رجال الأسد

الأزمة السورية «غربلت الولاءات»: فمنهم من قتل.. ومنهم من انشق وهرب.. ومنهم من ينتظر

رجال الأسد
TT

رجال الأسد

رجال الأسد

يختلف نظام الحكم في سوريا عن الكثير من الأنظمة القائمة في محيطه، ففي دمشق الولاء الأول هو لرأس الهرم الذي يتحكم بكل مفاصل البلاد، عبر رجالات مقربين منه، بعضهم يقوم بأدوار لا تخوله إياها مراكزه، بل ولاؤه للرئيس ورضا الرئيس عنه.
وقد تعرض رجالات الرئيس حافظ الأسد، لعملية تصفية واسعة، مع وصول نجله بشار إلى الحكم. بعضها قام بها الأب نفسه لتمهيد الطريق أمام نجله الطري العود، وبعضها الآخر قام بها الابن بعد توليه السلطة. كما أن الظروف التي نشأت في سوريا بدءا من عام 2011 قد فرضت نمطا جديدا من القادة، وساهمت في خروج عدد آخر قتلا أو طردا أو هربا. ساهمت الحرب في خروج الكثير من رجال السلطة، كما ساهمت في بروز آخرين. وهو ما قال عنه الأسد إنه «عملية تنظيف تلقائية»؟

يقول مدير مركز «مسارات» الإعلامي المعارض لؤي المقداد لـ«الشرق الوسط» إن الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد اتخذ في نهاية عهده خطوات عدة لإخراج أصحاب النفوذ من السلطة تمهيدا لتوريث نجله بشار، أمثال علي دوبا وعلي حيدر. مشيرا إلى أن المطلوب كان أن ينطلق الأسد الابن في الحكم بمعاونة الذين أشرفوا على تدريبه وإعداده للحكم، أمثال بهجت سليمان وغازي كنعان، وهؤلاء حظوا بنفوذ كبير مع بداية عهد الأسد الابن.
ويقول سفير الائتلاف السوري المعارض السابق في لندن وليد سيفور لـ«الشرق الأوسط» إن معايير اختيار أركان النظام، تقوم على المعيار الطائفي، الذي غالبا ما يكون متحدرا من الطائفة العلوية أو الطوائف الأقلية في سوريا، إضافة إلى معيار «الولاء المطلق لشخص الأسد». ويوضح «في المعايير العامة، كلما كان الشخص قريبا من طائفة الرئيس، يكون أقرب إلى المنصب، ويليها انتماؤه إلى طوائف الأقليات».
لكن الأهم من ذلك: «هو الولاء الشخصي الكامل لشخص الرئيس، الآن بشار الأسد وقبله والده حافظ الأسد»، مشددا على أنه «لا تسامح في هذه النقطة، إذ يفترض بالشخص أن يتقن الرقص على الإيقاع السياسي للنظام، ويجب ألا يتغير ذلك، فإذا شُعِر أن هذا الرجل يفكر بطريقة مستقلة، يُنبذ»، مستدلا بتجربة «القيادي الأمني علي دوبا ونائب رئيس الجمهورية فاروق الشرع».
ويقول سيفور «علي دوبا كان من الذين حققوا أهم الإنجازات لحافظ الأسد، حين كان رئيس مخابرات عسكرية وأسهم في سحق كل المعارضة على الساحة، وعندما عبر عن رأيه المتحفظ على تعيين بشار خلفا لحافظ، استبعِد وتمت أهانته». ويضيف «في عهد بشار الأسد، الأشخاص الذين كانوا يقفون في منطقة رمادية، من ناحية التأييد للنظام والتحفظ على قمع الشعب وقتله ويعارضون الحرب المفتوحة على الشعب، تم استبعادهم»، لافتا إلى أن «رستم غزالي هو المثال القريب جدا، علما بأنه كان من الذين وضعوا كامل بيضهم في سلة الرئيس وصولا إلى التعبير عن رغبتهم بالموت فداء له، ومع ذلك، وعلى ضوء خلاف شخصي مع رفيق شحادة، استبعد كونه لم يقدم قصره لقوات حزب الله والإيرانيين ليتخذوه منصة لقصف قرية في سهل حوران».
وفي المقابل، يشير لؤي المقداد إلى أن ما يختلف في عهد الابن عن عهد الأب، هو أن حافظ الأسد كان يعتمد على أشخاص لهم وزنهم لاستلام المراكز، حيث كان يشدد على الشخصية القيادية والثقل، بالإضافة إلى الاعتبارات الأخرى كالولاء التام. وأوضح المقداد أن الأسد الأب كان يحرص على إخفاء الطابع العائلي، حيث لم يكن حوله من أفراد عائلته الكثير في واجهة السلطة رغم نفوذهم الكبير، أما الأسد الابن فقد سلم أقرباءه كل مفاصل الدولة، محولا سوريا إلى مزرعة بالكامل. فابن خاله رامي يستلم اقتصاد سوريا، وحافظ مخلوف هو الرئيس الفعلي للأمن حتى ابن خالته عاطف نجيب كان رئيسا لجهاز الأمن في درعا والذي تسببت ممارساته بإطلاق الشرارة الأولى للثورة في عام 2011، مشيرا إلى أن الأشخاص الذين التقوا الأسد نقلوا عنه بعد بداية الثورة قوله إنه عزل عاطف نجيب فتلقى اتصالا من خالته تعاتبه فوعدها بإعادته بعد أن تهدأ الأمور.
ويوضح المقداد أن عائلة محمد مخلوف (خال الأسد) هي صاحبة الحصة الأكبر في السلطة حيث يستلم رامي الاقتصاد وحافظ مخلوف يرأس «قسم المدينة» وهو عمليا المسؤول عم الأمن، أما إياد وإيهاب وهما توأمان، فيستلم الأول رتبة ضابط في الحرس الجمهوري ويعملان معا في إدارة أعمال تعود للأسد. أما أيهم الأسد فهو ابن عم بشار وزوج شقيقة رامي مخلوف وهو ضابط أيضا ويعمل في قطاع الأعمال، فيما هائل الأسد في الحرس الجمهوري أيضا. ويشير في المقابل إلى أن آل الأسد فضلوا قيادة جماعات مسلحة في مناطقهم على الانخراط في الحياة السياسية في دمشق، كحال فواز الأسد ومحمد الأسد الذي قتل مؤخرا وإخوته حيث يدير هؤلاء ميليشيات طائفية في مناطق الوجود العلوي تحت عنوان حمايتها.
ويقول المقداد إن الأسد أطلق يد أجهزة الأمن بقوة منذ بدء الثورة، بعد أن كان الأسد الأب يصر على قوننة كل شيء، فهو كان يعتقل الآلاف ويزج بهم في السجون، لكن بعد أن يصدر بحقهم مذكرات توقيف، بغض النظر عن صحة الأسباب التي ترد في المذكرة. ويشير إلى أن من معالم رئاسة الأسد أيضا إطلاق يد أجهزة الأمن في تخطي اختصاصاتها، فالمخابرات الجوية باتت قادرة على أن توقف موظفي الدولة، وهذا كان سابقا من اختصاص الأمن السياسي والعكس صحيح. والآن تقوم كل الأجهزة بكل شيء، حتى إن بعضها بات يمتلك قوة عسكرية ودبابات. ويشير في هذا الإطار إلى أن العميد رستم غزالي أنشأ قوة عسكرية باتت تعرف بقوات الغزالي، هي تمول نفسها ذاتيا، وكذلك الحال بالنسبة لقوات الدفاع الوطني المعروف بالشبيحة.
أما عن المؤهلات اللازمة لتولي المناصب، فهي قد تحولت - كما يقول المقداد - من الثقل والقدرة على الإدارة في عهد الأب، إلى تعيين الأكثر إجراما، فيما أصبح العامل المباشر للترقية يعتمد على رضا طهران التي تعطي الأفضلية لتولي المناصب القيادية، حتى بات الإيرانيون يرشحون قادة ميدانيين، وبات على الضباط السعي للحصول على رضا الإيرانيين لتولي مناصبهم حتى لو اضطروا لتعلم الفارسية من أجل ذلك. وفي الإطار نفسه يقول الناشط المعارض محمد سرميني إن طهران تعمل على اقتناص المواقع، فكلما شغر موقع في النظام رشحت من يملأه من أنصارها، كما حصل في وضع رستم غزالي الذي ما إن أقاله النظام حتى تم تعيين بديل له من الموالين لطهران هو زهير الحمد.
وأشار المقداد إلى أن بشار الأسد لم يعتمد على أصحاب الكفاءة في تولي المناصب، فهو عندما وصل إلى رئاسة الجمهورية عين بعض الموظفين في الجمعية المعلوماتية السورية التي كان يرأسها كمحافظين وأعطى أشخاصا من ذوي المؤهلات الأكاديمية مناصب تنفيذية.
ويتحدث المقداد عن «النفوذ اللافت» لوالدة الرئيس السوري، أنيسة مخلوف. مشيرا إلى أن زوجة الرئيس بشار الأسد، أسماء الأخرس ما تزال ممنوعة من استعمال لقب السيدة الأولى، إكراما لأنيسة مخلوف. ويؤكد أن المعلومات تتحدث عن أن الأم تشكل «صمام أمان» في العلاقة بين نجليها، بشار وماهر.
وينفي سيفور أن يكون وليد المعلم، في السلك الدبلوماسي، قادرا على تزكية أحد من الأشخاص لتبوء منصب. يقول: «أعتقد أن وليد المعلم، لا يملك إمكانات تخوله تزكية بشار الجعفري الذي سيكون خليفة المعلم في موقع وزارة الخارجية يوما ما. المساعدون في وزارة الخارجية هم الذين يحركون الأشخاص، ويزكونهم إلى مواقع معينة». ويوضح أنه «في كل وزارة، أحيانا يكون الوزير سنيا أو مسيحيا أو خلاف ذلك، لكن صانعي السياسة داخل الوزارة أو القسم، هم رجال أمن مثبتون ويعملون بصمت، ولهم صلة مباشرة مع الأجهزة الأمنية في القصر، يقترحون على الوزير الذين لن يكون له أي قوة في تزكية فلان أو معارضة رأيه، لأن مراكز القوة في الأقسام والوزارات مرتبطة مباشرة بالأجهزة الأمنية في القصر الجمهوري».
ويقول سيفور إن القادة الأمنيين، عادة ما يكونون الشخصيات الأقرب إلى الرئيس، ويديرون البلاد، ولعل أهمهم رئيس الأمن العسكري ورئيس الأمن السياسي، ويتصلون مباشرة بالقصر.. أما الشريك الأساسي في اتخاذ القرارات اليوم، فهو ماهر الأسد، شقيق الرئيس السوري، بينما يتألف صقور النظام من رؤساء الأجهزة الأمنية الحقيقيين وأعضاء خلية الأزمة التي تتحكم بالبلد، وبقرارات الحرب والسلم.
وفيما يرتبط بالسياسيين القادرين على التأثير في النظام، يقول سيفور إن «الأسد تحيط به مجموعة من المستشارين، هم مجموعة تقترح أفكارا للقضايا ذات الصلة بالبلاد، لكن القرار النهائي يعود إلى الرئيس، فهو من يتخذ القرارات»، مشيرا إلى أنه «في الفترة الحالية، لا قرار خارجيا أو داخليا أو استراتيجيا، بل هناك قرار وحيد يتمثل في الحفاظ على النظام والتركيبة الأمنية واستمرارية النظام». ويرى أن قرار رئيس الجمهورية اليوم «مختطف خارجيا لدى إيران وحلفائه الآخرين في المنظومة الإقليمية»، متوقفا عند تجربة الأسد الأب في تلك السياسية «إذ كان يستخدم العلاقات مع إيران لتجييرها لمصلحته، أما الابن فإنه يفتقد تلك القدرة ولا يستطيع أن يجير أي من القرارات لمصلحته».

* رجال الميدان: حول الأسد.. الأمن أولا

* تظهر حول الأسد الكثير من الشخصيات القيادية، خاصة في الجانب الأمني، الذين يعتمد عليهم الأسد بشكل مباشر ويثق بهم. بعض هذه الشخصيات معروف، حيث تتداول وسائل الإعلام العربية والدولية أسماءها، وبعضهم من يجلس في الصفوف الخلفية، وقد دخل عليهم حاليا رجال العسكر، حيث برزت أسماء قيادية جديدة مقربة من الأسد كالعقيد سهيل الحسن الملقب بـ«النمر» والعميد عصام زهر الدين وغيرهما.
ومن أبرز رجالات الأسد:
- ماهر الأسد:
شقيق الرئيس السوري، وأحد أبرز القادة العسكريين في الميدان. وهو يرأس الفرقة الرابعة المعروفة بأنها أكثر وحدات الجيش السوري ولاء وقدرة قتالية، وهو من النخبة المؤثرة جدا في القرار العسكري السوري، حيث يعرف بـ«الذراع العسكرية» لشقيقه.
- علي المملوك
أحد الرجال القلائل الذين بقوا من عهد الرئيس حافظ الأسد، وتعايشوا مع نجله. يقول الموالون إنه سني من دمشق، فيما يقول المعارضون إنه علوي يتحدر من إقليم إسكندرونة (الذي ضمته تركيا مطلع القرن الماضي).
- جميل حسن:
مدير الاستخبارات السورية، ويعتبر من أكثر المقربين من الأسد. الحسن علوي، وينقل عنه السفير السوري في بغداد نواب الفارس بعد انشقاقه أنه قال للأسد: «دعني أقتل مليون سوري وننهي الحرب.. وأنا مستعد للذهاب بدلا منك إلى (محكمة العدل الدولية في) لاهاي».
- العميد عصام زهر الدين:
هو ضابط درزي في الحرس الجمهوري السوري. برز اسمه خلال الأحداث، بعد أن قاد عمليات عسكرية ناجحة، منها عملية بابا عمرو في حمص والتل في محافظة ريف دمشق.
- سهيل الحسن
قائد العمليات في حلب، وتصفه صحيفة الإندبندنت البريطانية بأنه «الجندي المفضّل لدى الأسد» ولقبه «النمر». تتهم المعارضة السورية العقيد «النمر»، بأنه المسؤول عن تعزيز نهج «إلقاء البراميل» على مناطق حلب الخارجة عن سيطرة النظام والمكتظة بالسكان.
- العميد حافظ مخلوف
ابن خال الرئيس السوري بشار الأسد وشقيق الملياردير رامي مخلوف وهو يتولى أمن دمشق وضواحيها يعتمد عليه الرئيس السوري في القضايا الأمنية. قررت الولايات المتحدة تجميد أمواله التي تقع تحت سلطة القضاء الأميركي. كما قرر الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات عليه مع عدد من المسؤولين السوريين المتهمين بقتل المتظاهرين.
- العماد فهد جاسم الفريج:
عيّن نائبا للقائد العام للجيش والقوات المسلحة ووزيرا للدفاع بعد مقتل داود راجحة في تفجير مبنى الأمن القومي. مسيحي، ومعروف بولائه للنظام، لكن بعض الموالين شككوا بقدراته بعد الهزائم التي تعرض لها الجيش في مطار الطبقة العسكري وطالبوا باستقالته.

* رجال الاقتصاد: 4 يديرون أموال الأسد

* كشفت برقية سرية خاصة بالسفارة الأميركية في سوريا نشرت في حملة وثائق «ويكيليكس» حملت عنوان: «مهاجمة أموال بشار الأسد» أسماء الأشخاص الأربعة الذين يعتمد عليهم الرئيس السوري في تحريك أمواله وتحقيق مكاسبه غير المشروعة.
وتقول البرقية إن زهير سحلول، الذي يعد أهم رجل في سوق الصرافة السوداء في سوريا، وقد منحته الحكومة مكتبا في «مصرف سوريا المركزي» ليدير منه أزمة هبوط الليرة عام 2005. وخلال أسابيع استرد سحلول 20 في المائة مما خسرته الليرة السورية، وحقق أرباحا طائلة له ولرجال النظام. وتؤكد الوثيقة أن سحلول يتولى تحريك أموال الرئيس الأسد، لما يتمتع به من علاقات خاصة تخوله تحويل 10 ملايين دولار لأي مكان في العالم خلال 24 ساعة.
أما محمد مخلوف، والد رامي وخال بشار الأسد، فوصفته البرقية بالعقل المدبر للفساد.
ويعرف نبيل الكزبري الذي يلعب دوره لصالح أسرة مخلوف، وفقا للوثيقة، بـ«ملك الورق». وقالت إنه رغم أن قاعدة أعماله في فيينا، فقد طور الكزبري روابطه مع رامي ومحمد مخلوف، إلى أن أصبح رجل رامي مخلوف الأول في «شام القابضة»، التي استقطبت 70 من كبار المتمولين السوريين.
وتقول الوثيقة إن فواز الأخرس، والد زوجة بشار، نشط على نحو متزايد في قطاع العمال في سوريا، مستغلا موقع صهره بشار الأسد. وعززت عملية تتبع حركة حسابات الأخرس المصرفية وتحريكه أموالا ضخمة، الشكوك في دوره في إخفاء أموال تابعة للرئيس السوري.

* التصفية أو الإقالة.. سياسة النظام السوري في محاسبة قياداته

* شخصيات عدّة كانت تعتبر من أبرز المقربين من النظام السوري كان نصيبها الإقالة أو القتل، كان آخرها كل من رئيس جهاز الأمن السياسي رستم غزالي رئيس شعبة الأمن العسكري رفيق شحادة اللذين أعلن مؤخرا عن إقالتهما.
ويقول الكاتب اللبناني أسعد حيدر إن النظام الأسدي «يأكل صغاره» في كل مرة يجد أن دواعي وأسباب بقائه وأمنه أهم بكثير من أي واحد من فاعليه. ويشير إلى أن المصادفات وما أكثرها تقع في كل مرة تقترب فيها حقيقة وقائع وأطراف جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري من الاحتكاك بدور مفترض لـ«جمهورية الخوف» في اغتياله. ذلك أن الجنرال رستم غزالي، تحول في وقائع المحكمة الدولية إلى عَلمٍ لا يمكن تجاهله حاليا ولاحقا.
وبالفعل، فقد خرج الكثير من رجالات الأسد من الواجهة، قتلا أو إقالة أو انشقاقا. ففي يوليو (تموز) 2012 قتل كل من وزير الدفاع داود راجحة ونائبه آصف شوكت (صهر الأسد) ورئيس مكتب الأمن القومي هشام بختيار ورئيس خلية إدارة الأزمة حسن تركماني وأصيب وزير الداخلية محمد الشعار في تفجير مبنى الأمن القومي، وتبنى حينها كل من الجيش السوري الحر و«لواء الإسلام» عملية التفجير.
وفي يوليو 2012. أعلن عن انشقاق العميد مناف طلاس، واتهم بعدها النظام السوري وإيران بعلاقتهما المباشرة بتفجير خلية الأزمة. وفي نهاية عام 2012، غاب المتحدث السابق باسم وزارة الخارجية السورية جهاد مقدسي بصورة مفاجئة، وقال حينها النظام السوري إنه في إجازة لمدة 3 شهور، قبل أنّ يعود المقدسي ويعلن أنّه استقال من منصبه بمحض إرادته.
وفي شهر أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2013. أعلن عن مقتل مدير فرع الاستخبارات العسكرية في سوريا جامع جامع، وتضاربت المعلومات بين اغتياله عبر شحنة ناسفة استهدفت موكبه في دير الزور وإصابته برصاصة في الرأس، فيما قال التلفزيون السوري إنه قتل خلال قيامه بعمله في دير الزور. وفي الشهر نفسه، أقيل نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية، قدري جميل، من منصبه بعد أيام على شائعات حول «انشقاقه» ووجوده في موسكو من دون «إذن» الحكومة السورية.
كذلك، وقبل بدء الأزمة في سوريا بسبع سنوات في أكتوبر عام 2005 أعلن عن خبر «انتحار» أحد أبرز رموز النظام ورئيس شعبة المخابرات السورية في لبنان، ووزير الداخلية في سوريا غازي كنعان.
وكان كنعان من بين عدة مسؤولي أمن سوريين استجوبوا في إطار التحقيق الدولي في مقتل رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري.
وكان رئيس وزراء سوريا الأسبق عمران الزعبي «أقدم في مايو (أيار) 2000 على الانتحار بعد أسبوعين من اتهامه بالفساد وطرده من عضوية حزب البعث الحاكم ووضعه رهن الإقامة الجبرية.
وفي أغسطس (آب) 2012 انشق رئيس الوزراء السوري رياض حجاب في بيان ألقاه أمام الصحافيين في العاصمة الأردنية عمان قال فيه إنه «خرج من سوريا بإرادته، وإنه لم يُقل من منصبه، كما أعلن النظام آنذاك».



هل يريد نتنياهو فعلاً وقف المساعدات الأميركية؟

خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)
خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)
TT

هل يريد نتنياهو فعلاً وقف المساعدات الأميركية؟

خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)
خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)

المسؤول الإسرائيلي الذي يزور الولايات المتحدة هذه الأيام، يتعب. الأسئلة التي تُطرح عليه صعبة، بعضها لم يُطرح على الإسرائيليين حتى في دول معادية. على سبيل المثال: «إذا شئتم أن تعيشوا كل حياتكم على الحراب فهذا شأنكم، ولكن لماذا تريدون للولايات أيضاً أن تعيش مثلكم؟ تريدون منا مساعدات، مفهوم. لكن لماذا تريدون أن ندير نحن حروبكم، التي لا تنتهي؟ هل أنتم تريدون حقاً وقف المساعدات الأميركية، أم أن هذه مجرد تصريحات تضليلية يطرحها رئيس حكومتكم ويخدعنا بها؟ أنتم قوة إقليمية عظمى في الشرق الأوسط، ولكن كيف ومتى سترون أن هناك قوى عظمى أخرى في هذه المنطقة، لا تقل عنكم أهمية، بل في قضايا عديدة هي أهم منكم؟ لدينا قائمة طويلة بمطالبكم منا ومن حلفائنا ومن المؤسسات والأطر التي يوجد لنا تأثير فيها. فماذا تعطون بالمقابل؟ إلى متى تريدوننا أن نقف معكم في مواجهة العالم؟ متى سنرى مبادرات إسرائيلية للسلام، تمكننا من الاستمرار في الدفاع عنكم أيضاً في المستقبل؟».

الأسئلة أعلاء مأخوذة عن شهادات إسرائيلية منشورة، تثير قلق كثيرين، خصوصاً وأنها صادرة عن «حلفاء إسرائيل المقربين»، كما يقول الجنرال في الاحتياط عاموس يدلين، الذي عاد أخيراً من زيارة طويلة من الولايات المتحدة. ومما قاله: «ثمة أزمة متفاقمة في الموقف الشعبي الأميركي تجاه إسرائيل. إنك تلمس فوراً أن هناك جبهة معادية لإسرائيل تجمع بين اليسار التقدمي في الحزب الديمقراطي والمعسكر الانعزالي في الحزب الجمهوري. وكلّما اتجهنا نحو الفئات العمرية الأصغر، اتسع نطاق هذه الظاهرة لتشمل بعض المعتدلين في الحزبين. وتزداد هذه الظاهرة حدةً في ضوء التعاون الأمني غير المسبوق بين البلدين في الحرب ضد إيران، والمساهمة الإسرائيلية الكبيرة والمؤثرة في العمليات القتالية المشتركة».

يدلين يُعدّ من كبار المهتمين بالشؤون الاستراتيجية لإسرائيل. إذ شغل لسنين طويلة منصب رئيس «معهد أبحاث الأمن القومي»، بعد خدمة طويلة في الجيش طالت لأكثر من 30 سنة، وتولى آخر منصب فيها رئيساً لشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان). والزيارة الأميركية المذكورة لم تكن زيارة عابرة، بل جاءت في إطار دراسة للعلاقات الأميركية - الإسرائيلية تعدّها منظمة «مايند يسرائيل»، التي يقودها، وكان معه مؤسس «المنظمة» الدكتور أفنر غولوب.

الرجلان يريان، كما ورد في مقال نُشر في موقع معهد الأبحاث المذكور، أنه «مقابل التقدير البالغ للجيش الإسرائيلي على شراكته الحرب مع الجيش الأميركي ضد إيران، وخارج المؤسسة الأمنية وحاشية الرئيس دونالد ترمب، تتشكّل جبهة معادية لإسرائيل من الحزبين الأميركيين، تُصوّر إسرائيل على أنها (جرّت الرئيس الأميركي إلى صراع إقليمي لتحقيق طموحاتها بالقوة العسكرية)». بل حتى الذين يصفون هذا الادعاء بأنه لا أساس له من الصحة، يُقرّون بأن هذه حملة فعّالة للغاية، خاصة بين الشباب من كلا الحزبين. ولهذا السبب تحديداً؛ يجب على إسرائيل أن تُقدّم للولايات المتحدة رواية جديدة. ولا ينبغي أن تكون هذه مجرد علاقة أخرى قائمة أساساً على المصالح الأمنية أو الالتزامات التاريخية، بل شراكة تُحقق قيمة استراتيجية مباشرة للمصالح المشتركة للبلدين.

أيضاً، وفق المقال، «تحتاج تل أبيب إلى تعزيز نموذج جديد للعلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة لا يقتصر على تلقّي المساعدات، بل يشمل الشراكة؛ ولا يقتصر على الأمن فحسب، بل يشمل التكنولوجيا أيضاً؛ ولا يقتصر على الدبّابات والطائرات، بل يشمل أيضاً الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والرقائق الإلكترونية، والطاقة، والمواد الحيوية، والتقارب الحيوي (مزيج من الهندسة والبرمجيات والذكاء الاصطناعي مع علم الأحياء)».

العلاقات الثنائية اليوم

معروف أن الدعم الأميركي لإسرائيل حالة نادرة في العلاقات الدولية. ففي المجال العسكري قدّمت واشنطن لإسرائيل غالبية الأسلحة التي تستخدمها في الحروب. وقد بلغ 69 في المائة حتى سنة 2023 وارتفع إلى 78 في المائة خلال الحرب على غزة ولبنان وإيران. وتمّول واشنطن هذا الدعم بمساعدات مالية، بلغ مجموعها 220 مليار دولار منذ عام 1948. وكذلك تجاوزت المساعدات الأميركية لإسرائيل 21.7 مليار دولار منذ بدء الحرب في غزة، لتضاف إلى المساعدات السنوية الاعتيادية البالغة 3.8 مليار دولار. بيد أن الأهم من الحسابات المالية في هذا الدعم هو «المبدأ» الذي تسير عليه، وهو «ضمان تفوق الجيش الإسرائيلي على جميع الجيوش العربية والجيوش المعادية في الشرق الأوسط».

في الولايات المتحدة يعتبر هذا دعماً للدفاع عن إسرائيل في مواجهة أعدائها. ولكن الحقيقة أن ثمة سبباً آخر، لا يقل أهمية، ألا وهو خدمة مصالح واشنطن في المنطقة. بالمناسبة، إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم، التي لا تعارض خوض حرب يُقتل فيها أبناؤها، لخدمة دولة أخرى. ولقد سبق أن فعلتها عام 1956 عندما شاركت في «العدوان الثلاثي» على مصر لخدمة مصالح فرنسا وبريطانيا، الغاضبتين من تأميم قناة السويس. وفعلتها بعشرات العمليات المغامرة، وراء الحدود، بواسطة عملاء «الموساد». ولقد عبّر المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، عن ذلك في يونيو (حزيران) 2025، خلال تصريح على هامش مشاركته بقمة «مجموعة السبع» في كندا، عندما أشاد بالضربات الواسعة التي تشنها إسرائيل على إيران وقال: «هذه مهمة قذرة تؤديها إسرائيل نيابةً عنّا جميعاً».

لكن المسؤولين الإسرائيليين لا يجرؤون على الاعتراف الصريح بذلك، مع أنهم يزعمون أن «إسرائيل تحارب الإرهاب الإيراني لمصلحة الغرب كله». ويفضلون وصف الدعم الأميركي لإسرائيل بأنه «استثمار مُجدٍ».

دبلوماسي إسرائيلي سابق أفاد بأن «كل دولار تصرفه الولايات المتحدة على إسرائيل تسترده بخمسة اضعاف على الأقل». وعدَّد فوائد إسرائيل للولايات المتحدة، من خلال دراسة أعدها ونشرها على موقع الجمعية في يناير (كانون الثاني) الماضي، قائلاً: «إسرائيل تجرّب عشرات أنواع الأسلحة الأميركية في الحروب والعمليات العسكرية. ومنذ عام 1967، وهي تعمل كقاعدة عسكرية تعمل في خدمة العَلم الأميركي كأفضل قاعدة وأطول ذراع في الشرق الأوسط لخدمة مصالحها في وجه الأعداء والإرهاب وحتى لردع الصين وروسيا في المنطقة. ويكفي أن نعرف أن هناك اليوم 128 قاعدة أميركية في 51 دولة في العالم تكلفها مبلغ 70 - 80 مليار دولار في السنة، لكن لا توجد قاعدة كهذه في إسرائيل. لأنها كلها تعتبر قاعدة أميركية. وهي لا تكلف الجيش الأميركي سنتاً واحداً ولا يعمل فيها أي جندي أميركي». من هنا، فإن الدعم الأميركي بقيمة 3.8 مليار دولار «مبلغ متواضع جداً أمام الفوائد التي تجنيها من إسرائيل».


أُطلِقت أخيراً مبادرة تُوازن بين مكانة إسرائيل كما تعرّفها السلطات الأميركية وبين ما لا يعرفه الجمهور الأميركي المنتقد لإسرائيل حالياً

المبادرة الجديدة

اعتماداً على هذا المنطق، يدرس الإسرائيليون مبادرة أُطلقت تُوازن بين مكانة إسرائيل، كما يعرّفها قادة البيت الأبيض والبنتاغون، وبين ما لا يعرفه الجمهور الأميركي الذي يعادي إسرائيل اليوم.

المبادرة أُطلقت في الأسبوع الماضي بالتعاون بين «معهد أبحاث الأمن القومي» في تل ابيب (INSS) ومعهد «مايند يسرائيل» وبين معهد أبحاث SCSP، الذي أسسه هنري كيسنجر والرئيس التنفيذي السابق لشركة «غوغل» إريك شميدت، ويشارك فيها نحو 50 شخصية أميركية وإسرائيلية من السياسيين والعسكريين والباحثين والخبراء، الذين يدعون إلى بناء عملية ذات شقين: خفض تدريجي للمساعدات المباشرة لإسرائيل، بالتزامن مع بناء شراكة تكنولوجية واسعة النطاق.

يدلين وغولوب يشرحان هذه المبادرة، موضحين: «على الصعيد الأمني، يعني ذلك استثماراً مشتركاً في تقنيات الدفاع المستقبلية، ودمج إسرائيل في برنامج (القبة الذهبية) الدفاعي الأميركي. ويمثل هذا تحوّلاً من نموذج الرعاية - دولة راعية للأمن تتلقى مساعدات - إلى نموذج شراكة تكنولوجية عميقة من شأنها تعزيز وتعميق وتحصين العلاقة من خلال المساهمات الإسرائيلية للولايات المتحدة في صراعها ضد الصين».

ويصف الرجلان الرؤية الإسرائيلية للفكرة قائلَين: «أظهرت الحرب ضد إيران بوضوح أهمية إسرائيل كحليف أمني لواشنطن: إذ قدّمت إسرائيل قدرات استخباراتية وعملياتية وتكنولوجية جعلتها شريكاً استراتيجياً يقاتل، مُظهراً أداءً مذهلاً، إلى جانب أقوى قوة في العالم لتحقيق أهداف الحرب. وتساوت مشاركة القوات الإسرائيلية والأميركية في الهجوم والدفاع، وكانت مساهمة إسرائيل في إنقاذ الجنود الأميركيين مساوية لمساهمة الولايات المتحدة في حماية سكان إسرائيل. لم نلتقِ بمسؤول واحد إلا وأبدى تقديره للمساهمة الإسرائيلية في الحرب، وردّد تعريف البنتاغون لإسرائيل (حليف يُحتذى به). لكن، وبما أنه خارج المؤسسة الأمنية وحاشية الرئيس ترمب، تتشكّل راهناً جبهة معادية لإسرائيل من الحزبين الأميركيين الكبيرين، تُصوّر إسرائيل على أنها جرّت الرئيس الأميركي إلى صراع إقليمي لتحقيق طموحاتها بالقوة العسكرية، علينا ان نحدث شيئاً يغيّر الصورة. على إسرائيل أن تُقدّم لواشنطن رواية جديدة. لا ينبغي أن تكون هذه مجرد علاقة أخرى قائمة أساساً على المصالح الأمنية أو الالتزامات التاريخية، بل شراكة تُحقق قيمة استراتيجية مباشرة للمصالح المشتركة للبلدين».

المعروف أن مفعول مذكرة التفاهم الحالية بشأن المساعدات الأميركية لإسرائيل ينتهي عام 2028. ولقد أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سابقاً - وكرّر ذلك هذا الأسبوع - أن على إسرائيل أن تُقلل اعتمادها على المساعدات الأمنية، وقد يكون هذا هو الهدف الصحيح على المدى البعيد.

لكن قلائل جداً في إسرائيل يصدّقون فعلاً بأنه جاد في التخلي عنها، وبخاصة الآن، في خضم أو حتى بعد الحرب ضد إيران. وحسب يدلين: «بالتأكيد إذا اختارت الولايات المتحدة في المستقبل تقليص وجودها في الشرق الأوسط أو التوصل إلى اتفاق جديد مع طهران، فمن المنطقي الإبقاء على المساعدات العسكرية لعقد آخر، ليس فقط لمساهمتها في ميزانية الجيش الإسرائيلي، بل لأنها أصبحت رمزاً لالتزام أميركا بأمننا. ويمكن تفسير أي توقف مفاجئ لها في المنطقة على أنه تقويض لهذا الالتزام».

ويضيف يدلين وغولوب: «لقد رأت المؤسسة الأمنية الأميركية وإدارة ترمب مساهمة مباشرة في المصلحة الأمنية العليا لواشنطن عندما خاضت طائرات (إف -35) و(إف -15)، التي اشتريت بأموال المساعدات، معارك جوية مثيرة للإعجاب، ينفذها الطيارون الإسرائيليون جنباً إلى جنب مع القوات الجوية والبحرية ومشاة البحرية الأميركية. ولكن بعيداً عن الاستراتيجية الأمنية، ووفقاً لتقديراتنا في (مايند إسرائيل)، فإن المساهمة المباشرة للمساعدات الأمنية في الاقتصاد الأميركي تفوق قيمة المساعدات نفسها بأربعة أضعاف على الأقل. بل في النموذج الحالي، لا يتعلق الأمر كثيراً بـ(«مساعدة إسرائيل) بقدر ما يتعلق بالاستثمار الأميركي في منظومة أمنية تكنولوجية مشتركة؛ ولهذا السبب أطلقنا في واشنطن هذه المبادرة».

للعلم، كان معهد الأبحاث الإسرائيلي قد خصّص فصلاً من المبادرة للعمل على الصعيد المدني، لا العسكري فحسب. ويتضمّن الفصل تخصيص موارد متساوية لصندوق مشترك، بقيمة مليار دولار سنوياً لمدة عشر سنوات، يركز على تطوير أهم التقنيات الاستراتيجية للمستقبل.

وتشمل المشاريع الرئيسة التي برزت خلال المناقشات بين الفريقين الإسرائيلي والأميركي: إنشاء مصنع للرقائق الإلكترونية المتقدمة، الموجود حالياً في تايوان فقط؛ وتطوير قدرات البلدين في مجال الأمن السيبراني عبر الذكاء الاصطناعي، وجهود مشتركة لإنتاج ومعالجة المواد الحيوية التي يستخدمها قطاع التكنولوجيا وتسيطر عليها الصين بشكل رئيس، وتطوير الريادة في الحوسبة الكمومية وتطوير تقنيات الاندماج النووي لإنتاج الطاقة... وهي قدرات تضمن الاستقلال الاستراتيجي للبلدين ونفوذاً كبيراً على الساحة العالمية.

يهود أميركا يتغيّرون

على صعيد آخر، في إسرائيل قلق شديد من مكانتها عند يهود الولايات المتحدة، الذين يضاهي عددهم عدد اليهود في إسرائيل.

الباحثان الإسرائيليان تيد ساسون وإلزا زيلبرمان، ذكرا في دراسة جديدة لـ«معهد الأمن القومي» في تل أبيب أن «المجتمع اليهودي الأميركي يسهم إسهاماً كبيراً في الأمن القومي الإسرائيلي وتعزيز صمود المجتمع. فهو يدير شبكة قوية من المنظمات التي تُساعد في حشد الدعم لإسرائيل في المجالين الدبلوماسي والأمني. ويتبرع بمبالغ طائلة للنهوض بالفنون والعلوم والطب والتعليم والرعاية الاجتماعية في إسرائيل، ويُعدّ جزءاً لا يتجزأ من النسيج الثقافي الذي يُشكّل المجتمع الإسرائيلي. لهذه الأسباب وغيرها؛ يُشكّل وجود مجتمع يهودي أميركي قوي ومؤيد لإسرائيل رصيداً استراتيجياً حيوياً لدولة إسرائيل.

مع ذلك، تُشير مؤشرات عدة إلى ضعف هذا المجتمع وتراجع دعمه لإسرائيل»، مع: تزايد التباعد عن المجتمع اليهودي المنظم، وانخفاض عدد الأعضاء في المعابد اليهودية، وتراجع الإقبال على برامج التعليم اليهودي المكملة، وتناقص عدد المتبرعين لحملات الاتحادات اليهودية.

الباحثان رصدا انخفاضاً في عدد الشباب اليهود من الشتات الذين زاروا إسرائيل في السنوات الخمس الماضية بعشرات الآلاف مقارنة بالتوقعات. ويتزايد الجدل حول إسرائيل على خلفية الانتقادات الواسعة لإدارة الحرب في غزة، ولا سيما ارتفاع عدد الضحايا المدنيين، ونقص المساعدات الإنسانية، والسياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية. وبشكل عام، وصل التعاطف مع إسرائيل إلى أدنى مستوياته منذ عقود، وخاصة بين جيل الشباب. وان الاستقطاب تتسع بين الفصائل اليمينية والليبرالية في مجال المناصرة والضغط المؤيد لإسرائيل، مع تصاعد التطرف لدى كلا الجانبين.


عاصم منير... رئيس أركان الجيش الباكستاني و«وجه» دبلوماسية إسلام آباد مع واشنطن

برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود
برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود
TT

عاصم منير... رئيس أركان الجيش الباكستاني و«وجه» دبلوماسية إسلام آباد مع واشنطن

برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود
برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود

في أواخر مارس (آذار) الماضي، بدأت باكستان تموضع نفسها وسيطاً غير اعتيادي بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب بين الطرفين، وراحت تنقل رسائل لوقف النار، انتهت بإعلان هدنة في 8 أبريل (نيسان)، وذلك بعد قرابة 5 أسابيع من القتال، ما زالت مستمرة حتى اليوم. وهي الآن تكمل لعب دور الوسيط الرئيس بين واشنطن وطهران بهدف التوصُّل إلى اتفاق نهائي يثبِّت الهدنة، ويهدف إلى تحقيق اتفاق حول برنامج إيران النووي. لقد فاجأت الوساطة الباكستانية هذه كثرة من المراقبين، لا سيما أن العلاقة بين إسلام آباد وواشنطن لم تكن يوماً علاقة ثقة كاملة بين حليفين يتشكِّك كلاهما من الآخر. وفي الماضي القريب، حتى انطلاق الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، وبدء إيران باستهداف دول الخليج رداً على العملية التي أطلقتها واشنطن وتل أبيب ضدها، كانت دول في المنطقة مثل قطر وتركيا ومصر، تلعب دور الوسيط مع إيران. أيضاً، كان الاتحاد الأوروبي وسيطاً لسنوات بين واشنطن وطهران، وقاد المفاوضات التي تُوجِّت باتفاق نووي عام 2015 انسحب منه الرئيس الأميركي دونالد ترمب في فترته الرئاسية الأولى عام 2018، ثم عاد الرئيس السابق جو بايدن ليطلق مفاوضات جديدة فاشلة، بوساطة بروكسل، لإعادة إحيائه. ولكن مع تحوُّل دول المنطقة إلى أهداف لإيران خلال الأشهر الماضية، ووصول حدة التوترات بين واشنطن والدول الأوروبية إلى مستويات غير مسبوقة، برزت إسلام آباد وسيطاً مقبولاً لدى طرفي النزاع. في قلب هذا التحوُّل، كان هناك رجل عزا إليه كثيرون تغيير الموقف الأميركي: المشير عاصم منير، رئيس أركان الجيش الباكستاني. وبمجهود شخصي، نجح منير في كسب ودِّ الرئيس الأميركي الذي يعوّل في كثير من الأحيان في علاقاته مع الدول، على بناء روابط شخصية مع قادتها، وفي حالة باكستان - التي لطالما لعب الجيش فيها دوراً محورياً في السلطة - مع مشيرها.

يطلق الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، على عاصم منير لقب «مشيري المُفضَّل». وخلال الأشهر الأخيرة الماضية، امتدحه أكثر من مرة بعبارات تراوحت بين «جنرال رائع وقوي»، و«رجل استثنائي»، و«مقاتل رائع». ولا يمر ذكر باكستان أو رئيس وزرائها على لسان الرئيس الأميركي من دون ذكر عاصم منير.

هذا الإعجاب الذي أبداه ترمب مراراً بالجنرال الباكستاني بدأ قبل سنة تقريباً عند اندلاع «حرب الأيام الأربعة» بين «الجارتين» اللدودتين النوويتين، باكستان والهند، على خلفية تفجير في كشمير الهندية.

يومذاك، أنحت نيودلهي باللائمة في التفجير على إسلام آباد، وردَّت بقصف مواقع عديدة لجيشها، ليبدأ تصعيد خطير بين الطرفين، انتهى سريعاً بجهود دبلوماسية أميركية. ومع أن نيودلهي رفضت الإقرار بـ«فضل» ترمب في إنهاء التوتر مع باكستان، وإعلانها أنَّ القتال إنما توقَّف بعد «حوار ثنائي»، فإنَّ إسلام أباد لم تترد بامتداح الرئيس الأميركي علناً، بل وترشيحه أيضاً لـ«جائزة نوبل للسلام».

وهنا يقول محللون إن باكستان استغلت فتور الرد الهندي على الوساطة الأميركية كي تتموضع في مكان أقرب لقلب ترمب ومزاجه. ولكن من هو عاصم منير؟

البداية والنشأة

وُلد عاصم منير في راولبندي عام 1968 لعائلة محافظة ذات جذور في جالاندهار، بشرق إقليم البنجاب، كانت قد هاجرت إلى باكستان بعد الانفصال عن الهند عام 1947.

ونشأ في بيئة دينية انعكست لاحقاً على شخصيته العامة وخطابه السياسي. فهو لا يتحدر من عائلة عسكرية، إذ كان أبوه معلماً في إحدى مدارس مدينة راولبندي وإماماً لمسجد. وخلال نشأته في راولبندي، العاصمة السابقة لباكستان، زاول منير رياضة الكريكت، وحظي بدراسة دينية مبكّرة في مدرسة إسلامية تقليدية. وبعدها، تحوَّل إلى منشد ديني، ويُقال إنه حفظ القرآن بشكل كامل إبان تدريبه العسكري.

وبالفعل، تلقَّى منير تعليمه العسكري في مانغلا، وتخرّج بتفوق، وهو ما وضعه مبكراً ضمن الضباط الذين يُنظر إليهم باعتبارهم «مشاريع قادة» داخل المؤسسة العسكرية.

ثم إنَّه تخرَّج في «مدرسة تدريب الضباط»، ومن ثم التحق بالجيش الباكستاني بعد تخرجه عام 1986، وبدأ الخدمة في وحدات ميدانية، ثم انتقل تدريجياً إلى مواقع أكثر حساسية، خصوصاً في مجالات الاستخبارات والأمن. ومن ثم، ترقّى بسرعة ليصبح مديراً للاستخبارات العسكرية عام 2016، ثم أصبح المدير العام للاستخبارات الباكستانية عام 2018. وخلال هذه الفترة دخل في صراع مع رئيس الوزراء (آنذاك) عمران خان الذي أقاله من منصبه عام 2019... مُطلقاً صراعاً مفتوحاً بين الطرفين.

انضباط ميداني... وبروز في مجال الاستخبارات

هذا المسار المُبكِّر مهَّد لصورته كضابط يجمع بين الانضباط الميداني والخبرة الاستخباراتية. وكما سبقت الإشارة، منذ عام 2016 تولّى منير مناصب بارزة في الاستخبارات، وصولاً إلى قمة الهرم، وهو ما منحه وزناً سياسياً كبيراً داخل الدولة الباكستانية.

هذه المرحلة كانت مفصلية، لأنها صنعت له شبكة علاقات داخلية وخارجية، وعرّفته على ملفات أفغانستان والهند والإرهاب والتوازنات الإقليمية. إلا أن عمران خان أقاله عام 2019 من المنصب من دون إعلان الأسباب.

توليه قيادة الجيش

يوم 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 أصبح عاصم منير رئيس الأركان الـ11 للجيش الباكستاني، وهو المنصب العسكري الأقوى في البلاد. ومنذ تلك اللحظة بدأ حضوره يتجاوز الإطار العسكري البحت، ليصبح لاعباً محورياً في السياستين الداخلية والخارجية لباكستان.

وبين عاميَ 2023 و2024، برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي، مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود. وعمل على توسيع قنوات باكستان مع الخليج والصين وتركيا، وإبقاء التواصل مع واشنطن مفتوحاً في إطار «تنويع التحالفات» بدل الارتهان الكامل لأي طرف.

أيضاً، منذ عام 2024 ارتبط اسم عاصم منير بمحاولات تهدئة الاقتصاد الباكستاني عبر دعم آليات لجذب الاستثمار ومكافحة المضاربة في سوق الصرف، بالتوازي مع اتساع دور الجيش في إدارة ملفات الدولة. وفي الداخل، أثار ذلك جدلاً بين مَن يرى فيه رجل دولة قوياً، ومَن يعدّه متوسعاً في مساحة التأثير السياسي.

بعدها، في مايو (أيار) 2025 رُقّي منير إلى رتبة مشير (فيلد مارشال)، وهي أعلى رتبة عسكرية في باكستان، في خطوة أكّدت حجم حضوره بعد اشتباكات باكستان والهند وتعاظم مكانته داخل النظام. وجعلت هذه الترقية من منير واحداً من أكثر القادة نفوذاً في تاريخ الجيش الباكستاني الحديث.

أكثر من هذا، في نوفمبر 2025 وافق البرلمان الباكستاني على تعديل دستوري يوسِّع دور رئيس أركان الجيش، ويضع القوات البحرية والجوية تحت سلطته، ووافق أيضاً على منح مَن يرقّون إلى رتبة 5 نجوم (فريق) حصانة قانونية مدى الحياة. وهكذا بات المشير يتمتع بحصانة تحميه من الملاحقات القانونية حتى بعد مغادرة منصبه.

العلاقة مع واشنطن

منذ عام 2025 تحوَّلت علاقة عاصم منير بواشنطن إلى عنصر سياسي مهم، مع تقارير عن لقاءات ومشاورات عزَّزت قنوات التواصل مع إدارة ترمب. وفي الوقت نفسه، برز اسمه في ملفات الوساطة الأميركية - الإيرانية، حيث نُظر إليه كقناة غير تقليدية قادرة على تخفيف التوتر الإقليمي عبر موقع باكستان إزاء الطرفين.

والواقع أنَّ العلاقة بين واشنطن وإسلام آباد كانت قد بدأت تترمّم قبل أشهر، عندما سلّمت السلطات الباكستانية مطلوباً أفغانياً لواشنطن متهماً بالمسؤولية عن تفجير مطار كابل الدولي في عام 2021 في أثناء الانسحاب الأميركي ما أدى إلى مقتل 13 عسكرياً أميركيا آنذاك. وكان الفضل في تسليم المتهم وغيره من المطلوبين لدى الولايات المتحدة، يعود بشكل أساسي إلى منير نفسه. وبالفعل، حرص الرئيس ترمب على تقديم الشكر إلى باكستان، إبان الإعلان عن اعتقال المتهم، في خطوة كانت لافتة، خصوصاً بعدما وجَّه الرئيس الأميركي انتقادات لاذعة لها في ولايته الأولى، متهماً إياها بـ«الكذب والخداع» في التعاون بمسائل تتعلق بمكافحة الإرهاب.

زيارة البيت الأبيض

بالنتيجة، هذا الإعجاب المُتجدِّد من طرف الرئيس الأميركي، تُوِّج في يونيو (حزيران) العام الماضي باستضافة ترمب لرئيس الأركان الباكستاني في البيت الأبيض، للجنرال الذي كان قد رقّي بعد «حرب الأيام الأربعة» مع الهند، إلى رتبة مشير، في زيارة غير مسبوقة. إذ ليس من المعتاد أن يستقبل البيت الأبيض قائداً عسكرياً من دون القيادة المدنية، ولكن هذا الحدث كان مؤشراً إلى أنَّ منير كان المُحرِّك الأساسي خلف إعادة إطلاق العلاقات الثنائية. ومع أنَّ الرجل شخصية عسكرية بشكل أساسي، فإنَّه لعب دور الدبلوماسي خلف الأبواب، معتمداً على التكتم، والعمل ما وراء الكواليس.

دور حساس وحيوي

بل لقد كان واضحاً، بعد لقائه ترمب، أنه نقطة التواصل الرئيسة لواشنطن مع إسلام آباد في مواضيع تتجاوز الترتيبات العسكرية والاستخباراتية. فبعد لقاء الرجلين في البيت الأبيض، أصدر الجيش الباكستاني بياناً كشف فيه عن أنَّ اللقاء استمرَّ ساعتين، وناقش مسائل تتعلق بالتجارة والعلاقات الاقتصادية والعملات المشفّرة، إضافة إلى التوترات بين إسرائيل وإيران. ولم تكن، حينذاك، قد اندلعت الحرب بين الطرفين، لكن ترمب أراد - كما يقول البعض - ربما الاستفادة من العلاقة المقربة للمشير بـ«الحرس الثوري الإيراني». وهو قال حقاً بعد لقائه به في البيت الأبيض: «الباكستانيون يفهمون إيران جيداً، بشكل أفضل منا، وهم لاعبون أساسيون في السلام بالمنطقة».

وبحسب ترمب أيضاً، فإنَّ السبب الرئيس لدعوة منير إلى البيت الأبيض كان لشكره على تخفيف التصعيد مع الهند. وكان لافتاً أن زيارة رئيس الأركان الباكستاني جاءت بعد أيام على زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، وهو ما أشار إليه ترمب، مضيفاً: «نحن نعمل على اتفاقية تبادل تجاري مع الهند وباكستان». وما كان لافتاً في هذا الإطار أن ترمب اختار دعوة منير، وليس رئيس الحكومة الباكستاني، إلى واشنطن بعد رئيس الحكومة الهندي، والتشاور معه في أمور تتجاوز المسائل العسكرية.

وللعلم، عاد منير إلى البيت الأبيض بعد 3 أشهر، ولكن هذه المرة مع رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف ليلتقيا معاً الرئيس الأميركي. وبدا واضحاً أن ترمب بات يرى في باكستان شريكاً موثوقاً، وليس ناقص الأهلية، كما كانت الحال في عهده الأول.


دور منير المؤثر في عملية الوساطة مع طهران

قاليباف (آ ف ب)
قاليباف (آ ف ب)
TT

دور منير المؤثر في عملية الوساطة مع طهران

قاليباف (آ ف ب)
قاليباف (آ ف ب)

يرى المراقبون، بكثير من الثقة، أن اللقاءات والعلاقة المتجددة لواشنطن مع باكستان، وبفضل رئيس أركان جيشها عاصم منير، عامل أساسي مهَّد الطريق أمام الوساطة التي لعبتها إسلام آباد عندما بدأت الحرب مع إيران. فهنا أيضاً قاد الوساطة المشير منير، الذي نجح في جمع الطرفين على طاولة المفاوضات يومي 11 و12 أبريل (نيسان) في إسلام آباد.

ولقد تحوّل اللقاء الذي شارك فيه نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس رئيساً للوفد الأميركي، ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباق رئيساً لوفد بلاده، إلى لقاء تاريخي مع أنه لم يتيسر تحقيق أي خرق أو اتفاق فيه؛ إذ كان المرة الأولى التي يلتقي فيها مسؤولون أميركيون وإيرانيون رفيعون بهذا المستوى منذ الثورة الإيرانية.

هنا كان المشير الباكستاني «نقطة الوصل» الرئيسة بين الطرفين والحاضر الثالث على طاولة المفاوضات. وهكذا حلّت إسلام آباد محل كل من فيينا وجنيف اللتين استضافتا جولات كثيرة بين المفاوضات النووية بين الولايات المتحدة وإيران. واستعيض عن الوسيط الأوروبي الذي كان الشريك الأقرب للأميركيين، بوسيط باكستاني.

أيضاً، على الرغم من تعذّر التوصل إلى اتفاق آنذاك، ظل منير متأهباً ويواصل اتصالات لا تتوقف وزيارات مكّوكية لإقناع الطرفين بتوقيع اتفاق. وكان آخرها زيارته إلى طهران الأسبوع الماضي حين التقى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي للتفاوض على النقاط الأخيرة في الاتفاق. ومع أن الزيارة الأخيرة لم تثمر اتفاقاً... فإن جهود المشير الباكستاني مستمرة بلا توقف.

والحقيقة، أن الجهود الدبلوماسية التي قادها منير أوسع من مجرّد إعادة «ترميم» العلاقات مع واشنطن. فهو كان محرّك «اتفاقية الدفاع المشترك» مع المملكة العربية السعودية من الجانب الباكستاني، وهي وصفت بأنها اتفاقية تاريخية تنص على أن أي اعتداء على أحد الطرفين يشكّل اعتداءً على الآخر.

هذه النجاحات الدبلوماسية نادراً ما يحققها قائد عسكري. وهنا يذكر محللون بأن منير كان سبب ملاحقة خان واعتقاله عام 2024 بتهم فساد. وعاد رئيس الحكومة شهباز شريف ليعيّن منير رئيساً لأركان الجيش الباكستاني، ثم تصدر ترقيته العام الماضي إلى رتبة مشير بعد «حرب الأيام الأربعة» مع الهند. إذ سُجّل له الفضل بالوقوف في وجه نيودلهي وإلحاق إضرار كبيرة بجيشها خلال المواجهة الوجيزة.

تلك الحرب، فتحت في الواقع الباب أمام عاصم منير لتصحيح العلاقات مع واشنطن وحوّلته «نقطة تواصل» موثوق بها ووسيطاً دبلوماسياً رئيساً مع إيران. وفعلاً، أنهى منير بجهود متراكمة، سنوات من تشكيك الإدارات الأميركية المتعاقبة بشراكة باكستان. وللعلم، ما زال في الأذهان قرار إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، تنفيذ عملية اغتيال أسامة بن لادن على الأراضي الباكستانية من دون التنسيق معها. وظل التشكيك بإسلام آباد والتساؤل حول ما إذا كانت فعلاً تجهل وجوده على أراضيها، يلاحقها حتى اليوم.

أخيراً، ما إذا كان سينجح المشير الباكستاني في دوره الجديد ويتوّج جهوده الدبلوماسية باتفاق نهائي بين الولايات المتحدة وإيران، تساؤل غير واضح الإجابة بعد. ولكنه من دون شك، نجح في تغيير صورة باكستان لدى الإدارة الأميركية، وتحويلها من شريك ناقص مشكوك فيه، إلى شريك كامل محل ثقة، حتى في أكثر الملفات تعقيداً.