئيس الفرنسي بالوضع الداخلي، واستعادة التواصل مع مواطنيه بعد «معركة» إصلاح قانون التقاعد الذي أنزل ملايين الفرنسيين إلى الشوارع احتجاجاً منذ منتصف شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، فإنه ما زال يطمح لأن يلعب دوراً ما في إيجاد مَخرج من الحرب الدائرة في أوكرانيا منذ 14 شهراً. ولهذا الغرض، يواصل إيمانويل ماكرون شخصياً أو عبر الخلية الدبلوماسية في قصر الإليزيه إجراء مروحة واسعة من الاتصالات كان آخرها أول من أمس مع الرئيس الأميركي جو بايدن.

ميشال أبونجم (باريس)

تعديل حكومي في مصر يشمل 13 وزيراً جديداً

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتشاور مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بشأن التعديل الحكومي الجديد (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتشاور مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بشأن التعديل الحكومي الجديد (الرئاسة المصرية)
TT

تعديل حكومي في مصر يشمل 13 وزيراً جديداً

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتشاور مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بشأن التعديل الحكومي الجديد (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتشاور مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بشأن التعديل الحكومي الجديد (الرئاسة المصرية)

وافق مجلس النواب المصري، أمس (الثلاثاء)، على تعديل وزاري في حكومة رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، شمل تغييراً في 13 حقيبة وزارية، مع الإبقاء على وزراء الحقائب السيادية من دون تغيير، وعودة وزارة الإعلام إلى التشكيل الحكومي.

وتضمنت رابع حركة تغيير في حكومة مدبولي، المستمر في منصبه منذ أكثر من 8 سنوات، اختيار نائب لرئيس الوزراء للتنمية الاقتصادية، و4 نواب وزراء.

كما تضمن التعديل، اختيار ضياء رشوان وزيراً للدولة للإعلام، مع بقاء الدكتور بدر عبد العاطي وزيراً للخارجية، والفريق أول عبد المجيد صقر وزيراً للدفاع، واللواء محمود توفيق وزيراً للداخلية.

وقبل اعتماد حركة التعديل الوزاري، تشاور الرئيس عبد الفتاح السيسي مع مدبولي بشأن «إجراء تعديل على تشكيل الحكومة الحالية»، وفق إفادة للرئاسة المصرية.

وتنص المادة 147 من الدستور على أن «لرئيس الجمهورية إجراء تعديل وزاري، بعد التشاور مع رئيس الوزراء، وموافقة مجلس النواب، بالأغلبية المطلقة للحاضرين، وبما لا يقل عن ثلث أعضاء المجلس».

ومن المقرر أن يؤدي الوزراء الجدد اليمين الدستورية أمام رئيس الجمهورية، اليوم (الأربعاء).


«النواب» المصري أمام اختبار جديد بشأن طعون الانتخابات

جانب من إحدى جلسات مجلس النواب المصري (وزارة الشؤون النيابية المصرية)
جانب من إحدى جلسات مجلس النواب المصري (وزارة الشؤون النيابية المصرية)
TT

«النواب» المصري أمام اختبار جديد بشأن طعون الانتخابات

جانب من إحدى جلسات مجلس النواب المصري (وزارة الشؤون النيابية المصرية)
جانب من إحدى جلسات مجلس النواب المصري (وزارة الشؤون النيابية المصرية)

يخوض مجلس النواب المصري اختباراً سياسياً جديداً مرتبطاً بأحكام قضائية تتعلق بالطعن في صحة عضوية بعض النواب، كان آخرها الحكم الصادر، السبت، بإبطال عضوية نائبين؛ فيما أكد رئيس اللجنة التشريعية بالمجلس «الالتزام الكامل بتنفيذ أحكام القضاء».

وتسود المشهد البرلماني حالة ترقب بعد صدور حكم محكمة النقض الذي قضى ببطلان العملية الانتخابية في دائرة منيا القمح بمحافظة الشرقية، الواقعة إلى الشرق من القاهرة، مع الأمر بإعادتها من جديد.

كما قضت المحكمة ببطلان عضوية النائبين محمد شهدة وخالد مشهور، وإلغاء فوزهما تمهيداً لإعادة الانتخابات في الدائرة، وسط توقعات بإصدار أحكام أخرى محتملة بشأن دوائر أخرى.

وأوضح رئيس «اللجنة التشريعية» في مجلس النواب، المستشار محمد عيد محجوب، أن المجلس سيلتزم بتنفيذ الحكم الصادر ببطلان الانتخابات في دائرة منيا القمح، تأكيداً على احترام الدولة لأحكام القضاء وسيادة القانون.

وأضاف محجوب لـ«الشرق الأوسط»: «مؤسسات الدولة المصرية تحترم الأحكام القضائية وتنفذها»، مستشهداً بما حدث في الانتخابات البرلمانية السابقة، ولا سيما في المرحلة الأولى، حيث أعيدت الانتخابات في الدوائر التي أُلغيت نتائجها بأحكام قضائية.

وبيّن محجوب أن الحكم الصادر «سيسلك مساره الإجرائي المعتاد، بدءاً من عرض أسباب الحكم على المكتب الفني بمحكمة النقض، ثم إحالة الملف إلى رئاسة مجلس النواب والأمانة العامة، وبعدها إلى اللجنة التشريعية»، مشدداً على أنه لا يمكن تحديد إطار زمني دقيق لانتهاء هذه الدورة الإدارية.

رئيس مجلس النواب المصري هشام بدوي (وزارة الشؤون النيابية والقانونية)

ونقلت وسائل إعلام محلية عن مصدر قضائي بمحكمة النقض أن الحكم الصادر ببطلان الانتخابات في دائرة منيا القمح يُعد باتاً ونهائياً وملزماً لكافة الجهات، ولا يجوز الطعن عليه.

وبحسب الدستور المصري، تُبطَل عضوية أعضاء مجلس النواب اعتباراً من تاريخ إبلاغ المجلس بالحكم ببطلانها، مع العلم أن محكمة النقض تختص بالفصل في صحة عضوية أعضاء المجلس، وتُقدم إليها الطعون خلال مدة لا تتجاوز 30 يوماً من إعلان النتيجة النهائية للانتخابات، وتفصل في الطعن خلال 60 يوماً من تاريخ ورود الطعن إليها.

وتعليقاً على حيثيات الحكم القضائي، قال المحامي بمحكمة النقض ألبير أنسي: «الحكم لم يُبنَ على ثبوت التزوير ثبوتاً يقينياً بقدر ما جاء تعبيراً عن خلل إجرائي أصاب مسار العملية الانتخابية، وعجز عن تقديم المستندات الجوهرية اللازمة لإضفاء المشروعية الكاملة على النتيجة المعلنة».

وأضاف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «الحكم أقرب في طبيعته إلى حكم إجرائي وقائي، وليس حكم إدانة موضوعية للعملية الانتخابية نفسها»، مرجحاً إبطال عضوية بعض النواب وإعادة الانتخابات في عدد من الدوائر، مع اختلاف الإجراءات وفق الوقائع الخاصة بكل دائرة.

وفي السياق نفسه، قال الإعلامي أحمد موسى إن مجلس النواب أمام «فرصة تاريخية لتصحيح ما شاب العملية الانتخابية»، مؤكداً في برنامجه الذي تبثه قناة محلية أن تنفيذ أحكام محكمة النقض «واجب على الجميع، بما في ذلك البرلمان، ولا يجوز تعطيلها تحت أي مبرر».

ودعا موسى «الهيئة الوطنية للانتخابات» إلى الاضطلاع بدورها، مطالباً مجلس النواب بالالتزام بتنفيذ الأحكام فور صدورها، «حفاظاً على الثقة العامة وصوناً لهيبة الدولة وسيادة القانون».

ومن المقرر أن تصدر محكمة النقض في الخامس من أبريل (نيسان) المقبل حكمها النهائي بشأن الطعن المعروض على عضوية عدد من النواب المنتمين إلى قائمة حزبية في غرب الدلتا.

مقر مجلس النواب المصري في العاصمة الجديدة (الصفحة الرسمية للمجلس)

لكن محللين رأوا في هذه الجولات القضائية إشارة إلى «ارتباك المشهد البرلماني المصري في ظل العدد الكبير من الطعون المنظورة»، ورأى فيها نائب رئيس «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، عماد جاد، «تقويضاً لمصداقية المجلس».

وأعاد جاد، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، التذكير بأصوات سياسية وحقوقية طالبت خلال الانتخابات البرلمانية الماضية بإجراء إصلاحات سياسية شاملة، لا سيما فيما يتعلق بقوانين الانتخابات، وتنظيم عمل الأحزاب، ومعايير اختيار المرشحين على القوائم الحزبية والمستقلين.

وفي الشهر الماضي، ودَّع المصريون انتخابات برلمانية ماراثونية على مراحل ممتدة، بلغت ثماني جولات خلال شهرين، بعد إلغاء نتائج عدد من الدوائر بسبب مخالفات انتخابية.

وجاء ذلك عقب صدور أحكام «المحكمة الإدارية العليا» بمجلس الدولة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي ببطلان الانتخابات في نحو 30 دائرة بالمرحلة الأولى، نتيجة طعون تقدم بها مرشحون؛ كما ألغت «الهيئة الوطنية للانتخابات» نتائج 19 دائرة على خلفية المخالفات، في أعقاب تصريحات للرئيس عبد الفتاح السيسي عن وجود مخالفات في تلك المرحلة التي انطلقت في 10 نوفمبر الماضي.


الحضور العسكري المصري في الصومال يثير قلقاً إسرائيلياً

الرئيس المصري مُرحباً بنظيره الصومالي خلال زيارته القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري مُرحباً بنظيره الصومالي خلال زيارته القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

الحضور العسكري المصري في الصومال يثير قلقاً إسرائيلياً

الرئيس المصري مُرحباً بنظيره الصومالي خلال زيارته القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري مُرحباً بنظيره الصومالي خلال زيارته القاهرة (الرئاسة المصرية)

عبَّرت وسائل إعلام عبرية عن قلق إسرائيلي من التحركات العسكرية المصرية في الصومال ومنطقة القرن الأفريقي، في حين عدَّ عسكريون سابقون بمصر أن الوجود العسكري المصري بالصومال «شرعي ويتفق مع القانون الدولي والمواثيق الدولية»، وهدفه المساعدة في تحقيق الاستقرار الأمني بالمنطقة.

وذكرت صحيفة «يسرائيل هيوم» أن مصر توجه جيشها للرد على إسرائيل عبر الصومال، وأن هناك دولاً عربية تدعمها في ذلك.

ونشرت الصحيفة تقريراً تحت عنوان «صراع النفوذ يشتعل في القرن الأفريقي: مصر ترد على الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال)»، قالت فيه إن القاهرة التي تعارض هذا الاعتراف تعيد نشر قواتها في الصومال رداً على التحركات الإسرائيلية؛ وقدّرت الصحيفة وجود نحو 10 آلاف جندي مصري منتشرين هناك.

لكن رئيس أركان الحرب الكيميائية الأسبق بالجيش المصري، لواء أركان حرب محمد الشهاوي، قال إن القوات المصرية «هي ثامن أكبر قوة ضمن قوات حفظ السلام على مستوى العالم، والقوات المصرية الموجودة في الصومال هي تحت لواء قوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي وتعمل على حفظ الأمن ومقاومة الإرهاب، وتحافظ على الأمن القومي الأفريقي والأمن القومي الصومالي وأمن منطقة البحر الأحمر ضد أي أخطار».

وتابع الشهاوي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «مصر تدرك تماماً أن الصومال، بسبب موقعه الاستراتيجي، مطمع لكثير من الدول، وخاصة إسرائيل التي اعترفت أخيراً بإقليم (أرض الصومال) كدولة تريد فصلها عن الصومال لزعزعة أمنه وإرغامه على القبول بمخططات معينة، مثل المخطط الإثيوبي للوصول إلى البحر الأحمر وإنشاء قوة بحرية، فضلاً عن ممارسات أخرى تقوم بها إثيوبيا بدعم إسرائيلي مثل العمل على عدم عودة الاستقرار لدولة السودان والدفع نحو استمرار الصراع فيها».

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وجه رسائل تحذيرية متكررة بشأن الصومال وأمن البحر الأحمر، وذلك بعد اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي والمساعي لوضع قدم بمدخل البحر الأحمر.

مصر تشارك بقوات في بعثة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال (أ.ف.ب)

واعترفت إسرائيل في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، باستقلال إقليم «أرض الصومال» الذي يطل على خليج عدن وجنوب البحر الأحمر، وهو إقليم سعت إثيوبيا للحصول على ميناء بحري وعسكري به مقابل الاعتراف باستقلاله.

وأكد خبير الأمن القومي المصري، اللواء محمد عبد الواحد، أن دور القوات المصرية في الصومال هو العمل على حفظ الأمن والاستقرار تحت مظلة الاتحاد الأفريقي وقوات حفظ السلام التابعة له، «ومن ثم فوجود القوات المصرية شرعي بطلب من الاتحاد الأفريقي ومن دولة الصومال التي زار رئيسها مصر مؤخراً وأكد على هذا الأمر أمام العالم كله».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «وفقاً لذلك، ليس مفهوماً أن تزعم أطراف أخرى قلقها من الوجود المصري الشرعي، بينما إسرائيل هي التي لجأت إلى خطوة غير شرعية، وضربت بالقانون الدولي عرض الحائط بسعيها لتقسيم دولة الصومال بالاعتراف (بأرض الصومال) كدولة».

واستطرد: «تحرشات إثيوبيا بالصومال وضغطها عليه لقبول بناء قاعدة عسكرية بحرية إثيوبية على أراضيه، بجانب تحركات أخرى مريبة في منطقة القرن الأفريقي عموماً تقوم بها أديس أبابا وتدعمها إسرائيل، مثل إمداد (قوات الدعم السريع) بالسودان بميليشيات وعتاد وسلاح، يأتي في سياق تحركات إسرائيلية تهدف لزعزعة الاستقرار في المنطقة».

وأضاف: «مصر والاتحاد الأفريقي يتنبهان لهذه التحركات جيداً، ومن ثم فالوجود العسكري المصري هناك هو لمجابهة كل هذه التهديدات وضمن الالتزام القانوني الدولي والشرعية الدولية».

وقال الرئيس المصري، الأحد، إن بلاده ماضية في نشر قوات ببعثة حفظ السلام في الصومال في إطار التزامها بدعم أمنه واستقراره ووحدة أراضيه، وذلك خلال مؤتمر صحافي مشترك عقده مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارته مصر.

وعقد الرئيسان لقاءً ثنائياً تلاه اجتماع موسع بمشاركة وفدي البلدين، شدد خلاله السيسي على موقف مصر الداعم لوحدة الصومال وسلامة أراضيه، ورفض أي إجراءات من شأنها المساس بسيادته أو تهديد استقراره.

وحذر الرئيس المصري خلال المؤتمر الصحافي من «خطوات قد تأتي على حساب أمن وسيادة الدول»، معتبراً أنها تشكل «انتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة».

وفي نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2024 أعلنت مصر أنها ستساهم بقوات في بعثة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال. وقال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي وقتها إن هذه الخطوة تجيء «بناء على طلب الحكومة الصومالية، وبناء أيضاً على ترحيب من مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي».

وحلت بعثة الاستقرار والدعم التابعة للاتحاد الأفريقي، المعروفة باسم «أوسوم»، محل مهمة لمكافحة الإرهاب انتهت أواخر 2024.

Your Premium trial has ended