السينما العالمية تبلور مصالحها على هوى الجمهور

من «ربيعة كوماز ضد جورج و. بوش»
من «ربيعة كوماز ضد جورج و. بوش»
TT

السينما العالمية تبلور مصالحها على هوى الجمهور

من «ربيعة كوماز ضد جورج و. بوش»
من «ربيعة كوماز ضد جورج و. بوش»

في السنوات الخمس الأخيرة، على الأخص، تدافعت أحداث ومسائل حفرت لنفسها وجوداً مهماً في الحياة السينمائية حول العالم. ومعظم هذه المسائل ارتبطت بمهرجانات السينما وهويّاتها والتنافس بين أقواها، وكيف تسعى للبقاء على القمّة أو مجموعة القمم التي تربّعت عليها.
تحديد هذه الانشغالات والمسائل، التي يمكن وصفها جميعاً بالقضايا، ممكن، لكن في الواقع هي متصلة بعضها ببعض، كما قد يحدث عندما تتشابك خطوط الهاتف أو كرات النسيج.
هناك في الأساس مسألة المنافسة التي تنصرف إليها المهرجانات الأكبر الثلاث، برلين وكان وفنيسيا. كل منها لا يحاول فقط أن يستمر في موقع القيادة العالمية، بل يسعى لاستقطاب أفضل المخرجين وأكثر الأفلام قدرة على التمتع بصفة «الحدث». فيلم لفرنسوا أوزو أو وس أندرسن أو جين كامبيون أو ترنس مالك أو بدرو ألمودوفار هو نصر كبير لأي مهرجان يستحوذ على أفلامهم حين تتوفّر. البعض منهم ينتقلون بالفعل من مهرجان لآخر باحثين عن جوائز أولى وجدوا أنها لم تمنح لهم في «كان»؛ فلمَ لا يجربون حظوظهم في «فنيسيا» أو «برلين»؟
اشتغل مهرجان «كان» طويلاً على تبنّي مجموعة لا بأس بها من الزبائن المخلصين، لكن بعض هؤلاء ذهبوا مؤخراً لمهرجاني «برلين» و«فنيسيا». وهناك من انتقل منهما إلى «كان». ومع أن هذا يبدو طبيعياً، فإنه يكشف أن حرارة المنافسة بين المهرجانات المذكورة تتعدّى الإتيان بأفضل الأفلام إلى استحواذ أشهر المخرجين، وهذا عادة على حساب قيمة الأفلام ذاتها.

 
«سبايدر - مان» نجاح ضخم

مزايدات وهناك المسألة النسوية.
تيار جديد وقوي تحرك، في مناخ مناسب خلال السنوات الأخيرة، لكي يدعم قضايا المرأة على الشاشة، وفي الصناعة ذاتها. هوليوود فجأة ما رفعت نسبة المخرجات العاملات فيها خلف الكاميرا وأمامها. خارج هوليوود استمر تمحور الأفلام التي تناقش قضايا المرأة وتدور حولها. في كلا الجانبين، ارتفعت الأصوات مطالبةً بالحقوق النسائية كاملة، وهي على استعداد لإدانة أي مهرجان لا يضمن وجود عدد موازٍ أو شبه موازٍ من الأفلام المنتمية إلى مخرجات إناث، ولا يحتوي على العدد الكافي من عضوات لجان التحكيم.
إلى ذلك، أخذت المهرجانات المذكورة (وسواها من المهرجانات العالمية الأخرى، مثل «لندن» و«سان سابستيان» و«روتردام») تعرض المزيد من الأفلام لمخرجات. بعض هذه المهرجانات، مثل لندن، أخذت تصدح بهذا «الإنجاز»، وتتغنى بالنسبة العالية من المخرجات المشتركات، لحين بدا مهرجان «فنيسيا» ممتنعاً، سنة 2019، عن السير في هذا التقليد، مؤكداً أن اختياراته من أفلام المسابقة وسواها تتم تبعاً لصلاحية الأفلام وليس لجنس مخرجيها. في العام التالي سمح المهرجان الإيطالي بتعديل يمكن قبوله من ذلك الإعلام الذي باتت قضيّته البحث في عدد المخرجات المشتركات في المسابقات الرسمية.
ثم قام مهرجان برلين، في العام الماضي، بالمزايدة: لن تكون هناك جائزتان للتمثيل، بل واحدة قد تمنح لامرأة أو لرجل (أو لجنس ثالث)، والدافع هنا هو التأكيد على لا «جنسية» الجائزة ووحدة «الجنس». وتم تجسيد ذلك بمنح الممثلة التركية الأصل ملتم قبطان جائزة «الدب الفضي لأفضل أداء»، وذلك عن دراما ألمانية فرنسية بعنوان «ربيعة كوماز ضد جورج و. بوش».
خلال ذلك، ومنذ نحو عشر سنوات، ازداد الاعتماد على جوائز الأوسكار لأفضل فيلم، كوسيلة لدعاية للمهرجان. تفسير ذلك في الإيمان بأن وصول فيلم ما يعرضه أي من المهرجانات الكبيرة الثلاثة إلى ناصية الأوسكار هو فوز للمهرجان؛ كونه هو من انفرد بعرض الفيلم أولاً. الحاجة هنا جذب المنتجين والمخرجين إلى المهرجان الأكثر فائدة لهم على صعيد تجاري وإعلامي بحت.
«روما»، على سبيل المثال، تم عرضه في «فنيسيا» في عام 2018 وحط في ترشيحات الأوسكار (ثم في بعض جوائزها) في العام التالي. وهذا ما كان متوقعاً من فيلم «قوّة الكلب»، على غرار «روما»، و«لالا لاند»، و«مولد نجمة»، وسواها من الأفلام التي تدحرجت، بعد عرضها في المهرجان الإيطالي، على كل بساط أحمر بعد ذلك، وصولاً إلى الأوسكار.
«فنيسيا» لا يزال في المقدّمة في هذا الشأن يليه «صندانس» ثم كان بعدها «برلين».
ثم اكتملت حلقة التطوّرات والمنافسات، عندما عزز وباء «كوفيد» نشاط شركات بيع الأفلام إلى المنازل، فقبلت بعرض أفلامهم مهرجانات دون أخرى. في هذا الشأن، وجد «كان» نفسه الوحيد بين كل المهرجانات الكبيرة (بما في ذلك «تورونتو» و«برلين» و«فنيسيا» و«سان سابستيان») الرافض لعرض أفلام تلك الشركات، مثل «أمازون» و«نتفلكس». بينما ربح «فنيسيا» تلك الأفلام. دافع «كان» عن مبدئه لكن كل المصادر تجمع على أن احتجاج شركات التوزيع الفرنسية هو الذي منع إدارة المهرجان من قبول تلك الأفلام؛ كونها لا تُعرَض في صالات السينما الفرنسية ولا يجب دعمها. بذلك فات المهرجان الفرنسي عرض «الآيرلندي» لمارتن سكورسيزي و«قوّة الكلب» الذي توجّه إلى «فنيسيا»، وخرج منه بجائزة أفضل إخراج.


إيريس نوبلوتش، رئيس مهرجان «كان» الجديد

عودة الجمهور
كل ذلك وسواه دفع بصناعة الأفلام إلى موقع جديد تتقدمه خريطة متشابكة الخيوط.
ما نحن عليه حالياً قريب جداً من الوضع الحالي:
هناك ثلاث جبهات: جبهة العروض التجارية في صالات السينما، وجبهة المنصّات الإلكترونية التي تتوجه مباشرة إلى العروض المنزلية، وجبهة المهرجانات.
الجبهتان الأولى والثانية تتنافسان على السوق الشعبية الكبيرة داخل أميركا وخارجها. غني عن القول إن منصّات العروض إلكترونياً استفادت من التزام الناس بالبقاء في منازلهم نتيجة تفشي الوباء، في حين تضررت صالات السينما واستوديوهات هوليوود. الأولى كونها لم تجد لأكثر من نصف أشهر العام الماضي وسيلة لكي تعرض إنتاجاتها، ما كلّفها الكثير من الضرر المادي (تم الإعلان عن نحو 12 مليار دولار عن سنة 2021).
الجبهة الثالثة هي المهرجانات السينمائية التي رغم تعرّضها لما طاف في عالمنا من وباء، وبما يدور حالياً من نزاعات سياسية وعسكرية، ما زالت المكان الوحيد لمشاهدة أفلام بديلة عن السائد. أفلام تتواصل مع عنصري الفن والقيمة الضمنية أكثر مما تجد نفسها سلعة تجارية يؤمل منها نجاح طائل.
الحال هنا أن سبيل هوليوود الوحيد لجذب الجمهور العريض صوبها بات حكراً على ما تملكه شركات السينما فيها من مسلسلات «السوبر هيرو» و«الكوميكس». هذه الإنتاجات لا تستطيع المنصّات الإلكترونية المنافسة فيها بعد.
في هذا النطاق، أنجز «سبايدر - مان: العودة» النجاح الأكبر، منذ سنتين، إذ حصد من صالات السينما حول العالم ملياراً و888 مليون دولار حتى الآن. يتبعه «ذا باتمان» الذي تجاوز للساعة 700 مليون دولار.
وما في أدراج الشركات من أفلام قيد التحضير للإطلاق معظمه قائم على معادلة توفير هذا النوع من الأفلام، لأنه النوع الوحيد المضمون نجاحه بين مشتري التذاكر. هو وأي نوع مسلسلاتي تمّ له تحقيق نجاح كبير في الماضي.
في التصوير حالياً «باتغيرل» للمخرجين بلال فلاح وعادل العربي مع لسلي غريس في البطولة. كذلك الجزء السابع من «المهمّة: مستحيلة» مع كريستوفر ماغواير مخرجاً وتوم كروز ممثلاً، و«دكتور سترانج 2» في التصوير مع سام رايمي وراء الكاميرا وبندكت كبمرباتش أمامها. يتوالى بعد ذلك المزيد: Avatar 2 وThor 4 و«إنديانا جونز 5» و«بلاك بانثر 2».
ومن ضمن المشاريع التي سيباشر بتصويرها في رحى هذه السنة الجزء العاشر من Fast ‪&‬ Furious، والثالث من «شرلوك هولمز» والخامس من Lethal Weapon، وجزء يعلم الله كم رقمه من Star Trek ومن Fantastic Four.

البحث عن توازن
بذلك كله، يتم تشكيل الجمهور حسب الهوى والطلب والموقع. الصالة في المول أو في البيت والمهرجانات التي تقبل على كل عمل يختلف عن السائد في هذا المجال قدر الإمكان.
والحاصل أن مهرجان «فنيسيا» سدد لكمات موجعة لكل من «برلين» (أنجز دورتين ضعيفتين نسبياً في العام الماضي والعام الحالي) أولاً عندما قرر البقاء في حلبة العروض البشرية من دون اللجوء إلى تلك الإلكترونية في مقابل اضطرار «كان» سنة 2019، للتغيّب بالكامل واضطرار برلين للعروض الإلكترونية بديلاً، وثانياً عبر مواصلة استقطاب المخرجين الذين لديهم أعمالاً فنية عالية الجودة لا تخضع للعلاقة المربكة بين شركات الإنتاج والتوزيع وبين اختيارات المهرجان، كما الحال بالنسبة لمهرجان «كان».
هذا الأخير يحاول إيجاد توازن دقيق بين كل هذه التيارات. وكان في الأسبوع الماضي أعلن أن رئاسة المهرجان ستؤول إلى إيريس نوبلوتش، وذلك خلفاً لبيير لسكور الذي سيتقاعد عن إدارة هذا المحفل مباشرة بعد هذه الدورة.
خلفية الرئيس الجديد نوبلوتش أثارت القلق؛ فهي كانت الرئيس الأوروبي لشركة «وورنر ميديا»، ما يعني أن ميولها قد تكون تجارية في الوقت الذي يسعى المهرجان فيه للتأكيد على أنه ما زال الاختيار الأول للأفلام الفنية. صحيح أنها لا تختار الأفلام لكن مركزها القوي سيتيح لها توجيهات إدارية بلا شك.
في الرابع عشر من أبريل (نيسان) سيكشف المدير العام، تييري فريمو، قائمة الأفلام المشتركة، وحينها لا بد من العودة لقراءة جديدة تبعاً لعصر بات مزدحماً بمحاولات إيجاد النغم الخاص والمختلف لكل مهرجان على حدة.


مقالات ذات صلة

مُؤيد عليان: «حوار مع البحر» وُلد من واقعة عاشتها عائلة زوجتي

يوميات الشرق تصوير الفيلم في القدس مر بصعوبات عدة (الشركة المنتجة)

مُؤيد عليان: «حوار مع البحر» وُلد من واقعة عاشتها عائلة زوجتي

قال المخرج الفلسطيني مؤيد عليان إن فيلمه «حوار مع البحر» لم يبدأ من فكرة سينمائية مجردة، وإنما خرج من واقعة حقيقية عاشتها عائلة زوجته.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق لوين (داكوتا جونسن) وهي تقرأ رواية فيرتي (imdb)

«فيرتي»... نهاية غامضة تلاحق الفيلم بعد الرواية

فيلم بحكاية غريبة، ونهاية قسمت الجمهور... هكذا وصل «فيرتي» (Verity) إلى دور السينما، وببطولة آن هاثاواي وداكوتا جونسون وجوش هارتنت.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق يلتقط زوارٌ صوراً لفندق «شلوس ليوبولدسكرون» (Schloss Leopoldskron) في سالزبورغ بالنمسا والذي استُخدم مقراً لإقامة عائلة «فون تراب» بفيلم «صوت الموسيقى» (The Sound of Music) (إسكندر خليف - نيويورك تايمز)

هل يمكن لمتحف جديد إقناع النمسا بأن تحب أخيراً فيلم «صوت الموسيقى»؟

على الرغم من أن فيلم «صوت الموسيقى» (The Sound of Music) يجذب آلاف السياح سنوياً إلى مدينة سالزبورغ، فإن هذا العمل السينمائي لم يجذب قطّ سكان المدينة.

كاثرين هيكلي (سالزبورغ (النمسا))
سينما من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)

«غودزيللا» حمل رسالات سياسية استغنت السينما عنها لاحقاً

في عام 1954، وبينما كانت سفينة مدنية تمخر عباب البحر، فوجئ الركاب بوحش يخرج من تحت الماء. وحش ضخم ما لبث أن هاجم السفينة وأطاح بها وبمن فيها،

محمد رُضا (لندن)
سينما «القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)

شاشة الناقد : «المواطن أسامة» و«القضية رقم صفر»... الإنسان بين الحرب وأزماته النفسية

الكاميرا التي تصوّر «كاميرا مان» فلسطينياً ينتقل في الشوارع العارية من الحياة وبين المباني المدمّرة تقول كل شيء عن المصوّر وغزّة.


«غودزيللا» حمل رسالات سياسية استغنت السينما عنها لاحقاً

من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
TT

«غودزيللا» حمل رسالات سياسية استغنت السينما عنها لاحقاً

من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)

في عام 1954، وبينما كانت سفينة مدنية تمخر عباب البحر، فوجئ الركاب بوحش يخرج من تحت الماء. وحش ضخم ما لبث أن هاجم السفينة وأطاح بها وبمن فيها، قبل أن يغوص مجدداً في أعماق البحر.

تحرّكت القوات البحرية للتحقيق في الحادث، وأخذت تجمع شهادات بعض من شاهدوه في قرى الساحل، قبل أن يعاود الوحش ظهوره، مطيحاً بمزيد من السفن ومنتقلاً إلى اليابسة، حيث تسبّب في مقتل ضحايا كثيرين. لم يكن هناك ريب في أن مدينة طوكيو ستكون الهدف التالي لهذا الوحش الذي لم تنفع معه جميع الأسلحة. وكان الدمار الذي لحق بطوكيو شبيهاً بذلك الذي لحق بمدينتَي هيروشيما وناغازاكي، خصوصاً أن الوحش كان ملوّثاً بالإشعاع النووي.

قال أحد المسؤولين حينها: «إذا لم تقضِ عليه القنبلة النووية، فكيف سنقضي نحن عليه؟».

سؤال وجيه، لكن ذلك لم يوقف محاولات اليابانيين التصدّي للوحش والقضاء عليه... أو هكذا خُيّل لهم.

«غودزيللا» الأول: الوحش في المدينة (توهو كومباني)

تميُّز

ورد كل ما سبق في فيلم «غودزيللا» الذي أخرجه حينها إيشيرو هوندا. وقد عاد الوحش للظهور 38 مرّة في أفلام يابانية، ثم أميركية - يابانية. وسيحطّ الفيلم الـ39 خلال أيام على الشاشات تحت عنوان «غودزيللا ناقص صفر» (Godzilla Minus Zero)، وسنراه في الشهر الثالث من العام المقبل في فيلم يجمعه مجدداً بكينغ كونغ، عنوانه «Godzilla x Kong: Supernova».

باتت أفلام غودزيللا منذ سنوات عدَّة تقدّمه وحشاً كارثياً يهدّد السلامة البشرية بقوّته الطاغية. وما بات يغيب عن معظم تلك الأفلام هو التعامل مع الدوافع التي وفّرها الفيلم الأول وبعض الأفلام التي تبعته في الخمسينات والستينات؛ وهي أن الوحش لم يكن ليظهر على السطح لولا التجارب النووية التي أجراها الروس والأميركيون، بموافقة اليابان، في البحار القريبة.

بذلك حمل «غودزيللا» وتوابعه الأولى رسائل سياسية تحذّر من مغبّة السلاح النووي. وهو أمر شاركت هوليوود في إثارته في الستينات عبر أفلام لا علاقة لها بالوحوش، مثل «على الشاطئ» لستانلي كرامر، و«دكتور سترانجلف» لستانلي كوبريك، و«لعبة الحرب» لبيتر ووتكنز.

ما ميّز سلسلة «غودزيللا» عن تلك الأفلام الهوليوودية هو أنها دمجت سينما الوحوش الجوراسية بالرسالة السياسية. لاحقاً، جرى تخفيف الرسالة السياسية والدفع باتجاه التقليل من التحذير من الويلات النووية، لصالح إنتاجات ضخمة تحتفي بالوحش بوصفه مصدر خطر بذاته فقط؛ بقوّة بدنية طاغية سيفشل البشر في التصدّي لها، قبل أن يعود إلى أعماق البحر ويتنفّس الناس الصعداء، بانتظار فيلمه المقبل.

وكان على الفيلم المقبل، تبعاً للتقاليد، أن يكون أكبر، والخطر أشدّ. فلمَ لا يُجمع هذا الوحش الأسطوري مع وحش آخر من النوع نفسه وبالضخامة نفسها، مثل كينغ كونغ؟

سبق كينغ كونغ غودزيللا في الظهور على الشاشة، إذ اكتشفه فيلم «كينغ كونغ» لماريون س. كوبر سنة 1933. فيه نتابع سفينة تبحث عن قبيلة على جزيرة مخفية، فتكتشف وجود وحوش ما قبل التاريخ، وفي مقدّمتها تلك الغوريلا الضخمة التي تقع في حب بطلة الفيلم (فاي راي). وعندما يُقبض عليه ويُنقل إلى نيويورك للمتاجرة به، يفكّ قيوده وينطلق باحثاً عن الفتاة الشقراء التي أحبّها من النظرة الأولى، ليحملها إلى سطح مبنى الإمباير ستايت، مواجهاً الطائرات الحربية التي تهاجمه، قبل أن يقضي عليه حبّه.

الفيلم المقبل من السلسلة «غودزيللا ناقص صفر» (روبوت كوميونيكاشن)

استلهام حادثة حقيقية

كان «كينغ كونغ» الأصلي، في الواقع، رومانسياً في الباطن وتشويقياً في الظاهر. وما يجمعه مع «غودزيللا» هو تلك النبرة الحزينة عن حال وحش كان يفضّل البقاء مجهولاً، لولا قيام الإنسان بانتشاله من بيئته.

بدأ الجمع بين «غودزيللا» و«كينغ كونغ» سنة 1963 بفيلم آخر لإيشيرو هوندا، هو «King Kong vs. Godzilla». لكن المخرج، إذ استعار كينغ كونغ من الغرب ليجمعه مع ندّه الشرقي، حافظ على النبرة السياسية وأدان، عبر حكايته، المتاجرة بالوحشين، كما فعل «كينغ كونغ» الأول.

لاحقاً، عندما اندفعت هوليوود لإنتاج «غودزيللا» الخاص بها سنة 1989، بفيلم من إخراج رولاند إيميريش، استغنت عن المعاني التي تداولتها السلسلة اليابانية لصالح الإبهار التقني. وتكرّر ذلك في «غودزيللا» هوليوودي آخر سنة 2014، عبر فيلم لغارث إدواردز. ولم تمضِ إلا بضع سنوات حتى بدأ الجمع بين الوحشين الضخمين على الطريقة الهوليوودية، في فيلمين أخرجهما آدم وينغارد، هما «غودزيللا ضد كينغ كونغ» (2021)، و«غودزيللا ضد كونغ: الإمبراطورية الجديدة» (2023). هذا مع العلم أن السينما اليابانية نفسها جمعت كذلك بين بطلها غودزيللا ووحوش جوراسية أخرى، ضمن الفحوى نفسه الملائم للفيلم الأول من السلسلة.

لكن لا شيء مما يُنتج حالياً يشابه، في فحواه وغاياته، نسخة هوندا سنة 1954. ففيها أمانة في ضمّ البعد السياسي إلى الحكاية الخيالية. وبداية الفيلم، حيث تتعرّض سفينة الصيد لغضب الوحش، تلتقي مع حادثة فعلية لسفينة صيد يابانية تعرّض بحّارتها لإشعاع نووي، بفعل تجربة نووية أجرتها الولايات المتحدة قبل 3 سنوات من إنتاج الفيلم.

مضى «غودزيللا»، كما قدّمه هوندا، إلى أبعد من مجرّد ربط الحادثة ببداية الفيلم؛ فالوحش الذي أُوقظ من سباته في أعماق المحيط بدا غير قادر على استيعاب ما أيقظه. بات الإنسان عدوّاً له. وأكثر من ذلك، يدمّر معظم طوكيو في ثورته، مذكّراً بما حاق بمدينتَي ناغازاكي وهيروشيما. وعندما يعود إلى حيث أتى، يترك بصمته لنا لنتذكّر.

إنها رسالة بالغة الأهمية، ضاعت في طيّات الرغبة في استغلال غودزيللا كوحش مخيف فقط. فالأفلام اللاحقة، في العقدين الأخيرين على الأخص، أبقت على الوحش وأهملت رسالته، في الوقت الذي كان يمكن لها أن تنجز الاثنين معاً، كما فعلت الأفلام الأولى. لم يهتمّ صانعو أفلام «غودزيللا» الحديثة إلا بكيفية تحويل الوحش إلى مصدر مادي، شأنه شأن كل السلاسل الأخرى، من «باتمان» إلى «جوراسيك بارك»، ومن «كوكب القردة» إلى «سبايدر مان» و«ستار وورز».


شاشة الناقد : «المواطن أسامة» و«القضية رقم صفر»... الإنسان بين الحرب وأزماته النفسية

«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
TT

شاشة الناقد : «المواطن أسامة» و«القضية رقم صفر»... الإنسان بين الحرب وأزماته النفسية

«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)

مخرج «المواطن أسامة» أحمد حسّونة (حسابه الشخصي)

المواطن أسامة

(جيد)

* إخراج: أحمد حسّونة

* فلسطين (2026) | النوع: تسجيلي

الكاميرا التي تصوّر «كاميرا مان» فلسطينياً ينتقل في الشوارع العارية من الحياة وبين المباني المدمّرة تقول كل شيء عن المصوّر وغزّة. هناك نوع من الإخراج المباشر للواقع لا يحتاج إلى تقنيات عالية، ولا إلى إدخال عناصر تكمّل ما يهدف المخرج إلى إيصاله للمشاهدين.

كل شيء في «المواطن أسامة» واضح. هو عن رجل وكاميرا وأسرته وعلاقاته بالبشر الآخرين. كذلك هو عن غزّة وما كابدته من دمار وإبادة نتج عنهما مقتل قرابة 200 مصوّر وصحافي، من بين العدد الهائل الذي تجاوز 70 ألف ضحية. نشاهد المصوّر الصحافي أسامة العشّي تلازمه أصوات القصف ومشاهد الدمار. أسامة محمّل بالحزن على الواقع وبالخوف على سلامة عائلته. لا يذكر الكثير عن سلامته، لكن الفيلم يوحي دوماً بأنها مهدّدة في أي لحظة. قيمة الفيلم هي أنه لا يطلب منّا أن نشاهد ما يفعله الإسرائيليون بالفلسطينيين، بل أن نشاهد كيف يعيش الفلسطينيون حياتهم، من خلال متابعة شخص واحد لا يريد التوقّف عن عمله.

لا يصف المخرج حسّونة العدوان بالكلام، ولا يهتم بإيراد شهادات ضحايا الوضع أو بتصوير مشاهد العنف لذاتها. هذا كلّه ظهر في أفلام أخرى. رغم ذلك، لا يفتر تأثير الفيلم على مشاهديه؛ لأن موضوعه هو إنسان عليه أن يعمل لينقل إلى العالم صورة، وعليه أن يُعنى بتأمين الطعام والماء لأسرته والتعامل مع ظروف النزوح.

هذا فيلم تسجيلي عارٍ من الإضافات التقنية والتدخّلات الفنية التي نراها في أفلام تسجيلية أخرى. لذا فهو، مثل «صوت هند رجب»، ولو كان بعيداً عنه أسلوباً وموضوعاً، يعرض الحالة جيّداً، ولا يطلب لنفسه أكثر من ذلك.

القضية رقم صفر

(جيد)

* إخراج: كاظم فيّاض

* لبنان/الإمارات (2026) | النوع: دراما نفسية

هناك لقطة خاطفة في الدقائق الأخيرة من الفيلم تصوّر المحامي، محور الفيلم، بكاميرا بعيدة، وهو يتحدّث بصوت عالٍ وحادّ. المشكلة هي أن أحداً ليس موجوداً حوله. اللقطة التالية تعود إلى ما سبقها، حيث يواجه المحامي أسئلة عن الأزمة التي يعاني منها، ما يكشف سرّاً دفيناً يتجاوز الوضع الراهن ليعود إلى أمس بعيد.

في أساسه، «القضية رقم صفر» دراما نفسية ذات عقدة تبحث في العلاقة بين الإنسان ووالديه، وبينه وبين فكرة الموت، باعتبار الحياة فخّاً فُرض عليه العيش فيه. شخصيات الفيلم مجتمعة في مكان واحد، ومتنافرة في الأفكار والمواقف في كل اتجاه.

الطريقة التي صاغ بها المخرج رؤيته هذه مثيرة للاهتمام؛ إذ تدخلنا في واقع، ثم تأخذ هذا الواقع وتدمجه بالخيال، قبل أن تطيح به أيضاً. ليس تنفيذ هذا سهلاً، وفي البال صنع «ثريلر» منه، خصوصاً أن الأحداث تقع غالباً داخل مكان واحد. وعندما تنتقل إلى أماكن أخرى، تبقى في الداخل، باستثناء مشهد واحد يقع في الشارع. فيلم كاظم فيّاض، وهو فيلمه الثاني بعد «يوسف» الذي قدَّمه قبل 3 سنوات، دراما داكنة مع موجات من الكوميديا السوداء، تتجلّى في الفصل الثاني، من أصل 4، عندما يبدو أن جميع من في مكتب المحاماة يعانون من فوضى التواصل. ويتّضح السبب في ذلك في الفصلين التاليين، حيث يُكشف عمّا تؤول إليه أحوال كل هذه الشخصيات. للأسف، هناك بعض التكرار في مشاهد الفصل الرابع، وإن كان لا يؤثر على سياق الفيلم إلا بقدر محدود.

«القضية رقم صفر» عمل جادّ ومختلف عمّا يتوقّعه معظمنا. القصّة نفسها يمكن أن تُروى بأكثر من وسيلة أو أسلوب، لكن اختيار المخرج لوسيلته يعكس رغبته في ذلك الاختلاف ورؤيته الخاصّة لما يطرحه. فيلم طموح بأسلوب يحتاج من المشاهد إلى بعض المثابرة قبل الوصول إلى قاع أزمات أبطاله. والتمثيل ممتاز من الجميع بلا استثناء، ويعود ذلك إلى إدارة محكمة وعلاقة هندسية يرسمها المخرج جيّداً بين المكان واللقطة والشخصية.


أحمد حسّونة: الحرب كانت تكتب أحداث «المواطن أسامة» أمامنا

أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)
أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)
TT

أحمد حسّونة: الحرب كانت تكتب أحداث «المواطن أسامة» أمامنا

أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)
أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)

يُضيف فيلم المخرج الفلسطيني أحمد حسّونة «المواطن أسامة» جديداً إلى الأفلام التي تناولت القضية الفلسطينية، وهي كثيرة، خصوصاً خلال السنوات الثلاث الأخيرة. تكمن جدّته في تناول حياة العاملين في المهنة الصحافية أنفسهم. فأسامة مصوّر صحافي ينتقل من فاجعة إلى أخرى ليوثّقها وينقلها إلى العالم، فيما يجد نفسه، شأن كلّ فلسطيني في غزّة، مطالَباً بالاهتمام بعائلته وتأمين الأمان والطعام والشراب لها. باختصار، هو إنسان عليه أن يعيش ويبني، فيما يمضي العدو في القتل والتدمير.

لدى المخرج كثير مما يقوله في هذا الحديث عن الفيلم وظروف تصويره وإنتاجه. إنها تجربة مهمّة بذاتها، عُرضت في «مهرجان فينيسيا السينمائي»، حيث لم يتمكّن المخرج من الحضور، ومن المقرّر عرض الفيلم في الدورة المقبلة من «مهرجان الجونة السينمائي». كذلك اختير لتمثيل السينما الفلسطينية في سباق «أوسكار» أفضل فيلم دولي لعام 2027.

مخرج «المواطن أسامة» أحمد حسّونة (حسابه الشخصي)

اختيارات ومخاطر

> كيف تكوّنت فكرة تصوير فيلم عن المصوّر أسامة؟

- بدأت الفكرة من حياة المصوّر أسامة العشي اليومية خلال الحرب. كان أسامة يعمل صحافياً في شمال قطاع غزّة، وفي الوقت نفسه أصبح أباً للمرة الأولى. ما جذبني لم يكن عمله صحافياً فحسب، بل الإنسان الموجود خلف الكاميرا؛ الأب والزوج والمواطن الذي يعيش الحرب نفسها التي يقوم بتغطيتها.

في البداية، كانت الفكرة بسيطة، أن أتابع أسامة داخل بيته وفي عمله، ونرى كيف يعيش الصحافي حياته عندما يترك الكاميرا ويعود إلى عائلته. لكن الأحداث نفسها هي التي كوّنت الحكاية وغيَّرت مسارها باستمرار.

لم يكن لدينا سيناريو يستطيع التنبّؤ بما سيحدث، لأننا أصلاً لم نكن نستطيع توقّع الأحداث المأساوية التي ستقع في اليوم التالي. في النهاية، ممارسات الاحتلال الإسرائيلي وما كان يحدث على الأرض هي التي رسمت مسار الفيلم. كنّا نتابع أسامة وعائلته، والحرب هي التي كانت تكتب الأحداث أمامنا.

> ماذا كان يعني تصوير فيلم في غزّة خلال هذه المحنة، وما الخطر الذي كان التصوير يمثّله؟

- كان يعني ببساطة أننا نصوّر واقعاً نحن أنفسنا محاصرون داخله. نحن أشخاص موجودون في بقعة صغيرة ومحاصرة، نتعرّض للقصف ونعيش الخوف والنزوح وفقدان الأشخاص من حولنا، مثل بقية الناس. لذلك لا أحبّ أن أقدّم استمرارنا في التصوير على أنه فعل بطولي.

كانت هناك لحظات لم أستطع فيها أصلاً حمل الكاميرا، وفي أوقات أخرى كان أعضاء من الفريق يتوقّفون للاهتمام بعائلاتهم، أو نتوقّف جميعاً لأن الظروف لا تسمح بالعمل. لكن الحرب استمرّت طويلاً، ولم تتوقّف الأحداث، ومع الوقت شعرنا بأن مسؤولية تقع علينا، نحن الموجودين داخل غزّة، بأن نحفظ شيئاً من هذه الذاكرة. ليست هناك بطولة تُذكر، بل كنّا هنا ونعيش ما يحدث.

> لماذا اخترت أسامة دون سواه من المصوّرين الصحافيين؟ ولماذا تناولت مصوّراً واحداً عوضاً عن تقديم فيلم عن مجموعة منهم؟

- كنتُ أبحث عن شخص واحد أستطيع من خلاله الدخول بعمق إلى الحياة اليومية للإنسان خلال الحرب. عندما بدأنا التصوير، كان أسامة زميلاً أعرفه، ولم تكن بيننا في البداية تلك الصداقة العميقة. لكن خلال صناعة الفيلم، ومع قلّة عدد الأشخاص الذين بقوا في شمال قطاع غزّة والظروف التي كنّا نعيشها، أصبحت قريباً من أسامة وعائلته، ونشأت بيننا ألفة كبيرة، وتحوّلت العلاقة مع الوقت إلى صداقة.

كما أنّ أسامة أصبح أباً للمرة الأولى خلال الحرب، وهذا فتح أمامي مساحة إنسانية مهمّة جداً؛ صحافي يحاول القيام بعمله، وفي الوقت نفسه أب جديد يحاول حماية طفله وزوجته، ومواطن يبحث مثل الجميع عن الطعام والأمان وأبسط حاجات الحياة.

لهذا فضّلت البقاء مع شخصية واحدة بدلاً من مجموعة شخصيات. كنت أريد الذهاب إلى العمق، لا إلى العدد.

من كواليس تصوير «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)

مرحلة ما بعد التصوير

> كيف كانت العلاقة المهنية مع المنتج رشيد مشهراوي؟ هل اقترح خطّة عمل أو تعديلات؟

- كان رشيد مشهراوي مُشرفاً على المشروع، لكن طبيعة التواصل بيننا خلال الحرب كانت مختلفة جداً بسبب الظروف والخطر الذي كنّا نعيشه. كنت أتواصل معه من وقت إلى آخر للاطمئنان، لكنني كنت أتجنّب الحديث بوضوح عن الفيلم أو تفاصيل ما نعمل عليه. في الحقيقة، لم تكن لديه صورة واضحة عمّا إذا كنّا لا نزال نصوّر أم لا، لأننا لم نكن نعرف إن كان هذا الفيلم سيُنجز في النهاية.

كانت الظروف في غزّة شديدة الخطورة. كنّا نعرف أنّ أي طارئ يمكن أن يحدث في أي لحظة. قد أُقتل أنا، أو يحدث شيء لأسامة، أو يُصاب أحدنا إصابة بالغة، أو نتوقّف عن العمل نهائياً. لذلك لم يكن منطقياً بالنسبة إليّ أن أتعامل مع المشروع كأنه فيلم يسير وفق خطّة وسيكتمل بالتأكيد.

بعد وقف إطلاق النار، استطعنا إيصال المواد إلى مرحلة أصبح فيها إعداد النسخة الأولى من الفيلم ممكناً. وعندما أنجزت المسودة الأولى، أرسلتها إليه، ومن هنا بدأت مرحلة مختلفة تماماً من علاقتنا المهنية.

بدأ دوره يتّسع بكونه منتجاً ومشرفاً فنياً على العمل، خصوصاً في مرحلة ما بعد التصوير، من مشاهدة النسخة والعمل على البناء والترتيب والتفاصيل التي تقود إلى النسخة النهائية. ثم برزت أهمية خبرته في المرحلة التالية أيضاً. فرشيد مخرج ومنتج فلسطيني من غزّة، لديه خبرة طويلة في السينما والمهرجانات الدولية، ولذلك كان لدوره أهمية كبيرة في استكمال الفيلم ومرافقته في رحلته إلى المهرجانات والجمهور خارج غزّة.

> هل تعرّضتم لخطر ما خلال التصوير؟

- نعم، مرّات كثيرة. لم يكن الخطر حادثة منفصلة وقعت خلال صناعة الفيلم، وإنما كان جزءاً من الواقع اليومي الذي كنّا نعمل داخله.

أُصيب أحد أفراد فريق التصوير، حاتم سيلمي، خلال العمل. وفي مراحل مختلفة، اضطر بعض أعضاء الفريق إلى التوقّف للاهتمام بعائلاتهم، وكنّا نتوقّف عن التصوير عندما يشتدّ الخطر أو نُضطرّ إلى النزوح.

وفي إحدى المرّات، كان هناك تهديد خطير بجوار منزلي، وكان عليَّ إخلاء عائلتي بينما كنت بعيداً عنها. في تلك اللحظة، لم أفكّر في الفيلم أو المواد المصوَّرة؛ كان كلّ تفكيري منصبّاً على إخراج عائلتي من منطقة الخطر. ولم أتذكّر المواد الموجودة في المنزل إلا بعدما أصبحت عائلتي في مكان آمن. وبعد قصف المنزل المجاور، عدت عندما أصبح ذلك ممكناً، ووجدت أنّ المواد المصوَّرة لا تزال محفوظة.

وهناك أيضاً الخطر النفسي والإنساني، وليس الجسدي فحسب. بعد استشهاد شقيقي، توقّفت عن التصوير شهرين أو 3 تقريباً. في لحظات مثل هذه، لا تفكّر في كونك مخرجاً، وإنما في أنك إنسان فَقَدَ شخصاً من عائلته.