ألعاب الفيديو لتدريب الدماغ... من يستفيد منها؟

تُحسّن قدرات الذاكرة وقد تتسبّب بأضرار صحية

ألعاب الفيديو لتدريب الدماغ... من يستفيد منها؟
TT

ألعاب الفيديو لتدريب الدماغ... من يستفيد منها؟

ألعاب الفيديو لتدريب الدماغ... من يستفيد منها؟

حاولت دراسة جديدة لباحثين من جامعة كاليفورنيا استكشاف الأسباب وراء استفادة البعض من ممارستهم ألعاب الفيديو في الكومبيوتر أو الهاتف المحمول لتحسين قدرات الذاكرة لديهم وقدرات أداء المهام الجديدة عليهم، وعدم استفادة البعض الآخر منها في هذه الجوانب.

- فوائد وأضرار
اعتبر الباحثون أن هذا الأمر محوري بالنسبة لممارسة ألعاب الكومبيوتر في جانبين صحيين؛ مفيد وغير مفيد. الجانب الأول، يتعلق بكيفية التوجه نحو انتقاء وتصميم ألعاب تخدم تنمية وحفظ هذه القدرات الذهنية لدى صغار وكبار السن. والآخر يتعلق بتخفيف الآثار الجانبية لممارسة هذه الألعاب، كطول بقاء فترة الجلوس وزيادة الوزن وتأخير النوم والتشتيت الذهني والضرر على العينين والعمود الفقري، وغيرها من الآثار السلبية. أي لجعلها مفيدة وتقليل ضررها.
وقالت إنجا باهور، الباحثة الرئيسية في الدراسة والمتخصصة في علم النفس، ما ملخصه: «يقوم بعض الأشخاص بعمل جيد جداً في تدريب (الذاكرة)، مثل لعب أحد ألعاب الفيديو، لكنهم لا يظهرون قدرات أفضل في (النقل القريب) لتطبيق تلك المعرفة والمهارة على ألعاب أخرى مماثلة في المهارة. والسبب أنهم ربما يستخدمون استراتيجيات محددة للغاية عند ممارسة ألعاب الفيديو تلك. ومن خلال فهم أفضل لماذا يعمل هذا النوع من تدخلات تدريب الذاكرة Memory Training Intervention لبعض الأشخاص دون غيرهم، يمكننا المضي قدماً مع جيل جديد من ألعاب تدريب الذاكرة العاملة أو استخدام أساليب أكثر ملاءمة لاحتياجات الأفراد».
وسلك الباحثون نهجاً ذكياً في طريقة تصميم وإجراء هذه الدراسة، بناء على أسس نظريات «التعلّم». ووفق ما نشر ضمن عدد 20 يونيو (حزيران) من مجلة «نيتشر لسلوك الإنسان» Nature Human Behavior، أفاد فريق علماء النفس في جامعة كاليفورنيا أن الأشخاص الذين يُظهرون مهارات في «النقل القريب» للتعلّم، من المرجح أن يُظهروا مهارات أخرى مماثلة في «النقل البعيد» للتعلّم.
وعليه، فإذا كنت ماهراً في «لعبة ما» على هاتفك الذكي أو جهازك اللوحي، ولديك قدرة على تعلّم مزيد من «الألعاب المشابهة» لها، فإن ذلك يزيد من سرعة تعلمك لـ«ألعاب أخرى غير مشابهة» لها. وله أيضاً تأثيرات إيجابية على نطاق أوسع، لأنه قد يرفع من مستويات التركيز الذهني في الحياة اليومية، وكذلك في مهارات ممارسة العمل الوظيفي.

- التعلم ونقل الخبرة
تستخدم الأوساط العلمية مصطلح «النقل القريب» ومصطلح «النقل البعيد» للدلالة على أن «النقل» هو ما يعتمد عليه السلوك البشري في التعلّم أو الأداء. وذلك على تطبيق نقل «الخبرة السابقة» من شيء تعلمه المرء «من قبل» على شيء «جديد» يواجه تعلمه أو تطبيق أدائه. أي نقل المرء لما تعلمه في سياق ما، إلى سياق آخر جديد. سواء أكان هذا السياق الجديد مماثلاً في الشبه أم قريباً من الشيء الذي تعلمه المرء من قبل (النقل القريب Near Transfer)، أم غير مماثل في الشبه وبعيداً عنه (النقل البعيد Far Transfer). ولذا يُوصف عادة «نقل التعلّم»، أو الفائدة العملية للتعلّم، بأنه مدى الفاعلية العملية التي تُؤثر به التجارب والمعارف السابقة (مصدر النقل) على التعلم والأداء في موقف جديد (هدف النقل).
ولذا قال الباحثون: «إن المدى الذي يؤدي فيه تدريب الذاكرة العاملة Working Memory Training إلى تحسين الأداء في المهام التي لم يتدرب عليها المرء من قبل Untrained Tasks، أمر مثير للجدل إلى حد كبير. ونحن هنا نعالج هذا الجدل من خلال اختبار الفرضية القائلة إن النقل البعيد للمعلومات قد يعتمد على قدرة النقل القريب لها».
وأضاف الباحثون أنه بالنسبة لشخص ماهر في لعب لعبة ووردل Wordle لتكوين الكلمات، على سبيل المثال، يشير «النقل القريب» إلى المهارة في ألعاب «مماثلة»، مثل ألعاب الكلمات المتقاطعة Crossword Puzzle. ومثال على «النقل البعيد» لدى شخص ماهر في لعب لعبة ووردل، هو تحسين ورفع مستوى التركيز بشكل أفضل في أنشطة الحياة اليومية «غير المماثلة» بديهياً للعبة ووردل.
ومعلوم أن لعبة ووردل هي «لعبة كلمات» ظهرت عام 2021، ولدى اللاعبين فيها 6 محاولات لتخمين كلمة مكونة من 5 أحرف، ويتم تقديم المراجعة لكل تخمين في شكل مربعات ملونة، للإشارة إلى متى تتطابق الأحرف أو تحتل الموضع الصحيح. وتحتوي ووردل على حل يومي واحد؛ حيث يحاول جميع اللاعبين من كل أنحاء العالم تخمين نفس الكلمة.

- مهارات متنوعة
ولهذا الشأن، أجرى الباحثون 3 تجارب عشوائية ضابطة Randomized Control Trials شارك فيها ما يقرب من 500 مشارك. وفيها جميعاً يكرر إظهار نفس النتيجة. إن مدى قدرة الأشخاص على تحسن أدائهم في المهام التي لم يتدربوا عليها من قبل، ولكن تدربوا على مهام قريبة منها وشبيهة لها، يحدد مدى قدرة نجاح المرء على نقل ما تعلمه في سياق ما، إلى سياق آخر جديد وغير مماثل في الشبه وبعيد عنه، عبر استخدام وسيلة تنفيذ المهام بالتفكير المجرد Abstract Reasoning. ويعتبر التفكير المجرد نوعاً من التفكير عالي المستوى. وهذا النوع من التفكير أكثر تعقيداً من نوع التفكير الذي يتمحور حول حفظ واسترجاع المعلومات والحقائق. ويظل موضوع ما إذا كان تدريب الذاكرة العاملة يحسن الأداء في المهام غير المدربة، ودرجة ذلك، موضوعاً محل نقاش كبير، كما هو الحال في «الذكاء السائل» Fluid Intelligence والقدرة على التفكير المجرد لحلّ المشكلات.
وبلغة مبسطة للتقريب، إذا تمكن الشخص في صالة الألعاب الرياضية من تحسين قدراته على الركض باستخدام جهاز الدواسة الكهربائية للجري Treadmill (تدخّل التدريب Training Intervention)، وصولاً إلى تحقيق معدلات عالية في الجري السريع في الهواء الطلق (نقل قريب للمهارة Near Transfer)، فإن قدرة التحسّن هذه هي التي ستحدد توقع ما إذا كان هذا الشخص سيكون أفضل استعداداً للانخراط في أنشطة بدنية أخرى مختلفة عن الجري (نقل بعيد للمهارة Far Transfer)، مثل ركوب الدراجات أو ممارسة كرة السلة أو القدم. ولذا قال الباحثون، كما تقدم، إن الأشخاص الذين يظهرون مهارات في «النقل القريب» للتعلم، من المرجح أن يظهروا مهارات أخرى مماثلة في «النقل البعيد» للتعلم.

- ألعاب ورق الكوتشينة... نموذج لتنشيط القدرات الذهنية
> يقول الدكتور زالدي تان، الطبيب ومدير برنامج سيدرز سيناي للذاكرة والشيخوخة في لوس أنجليس: «إن ممارسة تمارين صعبة للدماغ لن يقلل من خطر الإصابة بمرض الزهايمر أو أنواع أخرى من الخرف، كما أنه لن يقلل من معدلات تطور هذه الأمراض، لكنها تقدم فوائد كبيرة، ويمكن أن تجعل حياتك أفضل». ويُضيف: «تحفز ألعاب الدماغ الوظائف المعرفية المختلفة، مثل الوظيفة التنفيذية وسرعة معالجة المواقف لدى كبار السن. ويمكن لذلك تحسين حياتك بطرق أخرى، وخاصة حياتك الاجتماعية».
وعند لعب لعبة محفزة لنشاط الدماغ والتفاعل مع الأصدقاء، كألعاب الكوتشينة الجماعية، يحصل كبار السن على مكافأة إضافية، تتمثل في الرفقة، التي توفر فوائد صحية وقائية لكبار السن، وفقاً لنتائج عدة دراسات طبية صدرت حول هذا الأمر.
علاوة على ذلك، كما تقول الدكتورة دينيس بارك، أستاذة ومديرة مركز الأبحاث في مركز طول العمر الحيوي في كلية العلوم السلوكية بجامعة تكساس في دالاس: «عندما تنخرط في موقف اجتماعي، فإنك تحفز أنظمة معرفية متعددة في نفس الوقت. أنت تؤلف جملاً، وتتعلم أسماء جديدة، وتتذكر ما أخبرك به الشخص الذي تحدثت إليه للتوّ عن عمله أو أسرته. إن كثيراً من العمل المعرفي المترابط يجري حينئذ».
وعن ألعاب ورق الكوتشينة، تقول الدكتورة بارك: «ينطوي كثير من الألعاب المحببة على تحديات معرفية كبيرة. وعندما تلعب لعبة بريدج، عليك أن تتذكر مَن لعب أي أوراق، وتطور استراتيجيتك الخاصة مع مراعاة نوايا زملائك اللاعبين، وتتذكر نظام النقاط المعقد للمكاسب والخسائر».
وهذا النوع من الألعاب ينشط الشعور بالتحكّم والقدرة على فعل شيء مفيد لصحة المرء. ولذا يقول الدكتور تان: «يحتاج الناس إلى هدف وإحساس بالسيطرة. ويمكن أن تمنحهم تمارين وألعاب الدماغ فرصة ليشعروا أنهم قادرون على التحكم والتحسن، ما يُحسّن مزاجهم». ويُضيف: «أقول للمرضى؛ تحدّ عقلك. تحدّ عقلك حتى تتمكن، على الأقل من الناحية النظرية، من تطوير نقاط الاشتباك العصبي الجديدة مع كل شيء جديد تتعلمه». ونقاط الاشتباك العصبي Synapses هي المسافات بين الخلايا الدماغية، التي من خلالها تتصل الخلايا وتتواصل. ويوضح أنه لكي تكون هذه الروابط الدماغية الجديدة مستدامة، يجب أن يثير هذا النشاط اهتمامك أيضاً، لا أن تمارسه بملل.
وتعتبر لعبة البريدج على سبيل المثال من الرياضات العقلية، لأنها تعلم الشخص التفكير المنطقي والتفكير السريع والصبر والتركيز ومهارات الشراكة مع الغير. وفي أحد المؤتمرات السنوية لجمعية علم الأعصاب الأميركية، قدّم باحثون من جامعة كاليفورنيا دراستهم التي أظهرت أن لاعبي لعبة البريدج قد زاد لديهم عدد الخلايا المناعية بعد ممارسة اللعبة الورقية هذه، نتيجة تنشيط عمل مناطق معينة في قشرة الدماغ ذات الصلة بجهاز مناعة الجسم، وخاصة الغدة الزعترية.
وتقول البروفسورة جويس ميكال فلين، أستاذة علم الأعصاب في جامعة مقاطعة ساكرامنتو في كاليفورنيا: «ألعاب الطاولة وألعاب الورق وألغاز الكلمات المتقاطعة وألغاز الصور المقطوعة، كلها إبداعية وممتعة، ما يدعم صحة الدماغ والشعور بالعافية. المتعة تجلب مزيداً من الحافز للمشاركة. وتكون هذه الأنشطة أفضل عند التعامل مع الآخرين والتفاعل مع الآخرين. التفاعل مع الآخرين من خلال العمل الجماعي مفيد للغاية لصحة الدماغ».


- الاستمتاع بتمارين الدماغ من دون إفراط
> تمارين الدماغ هي أي نشاط تستخدم فيه مهاراتك المعرفية. ولذا تحظى ألعاب الدماغ عبر الإنترنت بشعبية وتقدم مجموعة متنوعة من التمارين التخيلية المصممة لتحدي ذاكرتك والتركيز ومهارات حل المشكلات لديك. والمفتاح هو أنها يجب أن تكون صعبة، ولكن ليست صعبة للغاية. وكما تقول الدكتورة دينيس بارك، أستاذة ومديرة مركز الأبحاث في مركز طول العمر الحيوي في كلية العلوم السلوكية بجامعة تكساس في دالاس: «من المهم الانخراط في أنشطة مليئة بالتحديات الذهنية، كي تتيح لك التعلم باستمرار والتحسن. ومن المهم أن يكون لديك المقدار الأمثل من التحدي للحفاظ على صحة العقل. إذا كان هناك كثير، فسوف تشعر بالتوتر، ويمكن أن يضرّ التوتر بالنظام المعرفي للدماغ. لكن إذا كان هناك القليل جداً، فقد لا يكون هناك أي مكسب. إن إضافة ممارسات جديدة لم تقم بها من قبل، يساعد على بناء دوائر عصبية جديدة في الدماغ للتعامل مع هذا التحدي». وضمن مقالة بعنوان «هل يمكن أن تساعدك ألعاب الفيديو على رفع مستوى صحتك؟» على الموقع الإلكتروني لرابطة القلب الأميركية، يقول الدكتور دايهيونج لي، الأستاذ المساعد في قسم العلوم الإنسانية التطبيقية بجامعة مينيسوتا: «تظهر الأبحاث أن ألعاب الفيديو يمكن أن تعزز العواطف ومهارات التفكير. وإن قوة الألعاب في التحفيز يمكن أن تلهم السلوك الصحي. لكن هناك حدوداً من أجل تقليل وقت الجلوس لفترات طويلة، خاصة عند الأفراد غير النشطين بدنياً. وعلينا ممارسة التمارين الرياضية الحقيقية والنشاط البدني المنتظم لتلبية إرشادات النشاط البدني الموصى بها وكسب الفوائد الصحية».
ويضيف الدكتور لي أن «اللعب قبل النوم يمكن أيضاً أن يتسبب باضطرابات في النوم. وبعض الناس يجدون صعوبة في التوقف». وبالنسبة للبالغين، تقول الدكتورة تريسي بارنيت، أستاذة مساعدة في قسم طب الأسرة في جامعة ماكجيل في مونتريال: «إنها فكرة جيدة أن تأخذ استراحة من اللعب لمدة 5 إلى 10 دقائق كل نصف ساعة، أو من 15 إلى 20 دقيقة كل ساعة. وحافظ على توازن صحي مع بقية حياتك. اقض بعض الوقت في الهواء الطلق».


مقالات ذات صلة

الإنفاق الرقمي يعيد تشكيل عادات المستهلك السعودي

خاص امرأة تتبضع من أحد المراكز التجارية والتموينية في السعودية (واس)

الإنفاق الرقمي يعيد تشكيل عادات المستهلك السعودي

يتجه المستهلك السعودي بوتيرة متسارعة إلى تقليص اعتماده على النقد مع توسع استخدام المدفوعات الرقمية في قطاعات الحياة اليومية، من البقالة إلى الألعاب الإلكترونية.

دانه الدريس (الرياض)
تكنولوجيا أعداء خياليون ورسومات مبهرة

لعبة «مارفيلز وولفرين»: ملحمة سينمائية تنبض بالمعارك الضارية عبر قصة درامية

أحد أبرز وأهم الإصدارات الحصرية لجهاز «بلايستيشن 5»

خلدون غسان سعيد (جدة)
رياضة عالمية الياباني يوكي كوريهارا يحتفل بذهبية الآسياد في سن الـ11 (أ.ب)

«آسياد 2026»: ياباني بعمر الـ11 يحرز ذهبية في الألعاب الإلكترونية

حقق الياباني يوكي كوريهارا البالغ 11 عاماً الميدالية الذهبية للألعاب الإلكترونية في دورة الألعاب الآسيوية السبت بأسلوب مبهر.

«الشرق الأوسط» (ناغويا (اليابان))
رياضة عالمية يوكي كوريهارا يقف بين لاعبي المنتخب الياباني للرياضات الإلكترونية الذين يكبرونه سناً (أ.ف.ب)

آسياد 2026: فتى ياباني بعمر 11 عاماً يسجّل مشاركة تاريخية في الـ «إي سبورتس»

تألق يوكي كوريهارا البالغ من العمر 11 عاماً بظهوره الأول بدورة الألعاب الآسيوية، محققاً فوزاً كاسحاً على منافسين يكبرونه بنحو ثلاثة أضعاف بالرياضات الإلكترونية

«الشرق الأوسط» (ناغويا)
تكنولوجيا تحديثات كثيرة لتطوير تجربة اللعبة على جميع الأصعدة

«إي إيه سبورتس إف سي 27»: الإصدار الأضخم في السلسلة يرفع معايير كرة القدم الإلكترونية

تطويرات عديدة لأسلوب اللعب وتحسينات بصرية ونمط «ملاعب الشارع» المبتكر... بدعم متقدم للغة العربية في الإصدار الأضخم للسلسلة.

خلدون غسان سعيد (جدة)

حين يصبح التثاؤب مُعدياً... كيف يفسر العلماء هذه الظاهرة؟

التثاؤب في حد ذاته سلوك شائع نقوم به عندما نشعر بالنعاس أو الملل (بيكسلز)
التثاؤب في حد ذاته سلوك شائع نقوم به عندما نشعر بالنعاس أو الملل (بيكسلز)
TT

حين يصبح التثاؤب مُعدياً... كيف يفسر العلماء هذه الظاهرة؟

التثاؤب في حد ذاته سلوك شائع نقوم به عندما نشعر بالنعاس أو الملل (بيكسلز)
التثاؤب في حد ذاته سلوك شائع نقوم به عندما نشعر بالنعاس أو الملل (بيكسلز)

ربما مررت بهذه التجربة أكثر من مرة: ترى شخصاً أمامك يتثاءب، وفجأة تجد نفسك تفتح فمك وتتثاءب من دون أن تعرف السبب. وقد يحدث الأمر حتى بمجرد رؤية شخص يتثاءب في مقطع فيديو، أو سماع صوت تثاؤبه. لكن لماذا يبدو التثاؤب كأنه سلوك ينتقل من شخص إلى آخر؟ وهل هناك تفسير علمي لهذه الظاهرة التي تبدو بسيطة، لكنها لا تزال تثير فضول العلماء؟

التثاؤب في حد ذاته سلوك شائع نقوم به عندما نشعر بالنعاس أو الملل، وأحياناً من دون سبب واضح على الإطلاق. ومع ذلك، لا يزال العلماء غير متفقين تماماً على الأسباب الدقيقة التي تدفعنا إلى التثاؤب، رغم وجود عدد من النظريات التي تحاول تفسير هذه الظاهرة.

التثاؤب... سلوك قديم تحيط به المعتقدات

تحيط بالتثاؤب معتقدات قديمة ومثيرة للاهتمام. فمنذ قرون، كان يُعتقد أن تغطية الفم في أثناء التثاؤب ضرورية للحيلولة دون خروج الروح من الجسد، وهو أحد التفسيرات الشعبية التي ارتبطت بهذا السلوك الغريب، وفقاً لموقع «كليفلاند كلينك».

ويقول الدكتور دونالد فورد، المتخصص بطب الأسرة: «نجد أنفسنا جميعاً نتثاءب عندما نشعر بالنعاس أو الملل، أو أحياناً من دون أي سبب واضح على الإطلاق».

ورغم ما توصل إليه العلم من معرفة واسعة بالجسم وآلية عمله، لا يزال عامة الناس والعلماء على حد سواء يتساءلون عن الأسباب الدقيقة التي تدفعنا إلى التثاؤب.

ولا توجد حتى الآن إجابة قاطعة تحسم المسألة، لكن هناك عدداً من النظريات القوية التي تحاول تفسير سبب التثاؤب. ومن أبرزها النظرية التي ترى أن التثاؤب قد يكون وسيلة يستخدمها الدماغ للمساعدة في إبقاء الإنسان يقظاً، وأنه قد يساعد أيضاً على تخفيف الضغط وتنظيم درجة حرارة الدماغ.

هل التثاؤب مُعدٍ بالفعل؟

هل لاحظت يوماً أنك تشعر برغبة في التثاؤب فور رؤيتك شخصاً آخر يتثاءب؟ هذه الظاهرة تُعرف باسم «التثاؤب المُعدي»، وهي ظاهرة حقيقية ومثبتة علمياً، رغم أنها لا تزال محاطة بكثير من الغموض.

ويُطلَق على التثاؤب الذي يحدث من تلقاء نفسه اسم «التثاؤب العفوي»، أما عندما تتثاءب استجابةً لتثاؤب شخص آخر، فيُعرف ذلك باسم «التثاؤب المُعدي».

وكشفت أبحاث أُجريت عام 2011 أن كلاً من التثاؤب العفوي والتثاؤب المُعدي قد ينشآن عن آلية كامنة مرتبطة بتنظيم درجة حرارة الدماغ. وبناءً على ذلك، يرى عديد من الباحثين أن التثاؤب المُعدي قد يُفسَّر ببساطة على النحو الآتي: إذا تثاءبت بعد رؤية شخص آخر يتثاءب، فقد يكون السبب أنكما موجودان في المكان نفسه وتحت ظروف حرارية متشابهة؛ وبالتالي، يستجيب دماغ كل منكما لمحاولة تعديل درجة حرارته.

هل للتقارب الاجتماعي علاقة بالتثاؤب؟

سعت دراسة حديثة أُجريت عام 2022 إلى معرفة ما إذا كانت هناك علاقة واضحة بين التقارب الاجتماعي والتثاؤب المُعدي.

ورغم أن الدراسة أكدت أن الأشخاص يتثاءبون بالفعل عند رؤية الآخرين يتثاءبون، فإنها أشارت إلى أن هذا السلوك لا يبدو ناتجاً بالضرورة عن استجابة عاطفية أو عن التعاطف مع الشخص الآخر.

وقد يكون الأمر، بدلاً من ذلك، جزءاً من سلوك جماعي متزامن. فبما أن التثاؤب قد يساعد على تنبيه الجسم أو «إيقاظه»، فقد تستجيب أجسامنا لتثاؤب الآخرين بوصفه نوعاً من الإشارة التي تساعد على الحفاظ على اليقظة.

والمعروف أن التثاؤب يمكن أن يكون مُعدياً بالفعل؛ إذ تشير إحدى الدراسات إلى أن احتمال التثاؤب يزداد ستة أضعاف بعد رؤية شخص آخر يتثاءب.

«المحاكاة الاجتماعية»... هل نقلّد سلوك الآخرين؟

وفيما يتعلق بظاهرة عدوى التثاؤب، أشار جيمس جيوردانو، خبير علم الأعصاب في جامعة جورجتاون بالولايات المتحدة، إلى أنها قد تكون مرتبطة بظاهرة تُعرف باسم «المحاكاة الاجتماعية»، وهي ميل الكائنات الحية إلى تقليد تصرفات الآخرين أو محاكاتها.

ولا يقتصر هذا النوع من السلوك على التثاؤب وحده، إذ تندرج تحته سلوكيات أخرى قد نمارسها بشكل تلقائي عندما نرى الآخرين يقومون بها، مثل حك الجلد، ووضع ساق فوق الأخرى، والضحك.

ويرى جيوردانو أن هذا السلوك قد يكون مرتبطاً بما تُعرف باسم «الخلايا العصبية المرآتية» في الدماغ.

وقال جيوردانو: «تتمثل وظيفة هذه الخلايا العصبية في الربط بين ما ندركه ونشعر به وبين الطريقة التي نتحرك بها؛ لذا، إذا رآني أحدهم وأنا أحك وجهي، فسيدرك طبيعة هذا الشعور، وقد يشعر برغبة ملحّة في القيام بالفعل نفسه».

وهكذا، فإن التثاؤب الذي ينتقل بين الأشخاص لا يزال ظاهرة معقدة تتداخل في تفسيرها عوامل عدة، من تنظيم درجة حرارة الدماغ واليقظة إلى محاكاة سلوك الآخرين. وبينما لم يحسم العلم بعد السبب النهائي وراء التثاؤب المُعدي، فإن مجرد رؤية شخص يتثاءب قد تكون كافية أحياناً لجعلنا نفعل الشيء نفسه من دون أن ندرك لماذا.


لماذا تزداد آلام الظهر عند الجلوس لساعات طويلة؟ وكيف تقلّل الضرر؟

رجل يضع يده على أسفل ظهره في إشارة إلى آلام الظهر التي قد تتفاقم نتيجة الجلوس لساعات طويلة والوضعيات غير السليمة (بيكسلز)
رجل يضع يده على أسفل ظهره في إشارة إلى آلام الظهر التي قد تتفاقم نتيجة الجلوس لساعات طويلة والوضعيات غير السليمة (بيكسلز)
TT

لماذا تزداد آلام الظهر عند الجلوس لساعات طويلة؟ وكيف تقلّل الضرر؟

رجل يضع يده على أسفل ظهره في إشارة إلى آلام الظهر التي قد تتفاقم نتيجة الجلوس لساعات طويلة والوضعيات غير السليمة (بيكسلز)
رجل يضع يده على أسفل ظهره في إشارة إلى آلام الظهر التي قد تتفاقم نتيجة الجلوس لساعات طويلة والوضعيات غير السليمة (بيكسلز)

الجلوس لساعات طويلة هو جزء من الروتين اليومي لكثيرين، خصوصاً مع الأعمال المكتبية واستخدام أجهزة الكمبيوتر. لكن البقاء في الوضعية نفسها فترة طويلة قد يترك آثاراً واضحة على الظهر، ولا سيما المنطقة السفلية منه.

وحسب موقع «هيلث لاين» الصحي، يمكن للجلوس المطوّل، خصوصاً في وضعية غير سليمة، أن يفاقم آلام أسفل الظهر، إذ يؤدي الانحناء إلى الأمام أو الجلوس بشكل مترهّل إلى زيادة الإجهاد الواقع على أجزاء من العمود الفقري والأقراص الموجودة بين الفقرات.

لماذا يسبّب الجلوس الألم؟

يزداد ألم الظهر عند الجلوس طويلاً بسبب إجهاد عضلات الظهر والضغط المستمر على فقرات العمود الفقري، خصوصاً مع وضعية الجلوس الخاطئة. كما أن قلة الحركة لفترات ممتدة قد تسهم في تيبس العضلات وضعف العضلات المسؤولة عن دعم العمود الفقري.

وتزداد المشكلة عندما يكون الظهر منحنياً أو عندما تكون الشاشة أو الكرسي في ارتفاع غير مناسب، مما يدفع الجسم إلى اتخاذ وضعيات غير طبيعية لفترات طويلة. وقد يكون الأشخاص الذين يعانون أصلاً مشكلات مثل الانزلاق الغضروفي أو تضيق القناة الشوكية أكثر عرضة لتفاقم الألم في أثناء الجلوس.

امرأة تمسك بأسفل ظهرها حيث قد يؤدي الجلوس المطول وقلة الحركة إلى إجهاد عضلات الظهر وزيادة الشعور بالألم (بيكسلز)

كيف تقلل الضرر؟

للحد من آلام الظهر، يُنصح بالحفاظ على استقامة الظهر ودعمه جيداً في أثناء الجلوس، ويمكن استخدام وسادة صغيرة أو دعامة للمنطقة القطنية (أسفل الظهر). كذلك ينبغي ضبط ارتفاع الكرسي والشاشة بما يساعد على الحفاظ على وضعية مريحة، مع إبقاء القدمين على الأرض وتجنب الانحناء المستمر إلى الأمام.

ومن المهم أيضاً كسر فترات الجلوس الطويلة، إذ يُنصح بأخذ استراحة للحركة أو المشي والتمدد كل 30 إلى 60 دقيقة، بدلاً من البقاء في الوضعية نفسها لساعات متواصلة. ويساعد النشاط البدني وتقوية عضلات البطن والظهر أيضاً على تحسين دعم العمود الفقري.

وينبغي استشارة الطبيب إذا كان الألم شديداً أو مستمراً، أو ترافق مع خدر أو ضعف في الساقين.


«عملاق» إنقاص الوزن قد يحسّن مستويات السكر ويخفض الالتهاب

شركة «إيلي ليلي» المُصنِّعة لعقار «ريتاتروتايد» (أرشيفية-رويترز)
شركة «إيلي ليلي» المُصنِّعة لعقار «ريتاتروتايد» (أرشيفية-رويترز)
TT

«عملاق» إنقاص الوزن قد يحسّن مستويات السكر ويخفض الالتهاب

شركة «إيلي ليلي» المُصنِّعة لعقار «ريتاتروتايد» (أرشيفية-رويترز)
شركة «إيلي ليلي» المُصنِّعة لعقار «ريتاتروتايد» (أرشيفية-رويترز)

قد يساعد عقّار «ريتاتروتايد» (Retatrutide)، الذي وُصف بأنه «غودزيلا» أو عملاق أدوية إنقاص الوزن، في تحسين مستويات السكر بالدم، وتقليل الالتهابات، وخفض وزن الجسم بمقدار الربع، وفقاً لأكبر دراسة من نوعها.

يعمل هذا العقار عن طريق محاكاة ثلاثة هرمونات معوية رئيسية تسهم في تنظيم الشهية ومستويات السكر في الدم وعمليات التمثيل الغذائي، وهي: «جي إل بي 1» و«جي إل بي» والجلوكاجون. وعلى عكس أدوية أخرى مثل «ويغوفي» الذي يستهدف، بشكل أساسي، مسار «جي إل بي 1» لكبح الشهية، أو «مونجارو» الذي يجمع بين «جي إل بي 1» و«جي إل بي» للتحكم في مستويات السكر، فإن «ريتاتروتايد» يتفاعل أيضاً مع مستقبِلات الجلوكاجون، مما يساعد على زيادة معدل حرق الطاقة، وفق ما أفاد تقرير لصحيفة «الغارديان» البريطانية.

ولم يحصل العقار بعدُ على موافقة أي هيئة تنظيمية، إلا أن نتائج التجربة العالمية التي شملت أشخاصاً يعانون السمنة وداء السكري من النوع الثاني تشير إلى قدرته على مساعدتهم في التخلص من كميات كبيرة من الوزن الزائد، فضلاً عن توفير فوائد صحية مهمة أخرى.

قال الباحثون إن عقار «ريتاتروتايد» أظهر انخفاضاً ملموساً في وزن الجسم، إلى جانب تحسن في ضبط مستوى السكر بالدم وعوامل الخطر القلبية.

ونُشرت نتائج الدراسة، التي موّلتها شركة «إيلي ليلي» المُصنِّعة لعقار «ريتاتروتايد»، في مجلة «ذا لانسيت» الطبية، وعُرضت خلال الاجتماع السنوي للجمعية الأوروبية لدراسة السكري في ميلانو بإيطاليا.

وشملت هذه التجربة السريرية ما مجموعه 2047 شخصاً بالغاً من ثماني دول هي: الأرجنتين وأستراليا والبرازيل والهند والمكسيك ورومانيا وإسبانيا والولايات المتحدة.

كان المشاركون يعانون داء السكري من النوع الثاني، وبلغ مؤشر كتلة الجسم (BMI) لديهم 27 أو أكثر. وقد شكلت النساء 48 في المائة من المشاركين، بينما شكل الرجال 52 في المائة، وبلغ متوسط ​​أعمارهم 55 عاماً.

وفي هذه التجربة التي استمرت 80 أسبوعاً (وهي تجربة من المرحلة الثالثة)، جرى توزيع المشاركين عشوائياً لتلقّي حقنة أسبوعية إما من دواء وهمي (289 مشاركاً) أو من عقار «ريتاتروتايد» بجرعات 4 ملغ (292 مشاركاً)، أو 9 ملغ (284 مشاركاً)، أو 12 ملغ (287 مشاركاً)، وذلك بالتزامن مع تلقي استشارات غذائية وتوجيهات بشأن النشاط البدني.

وبحلول نهاية الدراسة، فقَدَ المشاركون الذين تلقوا جرعة 4 ملغ من «ريتاتروتايد» ما متوسطه 11.9 في المائة من وزن أجسامهم، وارتفعت هذه النسبة لتصل إلى 16.8 في المائة مع جرعة 9 ملغ، وإلى 18.8 في المائة مع جرعة 12 ملغ؛ في حين فقدت المجموعة التي تلقت الدواء الوهمي 5.1 في المائة من وزنها.

ومِن بين من تلقّوا جرعة 12 ملغ، فقَدَ ما يقرب من النصف (47 في المائة) ما لا يقل عن 20 في المائة من وزنهم الأولي، بينما فقَدَ ما يقرب من الثلث (31 في المائة) ما لا يقل عن 25 في المائة منه؛ وذلك مقارنة بنسبتيْ 6 في المائة و3 في المائة على التوالي في مجموعة الدواء الوهمي.

بالإضافة إلى ذلك، حقق 72 في المائة من المشاركين مستوى 6.5 في المائة أو أقل في فحص الهيموغلوبين السكري (HbA1c)، وهو مقياس لمتوسط ​​مستويات السكر في الدم خلال الشهرين أو الأشهر الثلاثة الماضية، ويُعد عتبة معيارية لتشخيص داء السكري من النوع الثاني، مقارنة بـ29 في المائة في مجموعة الدواء الوهمي.

ووفقاً للباحثين، أدى عقار «ريتاتروتايد» أيضاً إلى تحسن ملحوظ بعوامل الخطر القلبية الأيضية، بما في ذلك ضغط الدم ومستويات الدهون بالدم، كما خفّض مستويات البروتين التفاعلي «سي» عالي الحساسية، وهو مؤشر حيوي للالتهاب.

وشهدت التجربة سبع حالات وفاة: حالتان في مجموعة جرعة 4 ملغ من «ريتاتروتايد»، وثلاث حالات في مجموعة جرعة 9 ملغ، وحالة واحدة في مجموعة جرعة 12 ملغ، وحالة واحدة في مجموعة الدواء الوهمي. وقد عدَّ الباحث المسؤول أن هذه الوفيات غير مرتبطة بالتدخل العلاجي محل الدراسة.

وفي الوقت نفسه، أظهرت أبحاث منفصلة - عُرضت في مؤتمر عُقد بمدينة ميلانو ونُشرت في دورية «لانسيت» المتخصصة في طب التوليد وأمراض النساء وصحة المرأة - أن أدوية إنقاص الوزن لا ترتبط، في معظم الحالات، بنتائج حمل سلبية لدى النساء المصابات بداء السكري من النوع الثاني.

غير أن الباحثين شددوا على الحاجة المُلحّة لإجراء مزيد من الأبحاث لسدّ الفجوات الكبيرة في الأدلة العلمية، ومواكبة الزيادة الهائلة والمتسارعة في أعداد النساء في سن الإنجاب اللواتي يستخدمن هذه الأدوية.