«المنطقة الآمنة» في سوريا ثلاثة خيارات تركية

(تحليل إخباري)

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يعرض «المنطقة الآمنة» شمال سوريا في أنقرة قبل توجهه لأميركا في نوفمبر 2019 (أ.ب)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يعرض «المنطقة الآمنة» شمال سوريا في أنقرة قبل توجهه لأميركا في نوفمبر 2019 (أ.ب)
TT

«المنطقة الآمنة» في سوريا ثلاثة خيارات تركية

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يعرض «المنطقة الآمنة» شمال سوريا في أنقرة قبل توجهه لأميركا في نوفمبر 2019 (أ.ب)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يعرض «المنطقة الآمنة» شمال سوريا في أنقرة قبل توجهه لأميركا في نوفمبر 2019 (أ.ب)

وضع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان على مائدة المفاوضات الدولية مطلبه القديم - الجديد، بإقامة منطقة آمنة خالية من «وحدات حماية الشعب» الكردية و«حزب العمال الكردستاني»، بعمق 30 كلم شمال سوريا.
هذه الخطة قديمة، اقترحها إردوغان لأول مرة في 2013، ثم عرض الخريطة المفصلة لها على منبر الأمم المتحدة في 2019، وقوبلت وقتذاك برفض أميركي وأوروبي وروسي، لكن أنقرة استطاعت عبر مقايضات وتوغلات عسكرية، تأسيس جيوب واختراقات فيها.
استلزم هذا أربع عمليات عسكرية: «درع الفرات» في جرابلس شمال حلب في 2016، «غضن الزيتون» في عفرين بريف حلب في 2018، «نبع السلام» بين تل أبيض ورأس العين شرق الفرات في نهاية 2019، و«درع السلام» في إدلب في ربيع 2020. واستلزم أيضاً سلسلة اتفاقات وقعتها أنقرة، تناولت تفاهمات حول إدلب، مع موسكو وطهران في أستانة في 2017، ثم مذكرات تفصيلية مع موسكو في 2018 و2020. كما وقعت أنقرة مع واشنطن اتفاقاً حول منطقة «نبع السلام» في أكتوبر (تشرين الأول) 2019. وقبل ذلك وقع الطرفان «خريطة طريق» خاصة بمنبج في 2018.
وبموجب ذلك، حصلت أنقرة على مناطق نفوذ تصل مساحتها إلى حوالي 10 في المائة من سوريا (المساحة الكلية هي 185 ألف كلم مربع)، أي ضعف مساحة لبنان، وتضم حوالي 4.4 مليون شخص يضافون إلى 3.7 مليون يعيشون في تركيا التي باتت لاعباً أساسياً على الأرض، إضافة إلى روسيا وإيران، اللتين تدعمان الحكومة على 63 في المائة من البلاد، وأميركا وحلفاؤها الذين يدعمون «قوات سوريا الديمقراطية» على 23 في المائة من شمال شرقي سوريا.
لكن، بالنسبة إلى تركيا، فإن الاتفاقات والتوغلات أدت إلى تقطيع أوصال الكيان الكردي على حدودها الجنوبية، ومنعت قيام إقليم مشابه لكردستان العراق، عبر إبعاد مقاتلي «الوحدات» و«العمال الكردستاني» جزئيا عن الحدود، أو عبر تغييرات ديموغرافية شمال سوريا. وهدف منع قيام كيان كردي يشكل نقطة تقاطع ضمنية مع طهران ودمشق، قيل في اجتماعات سرية وعلنية بين مدير مكتب الأمن الوطني اللواء علي مملوك ومدير المخابرات التركية فيدان حقان ومساعديهما، في موسكو وطهران وريف اللاذقية. وكانت الدول الثلاث، سوريا وإيران وتركيا، شكلت محوراً ثلاثياً في تسعينات القرن الماضي، ضد الكيان الكردي العراقي.
ما الجديد الآن؟
يعتقد إردوغان أن الحرب الأوكرانية أعطت تركيا ميزة تفاوضية أساسية مع روسيا وأميركا وأوروبا. فواشنطن تدعم عضوية السويد وفنلندا في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وكي يتحقق ذلك، لا بد من موافقة جميع الأعضاء، بمن فيهم أنقرة. وموسكو، تعارض ذلك وتراهن على الفيتو التركي لإضعاف «الناتو»، خصوصاً أن الرئيس فلاديمير بوتين استطاع، عبر علاقته الخاصة مع إردوغان، والمقايضات والتفاهمات في سوريا، والعلاقات الثنائية عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، إحداث اختراق أساسي في الجبهة الجنوبية لـ«الناتو»، حيث تقع قاعدة إنجرليك قرب حدود سوريا، على بعد عشرات الكيلومترات من قاعدة حميميم الروسية، غرب سوريا.
عليه، في الأيام الماضية ومع قرب انعقاد قمة «الناتو» في إسبانيا آخر الشهر، صعد إردوغان من خطابه، بالتلويح بالتوغل في شمال سوريا، لتأسيس «المنطقة الآمنة» وإبعاد «الوحدات» لمسافة 30 كلم من الحدود. واجتمعت المخابرات التركية مع فصائل سورية موالية استعداداً للمعارك، وتصاعد القصف المتبادل على خطوط التماس. وتناول الحديث ثلاث جبهات - مناطق: خطوط التماس قرب «نبع السلام» بين تل أبيض وراس العين شرق الفرات، وخطوط التماس قرب منبج بريف حلب، وجبهات القتال في تل رفعت.
واقع الحال، أن تقدير «المخاطرة» والأولوية في كل منطقة يختلف عنه في الأخرى:
- «المنطقة الحمراء»، حيث وسعت أميركا انتشار قواتها ودورياتها وسيرت طائرات شرق الفرات، لتأكيد حماية حلفائها وردع الجيش التركي. كما أعلنت واشنطن وأبلغت أنقرة عبر مندوبتها إلى الأمم المتحدة ليندا غريفيلد رفضها أي هجمات عسكرية. من جهتها، روسيا أخذت من التهديدات التركية مبرراً كي تعزز وجودها الاستراتيجي قرب الأميركيين شرق الفرات. أما تركيا، فتراجع خطابها، بحيث إن إردوغان حدد بوضوح أن العملية العسكرية لن تشمل شرق الفرات، بل غرب النهر فقط، وتحديداً في منبج وتل رفعت.
- «المنطقة الصفراء - الرمادية»، وهي غرب الفرات في منبج، حيث هناك اتفاق أميركي - تركي قديم حولها، تضمن إخراج «الوحدات» و«العمال الكردستاني» وتسيير دوريات مشتركة وتأسيس مجلس محلي بديل. التطمينات الأميركية لـ«الوحدات» شملت منبج، لاعتقاد واشنطن أن أي تهديد لها يهدد الحرب ضد «داعش» واستقرار خطوط التماس. وقد يؤدي أي هجوم تركي في منبج أو شرق الفرات، إلى تصعيد الضغوط الداخلية الأميركية وخصوصاً في الكونغرس، لإعادة تفعيل فرض العقوبات على تركيا، المعلنة بعد هجمات 2019. ولا شك أن إردوغان لا يريد ضغوطات اقتصادية إضافية قبل الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها العام المقبل. لكن، قد يختار إردوغان تصعيد الضغوطات في منبج لتطبيق «خريطة الطريق» والوصول إلى تسوية جديدة ضد «الوحدات» الكردية.
- «المنطقة الخضراء»، وهي تل رفعت غرب الفرات أيضاً، وهي خاضعة لنفوذ روسي وإيراني وسوري. نظرياً، تبدو العملية التركية أسهل هنا مما هي عليه في المنطقتين السابقتين، عبر الحصول على «ضوء أخضر» من موسكو، كما حصل إزاء عمليات «درع الفرات» و«غصن الزيتون» و«درع السلام» في السنوات السابقة. وقتذاك، حصلت روسيا على ثمن تركي في سوريا، أو في ملفات أخرى ثنائية، أو في العالم. وأغلب الظن أن الثمن الذي تريده موسكو من تسليم تل رفعت إلى أنقرة، سيكون في أوكرانيا وطلب السويد وفنلندا الانضمام لـ«الناتو»، أو بدفع أنقرة للتطبيع مع دمشق وقبول نشر قوات من حرس الحدود السورية على الحدود.
الأيام المقبلة ستكشف مآلات التصعيد التركي، الخطابي والعملياتي، وهل هو تفاوضي قبل انعقاد قمة «الناتو» في مدريد نهاية الشهر، والتي ستقرر مصير طلبي السويد وفنلندا والصدام الروسي - الغربي، أم استباقي بـاقتناص اللحظة الدولية، بحيث يفرض إردوغان الوقائع على الأرض قبل السفر إلى إسبانيا؟ أيضاً، أين يقع هذا التصعيد مع قرب الصدام الغربي - الروسي في مجلس الأمن حول تمديد الآلية الدولية للمساعدات العابرة للحدود التركية قبل العاشر من الشهر المقبل؟


مقالات ذات صلة

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

العالم العربي أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

استبقت تركيا انعقاد الاجتماع الرباعي لوزراء خارجيتها وروسيا وإيران وسوريا في موسكو في 10 مايو (أيار) الحالي في إطار تطبيع مسار العلاقات مع دمشق، بمطالبتها نظام الرئيس بشار الأسد بإعلان موقف واضح من حزب «العمال الكردستاني» والتنظيمات التابعة له والعودة الطوعية للاجئين والمضي في العملية السياسية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
العالم العربي درعا على موعد مع تسويات جديدة

درعا على موعد مع تسويات جديدة

أجرت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا (جنوب سوريا) اجتماعات عدة خلال الأيام القليلة الماضية، آخرها أول من أمس (الأربعاء)، في مقر الفرقة التاسعة العسكرية بمدينة الصنمين بريف درعا الشمالي، حضرها وجهاء ومخاتير ومفاوضون من المناطق الخاضعة لاتفاق التسوية سابقاً وقادة من اللواء الثامن المدعوم من قاعدة حميميم الأميركية. مصدر مقرب من لجان التفاوض بريف درعا الغربي قال لـ«الشرق الأوسط»: «قبل أيام دعت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا، ممثلةً بمسؤول جهاز الأمن العسكري في درعا، العميد لؤي العلي، ومحافظ درعا، لؤي خريطة، ومسؤول اللجنة الأمنية في درعا، اللواء مفيد حسن، عد

رياض الزين (درعا)
شمال افريقيا مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

أجرى وزير الخارجية المصري سامح شكري اتصالات هاتفية مع نظرائه في 6 دول عربية؛ للإعداد للاجتماع الاستثنائي لوزراء الخارجية العرب بشأن سوريا والسودان، المقرر عقده، يوم الأحد المقبل. وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير أحمد أبو زيد، في إفادة رسمية، الخميس، إن شكري أجرى اتصالات هاتفية، على مدار يومي الأربعاء والخميس، مع كل من وزير خارجية السودان علي الصادق، ووزير خارجية السعودية فيصل بن فرحان، ووزير خارجية العراق فؤاد محمد حسين، ووزير خارجية الجزائر أحمد عطاف، ووزير خارجية الأردن أيمن الصفدي، ووزير خارجية جيبوتي محمود علي يوسف. وأضاف أن «الاتصالات مع الوزراء العرب تأتي في إطار ا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

أطلق الأردن سلسلة اتصالات مع دول عربية غداة استضافته اجتماعاً لبحث مسألة احتمالات عودة سوريا إلى الجامعة العربية، ومشاركتها في القمة المقبلة المقرر عقدها في المملكة العربية السعودية هذا الشهر. وقالت مصادر أردنية لـ«الشرق الأوسط»، إن اجتماع عمّان التشاوري الذي عُقد (الاثنين) بحضور وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن وسوريا، ناقش احتمالات التصويت على قرار عودة سوريا إلى الجامعة العربية ضمن أنظمة الجامعة وآليات اعتماد القرارات فيها. وفي حين أن قرار عودة سوريا إلى الجامعة ليس مقتصراً على الاجتماعات التشاورية التي يعقدها وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن، فإن المصادر لا تستبعد اتفاق

شؤون إقليمية الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

بدأ الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي أمس (الأربعاء) زيارة لدمشق تدوم يومين واستهلها بجولة محادثات مع نظيره السوري بشار الأسد تناولت تعزيز العلاقات المتينة أصلاً بين البلدين. وفيما تحدث رئيسي عن «انتصارات كبيرة» حققتها سوريا، أشار الأسد إلى أن إيران وقفت إلى جانب الحكومة السورية مثلما وقفت هذه الأخيرة إلى جانب إيران في حرب السنوات الثماني مع إيران في ثمانينات القرن الماضي. ووقع الأسد ورئيسي في نهاية محادثاتهما أمس «مذكرة تفاهم لخطة التعاون الاستراتيجي الشامل الطويل الأمد». وزيارة رئيسي لدمشق هي الأولى التي يقوم بها رئيس إيراني منذ 13 سنة عندما زارها الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

«التغلغل الإسرائيلي» في «القرن الأفريقي» يعمق التقارب المصري - التركي

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل نظيره التركي رجب طيب أردوغان بالقاهرة خلال عام 2024 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل نظيره التركي رجب طيب أردوغان بالقاهرة خلال عام 2024 (الرئاسة المصرية)
TT

«التغلغل الإسرائيلي» في «القرن الأفريقي» يعمق التقارب المصري - التركي

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل نظيره التركي رجب طيب أردوغان بالقاهرة خلال عام 2024 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل نظيره التركي رجب طيب أردوغان بالقاهرة خلال عام 2024 (الرئاسة المصرية)

تعددت الاتصالات الدبلوماسية بين مصر وتركيا منذ إعلان إسرائيل الاعتراف بإقليم «أرض الصومال» دولة مستقلة الشهر الماضي، وأفرزت مواقف متماثلة تجاه رفض التحرك الإسرائيلي، ما يعزز التقارب بين البلدين في مواجهة أخطار تتعلق بالتمدد الإسرائيلي وتأثيراته السلبية على مصالح البلدين، حسب مراقبين.

ولدى إسرائيل اتفاقيات عسكرية واستخباراتية مع إثيوبيا تعود إلى تسعينات القرن الماضي، ويبقى الخطر الأكبر الذي تخشى منه مصر وتركيا، حسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، يرتبط بإيجاد موطأ قدم لها في إقليم «أرض الصومال» الانفصالي، وهو ما من شأنه إحداث إرباك للأمن في المنطقة.

وتناولت محادثة هاتفية بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره التركي هاكان فيدان، الاثنين، تطورات الأوضاع في السودان، ومستجدات الأوضاع في منطقة القرن الأفريقي، وجدد الوزيران رفضهما التام للاعتراف الإسرائيلي بما يسمى «أرض الصومال»، وعدّا الخطوة انتهاكاً صارخاً لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، كما أنها تقوض أسس السلم والأمن الإقليمي والدولي، وفق بيان رسمي صادر عن الخارجية المصرية.

وتشاركت القاهرة وأنقرة في مواقف جماعية رافضة للاعتراف الإسرائيلي بـ«الإقليم الانفصالي»، إلى جانب المواقف الثنائية التي جاءت سريعة بعد إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الاعتراف بالإقليم في 26 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، فيما تناولت الاتصالات الأخيرة التجهيز لزيارة من المتوقع أن يقوم بها الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى القاهرة خلال الربع الأول من هذا العام.

زخم إيجابي

وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير تميم خلاف، أن مصر وتركيا تدعمان وحدة وسيادة وسلامة الأراضي الصومالية، وترفضان أي إجراءات أحادية من شأنها المساس بالسيادة الصومالية، أو تقويض أسس الاستقرار، وتؤكدان «أهمية التوصل إلى هدنة إنسانية في السودان وصولاً إلى وقف شامل لإطلاق النار، والتشديد على ضرورة الحفاظ على سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه ودعم مؤسساته الوطنية».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «العلاقات المصرية - التركية تشهد خلال الفترة الأخيرة زخماً إيجابياً وتطوراً ملحوظاً يعكسان الإرادة السياسية لدى البلدين لتعزيز مسارات التعاون الثنائي، والبناء على ما تحقق من خطوات مهمة، إلى جانب الحرص على استمرار التنسيق بشأن القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره التركي هاكان فيدان أثناء المشاركة في قمة العشرين العام الماضي (الخارجية المصرية)

وفي فبراير (شباط) 2024، أجرى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، زيارة هي الأولى له إلى القاهرة منذ 2012، قبل أن يعاود نظيره المصري زيارة أنقرة في سبتمبر (أيلول) من العام ذاته، التي شهدت تأسيس ما يُعرف بـ«مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى»، لينطلق مسار جديد للعلاقات بين البلدين، شهد تقارباً ملموساً ولافتاً في الأشهر الأخيرة، وصل إلى مرحلة استدعاء القلق الإسرائيلي.

وفي حين برز مشهد حضور رئيسَي البلدين في توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، في مدينة شرم الشيخ المصرية، بوصفهما وسيطين خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، شهد عام 2025 ثلاث زيارات قام بها وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، إلى العاصمة التركية أنقرة.

رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية الأسبق التابع للجيش المصري، اللواء علاء عز الدين، أكد أن إسرائيل منذ نشأتها ولديها أهداف تتعلق بالسيطرة على المجالات الحيوية المؤثرة بالنسبة للدول الإقليمية الفاعلة في المنطقة، وهو أمر عززه الاعتراف الأخير بإقليم «أرض الصومال» الانفصالي، وأن تطور الإمكانات العسكرية والاقتصادية لكل من مصر وتركيا يجعل هناك قدرة على مجابهة الأطماع الإسرائيلية.

وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن التقدم العسكري التركي في مجالات التصنيع العسكري، خصوصاً «المُسيرات»، إلى جانب تطوير البنية التحتية للجيش المصري، يخلقان فرصاً كثيرة للتعاون المشترك، بما يهدف إلى حصار تحركات إسرائيل دبلوماسياً واقتصادياً، وتعزيز القدرات الأمنية للدول الهشة التي تسعى إسرائيل إلى جعلها قاعدة تهديد دون أن يصل الأمر إلى المواجهة العسكرية المباشرة.

واستأنف البلدان مناورات «بحر الصداقة» المشتركة العام الماضي بعد انقطاع 13 عاماً، كما وقّع البلدان اتفاقية لإنتاج الطائرة المُسيّرة من نوع «تورخا» محلياً في مصر، نهاية أغسطس (آب) الماضي، وتضمنت الاتفاقيات أيضاً «إنتاج المركبات الأرضية غير المأهولة بين شركة (هافيلسان) التركية ومصنع (قادر) المصري التابع لوزارة الإنتاج الحربي».

وأكد الخبير في الشأن الأفريقي، رامي زهدي، أن التقارب المصري بين تركيا ومصر يهدف إلى تحجيم توظيف إسرائيل لاعترافها بإقليم «أرض الصومال» كورقة ضغط في ملفات أخرى مع البلدين، كما أن خطوتها الأخيرة تمهد لتعاون عسكري مع «صوماليلاند»، مشيراً إلى أن تلك الحركات تعزز التغلغل الإسرائيلي في القرن الأفريقي، وهي خطط لديها أبعاد تاريخية ضمن «مشروع إسرائيل الكبرى» من منابع النيل وحتى الفرات.

وأشار في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن وجود ميناء «إيلات» على ساحل البحر الأحمر يجعل هناك عدة أطماع إسرائيلية تجاه الدول المطلة لدعم مشروعاتها التوسعية، لافتاً «إلى أن علاقات إسرائيل مع دول القرن الأفريقي بينها ما يدخل في أطر التعاون الاقتصادي وتقديم الخدمات والاستشارات في مجالات المياه والصناعة والاستثمار، وبينها ما هو استخباراتي يعززه وجود ما يقرب من 10 قواعد عسكرية لدول صديقة لها في المنطقة، بينها أميركا وبريطانيا».

تعزيز التعاون مع الصومال

وفي المقابل عززت مصر من تعاونها مع دول القرن الأفريقي مؤخراً، ولدى القاهرة اتفاقية تعاون أمني مع الصومال جرى التوقيع عليها في أغسطس من عام 2024، كما تشارك مصر في البعثة الأفريقية لحفظ السلام خلال الفترة من 2025 إلى 2029، ودعمت القاهرة مقديشو بمعدات عسكرية في سبتمبر الماضي.

كما أن تركيا تسير أيضاً على طريق مزيد من التقارب مع مقديشو، واستقبلت الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بعد أيام من الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال»، نهاية ديسمبر الماضي، وقدمت له دعماً سياسياً، كما أعلنت مؤخراً بدء التنقيب عن الغاز في المناطق البحرية الصومالية لتعزيز التعاون في مجال الطاقة.

مصر وتركيا على طريق التقارب في مواجهة التغلغل الإسرائيلي في القرن الأفريقي (الرئاسة المصرية)

ويرى المحلل السياسي المتخصص في الشؤون التركية، محمود علوش، «أن هناك انسجاماً مصرياً - تركياً تجاه أزمات الصومال والسودان، ولديهما تصورات قريبة بشأن حل الأزمات الداخلية لهذه الدول، والحفاظ على وحدتها، وتقويض الوصول إلى نتائج تؤدي إلى تفتيتها، بما لا يسمح بتدخل أطراف خارجية تُحدث إرباكاً للمشهد الأمني في الإقليم».

وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الأطماع الإسرائيلية ومساعي تقسيم المنطقة وفقاً لما يخدم المصالح الإسرائيلية يتطلب شراكات بين السعودية ومصر وتركيا، خصوصاً وأن هذه المشاريع تستهدف محاصرة الدول الثلاث عبر تقسيم سوريا واليمن والسودان.

تباينات قائمة

لكن في الوقت ذاته، فإن علوش لفت إلى أن التقارب المصري التركي في خلفيته تباينات أخرى في ملفات مثل ليبيا، إلا أنه شدّد على أن الوقت الحالي يقتضي مزيداً من التعاون والتنسيق في مجابهة خطر مشترك يهددهما.

وهو ما اتفق معه أيضاً رئيس «مركز السلام للدراسات الاستراتيجية»، أكرم حسام، مشيراً إلى أن الأهداف المستقبلية لمصر تجاه مستقبل الصومال تختلف عن تركيا، وأن القاهرة ترى في إثيوبيا مهدداً رئيسياً في القرن الأفريقي نتيجة الخلاف القائم بشأن «سد النهضة»، في حين أن تركيا تسعى إلى مجابهة إسرائيل عبر تقديم أشكال الدعم كافة إلى مقديشو لمقابلة خطر آخر تمثله إسرائيل عليها من جهة سوريا، وخلق بيئة تمهد لتقسيم البلاد.

وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «قاعدة المحور المصري - التركي ليس مرجحاً أن تتحول إلى مساحات حركة أكبر في كثير من الملفات الإقليمية الأخرى، في إطار (تحالف استراتيجي)، لها صفة الديمومة، لكنها تبقى بمثابة تقارب في ملفات مختلفة آنية بينها الصومال والسودان وغزة، وذلك لمنع الانفراد الإسرائيلي بتحديد مصير المنطقة».


«الشرق الأوسط» تكشف تفاصيل ممارسات القوات الإماراتية بحق سجناء مطار الريان

سجن الريان عبارة عن مجموعة من الكونتينرات الموضوعة على مدرج المطار غير معزولة (الشرق الأوسط)
سجن الريان عبارة عن مجموعة من الكونتينرات الموضوعة على مدرج المطار غير معزولة (الشرق الأوسط)
TT

«الشرق الأوسط» تكشف تفاصيل ممارسات القوات الإماراتية بحق سجناء مطار الريان

سجن الريان عبارة عن مجموعة من الكونتينرات الموضوعة على مدرج المطار غير معزولة (الشرق الأوسط)
سجن الريان عبارة عن مجموعة من الكونتينرات الموضوعة على مدرج المطار غير معزولة (الشرق الأوسط)

في إحدى أكثر شهادات السجون قسوة التي خرجت من حضرموت، تروي قصة علي حسن باقطيان فصلاً معتماً من تاريخ الاعتقالات السرية التي شهدها مطار الريان في المكلا، حين كان تحت إدارة القوات الإماراتية، شهادة تمتد لأكثر من 100 يوم من الاعتقال، تكشف منظومة ممنهجة من التعذيب الجسدي والنفسي، وتعرّي كيف تحوّل المطار المدني إلى فضاء مغلق لانتهاكات لا تخضع لأي قانون أو رقابة، قال عنها معمر الإرياني وزير الإعلام والسياحة والثقافة اليمني: «إن هذه السجون لا تندرج ضمن أي منظومة قانونية أو أمنية تابعة للدولة». مبيناً أنها «معتقلات خارج إطار سلطة الدولة والقانون والدستور اليمني».

سجن الريان عبارة عن مجموعة من الكونتينرات الموضوعة على مدرج المطار غير معزولة (الشرق الأوسط)

باقطيان، وهو ناشط مدني ومدير مؤسسة تنموية معروفة في المكلا، يقول في حديثه لـ «الشرق الأوسط» إن قصته بدأت عقب تفجيرات شهدتها المدينة في رمضان 2016، في وقت كانت مؤسسته تنفذ مشروعاً مجتمعياً بعنوان «عزة وطن» يهدف إلى تأهيل النقاط الأمنية، وبناء حاضنة شعبية للنخبة الحضرمية، بما في ذلك إفطار عناصر الأمن.

ومع تصاعد التوتر الأمني، تحولت الشائعات إلى مصدر اتهام، وبدأت حملة اعتقالات طالت موظفي المؤسسة دون استدعاءات رسمية؛ إذ وصلت الأطقم العسكرية إلى منازلهم مباشرة.

علي باقطيان ناشط مدني ومدير مؤسسة تنموية معروفة في المكلا (الشرق الأوسط)

يؤكد باقطيان أنه بادر بالتواصل مع قيادة المنطقة كون برنامج (عزة وطن) تحت إشرافهم، معتقداً أنه «يتعامل مع دولة»، لكن ما واجهه كان بداية مسار مختلف تماماً، ففي سجن الاستخبارات، جرى تعصيب عينيه، وتقييد يديه فور وصوله، قبل أن يُرمى في حجز ضيق مع آخرين في أجواء شديدة الحرارة.

ورغم أن التحقيقات الأولى لم تُثبت عليه شيئاً كما يؤكد، فقد أبلغه المحقق لاحقاً بوضوح بقوله: «أمورك طيبة، لكن الجماعة يبغونك بالذات»، في إشارة مباشرة إلى المحققين الإماراتيين.

وفي 29 رمضان 2016، نُقل مع آخرين إلى معتقل مطار الريان، هناك، التقى لأول مرة ضابطاً إماراتياً عُرف باسم «أبو أحمد»، قال له: علي، معك القائد. ثم واجهه بعرض صريح: «غداً عيد... إما أن تقول إن فلان وفلان متورطان في التفجيرات وتعيّد عند أهلك، وإما أن تُحبس».

غرف مظلمة وانتهاكات عديدة تعرض لها العديد من السجناء في حضرموت (الشرق الأوسط)

ويضيف باقطيان أن الأسماء التي طُلب منه اتهامها تنتمي إلى توجهات سياسية متباينة، من «الإصلاح» إلى السلفيين، وبعضهم بلا انتماء سياسي يعملون في منظمات المجتمع المدني. وكان رده حاسماً: «لا يمكن أن أتهم ناساً بلا دليل... إذا كان لديكم معلومات فاقبضوا عليهم». وهو الرد الذي أودى به في السجن لأكثر من 100 يوم.

ومنذ تلك اللحظة، دخل علي باقطيان مرحلة التعذيب المنهجي، حيث يصف سجن الريان بأنه مجموعة من الكونتينرات الموضوعة على مدرج المطار، البعض منها غير معزولة، تتحول إلى أفران نهاراً وصناديق تجميد ليلاً: «كنا ننام متلاصقين على الأرض، الضوء شغال 24 ساعة، والعيون مغطاة حتى داخل الحجز»، يقول باقطيان.

ينام المساجين متلاصقين على الأرض الضوء شغال 24 ساعة والعيون مغطاة حتى داخل الحجز بشكل دائم (الشرق الأوسط)

الجنود، بحسب حديثه، كانوا ملثمين، ويُنادون بأسماء مستعارة، أبرزها «أبو صالح» و«ميحد» لكثرة تشغيله أغاني ميحد حمد، و«الأرجنتيني» – الذي لُقب بذلك لارتدائه قميص منتخب الأرجنتين – و«الدكتور»، وهو الاسم الذي كان مجرد تداوله بين السجناء كفيلاً بإثارة الرعب، بوصفه المسؤول المباشر عن التعذيب.

في أول تحقيق داخل الريان، يقول إن المحقق شغّل المكيف لدقائق وهو مقيد، ثم بدأ بسيل من الاتهامات: «عليك خمس تهم: قاعدي، داعشي، حوثي، نظام سابق، إصلاحي». ردّ باقطيان كان ساخراً من التناقض: «قاعدي وداعشي وحوثي مع بعض؟».

لم يقتصر التعذيب على الضرب، يتحدث باقطيان عن إهانات يومية، سبّ وشتم، إجبار المعتقلين على التبول داخل الحاويات، والاعتداء عليهم عند إخراجهم للحمامات. «إذا اكتشفوا أنك فتحت عينك، الضرب مباشر»، يقول. ويضيف أن بعض الجنود كانوا يبررون ذلك بوضوح: «إذا لم نعذبكم لن نستلم رواتبنا».

ويكشف السجين السابق عن ممارسات أشد قسوة، بينها التعري الكامل، التهديد بالاغتصاب، إدخال أدوات في أجساد بعض السجناء، واستخدام أكياس القمامة لخنق المعتقلين. «كانوا يتعمدون الإذلال النفسي»، يقول، موضحاً أن وزنه انخفض بشكل حاد خلال أسبوع واحد، ليس بسبب قلة الطعام، بل بسبب الضغط النفسي المتواصل. «الأكل كان جيداً... علشان يعذبوك أكثر».

يحرص السجانون على استخدام أسماء مستعارة لعدم كشف هوياتهم الحقيقية خوفاً من المساءلة لاحقاً (الشرق الأوسط)

في أحد الأيام، أُخرج وهو صائم، عُرّي بالكامل تقريباً، وأُجبر على الوقوف في البرد، وسط ضحك بعض جنود النخبة الحضارم، في مشهد ترك فيه جرحاً نفسياً عميقاً، لا يقل أثراً عن الضرب، على حد تعبيره.

ويشير باقطيان إلى أن كبار السن لم يُستثنوا، بل أُطلق عليهم أسماء حيوانات، بينما وُضع أطفال في سن الرابعة عشرة داخل العنابر نفسها، أما «الدكتور»، فكان - بحسب وصفه - يمر أحياناً فقط «لزرع الخوف»، مكتفياً بحضوره.

وبعد أكثر من 3 أشهر، جاء الإفراج الأول فجراً: «قالوا لي: مبروك إفراج»، يروي، قبل أن يُنقل إلى منزله الساعة الثانية فجراً، لكن حتى الإفراج لم يخلُ من الابتزاز، إذ عُرض عليه العمل مع الإماراتيين مقابل الدعم، وإعادة الاعتبار وتعويض مؤسسته، وهو ما رفضه لاحقاً، ليُعاد اعتقاله مرة أخرى.

يقول علي: سألني المحقق عن نظرتي إلى الإمارات، فأجبته بأنني، حتى وقت قريب، كنت أراها نموذجاً للحداثة والمدنية، وصورة مشرقة لدولة متقدمة في المنطقة، لكنني قلت له إن تلك الصورة انهارت بالكامل منذ اللحظة التي دخلت فيها هذا المكان، وحين سألني عن السبب، أجبته بأن حضارة الدول لا تُقاس بتاريخها أو مظاهرها، بل بمدى احترامها لحقوق الإنسان وصون كرامته.

أكد علي باقطيان، إلى جانب 3 آخرين ممن احتُجزوا في سجن الريان، أن المحققين الإماراتيين كانوا، خلال جلسات التحقيق، يلحّون على السجناء لتقديم أي معلومات يمكن ربطها بالمملكة العربية السعودية. ويقول باقطيان في هذا السياق: «كانوا يبحثون عن قضايا تخص السعوديين، وشعرنا بوضوح أن هناك تعمّداً للتنقيب عن أي شيء يمكن أن يُستخدم لإدانة المملكة، حتى لو كان بلا أساس حقيقي».

التعذيب شمل الضرب والإهانات اليومية السبّ والشتم وإجبار المعتقلين على التبول داخل الحاويات (الشرق الأوسط)

يختم باقطيان شهادته بسؤال يتجاوز تجربته الفردية: كيف جرى كل ذلك تحت لافتة «مكافحة الإرهاب»؟ ولماذا – كما يقول – «أُفرج عن متورطين حقيقيين بينهم عناصر في (القاعدة)، بينما عُذّب ناشطون مدنيون»؟ اليوم، ومع خروج القوات الإماراتية من حضرموت، يؤكد أن الألم لم ينتهِ، وأن العدالة الحقيقية لا تبدأ بخروج السجون السرية، بل بمحاسبة من حوّل مطار الريان إلى رمز للرعب، وترك خلفه مئات الضحايا وأسئلة بلا إجابة.

يقول باقطيان إنه يشعر بالارتياح، لكنه لا يرى في ذلك عدالة، العدالة، في نظره، تبدأ بالمحاسبة، وبكشف حقيقة ما جرى في مطار الريان، حين تحوّل من بوابة مدنية على بحر العرب إلى رمز لواحد من أسوأ فصول التعذيب في تاريخ اليمن الحديث، تحت إدارة قوات من الإمارات العربية المتحدة، وفي مدينة المكلا بمحافظة حضرموت، حيث ما زال الضحايا بانتظار إنصاف لم يأتِ بعد.

حاويات حديدية يوضع فيها السجناء ما يسبب لهم حرارة شديدة في فصل الصيف والعكس تماماً في الشتاء (الشرق الأوسط)

من جانبه، أكد معمر الإرياني وزير الإعلام والسياحة والثقافة اليمني أن هذه السجون «لا تندرج ضمن أي منظومة قانونية أو أمنية تابعة للدولة». مبيناً أنها «معتقلات خارج إطار سلطة الدولة والقانون والدستور اليمني».

وشدد الإرياني على أن «هذه الممارسات جرت خارج مؤسسات الدولة الشرعية وخارج أي رقابة قانونية أو إدارية، الدولة لم تفوّض أي طرف خارجي أو محلي بإنشاء مراكز احتجاز أو تعذيب خارج إطار القانون».

لافتاً إلى أنها «تمثّل انتهاكاً صريحاً للدستور اليمني الذي يحصر صلاحيات الإعتقال والتحقيق والاحتجاز في مؤسسات الدولة القانونية والأمنية، كما تشكّل خرقاً للقانون الدولي والإنساني».


عدن تتنفس الصعداء... إخلاء المعسكرات وتحسّن كبير في الخدمات

منذ سبعينات القرن الماضي وسكان عدن يطالبون بإخراج المعسكرات من وسط الأحياء (إعلام حكومي)
منذ سبعينات القرن الماضي وسكان عدن يطالبون بإخراج المعسكرات من وسط الأحياء (إعلام حكومي)
TT

عدن تتنفس الصعداء... إخلاء المعسكرات وتحسّن كبير في الخدمات

منذ سبعينات القرن الماضي وسكان عدن يطالبون بإخراج المعسكرات من وسط الأحياء (إعلام حكومي)
منذ سبعينات القرن الماضي وسكان عدن يطالبون بإخراج المعسكرات من وسط الأحياء (إعلام حكومي)

بدأت مدينة عدن تتنفس الصعداء مع التحسن الواضح في إمدادات الكهرباء والمياه، وبدء عملية إخراج القوات العسكرية من المدينة المعلنة عاصمة مؤقتة لليمن، ضمن خطة يُشرف عليها تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، وتهدف إلى تعزيز الأمن وترسيخ الطابع المدني، بعد سنوات من الصراعات التي كلفتها الكثير وأثرت على مكانتها ودورها الاقتصادي المهم.

لم يكن مساء الاثنين يوماً عادياً لسكان عدن الذين عانوا من الصراعات منذ سبعينات القرن الماضي، وكانوا يطالبون بإخراج المعسكرات من الأحياء السكنية، حيث تجمعت حشود منهم بالقرب من معسكر ومخازن الأسلحة في جبل حديد، لمشاهدة أرتال من قوات «ألوية العمالقة» وهي تغادر المكان وتسلمه إلى قوات «حماية أمن المنشآت».

وحدات من شرطة المنشآت تسلّمت المواقع التي انسحبت منها القوات العسكرية (إعلام حكومي)

العملية أتت في إطار الخطة التي يشرف عليها اللواء الركن فلاح الشهراني، مستشار قائد القوات المشتركة في تحالف دعم الشرعية، والتي تنص على بقاء القوات الأمنية النظامية فقط داخل المدينة، والممثلة بقوات الشرطة، وأمن الطرق (النجدة)، وقوات الطوارئ، وأمن المنشآت وحراستها، إلى جانب الوحدات الأمنية ذات الاختصاص، بما يضمن حفظ الأمن العام وحماية المرافق الحيوية.

تحسين الوضع الأمني

ووفق المصادر الرسمية اليمنية فإن عملية إعادة تموضع القوات العسكرية خارج مدينة عدن تأتي في سياق الجهود المشتركة للسلطة المحلية في عدن، وبدعم من التحالف، وبهدف تقليل المظاهر العسكرية داخل الأحياء السكنية، وتحسين الوضع الأمني، وتعزيز الطمأنينة العامة، والحفاظ على الطابع المدني لهذه المدينة.

قبل ذلك بساعات كان وزير الدولة محافظ محافظة عدن عبد الرحمن شيخ، يجتمع مع نائب رئيس هيئة الأركان العامة اللواء الركن أحمد البصر، وقائد الشرطة العسكرية اللواء محمد الشاعري، ومساعد وزير الدفاع اللواء الركن محمد باتيس، وينبه إلى أهمية الشروع في تنفيذ إجراءات إعادة تموضع القوات العسكرية خارج العاصمة المؤقتة.

وحسب المحافظ فإن إعادة التموضع للقوات ستتم وفق خطة مدروسة وبالتنسيق الكامل مع وزارة الدفاع، وهيئة الأركان العامة، والجهات العسكرية ذات الصلة، والالتزام بالجدول الزمني المحدد، وبما يراعي الجوانب الأمنية والتنظيمية ويخدم المصلحة العامة للمدينة وسكانها.

وفي خطوة تعزّز من هذا التوجه وتنفيذ مضامين الخطة التي أُقرت سابقاً، أصدر عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي قراراً بتغيير اسم «قوات الحزام الأمني» والوحدات التابعة لها إلى «قوات الأمن الوطني»، كما تم إحلال شعار رسمي جديد محل الشعار القديم لتلك الوحدات.

القوات لحظة مغادرتها معسكر جبل حديد في قلب عدن (إعلام حكومي)

الكهرباء والمياه

وبالتوازي مع إجراءات ترتيب الأوضاع الأمنية والعسكرية في عدن، أكد اللواء فلاح الشهراني، في حسابه على منصة «إكس»، تحسن إمدادات الكهرباء لسكان المدينة، مع وصول ساعات الإضاءة إلى 14 ساعة في اليوم، بعد أن كانت لا تزيد على 8 ساعات. وأكد أن العمل مستمر «لغدٍ أجمل».

مصادر عاملة في قطاع الكهرباء ذكرت أن العمل متواصل لمضاعفة القدرة التوليدية من خلال تزويد تلك المحطات بالوقود ووقف التلاعب بكمياته، بالتزامن مع تحسين أداء شبكة المياه، حيث يعاني نصف سكان عدن صعوبات في الحصول على مياه الشرب النقية بسبب تقادم الخزانات المركزية، وينتظر الانتهاء من تسليم الخزانات الجديدة خلال فترة زمنية قصيرة.

من جهتها، أشادت قيادة «قوات درع الوطن» بعمق الشراكة الاستراتيجية والالتزام الأخوي من الأشقاء، مثمّنة النجاحات الملموسة التي تحققت في قطاع الطاقة بالعاصمة المؤقتة عدن بقيادة اللواء فلاح الشهراني، ووصول ساعات العمل إلى هذا المستوى، ووصفت ذلك بأنه انعكاس لكفاءة الإدارة الميدانية وحرص السعودية على تقديم حلول مستدامة تلامس حياة المواطن اليمني بشكل مباشر.

وفي تعليق لها على ما تشهده المدينة، أثنت قيادة «قوات درع الوطن» على تلك الجهود، وجددت الشكر والتقدير إلى السعودية قيادة وحكومة على دعمها اللامحدود «الذي يثبت دائماً أنها الركيزة الأساسية للاستقرار والتنمية في المنطقة».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended