انظُرْ وراءك... بهدوء!

الكاتب النبيل هو من يزج قارئه في روح العصر

غوته - جون أوزبورن
غوته - جون أوزبورن
TT

انظُرْ وراءك... بهدوء!

غوته - جون أوزبورن
غوته - جون أوزبورن

أرادَنا (جون أوزبورن)، الكاتبُ المسرحي البريطاني وأحد أقطاب جيل الغضب، أن ننظر وراءنا بغضب في منتصف خمسينات القرن الماضي، حيث العالم يفورُ بتبعات الحرب العالمية الثانية على أصعدة السياسة والاقتصاد والثقافة.
من جانبي، أرى أنّ جيل الغضب صار تذكرة بواقعة في التاريخ ذهبَتْ إلى قعر النسيان كمثل ملايين سواها من الوقائع العالمية؛ لكن لا بأس من استذكارها لسببيْن: الأول، هَلْ من المُجدي أن ننظر وراءنا، أو بمعنى آخر: أن نستذكر التاريخ الشخصي القريب والبعيد على الصعيد الفردي؟ والثاني، هل هي ضرورة لازمة أن نستذكر تاريخنا الشخصي بغضب؟
الناس في العادة مأخوذون بالمستقبل ومسكونون بممكناته الكثيرة. لماذا؟ لأنه قرينُ الإمكانات المضمرة التي يمكن أن تتحقق، ولأنه ينطوي على شيء من التفاؤل - لو أردنا - حتى لو كان هذا التفاؤل من باب التمرين النفسي فحسب؛ أما التاريخ فقد مضى وصار كتلة من وقائع لها مسار واحد لا نحيد عنه ولا يمكن أن نجد له بديلاً ممكناً باستثناء القراءات التأويلية الشخصية له. التاريخ مقترن اقتراناً شرطياً بالواحدية والحتمية وإن كان من الممكن تأويل وقائعه لصالحنا؛ أما المستقبل فمنفتحٌ على تعددية المسارات وكثرة الممكنات واحتمالية النتائج. أظنّ أنّ هذا السبب هو ما جعل بعضاً من الكُتّاب - أمثال هـ. جي. ويلز - يجعلون من آلة الزمن رمزاً ثورياً للمستقبل وما يحمله العلم من ممكنات في تطوير الحياة واستشراف آفاق لها غير تلك التي قُدّرَتْ على العقل غير العلمي. هل سمعتم يوماً بآلة زمنٍ تغوصُ في قعر التاريخ؟ ولماذا تفعل والتاريخ أمامنا كتابٌ مفتوح مقروءة كلّ صفحاته بدقة؟ ربما قد نفعل ذلك لو شئنا خلق عوالم موازية يمكن فيها متابعة مسارات جديدة لحياتنا غير التي حصلت فعلاً؛ لكنّ هذا الأمر يقعُ في باب التخييل السردي فحسب.
لكنْ من الممكن أن تكون مراجعة الماضي لكلّ من الفرد والمجتمع فعالية حيوية متى ما كانت لمقارنة واقع الحال ووضعه في نطاق المساءلة النقدية: هل تطوّرْنا أم تراجعْنا؟ وما مقدار هذا التطوّر أم التراجع؟ من الطبيعي إذا أردنا قياس مناسيب التطور أو التراجع أن نتخذ مفصلاً زمنياً أداة قياس مرجعية مع الماضي، وليس أفضل من الحاضر مرجعية للمقارنة مع الماضي. أهمُّ ما في الأمر أن تحصل المقارنة بهدوء، من غير غضب، ومن غير انفعالات لحظية يستوجبها ظرف آني ما، وأن نحافظ على حياديتنا الصارمة. لسْنا في معرض مباراة في سوق عكاظ شعري أو برنامج استعراضي للبهرجة الكلامية Talk Show، وليس من المجدي أن يخدع المرء ذاته.
لو أردتُ الحديث عن نفسي لكشف خطّ تطوّري الشخصي فسأقول: أراني اليوم، وبالمقارنة ما كنتُ عليه قبل ثلاثين سنة، كائناً مغترباً عمّا كنتُهُ. الاغترابُ هذا ليس اغتراباً استلابياً سيء المفاعيل والنواتج طبقاً للفلسفة الماركسية؛ بل أحسبه اغتراباً صحياً كشف لي فقر واقعنا الثقافي والعلمي وهشاشة مؤسساتنا الثقافية في العراق. أدركتُ اليوم كم كانت ضحلة تلك المياهُ التي كنا نخوضُ فيها ونحسبها محيطات عميقة. كانت وسائلنا المعرفية وأدواتنا المفاهيمية بسيطة قاصرة، وأقسى ما في الأمر أن يعيش المرء هذه الهشاشة، وهو يحسبُ أنه محمي داخل خزانة مصفحة. كنّا نكتفي بعُدّتنا (وهي عدّة أدبية بالمعنى التقليدي للأدب)، ولم تكن المباحث المعرفية الأخرى ذات شأن لنا. كنا ننظرها من بعيد ونتجاهلها؛ فما لنا والعلم والتقنية والاقتصاد والسياسة؟ ربما كانت لنا بعضُ الشغف والمعرفة في هذه الميادين؛ لكنّ الخصيصة المميزة لهذه المعرفة هي تبعثرها وعدمُ انتظامها في سياق نسقي منتج.
سأسجّلُ لكم مثالاً يبيّن حجم القصور في نظرتنا حينذاك. ما وسيلة الأدب في نهاية المطاف؟ وسيلتُهُ اللغة لأنها وسيطنا التواصلي مع البشر. ما اللغة؟ هي تراكيب رمزية ذات محمول دلالي Semantic وتقعيد نحوي Syntactic ومنشأ بيولوجي عصبي (دماغي) Cerebral. هل تحسبون بعد هذا أنّ موضوع نشوء اللغة وتطورها هو مما لا شأن للمهتمين بالأدب به؟ اللغة موضوع تشتبك فيه البيولوجيا العصبية وعلم النفس الإدراكي والمباحث الفلسفية، وليس من المقبول أن يتعامل المرء بوسيط يجهل تاريخ نشوئه وتطوّره. سيعترضُ معترضون: هل علينا إذا أردنا أن نكون مبدعين أن نتابع أمر اللغة؟ الجواب: نعم، ينبغي هذا لسببين على الأقل، الأول يختصُّ بحقيقة أنّ تعاظم مناسيب المعرفة بوسيطنا الإبداعي (اللغة) سيعمل بوسائل شعورية ولا شعورية في الارتقاء بعملنا الإبداعي، والثاني يختصُّ بحقيقة أنّ استكشافنا للحفريات العلمية في اللغة سيقودُ إلى انفتاح مجالات كتابية إبداعية ليس بوسع الكُتّاب (التقليديين) تصوّرها. هذا مثال واحد فحسب يخصّ اللغة؛ فكيف الحال بمئات وآلاف الموضوعات البحثية الأخرى؟
عندما أرى كتاباتي وأعمالي قبل عشرين أو ثلاثين سنة أشعرُ أحياناً بالضيق وأتساءل: لماذا لم أكتب المسألة الفلانية بشكل آخر وبطريقة أخرى؟ حتى التقنيات الإبداعية والمقاربات السردية تتبدّلُ على ضوء التراكم المعرفي المستجد، وهذه حالة طبيعية لكلّ شخص يستزيد خبراتٍ مع الزمن؛ لكن هذه الاستزادة لن تأتينا بطريقة ميكانيكية، يجب أن نفتح حواسنا وعقولنا وأن نعمل على تغيير طريقة تفكيرنا، ولن يحصل هذا الأمر إلا بمثابرة ومشقة تقودها بصيرة شغوفة.
أطالعُ، وعلى نحو يومي، الكثير من المقالات الصحافية والموضوعات المختلفة في شتى الميادين وبخاصة العلمية والأدبية والفلسفية منها، ويحصلُ كثيراً أن أتحسس منذ السطور الأولى أنّ الكاتب يكتب بطريقة صرتُ أسميها طريقة «صندوقية»، وهي توصيف يرادُ منه الإشارة إلى مَنْ يكتبُ على طريقة ستينات وسبعينات القرن الماضي: تقسيم المعرفة البشرية إلى قلاع حصينة معزولة ومسوّرة بأسوار حجرية شاهقة، كلّ قلعة لا علاقة لها بسواها، والمدافعون عن كل قلعة مسكونون بحمى الدفاع عن أسوار قلعتهم الحصينة في مواجهة القلاع الأخرى.
لنجرّبْ جميعاً هذه التجربة المفيدة وبخاصة لمن يحترفون الكتابة الإبداعية وكتابة المقالات الصحافية والموضوعات الفكرية العامة: لنقرأ شيئاً من الفيزياء والاقتصاد وعلم الاجتماع والفلسفة - وكلّ ما يمكننا قراءته وتأنس عقولنا له - في سياق تفاعلي نسقي يجعل من المعرفة الإنسانية وحدة كلية مستديمة التفاعل والتأثير في حياة البشر. الجميلُ في الأمر هو وجود الكثير من المؤلفات التي تحقق مطلب الوحدة النسقية في هذه الميادين المعرفية، وهذه المؤلفات تخاطب القارئ العام، شرط أن يكون شغوفاً وراغباً في الاستزادة المعرفية. سيكون أمراً مفيداً للغاية أن تكون قراءتنا في سياق تاريخي وفلسفي بدلاً من قراءة المصنّفات التقنية المجرّدة حتى لا ترتدّ نواتج القراءة عزوفاً مِنّا في مرحلة لاحقة، وسنرى أي نتائج ساحرة ستكون لهذه الفعالية على أدائنا الإبداعي.
نحتاجُ جميعاً من وقت لآخر إلى النظر وراءنا، إلى تاريخنا الفكري الشخصي بهدوء، لكي نعرف ملامح التطوّر المعرفي في أدائنا. يبدو أمراً عظيم الأهمية أن نتساءل دوماً: هل نكتب بذات الطريقة والمقاربة الفكرية التي كنا نفعلها من قبل؟ ألا توجد ملامح للجدة في كتابتنا؟ هل أنّ ما نكتبه يصلحُ لأن يمدّ جسوراً مع الثقافة العالمية أم أنه جزيرة معزولة نكتفي بإعادة تدوير أفكارنا فيها؟
كلنا في حاجة لا بديل عنها لنكون شجعاناً ونمتحن تاريخنا الفكري، وبغير هذا سنكونُ كَمَنْ يبدّدُ وقته المحدود والثمين، والأقسى من هذا هو تبديد أوقات القرّاء الذين نخاطبهم. القارئ هو - دوماً - العنصر الأكثر أهمية بين العناصر التي يحسب كلّ كاتب حسابها ويضعها في مركز اهتماماته، وهو (القارئ) مسؤولية كبرى على الأصعدة الرمزية والاعتبارية، وليس بكاتبٍ حقيقي من يتملّصُ من هذه المسؤولية أو يخفف من أعبائها أو يجعل قارئه عاجزاً مركوناً خارج نطاق الحراك الفكري الذي يقودُ العصر.
تحدّث الشاعر الألماني الكبير (غوته) عن مفهوم أسماه روح العصر Zeitgeist هو في بعض توصيفاته إشارة إلى المعرفة الإنسانية النسقية الشاملة المؤثرة في تشكيل الصورة الفكرية لعصرٍ بعينه. كلّ كاتب نبيل سيعرف - ولو بعد حين - أنّ واجبه الأخلاقي الأوّل يتجوهر في محاولة تحفيز قارئه لينغمس في قلب روح العصر بدل الاسترخاء في هوامش الحياة القصية أو صناديق مقفلة للمعرفة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

قادة من «كرتون»... ترمب وبوتين وكيم وغيرهم في شخصيات رسوم متحركة

ترمب ومادورو وكيم وبوتين في شخصيات من الرسوم المتحركة (يوتيوب)
ترمب ومادورو وكيم وبوتين في شخصيات من الرسوم المتحركة (يوتيوب)
TT

قادة من «كرتون»... ترمب وبوتين وكيم وغيرهم في شخصيات رسوم متحركة

ترمب ومادورو وكيم وبوتين في شخصيات من الرسوم المتحركة (يوتيوب)
ترمب ومادورو وكيم وبوتين في شخصيات من الرسوم المتحركة (يوتيوب)

استقبل فلاديمير بوتين العام الجديد متخلياً لدقائق معدودة عن جدّيّته المعهودة وعن خطابه الحربي الصارم. اختار أن يطلّ في برنامج رسوم متحركة للأطفال، ليوجّه من خلاله المعايدة إلى الشعب الروسي.

بشخصية «كرتونيّة»، وبرفقة الكلب الشهير «شاريك» والقط المحبوب لدى أطفال روسيا «ماتروسكين»، دعا الرئيس الناس إلى تزيين شجرة العيد بأجمل الذكريات. وانخرط هو نفسه في اللعبة، قائلاً للكلب والقط إنه يعرف قريتهما المتخيّلة «بروستاكافاشينو»، وإن صيد السمك هناك ممتاز.

يدرك بوتين أنّ هذا النوع من الترويج هو جزء من استراتيجية «القوة الناعمة» التي يعتمدها القادة في اللحظات السياسية والوطنية الحرجة. لذلك، من المتوقع أن تكون تلك الإطلالة الخارجة عن المألوف للرئيس الروسي قد جرت بالتنسيق مع الكرملين.

ترمب «الكرتونيّ»

ليس فلاديمير بوتين القائد السياسي الأوحد الذي ظهر كشخصية رسوم متحركة. سبقه إلى ذلك كثيرون، من بينهم طبعاً دونالد ترمب الذي لا يوفّر أي شكلٍ من أشكال الفنون، خدمة لحملاته ودعماً لشعبيّته؛ من الرقص إلى الغناء، مروراً بالتمثيل، وليس انتهاءً بالرسوم المتحركة.

كثيرة هي النماذج الكرتونيّة التي استنسخت الرئيس الأميركي. وإذا كانت غالبيّتها الساحقة تثير غضبه بسبب محتواها النقدي المتهكّم، فإنّ واحداً منها حقّق جماهيرية غير مسبوقة، إلى درجة أن الرئيس نفسه أقرّ بشعبيّته واستشهد به أحياناً.

في سلسلة «Our Cartoon President» التي انطلق عرضها عام 2018، وضع الممثل والكاتب والإعلامي ستيفن كولبرت ولاية ترمب الرئاسية الأولى تحت مِجهره الساخر. تدور أحداث الرسوم المتحركة الكوميدية في البيت الأبيض ومراكز نفوذ أخرى في واشنطن؛ حيث تنقل بشكلٍ مضحك يوميات ترمب وعائلته وفريقه والإعلاميين المحيطين به.

يحوّل «Our Cartoon President» دونالد ترمب والمحيطين به إلى شخصيات كرتونية (يوتيوب)

صحيح أن «Our Cartoon President» خُصص بالكامل لترمب، إلا أنّ عدداً من الرؤساء الأميركيين الآخرين أطلّوا سريعاً من خلاله، مثل: بيل كلينتون، وباراك أوباما، وجو بايدن.

«سوبر شارِب»

حتى خصوم ترمب لم يوفّروا لعبة الكرتون. في أميركا اللاتينية، ليس من المستغرب أن يروّج الرؤساء لأنفسهم من خلال مسلسلات الرسوم المتحرّكة، فهذا تقليد يعود لسنوات. إلا أنّ الرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادورو هو أكثر من وظّف تلك الوسيلة في خدمة مشروعه السياسي.

تحت عنوان «Super Bigote» أو «سوبر شارِب»، أطلّ مادورو على الفنزويليين والعالم نهاية 2021. ظهر في شخصية شبيهة بالبطل الخارق «سوبرمان» آتية لتخلّص فنزويلا من الأعداء، على رأسهم الإدارة الأميركية.

السلسلة التي ضمّت عدداً كبيراً من الحلقات، كانت تُعرض أسبوعياً على التلفزيون الفنزويلي الرسمي، وقد استمرت منذ 2021 وحتى سقوط مادورو. وقد أبدى الأخير حماسة كبيرة لـ«سوبر شارِب»؛ إذ دعا المتابعين إلى استخدام فلتر «إنستغرام» الخاص به، والتقاط صور لأنفسهم بهيئة تلك الشخصية.

وحتى عشيّة المواجهة الكبرى مع واشنطن، كان المسلسل يبعث برسائل سياسية واضحة؛ كأن يستبدل مادورو أو «سوبر شارِب» زيّه الأزرق والأحمر المعتاد بلباسٍ عسكري، استعداداً لأي مواجهة محتملة.

الرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادورو بشخصية «سوبر شارِب» (يوتيوب)

كيم يتحوّل إلى طائرة

مَن أفضل من كيم جونغ أون في تجسيد شخصية رسوم متحرّكة؟

يشكّل رئيس كوريا الشمالية مادة دسمة بالنسبة لصنّاع المحتوى الكوميدي، وقد ألهمَ عام 2012 منصة «College Humor» الأميركية المتخصصة في الكوميديا التلفزيونية الساخرة. على مدى سنتين وعددٍ من المواسم والحلقات، يروي مسلسل «مغامرات كيم جونغ أون» حكايات متخيّلة عن القائد الكوري الشمالي وصديقه الروبوت.

لإضفاء مزيدٍ من السخرية، يدّعي المسلسل أنّ كيم نفسه هو من كتبه وأخرجه. والحلقات شبيهة بفيديوهات البروباغاندا والدعاية الشعبوية التي تبثّها كوريا الشمالية ترويجاً لقائدها.

يُصوَّر كيم على أنه بطل خارق، يحكم بلداً نموذجياً، وهو يستطيع الطيران وحتى التحوّل إلى طائرة حربية. يثير رعب أعدائه؛ ولا سيما الإدارة الأميركية وباراك أوباما. وغالباً ما يظهر إلى جانبه في الحلقات صديقه لاعب كرة السلة الأميركي دنيس رودمان، المعروف بعلاقته الوثيقة بكيم جونغ أون.

كيم البطل الخارق في «مغامرات كيم جونغ أون» (يوتيوب)

تعلّم اليوغا مع مودي

رئيس حكومة الهند ناريندرا مودي الذي سبق أن نشر كتاباً يروي طفولته من خلال الرسوم، لم يوفّر التقنيات الحديثة لمخاطبة شعبه، والترويج لنفسه بأسلوب غير تقليدي.

عام 2018، وبعد 4 سنوات من تسلّمه رئاسة الحكومة الهنديّة، ظهر مودي في فيديوهات ثلاثية الأبعاد، يعلّم فيها الحركات الأساسية في تمارين اليوغا، والتي تعود جذورها إلى بلده. ويُعدّ مودي سفيراً لليوغا في الهند وحول العالم، وهو الذي جعل منظّمة الأمم المتحدة تطلق يوماً عالمياً للاحتفاء باليوغا، في كل 21 من شهر يونيو (حزيران).

الملكة والدّب

حتى سيدة البروتوكول والجدّية والصرامة، الملكة إليزابيث، لم تستطع أن تقاوم إطلالة إلى جانب أظرف دببة بريطانيا وأشهرها على الإطلاق: «بادينغتون».

صحيح أنها لم تظهر في شخصية كرتونيّة، إلا أنها رافقت الدب المحبوب ضمن فيديو خاص باليوبيل البلاتيني للملكة على عرش بريطانيا عام 2022.

كانت إليزابيث في الـ96 من عمرها يوم شاركت «بادينغتون» جلسة شاي، وأخبرته عن حبها لسندويتشات المربّى، وضحكت لتصرّفاته الخرقاء وارتباكه أمامها.


الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
TT

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)

أكد فهد الجلاجل وزير الصحة السعودي، الثلاثاء، أن «نموذج الرعاية الصحية» في المملكة انتقل من مرحلة التصميم إلى التطبيق الفعلي، وبات اليوم يحظى باهتمام جهات عدة داخل البلاد وخارجها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أعقب رعايته وحضوره «ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026» في الرياض، أوضح الوزير أن النموذج بدأ تطبيقه وإجراء الكثير من المسارات وصولاً إلى اسمه الحالي، وأصبح ينفّذ في 20 تجمّعاً صحياً بالمملكة، وتتبنّاه الكثير من الجهات، وأخرى استفسرت عن تفاصيله بهدف تبنّيه في دول أخرى.

وأضاف الجلاجل أن الهدف الأساسي من النموذج يتمثل في خدمة المواطن ورفع جودة الخدمات، مشيراً إلى ارتباطه المباشر بمستهدفات «رؤية السعودية 2030»، مردفاً أنه يهدف «لتقديم الخدمات بأفضل جودة لرفع متوسط عمر الإنسان في المملكة، ورفع السنوات الصحية للمواطن وتقديم أفضل خدمه له».

شدد الوزير فهد الجلاجل على أن ما تحقق حتى اليوم في القطاع هو ثمرة عمل جماعي (وزارة الصحة)

وأعرب الوزير عن عدم ممانعة بلاده في استفادة أي دولة من تجارب «نموذج الرعاية الصحية السعودي»، غير أن الهدف الأساسي هو تحقيق مستهدفات «رؤية 2030» عبر مجتمع حيوي ووطن طموح، وإيصال الخدمات للمواطنين بشكل أفضل.

وحول وجود 7 مستشفيات سعودية ضمن تصنيف «براند فاينانس»، منها 4 ضمن أفضل 100 مستشفى عالميّاً، نوَّه الجلاجل بأن ما تحقق حتى الآن يُمثِّل مرحلة ضمن مسار مستمر من التطوير، لافتاً إلى أن طموحات المملكة هي تحقيق الريادة العالمية في عدد من التخصصات الطبية.

وتطرق الوزير إلى مسعى السعودية في أكثر من مدينة طبية ومستشفى تخصصي للريادة العالمية، وحققت أكثر من إنجاز في إجراء عمليات تعدّ الأولى عالمياً، مشدداً على أن «هذا الإنجاز سيتواصل، وسنرى المستشفيات السعودية تحقق نجاحات أكثر».

شهد الملتقى حضور نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين (وزارة الصحة)

وفي سياق متصل، قال الجلاجل إن التحول الصحي في السعودية لا يقتصر على الجوانب الطبية فقط، بل يشمل تكاملاً واسعاً بين مختلف القطاعات الحكومية.

وتعليقاً على سؤال «الشرق الأوسط» حول أبرز الإجراءات الصحية التي ساهمت في تقليل نسب وفيات الحوادث المرورية، قال الوزير إنها «ليست إجراءات صحية في حقيقتها ولكنها تكاملية، وأحد أهداف هذا التحول الصحي و(رؤية المملكة) هو أن تتكامل جميع القطاعات».

وتابع الجلاجل: «اليوم هناك لجنة السلامة المرورية فيها كل الجهات الحكومية، ابتداءً من وزارات (الداخلية، النقل، البلديات، التعليم) لوضع خطة شمولية، والكل اليوم يتناغم في هذا لإيصال هذه الرسالة»، مستدركاً: «قد يكون دور القطاع الصحي هو تخفيض الوفيات ورئاسة هذه اللجنة، لكن الدور الحقيقي والمؤثر هو للجهات كافة والشركاء الذين تعاونوا في إيصال هذه الخدمات، وكل جهة من الجهات قامت بدورها، ولدينا قائمة من الإجراءات التي قامت بها للحفاظ على صحة المواطن».

ناقشت الجلسات العلمية سبل الابتكار في المنظومة الصحية (تصوير: تركي العقيلي)

وتعليقاً على قرار مجلس الوزراء تشكيل لجنة دائمة تعنى بكل ما يتصل بمادة «الأسبستوس» ومتابعة حظرها، أبان الوزير أن بلاده تتعامل مع المخاطر الصحية بشكل استباقي عبر سياسات واستراتيجيات واضحة، وتعمل على درئها، مؤكداً: «أي خطر نرصده على المواطنين، فإن الحكومة تعمل على إيجاد الأدوات اللازمة لدرئه، والاستمرار في زيادة جودة الحياة».

وخلال كلمته اليوم في الملتقى، كشف الجلاجل عن انخفاض عدد السنوات التي يعيشها المواطن السعودي في المرض بمقدار 3 سنوات، مضيفاً أن نموذج الرعاية الصحية ساهم في أن يصبح متوسط العمر المتوقع في المملكة 79.7.

وأشار الوزير إلى انخفاض وفيات «حوادث الطرق» بنسبة 60 في المائة، و«الأمراض المزمنة» 40 في المائة، و«الأمراض المعدية» 50 في المائة، و«الوفيات الناجمة عن الإصابات» 30 في المائة، مشدداً على أن ما تحقَّق حتى اليوم في القطاع هو «ثمرة عمل جماعي، ورسالة واضحة بأن التحول الصحي في السعودية يسير بثبات وسنواصل على هذا النهج».

جانب من جلسة حوارية على هامش ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026 في الرياض الثلاثاء (وزارة الصحة)

وشهدت أعمال الملتقى، الذي تنظمه «الصحة القابضة» بنسخته الثالثة، الثلاثاء، حضورَ نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين، وإقامةَ عدة جلسات علمية ناقشت سبل الابتكار في المنظومة الصحية، واستعراضَ أحدث الدراسات والأبحاث؛ لتعزيز صحة المجتمع والوقاية من الأمراض؛ تحقيقاً لمستهدفات برامج «رؤية 2030».


بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
TT

بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)

هل تشعر أحياناً بأن ساعات اليوم لا تكفي؟ لستَ وحدك؛ فكثيرون يشعرون بالإرهاق بسبب كثرة المهام التي يتعيّن إنجازها، سواء في العمل أم الدراسة، أم حتى في المنزل. ومن الطبيعي أن يحاول البعض أداء أكثر من مهمة في الوقت نفسه، حتى لو كانت إحداها مجرد الاستماع إلى بودكاست أثناء القيام بنشاط آخر.

غير أن المفارقة تكمن في أن تعدد المهام قد يأتي بنتائج عكسية، وفقاً لموقع «هيلث لاين»، إذ تشير الدراسات إلى أن تعدد المهام لا يقلل إنتاجيتنا على المدى القصير فحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى مشكلات في الذاكرة، بما في ذلك صعوبة تذكّر المعلومات على المدى الطويل.

وهنا تكمن الحقيقة: حتى لو كنتَ تعتقد أنك بارع في تعدد المهام، فالأرجح أنك لستَ كذلك. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن نحو 2.5 في المائة فقط من الأشخاص قادرون على أداء مهمتين في الوقت نفسه بكفاءة، دون تراجع في الأداء.

في الواقع، عندما نحاول إنجاز مهمتين معاً، فإن معظمنا لا يقوم بتعدد المهام، بالمعنى الدقيق، بل يمارس ما يُعرَف بـ«تبديل المهام»؛ أي الانتقال السريع بين نشاطين، بدلاً من تنفيذهما في آن واحد. ومع أن هذا السلوك ليس سلبياً بالضرورة، فإن الدماغ البشري يبدو، إلى حدّ كبير، مهيأً للتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

كيف يتعامل الدماغ مع تعدد المهام؟

تحدث عملية تعدد المهام في كل من قشرة الفص الجبهي الواقعة في مقدمة الدماغ، وقشرة الفص الجداري الموجودة في مؤخرته. تتولى قشرة الفص الجداري تخزين المعلومات المتعلقة بالأحداث المختلفة؛ فعلى سبيل المثال، أثناء لعب لعبة فيديو، قد ترى الحرف L الذي يشير إلى الانعطاف يساراً، أو الحرف R الذي يعني الانعطاف يميناً. أما قشرة الفص الجبهي فمسؤوليتها تكمن في اختيار الاستجابة الصحيحة لكل إشارة.

وقد يكون تعدد المهام صعباً على بعض الأشخاص بسبب ما يُشبه «عنق الزجاجة» في الدماغ، وهو حدّ طبيعي لا يسمح إلا بمعالجة مهمة واحدة في كل مرة. ويُعتقد أن قشرة الفص الجبهي هي المنطقة التي تحدث فيها هذه العملية.

لماذا يرتبط تعدد المهام بانخفاض الأداء على المدى القصير؟

عندما يحاول الدماغ الانتقال بسرعة بين مهمتين، يواجه صعوبة في إجراء هذا التغيير، ما يؤدي إلى ما يُعرَف بـ«تكلفة التبديل». وتتطلب هذه العملية موارد ذهنية إضافية، الأمر الذي يُرهق قدرة الدماغ على الاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتها مؤقتاً، وهي وظيفة أساسية للتعلّم والتذكّر.

وتكون النتيجة بطئاً في المعالجة، وانخفاضاً في الدقة، وضعفاً في الذاكرة، كما أن تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر، ما قد يؤدي إلى زيادة ضغط الدم وتسارع ضربات القلب.

وحتى أشكال تعدد المهام المكثفة، مثل استخدام الهاتف أو الكمبيوتر أو مشاهدة التلفاز بالتزامن مع أنشطة أخرى، قد تُضعف الذاكرة قصيرة المدى. ويزداد الأمر تعقيداً لأن تعدد المهام المتعلقة بوسائل التواصل يرتبط أيضاً بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، ربما نتيجة تشتيت الانتباه أو بسبب ما يُعرف بـ«انحياز المعلومات السلبية»، حيث يزداد التركيز على الأخبار أو المحتويات السلبية والمزعجة.

لماذا قد يُسبب تعدد المهام مشكلات في الذاكرة على المدى الطويل؟

مع مرور الوقت، يمكن للتحديات نفسها التي يؤثر بها تعدد المهام في الذاكرة قصيرة المدى أن تُلحق ضرراً بالذاكرة طويلة المدى أيضاً. فعندما لا تُعالَج المعلومات بعمق في الذاكرة قصيرة المدى، تقل فرص ترسيخها واسترجاعها لاحقاً.

وفي هذه الحالة، لا يؤدي التكرار إلى الإتقان؛ إذ تُفقِد كثرة المهام الدماغ قدرته على تصفية المشتتات والتنقل بسلاسة بين الأنشطة. وقد يترتب على ذلك إرهاق ذهني، ونسيان متكرر، وتراجع في مرونة التفكير.