إعلان ترشيحات جمعية المصورين الأميركية

مصورون تحدثوا عن تجاربهم في 5 أفلام

TT

إعلان ترشيحات جمعية المصورين الأميركية

أعلنت «جمعية المصورين الأميركية» قبل ثلاثة أيام ترشيحاتها لجوائزها السنوية لهذا العام. ستكون المناسبة السادسة والثلاثين التي توزع فيها هذه الجمعية المتخصصة جوائزها هذه. وتنطلق المناسبة في العشرين من شهر مارس (آذار) في حفلة فعلية (بحضور ضيوف) وأثيرية على النت في وقت واحد.
لطالما شغلت جوائز «جمعية المصورين الأميركية» الاهتمام لكونها من بين تلك الأكثر تخصصاً ومدعاة للاحترام. ليست الجمعية المتخصصة الوحيدة، لكن مجال تخصصها، وهو التصوير السينمائي، يجعلها من بين الأبرز في ميدان السينما، خصوصا أن معظم من فيها من المصورين لهم وزنهم في ترشيحات الأوسكار، وبالتالي معظم ترشيحاتها تصب في ترشيحات أكاديمية العلوم والفنون السينمائية، وكذلك الفيلم الفائز بينها.
ولا يُقبل انضمام عضو لهذه الجمعية إلا إذا كان مدير تصوير فعليا. العروض تنطلق للأعضاء البالغ عددهم 433 كامل العضوية، قبل نهاية العام. والاقتراح بحسب النقاط التي يفوز بها كل فيلم.
هناك خمسة أفلام في سباق جائزة تصوير أفضل فيلم روائي وأربعة في ميدان الفيلم التسجيلي. لجانب هاتين المجموعتين هناك جوائز للتصوير التلفزيوني مخصصة للأفلام المصنوعة لحساب التلفزيون (ستة أفلام) وللحلقات التلفزيونية التي يبلغ مداها ساعة واحدة وهذه منقسمة لاثنتين: تلك المعروضة على محطات تجارية والأخرى المعروضة على محطات غير تجارية (ستة أفلام لكل قسم).
بطبيعة الحال، ولأسباب تتعلق بالعلاقة الجوهرية بين التصوير وصناعة السينما، تستأثر المسابقة المخصصة للتصوير السينمائي بالاهتمام الأول. ليس فقط لأن أصحابها مرشحون للترشيحات وللجوائز اللاحقة فقط، بل أيضاً لكون فن التصوير السينمائي واحدا من أرقى فنون السينما والمضمار الذي عليه أن يتبع كل تفصيل لكل عنصر رئيسي آخر. هو ما يمنح الفيلم صورته وبصرياته والممثل وجهه والديكور مكانته والنوع الذي ينتمي إليه الفيلم جوه.
طبعاً، هذا إذا ما كان مدير التصوير متمكنا من فنه كحال المرشحين الخمسة الذين يقودون أفلامهم صوب احتمالات الفور وهم: برونو دلبونل وكريغ فرايزر ودان لاوستن، وآري وغنر وهاريس زامبارلوكوس عن «بلفاست».
هذا يعني غياب المجموعة المركزية التي يتردد اسمها في معظم المناسبات السابقة أمثال روبي رايان (المفضل لدى المخرجين سالي بوتر وكينيث لوتش)، روبرت رتشردسون (يعمل كثيراً مع مارتن سكورسيزي وكونتن تارنتينو من بين آخرين) وروجر ديكنز (عادة مع الأخوين جووَل وإيتان كووَن) وسواهم. التالي ملاحظاتنا على هذه النخبة من مديري التصوير ومقتطفات مما أعلنوه في جلسات جمعتني بهم، من بين آخرين، قبل إعلان النتائج ببضعة أسابيع.

> برونو دلبونل: «مأساة ماكبث»
(The Tragedy of Macbeth)
لفيلمه الأول منفصلاً عن شقيقه إيتان، قام المخرج جووَل كووَن بالاستعانة بمدير التصوير برونو دلبونل الذي كان صور للأخوين سابقاً «داخل ليووين ديڤيز» (2013) و«أنشودة بستر سكروغز» (2018) والذي سبق له أن صور للفرنسي جان - جاك جونيه «إميلي» وللراحل بيتر بوغدانوفيتش «مواء القطة» (كلاهما سنة 2001).
الفيلم تجربة خاصة على أكثر من صعيد: مصور بالأبيض والأسود والكادر ضيق والديكورات بسيطة ما أتاح لمدير التصوير الفرنسي تتويج كل ذلك بملامح بصرية كلاسيكية وشعرية. يقول: «كنت قرأت شكسبير خلال دراستي لكني لا أدعي أنني فهمته. من الصعب ترجمة اللغة الفترة الإليزابيتية إلى الفرنسية. لذلك عمدت لسؤال جو عن فحوى «ماكبث»، وهنا حدد لي المخرج ما يريده تماماً. قال لي إنه لا يريد التصوير في اسكوتلندا ولا تصوير الفيلم كمسرحية. ما كان مهماً بالنسبة إليه هو الإيقاع.
الأمر الثالث الذي أصر عليه المخرج هو التصوير بالأبيض والأسود: «رأى إنه إذا كان الفيلم ملوناً فإن ذلك يعني تلوين الجدران والأبواب وغيرهما من الديكورات وهو لم يرغب في ذلك. ووافقته فوراً. في الفيلم لا تعرف الليل من النهار. كلاهما مصور بلون واحد تقريباً، ومع مطلع الفيلم تعتقد أنك تتطلع إلى السماء الرمادية بينما الكاميرا تصور لك الأرض الرمادية. وهناك وحدة إيقاع فعلية من خلال أسلوب التصوير وأسلوب جو في الإخراج».

> كريغ فرايزر: «دون» (Dune)
هذا هو الفيلم الخيالي - العلمي الأول لمدير التصوير (الأسترالي) كريغ فرايزر. أكثر من ذلك، لم يكن لديه هوس إنجاز رواية فرنك هربرت فيلماً كما كان حال المخرج الكندي دنيس فيللنييف «هذا كان هاجس المخرج منذ 40 سنة. أما أنا فكنت غريباً عن روح الرواية. لكننا جلسنا طويلاً خلال التحضير وأعطاني رأيه في الشكل الذي يتوخاه». ولم يفاجأ فرايزر برغبة المخرج تحقيق فيلم كبير بشاشة عريضة: «ذكرنا (لورنس العرب)، وتحدثنا عن أن الفيلم سيعرض في صالات آيماكس، لكن كان علينا أن نختار وسيطاً في نظم التصوير يصلح لتلك الشاشة الضخمة وللشاشات التقليدية أيضاً».
أحد الأمور المهمة التي تباحث فرايزر وفلنييف حولها طويلاً كيفية التعامل مع المشاهد الخارجية والداخلية والرأي استقر، كما يقول فرايزر، على الحل التالي: «قررنا أن نمنح كل المشاهد النظام ذاته من التصوير مع منح المشاهد الداخلية ألفة ودفئاً. بعض الكاميرات لديها خاصية تحقيق ذلك حتى ولو حافظت على نظام الصورة الكبيرة».

> دان لاوستن: «زقاق الكابوس» (Nightmare Alley)
هو الفيلم الجديد لغويلرمو دل تورو («شكل الماء»، «كريسمون بيك»... الخ) والمخرج يؤكد أنه ليس إعادة صنع لفيلم سابق قام إدموند غولدينغ بتحقيقه سنة 1947 من بطولة تايرون باور وجوان بلوندل، بل هو اقتباس من الرواية ذاتها كما كتبها ويليام لندساي غريشوم. بناء على ذلك قرر مدير التصوير دان لاوستن عدم مشاهدة ذلك الفيلم: «لم أشاهد الفيلم الأول، واكتفيت بتريلر فقط. تحدث معي عن هذا الفيلم قبل نحو سنة من بدء التصوير (الذي تم في كندا) والتقينا عندما قرر أن يكون «زقاق الكابوس» فيلمه التالي بالفعل، وتباحثنا في تفاصيل تصويره من كل الجوانب». ومن بين ما تحدثا بشأنه إذا ما كان من الأفضل تصويره بنظام سينما سكوب أو بنظام 65 مم. واستقر الرأي على النظام الثاني. عمد دان إلى عدة كاميرات من نوع Arri Alexa وبؤراتها المتنوعة: «لهذا الفيلم قررنا أن نصور من زاوية عريضة ومنخفضة عن المعتاد».
الزاوية المنخفضة لا تشمل مشاهد الفيلم إلا بنسبة الثلث تقريباً. إنها غالباً في المشاهد القريبة ومشاهدة ملاحقة سير شخصيات الفيلم أو في بعض تلك الداخلية. ما هو أكثر فاعلية اللعب بالإضاءة لإنجاز «لوك» متميز بعناصر إنتاجية ما زالت ترنو إلى الماضي.

> آري وَغنر: «قوة الكلب»
(The Power of the Dog)
كنا تناولنا هنا بتوسع فيلما «مأساة ماكبث» و«قوة الكلب»، كلاهما ينتمي إلى فترة تاريخية وأصول أدبية مختلفة. «قوة الكلب» هو وسترن معاصر (كون أحداثه تقع سنة 1925) حول صاحب مزرعة يبدأ الفيلم به قوياً وينتهي به ضعيفاً. بالنسبة لمديرة التصوير آري وَغنر كانت الرغبة الأولى تحقيق فيلم «يدعوك لمشاهدته مرة ثانية أو تبقى مشاهده عالقة في البال».
التحضير لتصوير الفيلم كان مهماً من حيث إن رغبة المخرجة جين كامبيون التصوير في نيوزيلاند وليس في ولاية مونتانا (حيث تقع الحكاية): «اتصلت بي كامبيون قبل سنة وشهر من بدء التصوير وحدثتني عن المشروع. كان واضحاً لدي أن الانتقال من مونتانا إلى نيوزيلاند يفرض علينا تفاصيل تتعلق بالفصول الطبيعية والألوان كما بالمواقع. انطلقنا لمواقع تعرفها المخرجة كما تعرف كفها وحاولنا الإحاطة بكل العراقيل المحتملة بحيث لا نتعرض خلال التصوير لأي منها».
وتضيف «للتصوير الداخلي اعتمدنا أساساً على الإضاءة الطبيعية ما عدا الحالات التي كان علينا توزيع مصادر الإضاءة تبعاً لضرورات المشهد».

> هاريس زامبارلوكوس:
«بلفاست» Belfast
«بلفاست» هو الفيلم الوحيد بين هذه الأفلام الذي يتداول سيرة ذاتية. لكنه الثاني بينها المصور (في معظمه) بالأبيض والأسود، كما حال «مأساة ماكبث» والثاني الذي استخدم نظام 65 مم. يقول مدير تصويره (من أصل قبرصي): «عملت مع كينيث برانا ثماني مرات حتى الآن (بدأ تعاونهما معاً في فيلم Sleuth سنة 2007) ولهذا المشروع قررت أن أستمع إليه أساساً؛ لأن المشروع يخص مرحلة من حياته. كنت أريد أن أعرف منه كيف ينظر إلى ذكرياته صبياً وذكريات المدينة التي وُلد فيها، بلفاست قبل أن أبدي رأيي. هذا ساعدني على تكوين فكرة فنية عن كيف سنقوم بمعالجة الموضوع».
لمثل هذا الفيلم متطلبات كثيرة كونه يُعود لمرحلة سابقة من مدينة بلفاست وعماراتها وملامح شوارعها آنذاك، لكن هاريس يتولى القول بأن التصوير خلال وباء كوفيد لم يكن أقل صعوبة: «بدأنا المشروع على الهاتف بعد أن أرسل لي السيناريو. تبادلنا الاتصال عن بعد. عندما انتقلت إلى بلفاست كنت سعيداً كون العديد من الأماكن ما زالت كما كانت حين كان برانا ما زال ولداً. الواقع أن الأماكن التي اخترناها للتصوير تساعدنا على إيجاد دفء العلاقة بين الفيلم وبطله وبينهما والمشاهد».
اعتمد زامبارلوكوس على نظام بانافيجين (Large Format System 65 Lenses) وهذا نظام قديم نوعاً ما تم استنباطه في مطلع التسعينات: «أفضل هذا النظام ودائماً ما أصور به. ولم يكن هناك داع للتصوير بكاميرا ثانية. في معظم الفيلم اكتفيت بكاميرا واحدة».


مقالات ذات صلة

«مسألة حياة أو موت» يُمثِّل السعودية في سباق «الأوسكار»

يوميات الشرق فيلم «مسألة حياة أو موت» يُقدِّم حكاية تمزج الرومانسية بالكوميديا السوداء (هيئة الأفلام السعودية)

«مسألة حياة أو موت» يُمثِّل السعودية في سباق «الأوسكار»

اختارت السعودية الفيلم الروائي «مسألة حياة أو موت» لتمثيلها رسمياً في جوائز الأوسكار لفئة أفضل فيلم دولي خلال الدورة 99 في خطوة تعزز حضور سينما المملكة دولياً.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق يشكل المنتدى منصة تجمع المستثمرين وصناع الأفلام (هيئة الأفلام)

«منتدى الأفلام السعودي» يعود إلى الرياض أواخر أكتوبر

تنطلق النسخة الرابعة من منتدى الأفلام السعودي يومي 28 و29 أكتوبر في استوديوهات جاكس للأفلام بالرياض، برعاية الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان

يوميات الشرق «مهرجان السينما الأوروبية» من 8 إلى 17 أكتوبر (متروبوليس)

«مهرجان السينما الأوروبية» يحتفي بالكوميديا والرومانسية والكلاسيكيات

يستمرّ المهرجان حتى 17 أكتوبر في سينما «متروبوليس» بشارع مار مخايل في بيروت، وتُنظّمه بعثة الاتحاد الأوروبي في لبنان.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ياسمين المصري وكلارا خوري في مشهد من فيلم الافتتاح «شكراً لأنك تحلم معنا» (إدارة المهرجان)

«السينما الفلسطينية بالسويد» يروي حكايات المعاناة والذاكرة

اختارت لجنة المهرجان 22 فيلماً للمسابقة الرسمية من بين 73 عملاً تقدّم بها صنّاع سينما من قرابة 20 دولة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الخالة خلال مشاركتها في وثائقي «سكوت السهل» (زينة صفير)

«سكوت السهل»... زينة صفير تكسر صمتاً عمره نصف قرن

تتنقّل في الفيلم بين الذاكرة العائلية الحميمة وتاريخ البلاد، ساعيةً إلى فهم مأساة لم تنتهِ بانتهاء الحرب.

فيفيان حداد (بيروت)

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
TT

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)

أعلنت «استوديوهات MBC»، الذراع الإنتاجية لـ«مجموعة MBC»، اكتمال المراحل الأخيرة من فيلم «جحيم العابرين»، المقتبس من رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب السعودي أسامة المسلم، تمهيداً لعرضه في صالات السينما السعودية اعتباراً من 19 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، على أن يصل لاحقاً إلى عدد من المدن العربية.

وصُوّرت جميع مشاهد الفيلم في السعودية، وتولت إخراجه المخرجة السعودية هناء العمير، فيما كتب أسامة المسلم السيناريو المقتبس من روايته، ويشارك في بطولته أضواء بدر، وباسل الصلي، ومحمد علي، وشجاع نشاط، وعزيز غرباوي.

وينتمي «جحيم العابرين» إلى سينما التشويق والغموض والرعب، مستنداً إلى الأسلوب الذي عُرف به المسلم في أعماله الأدبية، والقائم على مزج الفانتازيا بالإثارة النفسية، وتقديم شخصيات وأحداث غامضة ضمن حبكة متسارعة.

وتبدأ أحداث الفيلم على طريق منعزلة، عندما تصادف فتاة تقود سيارتها بمفردها شاباً تعطلت مركبته، فتقرر مساعدته وإيصاله إلى أقرب محطة، رغم شعورها بالقلق تجاه الموقف. وسرعان ما تتحول الرحلة في عتمة الليل إلى سلسلة من الأحداث الغريبة والمخيفة، لتدخل الشخصيتان في مواجهة متصاعدة مع مخاطر تضع إمكانية نجاتهما موضع تساؤل.

يأتي الفيلم ضمن شراكة أعلنت عنها «استوديوهات MBC» وأسامة المسلم قبل نحو عامين، تستهدف تحويل عدد من روايات الكاتب السعودي إلى أعمال درامية وسينمائية.

ويحمل الفيلم بصمة المنتج محفوظ الزهراني، فيما تولى سفيان الفاني إدارة التصوير، وتولت شركة «Aflam Production» التنفيذ، وهو من إنتاج «استوديوهات MBC»، وإخراج هناء العمير، وقصة وسيناريو أسامة المسلم.


«غودزيللا» حمل رسالات سياسية استغنت السينما عنها لاحقاً

من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
TT

«غودزيللا» حمل رسالات سياسية استغنت السينما عنها لاحقاً

من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)

في عام 1954، وبينما كانت سفينة مدنية تمخر عباب البحر، فوجئ الركاب بوحش يخرج من تحت الماء. وحش ضخم ما لبث أن هاجم السفينة وأطاح بها وبمن فيها، قبل أن يغوص مجدداً في أعماق البحر.

تحرّكت القوات البحرية للتحقيق في الحادث، وأخذت تجمع شهادات بعض من شاهدوه في قرى الساحل، قبل أن يعاود الوحش ظهوره، مطيحاً بمزيد من السفن ومنتقلاً إلى اليابسة، حيث تسبّب في مقتل ضحايا كثيرين. لم يكن هناك ريب في أن مدينة طوكيو ستكون الهدف التالي لهذا الوحش الذي لم تنفع معه جميع الأسلحة. وكان الدمار الذي لحق بطوكيو شبيهاً بذلك الذي لحق بمدينتَي هيروشيما وناغازاكي، خصوصاً أن الوحش كان ملوّثاً بالإشعاع النووي.

قال أحد المسؤولين حينها: «إذا لم تقضِ عليه القنبلة النووية، فكيف سنقضي نحن عليه؟».

سؤال وجيه، لكن ذلك لم يوقف محاولات اليابانيين التصدّي للوحش والقضاء عليه... أو هكذا خُيّل لهم.

«غودزيللا» الأول: الوحش في المدينة (توهو كومباني)

تميُّز

ورد كل ما سبق في فيلم «غودزيللا» الذي أخرجه حينها إيشيرو هوندا. وقد عاد الوحش للظهور 38 مرّة في أفلام يابانية، ثم أميركية - يابانية. وسيحطّ الفيلم الـ39 خلال أيام على الشاشات تحت عنوان «غودزيللا ناقص صفر» (Godzilla Minus Zero)، وسنراه في الشهر الثالث من العام المقبل في فيلم يجمعه مجدداً بكينغ كونغ، عنوانه «Godzilla x Kong: Supernova».

باتت أفلام غودزيللا منذ سنوات عدَّة تقدّمه وحشاً كارثياً يهدّد السلامة البشرية بقوّته الطاغية. وما بات يغيب عن معظم تلك الأفلام هو التعامل مع الدوافع التي وفّرها الفيلم الأول وبعض الأفلام التي تبعته في الخمسينات والستينات؛ وهي أن الوحش لم يكن ليظهر على السطح لولا التجارب النووية التي أجراها الروس والأميركيون، بموافقة اليابان، في البحار القريبة.

بذلك حمل «غودزيللا» وتوابعه الأولى رسائل سياسية تحذّر من مغبّة السلاح النووي. وهو أمر شاركت هوليوود في إثارته في الستينات عبر أفلام لا علاقة لها بالوحوش، مثل «على الشاطئ» لستانلي كرامر، و«دكتور سترانجلف» لستانلي كوبريك، و«لعبة الحرب» لبيتر ووتكنز.

ما ميّز سلسلة «غودزيللا» عن تلك الأفلام الهوليوودية هو أنها دمجت سينما الوحوش الجوراسية بالرسالة السياسية. لاحقاً، جرى تخفيف الرسالة السياسية والدفع باتجاه التقليل من التحذير من الويلات النووية، لصالح إنتاجات ضخمة تحتفي بالوحش بوصفه مصدر خطر بذاته فقط؛ بقوّة بدنية طاغية سيفشل البشر في التصدّي لها، قبل أن يعود إلى أعماق البحر ويتنفّس الناس الصعداء، بانتظار فيلمه المقبل.

وكان على الفيلم المقبل، تبعاً للتقاليد، أن يكون أكبر، والخطر أشدّ. فلمَ لا يُجمع هذا الوحش الأسطوري مع وحش آخر من النوع نفسه وبالضخامة نفسها، مثل كينغ كونغ؟

سبق كينغ كونغ غودزيللا في الظهور على الشاشة، إذ اكتشفه فيلم «كينغ كونغ» لماريون س. كوبر سنة 1933. فيه نتابع سفينة تبحث عن قبيلة على جزيرة مخفية، فتكتشف وجود وحوش ما قبل التاريخ، وفي مقدّمتها تلك الغوريلا الضخمة التي تقع في حب بطلة الفيلم (فاي راي). وعندما يُقبض عليه ويُنقل إلى نيويورك للمتاجرة به، يفكّ قيوده وينطلق باحثاً عن الفتاة الشقراء التي أحبّها من النظرة الأولى، ليحملها إلى سطح مبنى الإمباير ستايت، مواجهاً الطائرات الحربية التي تهاجمه، قبل أن يقضي عليه حبّه.

الفيلم المقبل من السلسلة «غودزيللا ناقص صفر» (روبوت كوميونيكاشن)

استلهام حادثة حقيقية

كان «كينغ كونغ» الأصلي، في الواقع، رومانسياً في الباطن وتشويقياً في الظاهر. وما يجمعه مع «غودزيللا» هو تلك النبرة الحزينة عن حال وحش كان يفضّل البقاء مجهولاً، لولا قيام الإنسان بانتشاله من بيئته.

بدأ الجمع بين «غودزيللا» و«كينغ كونغ» سنة 1963 بفيلم آخر لإيشيرو هوندا، هو «King Kong vs. Godzilla». لكن المخرج، إذ استعار كينغ كونغ من الغرب ليجمعه مع ندّه الشرقي، حافظ على النبرة السياسية وأدان، عبر حكايته، المتاجرة بالوحشين، كما فعل «كينغ كونغ» الأول.

لاحقاً، عندما اندفعت هوليوود لإنتاج «غودزيللا» الخاص بها سنة 1989، بفيلم من إخراج رولاند إيميريش، استغنت عن المعاني التي تداولتها السلسلة اليابانية لصالح الإبهار التقني. وتكرّر ذلك في «غودزيللا» هوليوودي آخر سنة 2014، عبر فيلم لغارث إدواردز. ولم تمضِ إلا بضع سنوات حتى بدأ الجمع بين الوحشين الضخمين على الطريقة الهوليوودية، في فيلمين أخرجهما آدم وينغارد، هما «غودزيللا ضد كينغ كونغ» (2021)، و«غودزيللا ضد كونغ: الإمبراطورية الجديدة» (2023). هذا مع العلم أن السينما اليابانية نفسها جمعت كذلك بين بطلها غودزيللا ووحوش جوراسية أخرى، ضمن الفحوى نفسه الملائم للفيلم الأول من السلسلة.

لكن لا شيء مما يُنتج حالياً يشابه، في فحواه وغاياته، نسخة هوندا سنة 1954. ففيها أمانة في ضمّ البعد السياسي إلى الحكاية الخيالية. وبداية الفيلم، حيث تتعرّض سفينة الصيد لغضب الوحش، تلتقي مع حادثة فعلية لسفينة صيد يابانية تعرّض بحّارتها لإشعاع نووي، بفعل تجربة نووية أجرتها الولايات المتحدة قبل 3 سنوات من إنتاج الفيلم.

مضى «غودزيللا»، كما قدّمه هوندا، إلى أبعد من مجرّد ربط الحادثة ببداية الفيلم؛ فالوحش الذي أُوقظ من سباته في أعماق المحيط بدا غير قادر على استيعاب ما أيقظه. بات الإنسان عدوّاً له. وأكثر من ذلك، يدمّر معظم طوكيو في ثورته، مذكّراً بما حاق بمدينتَي ناغازاكي وهيروشيما. وعندما يعود إلى حيث أتى، يترك بصمته لنا لنتذكّر.

إنها رسالة بالغة الأهمية، ضاعت في طيّات الرغبة في استغلال غودزيللا كوحش مخيف فقط. فالأفلام اللاحقة، في العقدين الأخيرين على الأخص، أبقت على الوحش وأهملت رسالته، في الوقت الذي كان يمكن لها أن تنجز الاثنين معاً، كما فعلت الأفلام الأولى. لم يهتمّ صانعو أفلام «غودزيللا» الحديثة إلا بكيفية تحويل الوحش إلى مصدر مادي، شأنه شأن كل السلاسل الأخرى، من «باتمان» إلى «جوراسيك بارك»، ومن «كوكب القردة» إلى «سبايدر مان» و«ستار وورز».


شاشة الناقد : «المواطن أسامة» و«القضية رقم صفر»... الإنسان بين الحرب وأزماته النفسية

«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
TT

شاشة الناقد : «المواطن أسامة» و«القضية رقم صفر»... الإنسان بين الحرب وأزماته النفسية

«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)

مخرج «المواطن أسامة» أحمد حسّونة (حسابه الشخصي)

المواطن أسامة

(جيد)

* إخراج: أحمد حسّونة

* فلسطين (2026) | النوع: تسجيلي

الكاميرا التي تصوّر «كاميرا مان» فلسطينياً ينتقل في الشوارع العارية من الحياة وبين المباني المدمّرة تقول كل شيء عن المصوّر وغزّة. هناك نوع من الإخراج المباشر للواقع لا يحتاج إلى تقنيات عالية، ولا إلى إدخال عناصر تكمّل ما يهدف المخرج إلى إيصاله للمشاهدين.

كل شيء في «المواطن أسامة» واضح. هو عن رجل وكاميرا وأسرته وعلاقاته بالبشر الآخرين. كذلك هو عن غزّة وما كابدته من دمار وإبادة نتج عنهما مقتل قرابة 200 مصوّر وصحافي، من بين العدد الهائل الذي تجاوز 70 ألف ضحية. نشاهد المصوّر الصحافي أسامة العشّي تلازمه أصوات القصف ومشاهد الدمار. أسامة محمّل بالحزن على الواقع وبالخوف على سلامة عائلته. لا يذكر الكثير عن سلامته، لكن الفيلم يوحي دوماً بأنها مهدّدة في أي لحظة. قيمة الفيلم هي أنه لا يطلب منّا أن نشاهد ما يفعله الإسرائيليون بالفلسطينيين، بل أن نشاهد كيف يعيش الفلسطينيون حياتهم، من خلال متابعة شخص واحد لا يريد التوقّف عن عمله.

لا يصف المخرج حسّونة العدوان بالكلام، ولا يهتم بإيراد شهادات ضحايا الوضع أو بتصوير مشاهد العنف لذاتها. هذا كلّه ظهر في أفلام أخرى. رغم ذلك، لا يفتر تأثير الفيلم على مشاهديه؛ لأن موضوعه هو إنسان عليه أن يعمل لينقل إلى العالم صورة، وعليه أن يُعنى بتأمين الطعام والماء لأسرته والتعامل مع ظروف النزوح.

هذا فيلم تسجيلي عارٍ من الإضافات التقنية والتدخّلات الفنية التي نراها في أفلام تسجيلية أخرى. لذا فهو، مثل «صوت هند رجب»، ولو كان بعيداً عنه أسلوباً وموضوعاً، يعرض الحالة جيّداً، ولا يطلب لنفسه أكثر من ذلك.

القضية رقم صفر

(جيد)

* إخراج: كاظم فيّاض

* لبنان/الإمارات (2026) | النوع: دراما نفسية

هناك لقطة خاطفة في الدقائق الأخيرة من الفيلم تصوّر المحامي، محور الفيلم، بكاميرا بعيدة، وهو يتحدّث بصوت عالٍ وحادّ. المشكلة هي أن أحداً ليس موجوداً حوله. اللقطة التالية تعود إلى ما سبقها، حيث يواجه المحامي أسئلة عن الأزمة التي يعاني منها، ما يكشف سرّاً دفيناً يتجاوز الوضع الراهن ليعود إلى أمس بعيد.

في أساسه، «القضية رقم صفر» دراما نفسية ذات عقدة تبحث في العلاقة بين الإنسان ووالديه، وبينه وبين فكرة الموت، باعتبار الحياة فخّاً فُرض عليه العيش فيه. شخصيات الفيلم مجتمعة في مكان واحد، ومتنافرة في الأفكار والمواقف في كل اتجاه.

الطريقة التي صاغ بها المخرج رؤيته هذه مثيرة للاهتمام؛ إذ تدخلنا في واقع، ثم تأخذ هذا الواقع وتدمجه بالخيال، قبل أن تطيح به أيضاً. ليس تنفيذ هذا سهلاً، وفي البال صنع «ثريلر» منه، خصوصاً أن الأحداث تقع غالباً داخل مكان واحد. وعندما تنتقل إلى أماكن أخرى، تبقى في الداخل، باستثناء مشهد واحد يقع في الشارع. فيلم كاظم فيّاض، وهو فيلمه الثاني بعد «يوسف» الذي قدَّمه قبل 3 سنوات، دراما داكنة مع موجات من الكوميديا السوداء، تتجلّى في الفصل الثاني، من أصل 4، عندما يبدو أن جميع من في مكتب المحاماة يعانون من فوضى التواصل. ويتّضح السبب في ذلك في الفصلين التاليين، حيث يُكشف عمّا تؤول إليه أحوال كل هذه الشخصيات. للأسف، هناك بعض التكرار في مشاهد الفصل الرابع، وإن كان لا يؤثر على سياق الفيلم إلا بقدر محدود.

«القضية رقم صفر» عمل جادّ ومختلف عمّا يتوقّعه معظمنا. القصّة نفسها يمكن أن تُروى بأكثر من وسيلة أو أسلوب، لكن اختيار المخرج لوسيلته يعكس رغبته في ذلك الاختلاف ورؤيته الخاصّة لما يطرحه. فيلم طموح بأسلوب يحتاج من المشاهد إلى بعض المثابرة قبل الوصول إلى قاع أزمات أبطاله. والتمثيل ممتاز من الجميع بلا استثناء، ويعود ذلك إلى إدارة محكمة وعلاقة هندسية يرسمها المخرج جيّداً بين المكان واللقطة والشخصية.