«الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية» إلى أين؟

توماس غومارت يحاول الإجابة عن السؤال في كتابه «جنون العالم»

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

«الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية» إلى أين؟

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

في الحديث المطول الذي أدلى به نهاية الأسبوع الماضي، والذي وزّع قصر الإليزيه نصه أول من أمس لمجلة «غران كونتينان» (القارة الكبيرة)، المتخصصة في الدراسات الاستراتيجية والسياسية، وهي إلى حد ما أكاديمية، دافع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مجدداً وبقوة عن دعوته دول الاتحاد الأوروبي للتمكن مما يسميه «الاستقلالية الاستراتيجية» (أي أوروبا القوية) التي اعتبر أنها «الاحتمال الوحيد لإعادة فرض قيمنا لتجنب الاحتكار الثنائي الأميركي - الصيني والانهيار وعودة القوى الإقليمية المعادية». وكلام ماكرون يمكن النظر إليه على أنه رد مباشر على وزيرة الدفاع الألمانية أنيغريت كرامب - كارنباور التي دعت مؤخراً إلى «التخلي عن أوهام الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي». ووفق المسؤولة الألمانية المشككة، فإن الأوروبيين «لن يتمكنوا من لعب دور أميركا كضامن للأمن». وبالمقابل، يؤكد ماكرون أنهم «في حاجة إلى مواصلة بناء استقلاليتهم لأنفسهم كما تفعل الولايات المتحدة لنفسها وكما تفعل الصين لنفسها». وفي أي حال، فإن الرئيس الفرنسي يرى أن واشنطن «لن تحترم الأوروبيين كحلفاء لها إلا إذا كانوا جادين مع أنفسهم وكانوا سياديين في مسائلهم الدفاعية».
يبين هذا الجدل كم أن موضوع «الاستقلالية الاستراتيجية» يعتمل الفضاء الأوروبي. وما أجج النقاش الداخلي بين أعضائه تعاطي الرئيس الأميركي مع الحلف الأطلسي والشكوك الأوروبية بنوايا واشنطن. دونالد ترمب اعتبر أن الحلف «عفا عليه الزمن». وخلال السنوات الأربع المنقضية، عاش الأوروبيون «على أعصابهم» بسبب انعدام اليقين إزاء ما تريده واشنطن وما تنوي فعله. من هنا، مسارعة باريس وبرلين، عبر مقال مشترك لوزيرَي خارجية البلدين هايكو ماس وجان إيف لودريان، نشر في ثلاث صحف رئيسية أوروبية وأميركية، إلى دعوة الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن إلى «تعزيز وحدة الحلف الأطلسي»، وإلى أن يعمل الجانبان الأوروبي والأميركي معاً من أجل «ابتكار معطى جديد». ويرى الوزيران، أن وصول بايدن إلى البيت الأبيض يمكن أن يشكل عاملاً دافعاً بهذا الاتجاه.
على ضوء ما تقدم، يمكن أن يفهم الإلحاح الفرنسي ممثلاً بالرئيس ماكرون في طرح ملف تعتبره باريس حيوياً. ولهذا الملف؛ كرس توماس غومارت، مدير المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، كتابه الصادر حديثاً تحت عنوان «جنون العالم، التحديات الجيوسياسية العشرة»، وأحدها مستقبل الاتحاد الأوروبي بين قوتين مهيمنتين (الولايات المتحدة والصين)، والدور الذي تستطيع أوروبا أن تلعبه إذا أرادت أن تكون كتلة رائدة لها موقعها على الصعيد العالمي وليس تابعاً للولايات المتحدة أمنياً وسياسياً.

لماذا السعي الأوروبي لـ«الاستقلالية الاستراتيجية»؟
حقيقة الأمر، أن فصول الكتاب العشرة كافة مترابطة فيما بينها. إلا أن عنوان الفصل المكرس للاتحاد الأوروبي (أوروبا التائهة) يعكس إلى حد كبير مقاربة وتحليل المؤلف الذي يرى أن القارة القديمة «تواجه تحدياً مزدوجاً: التحدي الوجودي من جهة، وتحدي تكيفها مع عالم اليوم من جهة أخرى». يضاف إلى ذلك عنصران رئيسيان: الأول، أن أوروبا تفتقر اليوم لمن «يجسد» طموح الاستقلالية الاستراتيجية. وقد يكون الكاتب في ذلك قد انتقص من الدور الذي يريد الرئيس ماكرون أن يلعبه على المسرح الأوروبي. والثاني تراجع تمسك الأوروبيين بالبناء الأوروبي الذي هو محصلة عقود من الجهود الجماعية. صورة الاتحاد، أنه «تراكم فضاءات متعددة، فضاء شينغن، فضاء اليورو، الفضاء الأوروبي الشامل...»، ومنطقة ازدهار اقتصادي متراجعة عن منطق القوة السائد حالياً في العالم. والحال أن الاتحاد ما زال بناءً سياسياً هشاً قائماً على التخلي عن أجزاء من السيادة الوطنية وعلى مبدأ التضامن والاندماج. والتحدي الرئيسي الذي يواجهه عنوانه المسعى ليكون لاعباً له تأثيره في العولمة واستعادة الحيوية الاقتصادية تمكنه من المنافسة على مستوى العالم، والأهم أن يتوصل لاكتساب المصداقية الجيوسياسية للتمكن من الدفاع عن نفسه» بحيث لا يبقى مرتهناً للإرادة الأميركية ومظلتها النووية.
المفارقة التي يتوقف عندها الكتاب تكمن في أن أوروبا كانت القوة المهيمنة في العالم منذ القرن الـ15 وحتى القرن الـ19؛ وذلك بفضل تفوقها التكنولوجي الذي جاء بعد الكشوف الجغرافية التي حققها بحارتها الكبار ومكّنتها من استعمار أميركا والتواجد في غالبية أصقاع العالم. أوروبا كانت «سيدة العولمة». إلا أن الحربين القاتلتين اللتين أشعل نارها الأوروبيون (الحربان العالميتان الأولى والثانية) قلصتا الهيمنة الأوروبية ونقلتاها إلى الضفة الأطلسية الأخرى، كما استولدت القوة السوفياتية ووفرت الشروط لقيام الحرب الباردة التي جعلت أوروبا تحت العباءة الأميركية. من هنا، وفق قراءة الكاتب، فإن قيام الكتلة الأوروبية التي تغير اسمها مع مرور العقود ليتحول إلى «الاتحاد الأوروبي» كان هدفه الأول منع قيام حروب إضافية بين الأوروبيين، وهو ما تحقق منذ نهاية الحرب العالمية الثانية قبل 75 عاماً، حيث عاشت أوروبا أطول فترة سلام وازدهار. إلا أنه لم يفض إلى قيام أوروبا القوة السياسية والعسكرية المتمتعة بالاستقلالية الاستراتيجية، حيث إن أوروبا ينطبق عليها القول إنها «مارد اقتصادي ولكن رجليه من طين». فأهم كتلة اقتصادية في العالم غير قادرة على التدخل في جوارها المباشر، أكان في المتوسط أو في أفريقيا، أي في المناطق التي تعرف العديد من البؤر المتفجرة، كما أن مبدأ الإجماع في السياسة الخارجية يشل حركتها. ولعل أبلغ دليل على ذلك فشلها في التوافق على سياسة موحدة للتعامل مع الهجرات المكثفة وغير الشرعية التي تصل إلى شواطئها من بلدان شمال أفريقيا وعبر تركيا ومن مياه المتوسط ما يشكل لها تحدياً رئيسياً، خصوصاً على الصعيدين السياسي والاجتماعي، ناهيك عن الصعوبات الثقافية والأعمال العنفية والإرهابية التي ضربت العديد من مدنها. ووفق الإحصائيات التي يوردها المؤلف، فإن 1.8 مليون مهاجر دخلوا إلى الاتحاد في عام 2015 غالبيتهم إلى ألمانيا. ورغم تراجع تيار الهجرات، فإن المهاجرين ما زالوا يتدفقون على الشواطئ الأوروبية، والأوروبيون ضائعون وتائهون، ويراهنون هنا على ألمانيا للجم التدفق، وهناك على سلطات ليبية غير موجودة لمنع انطلاقهم من مرافئها. إلا أن قناعتهم الراسخة أن هذا التيار لن يتوقف مهما اشتدت الإجراءات الأمنية ومخيمات اللاجئين غير الإنسانية، أكانت في الجزر اليونانية أو على الشاطئ الأفريقي ستبقى مصدر صداع لهم ودليلاً على عجزهم.
تبين دراسة صادرة عن المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، أن مفهوم «الاستقلالية الاستراتيجية» ظهر في الكتابات الفرنسية منذ نحو العقد. ففي «الكتاب الأبيض» الصادر في العام 2013 الذي يرسم السياسة الدفاعية الفرنسية ورد هذا المفهوم 15 مرة، كما ورد 28 مرة في مجلة «الاستراتيجية الدفاعية والأمن الوطني» لعام 2017، منها سبع مرات تحت مسمى «الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية». كذلك أخذ هذا المفهوم في الظهور في الوثائق الأوروبية منذ عام 2013، لكن ظهوره تكاثر في السنوات الأخيرة، ليس فقط في الوثائق الرسمية ولكن أيضاً في تصريحات المسؤولين الأوروبيين. لكن تجدر الإشارة إلى أن مشروع «الاستقلالية الاستراتيجية» لا يلقى فقط معارضة وزيرة الدفاع الألمانية «التي تعكس الموقف الألماني الرسمي الذي تعبر عنه المستشارة الألمانية»، بل خصوصاً شرق ووسط أوروبا التي خرجت حديثاً من سيطرة العباءة الروسية وانضمت إلى الحلف الأطلسي ولا تريد بأي يحال أن تقايض المظلة الأميركية «ومن ضمنها النووية» القائمة بمظلة أوروبية غير موجودة؛ إذ في الحلف الأطلسي الذي انضمت إليه تلك الدول سريعاً بعد انهيار حلف وارسو وتفكك الاتحاد السوفياتي ضمانة لعدم الرجوع إلى الوراء. ويعني ذلك عملياً أن العديد من السنوات سيمر قبل أن تتحول الاستقلالية الاستراتيجية إلى واقع. وفي أي حال، يؤكد خبراء الشأن الأوروبي أن ترجمة «مفهوم الاستقلالية الاستراتيجية» يختلف بين طرف وآخر، حيث إن بعضهم يراه «الى جانب» الحلف الأطلسي، بينما يريده البعض الآخر «بديلاً عنه». لكن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يعني، وفق الكاتب، أن عضواً رئيسياً يملك القوة النووية ويتمتع بمقعد دائم في مجلس الأمن وبحق النقض «الفيتو» قد افتقده الأوروبيون في بحثهم عن الاستقلالية. من هنا، إصرار باريس وبرلين على بقاء لندن طرفاً في اتفاقيات الصناعات الدفاعية المشتركة. ثم هناك عامل آخر عنوانه في واشنطن. فمن المتفق عليه أن رئاسة ترمب دفعت الأوروبيين إلى السعي لتحقيق «الاستقلالية» الموعودة. لكن مع وصول بايدن إلى البيت الأبيض واستعداده لتوثيق العلاقة مجدداً مع الجناح الأوروبي للحلف لا يمكن استبعاد أن تضعف حماسة دعاة الاستقلالية. ومن المرجح أن يكون هذا العامل هو الدافع الذي جعل وزيرة الدفاع الألمانية تستبعد الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية، علماً بأن برلين أعربت عن «قلقها» عندما كشفت إدارة ترمب عن رغبتها في تخفيض أعداد القوات الأميركية المرابطة على الأراضي الألمانية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية؛ ما يعني ضمناً أنها تسعى إلى «إغواء» واشنطن ودفع إدارة بايدن القادمة إلى تناسي ما كانت تريده الإدارة السابقة.

ماذا تعني «الاستقلالية الاستراتيجية»؟
قد يعتقد البعض أن هذا المبدأ يعني فقط الميدان العسكري، وهو ما يجانب الحقيقة؛ إذ إن المفهوم المشار إليه هو – بداية - ذو بعد سياسي رئيسي يتداخل مع الأبعاد التي تتناول مسائل الطاقة والتكنولوجيا والوصول إلى المعادن النادرة وإلى الفضاء الخارجي وتكنولوجيا المعلومات والذكاء الصناعي، وغيرها من الأبعاد التي من دون السيطرة عليها لن تتمكن أوروبا من الوصول إلى مرحلة «الاستقلالية الاستراتيجية». وجاء وباء «كوفيد - 19» ليبين انكشاف بلدان الاتحاد الأوروبي إزاء الصين والهند وعدم قدرته على توفير الأدوية واللقاحات والكمامات وأجهزة التنفس الصناعي بسبب سياسات المجموعات الصناعية الأوروبية في العقود المنصرمة التي فضلت ركوب قطار العولمة والانغراس في البلدان التي توفر لها أكبر قدر من الربحية بسبب ضعف الرواتب واليد العاملة. ومن غير توافر هذه العناصر، سيكون من الصعب على أوروبا أن تتحول إلى قطب فاعل إزاء ومؤثر إلى جانب قوى ثلاثة الولايات المتحدة والصين وروسيا رغم أن تياراً فكرياً واستراتيجياً يعتبر أن روسيا ليست قوة اقتصادية، بل إن حضورها مرده فقط لكونها قوة عسكرية «ونووية» تحاول العودة إلى المسرح العالمي من خلال اللجوء إليها «كما في أوكرانيا وسوريا وليبيا وجنوب القوقاز...».
يعتبر توماس غومارت أن عوامل عديدة داخلية «طاردة» تلعب ضد تحقيق ما يعتبره بعض الأوروبيين «الهدف الأسمى»، وأولها تراجع تعلق الأوروبيين بالاتحاد ووجود نزعات «انفصالية» داخله كما في إسبانيا مع «كاتالونيا»، وفي بريطانيا «اسكوتلندا»، وإيطاليا «لومبادريا»، وفرنسا «كورسيكا»، ناهيك عن خروج بريطانيا منه. ثم هناك عاملان ديموغرافي واقتصادي: سكان الاتحاد لن يشكلوا في السنوات القليلة المقبلة سوى 7 إلى 8 في المائة من البشرية، في حين نسبة كبار السن سوف تتنامى. واقتصادياً، ستتراجع رتبة الاتحاد؛ إذ إن حصته من الناتج العالمي الخام كانت في عام 2012 تزيد على 23 في المائة، ستتقلص إلى 15.5 في المائة، بينما حصة الصين مثلاً ستستمر بالنمو لتصل إلى 24.9 في المائة «مقابل 11.5 في المائة في عام 2012».
يعتبر المؤلف أن تمسك الأوروبيين بـ«الإدارة التعددية لشؤون العالم» يسير بعكس التيار السائد الذي تنهجه القوى الرئيسية الثلاث، من هنا الحاجة إلى أن تثبت أوروبا موقعها. ورغم العقبات المشار إليها التي تعيق الوصول إلى «الاستقلالية الاستراتيجية»، فإن الأوروبيين يتعاونون في المجال العسكري الذي كان عماده فرنسا وألمانيا وبريطانيا. وثمة علامات استفهام تطرح بشأن لندن وما إذا كان خروجها من الاتحاد سيجعلها تتخلى عن البرامج العسكرية أو الصناعات الدفاعية الأوروبية التي كانت ضالعة فيها، وسيدفعها للالتصاق بواشنطن أي بالحلف الأطلسي. وفي أي حال، يعتبر الكاتب أن المحور الفرنسي - الألماني سيبقى في المستقبل كما كان في الماضي الأساس الذي بني عليه الاتحاد والقوة الفاعلة التي يمكن أن تدفع لمزيد من الاندماج.

تهديد من الداخل
يقول المؤلف «إن أوروبا تستشعر (جنون العالم) (عنوان الكتاب) أكثر من غيرها من بين مناطق العالم. والسبب أن نخبتها والمواطنين يرون أنها لم تعد تمسك مصيرها بيديها. أوروبا فرضت إيقاعها على العالم طيلة خمسة قرون وجاءت الحربان العالميتان لتقضيا عليه إلى أن جاء المشروع الأوروبي القائم على التصالح بين الشعوب الأوروبية ليعدي الأمل. والحال أنه اليوم مهدد من الداخل في حين يخضع لضغوط من الخارج، وهو الطي يفرض إيقاعه. وهذا الواقع لا يتعين أن يدفعنا إلى الإحباط، بل إلى بذل جهود مضاعفة من أن نستمر في التأثير على العولمة». ويتوقف المؤلف عند «الاستحقاقات» أو التحديات التي يتعين على الاتحاد أن يواجهها «الآنية ومتوسطة وبعيدة الأجل» ليبقى طرفاً فاعلاً، مشدداً على أن أوروبا كـ«كتلة» قادرة على التأثير أكثر من أي دولة بمفردها وفي منظاره «ميزات» أوروبية يمكن أن يكون لها وزنها في العالم المعولم مثل استمرار أوروبا كقطب جاذب قوتها الاقتصادية وليبراليتها وأسلوب الحياة الأوروبي والقوة «الناعمة»... وفي هذا كله، لا يجافي المؤلف الحقيقة والواقع. إلا أن أوروبا بذلك تبقى بعيدة وبعيدة جداً عن أن تتمكن من «الاستقلالية الاستراتيجية» التي يقدر أن تبقى حلماً للقادم من الأجيال.


مقالات ذات صلة

«الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

ثقافة وفنون «الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

«الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

في المفارقة التي ينطوي عليها عنوان رواية «الأمل مرضي المفضل» للروائي المصري مينا ناجي، يتحدد أحد توتراتها الأساسية

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

صدر أخيراً في القاهرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ديوان «مرآتان لوجه واحد» للشاعر العراقي عدنان الصائغ، ضمن إصدارات سلسلة «الإبداع العربي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الولايات المتحدة​ الصحافي الأميركي بوب وودوارد (أ.ب- أرشيفية)

كاشف أسرار واشنطن... بوب وودوارد يزيح الستار عن مصادره السرية

يكشف الصحافي المخضرم بوب وودوارد في مذكراته الجديدة هويات مصادره السرية، وكواليس تحقيقاته عن أسرار واشنطن، ويوجِّه انتقادات إلى جيف بيزوس.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
لمسات الموضة يسلط الكتاب الضوء على عملية الإبداع وما يليها (ديور)

كتاب يستعيد زمناً وفرصة ذهبية في دار «ديور»

يتضمن الكتاب شعوراً عميقاً بالامتنان من شاب أُتيحت له فرصة استثنائية للعمل مع الكبار ثم عاد بعد عقود ليستحضر تلك المبادرة التي غيّرت مسار حياته

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون تكريم مبارك ربيع في أصيلة

الروائي المغربي مبارك ربيع: حضورنا الأدبي في المشرق غير مُرضٍ

يُعدّ الروائي والأكاديمي المغربي مبارك ربيع أحد أبرز الأسماء التي أسهمت في تأسيس الرواية المغربية الحديثة، ومن الجيل الذي رافق تحولات المجتمع المغربي

ميرزا الخويلدي (أصيلة - المغرب)

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟
TT

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

لم يعد الكتاب الصوتي يقف على هامش عالم النشر، بوصفه نسخة أخرى من كتاب سبق أن اكتملت حياته على الورق. ففي معرض فرانكفورت للكتاب، الذي أقيم بين السابع والحادي عشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2026، احتلّ موقعاً بارزاً، لا بوصفه ابتكاراً في وسائل الإتاحة فحسب، بل بوصفه تجربة ثقافية تعيد طرح أسئلة القراءة نفسها: كيف نتلقّى الأدب حين نسمعه؟ وماذا يضيف صوت الراوي إلى النص؟ وهل تستطيع الحكاية، حين تغادر الصفحة إلى الأذن، أن تبلغ قرّاء لم تكن تصل إليهم من قبل؟

اللافت، أن المعرض منح هذا التحوّل حيّزاً أوسع ضمن «فرانكفورت أوديو»، فجمع بين مركز جديد للقاء الناشرين والمنتجين والمنصّات، ومساحات تتيح للجمهور اكتشاف الأعمال المسموعة والاقتراب من أصحابها. ولم يقتصر البرنامج على مناقشة الأسواق ووسائل الإنتاج؛ بل شمل لقاءات بين الكتّاب والرواة، وفضاءً للاستماع إلى أدب الفانتازيا.

حين يصبح الصوت جزءاً من الكتاب

ليس الكتاب الصوتي نصًّا مطبوعاً أضيف إليه تسجيل فحسب. ففي المسافة بين الكلمة المكتوبة والكلمة المنطوقة، ينشأ عمل آخر يشتغل على المعنى: نبرة تكشف التردّد، ووقفة تمنح الصمت ثقله، وإيقاع يقرّب الشخصيات أو يباعد بينها. لا يكتب الراوي الحكاية من جديد، لكنه يقترح سبيلاً إلى سماعها، ويصبح أداؤه ضرباً من التأويل؛ فقد يلتقط المستمع في جملة مألوفة سخرية خفيّة أو حزناً لم ينتبه إليه على الصفحة.

وتزداد هذه العلاقة خصوصية حين يقرأ الكاتب سيرته بنفسه. ففي النسخة المسموعة من «وأصبحت» لميشيل أوباما، التي أدّتها بصوتها، يغدو الاستماع لقاءً بين رواية الحياة والصوت الذي يستعيدها. وكانت دار «بنغوين راندوم هاوس» قد وصفت النسخة المسموعة من مذكراتها بأنها الأسرع مبيعاً بين كتبها الصوتية آنذاك.

أما الأعمال الروائية التي ارتبط بها القرّاء طويلاً، فتفتح النسخة المسموعة باباً آخر للعودة إليها. ومن الأمثلة الدالّة اهتمام «فرانكفورت» بعالم «هاري بوتر»؛ إذ تضمّن برنامجه لقاءً مع الأصوات التي أدّت الكتب بالألمانية. هنا لا يأتي الجمهور لاكتشاف الحكاية وحدها، بل للتعرّف إلى من منح شخصياتها حضورها المسموع؛ كأنّ للرواية ذاكرة صوتية تضاف إلى ذاكرتها المكتوبة.

على أن خصوصية هذه التجربة لا تجعل الاستماع أعلى منزلة من القراءة البصرية أو أدنى منها. فقارئ الورق يضبط سرعته، ويتوقّف عند عبارة، ويعود بعينه إلى صفحة سابقة، في حين يختبر المستمع زمناً يصوغه الأداء، وإن استطاع إيقافه أو استعادته. إنهما علاقتان مختلفتان بالنص، ليست امتحاناً لإثبات أفضلية أحدهما على الآخر. وتكمن جاذبية الكتاب الصوتي أيضاً في أنه يوسّع الأوقات التي يمكن للأدب أن يجد فيها مكاناً: في الطريق، وأثناء المشي، وبين الأعمال اليومية.

جمهور يتّسع... ومبيعات يصعب حصرها

تقدّم فرنسا صورة دالّة على اتّساع هذه الصلة. فحسب بارومتر «صوفيا» والنقابة الوطنية للنشر وجمعية أهل الأدب لاستخدامات الكتاب الرقمي والكتاب الصوتي، الذي أنجزه معهد «ميديامتري» ونُشر في 2026، استمع نحو 10.1 مليون شخص، أي 17 في المائة من السكان بين 6 و80 عاماً، إلى كتاب صوتي رقمي خلال الاثني عشر شهراً الماضية. وتكشف الدراسة أيضاً عن أن جمهور هذا النوع من الكتب أصغر سنًّا، في المتوسط، من جمهور الكتاب المطبوع. والأهم ثقافيًّا ليس الرقم وحده، بل ما يفتحه من سؤال: هل يصبح الصوت مدخلاً إلى الأدب لدى فئات لا تجعل القراءة الورقية عادة ثابتة؟

رأت لور ساجيه، المديرة العامة لدار «أوديوليب»، في اتّساع العرض فرصة لتجديد الجمهور. وقالت لصحيفة «لوموند»، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إن هذا التطوّر «سيجعل جمهور الكتاب الصوتي أصغر سنًّا، ويوسّع انتشاره». وربطت ذلك بإمكان تجربة مؤلّفين وأجناس مختلفة، بدلاً من حصر الاختيار منذ البداية في عنوان واحد. بهذا المعنى، قد تقود عتبة الاستماع السهلة إلى مغامرة أدبية: قصّة قصيرة لم يكن المتلقّي ليشتريها منفردة، أو كتاب للأطفال، أو كاتب يلتقيه للمرة الأولى.

غير أن عدد المستمعين لا يساوي عدد المشترين، ولا يكفي وحده لقياس مكانة الكتاب الصوتي في اقتصاد النشر. ففي مقالها «سبوتيفاي يربك عالم الكتاب الصوتي» المنشور في 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، أوضحت «لوموند» أن السوق الفرنسية لا تُقاس بدقّة، بسبب امتناع منصّات رئيسية عن نشر بياناتها، وقدّرتها آنذاك بنحو اثنين في المائة من قطاع النشر. وفي المقابل، تُظهر بيانات جمعية ناشري الكتب الصوتية الأميركية استمرار نموّ الإيرادات في الولايات المتحدة خلال 2025؛ إذ ارتفعت 9 في المائة لتبلغ 2.43 مليار دولار، بما يؤكّد أن الكتاب الصوتي لم يعد تجربة عابرة في أسواق النشر الكبرى. لكنّ نجاحه الثقافي يظلّ أوسع من حصيلته التجارية.

مَن يتحكّم في بوابة الاستماع؟

خلف الألفة التي يصنعها صوت الراوي، تقف وساطة أخرى أقلّ ظهوراً: المنصّة التي يكتشف عبرها المستمع كتابه. في فرنسا، رسّخت «أوديبل»، التابعة لـ«أمازون»، موقعاً مهيمناً في هذا المجال. وقدّرت صحيفة «لو فيغارو»، في مقالها «سبوتيفاي يستثمر مليون يورو لإنتاج كتب صوتية في أوروبا»، المنشور في 11 أبريل (نيسان) 2025، حصّتها آنذاك بنحو ثلثي السوق الفرنسية. وتناول المقال نفسه استثماراً أعلنت عنه «سبوتيفاي» لدعم الإنتاج في أسواق من بينها فرنسا وهولندا. وفي حديثها إلى «لوموند»، وصفت لور ساجيه عرضَي «أوديبل» و«سبوتيفاي» بأنهما «عرضان متكاملان»، يتيحان بيع كتب مختلفة. وأوضحت أن الاضطرار إلى مفاضلة حاسمة قد يدفع إلى اختيار الكتب الأشهر أو الأطول، في حين يشجّع إمكان التجربة على التنقّل بين مؤلّفين وأجناس أدبية قبل الاستقرار على عمل بعينه.

الناشرون بين توسيع الجمهور وحماية القيمة

لا يقف الناشرون خارج هذا التحوّل؛ فهم من يصنع مادّته الأدبية ويختار الأصوات التي تحملها. وفي فرنسا، تعمل دور متخصّصة، من بينها «أوديوليب» المرتبطة بهاشيت وألبان ميشيل، و«ليزي» التابعة لإديتيس، إلى جانب نشاط مجموعة «مادريغال»، على توسيع حضور الكتاب الصوتي. وقد ربط مسؤولو هذه الجهات وصول منصّات جديدة بإمكان تنويع الجمهور وإعادة تحريك أعمال من رصيدهم المنشور، لا بالاكتفاء بمرافقة الإصدارات الحديثة.

وفي هذا السياق، قال إريك ماربو، مدير المبيعات الرقمية في مجموعة «مادريغال»، لصحيفة «لوموند» إن العرض الجديد يتيح «استقطاب مستمعين عرضيّين جدد»، ولاحظ «تنوّعاً جميلاً في الأعمال المستمع إليها»، مرحّباً خصوصاً بالتفات الجمهور إلى عناوين أقدم في فهارس المجموعة. وهذه نقطة جوهرية في الرهان الثقافي: أن يمنح الصوت الكتاب حياة إضافية، وأن يعيده إلى التداول بعدما يكون قد ابتعد عن واجهات المكتبات.

وقد أعادت الكتب الصوتية إلى بعض روائع الأدب الكلاسيكي قرّاءً جدداً؛ فاستعادت «البؤساء» لفيكتور هوغو و«الكونت دي مونت كريستو» لألكسندر دوما حضورها بين المستمعين، كما سهّلت التسجيلات الصوتية الاقتراب من «البحث عن الزمن المفقود» لمارسيل بروست. وشهدت «كبرياء وهوى» لجين أوستن ارتفاعاً ملحوظاً في الاستماع، بما يثبت أن الصوت قادر على إحياء النصوص القديمة وإعادة الشباب إليها.

وبعيداً عن التفاؤل التجاري الذي يحمله هذا القول، فإن جمهور الكتاب الصوتي ليس كتلة واحدة؛ فتعدّد منافذ الوصول يمكن أن يتيح طرائق متباينة للقاء الأدب، بشرط أن يصاحبه تعدّد حقيقي في الأعمال المعروضة. ومن هنا يتّصل السؤال الثقافي بالتجاري: كيف تصل رواية أقلّ شهرة إلى الأذن التي قد تحبّها؟ وما الذي يضمن بقاء مكان للقصّة القصيرة، وللأعمال التي تحتاج إلى إصغاء صبور، حين يصبح الإقبال معياراً حاسماً في الاختيار؟ إن زيادة المعروض فرصة، لكنها لا تكفي وحدها لصون التنوّع. فليست قيمة الكتاب في قدرته على جمع ساعات الاستماع فحسب، بل في التجربة التي يتركها، ولو لدى جمهور محدود.


«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي
TT

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

يوثِّق كتاب «كتابة المذبحة... أشكال تناول صبرا وشاتيلا»، الصادر عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، للباحثة سمية ممدوح الشامي، الكثير من وقائعها، كما يأتي مواكباً للذكرى الرابعة والأربعين لحدث اختلط فيه السياسي بالإنساني بالثقافي، وتعددت بشأنه السرديات والشهادات، لكن المؤكد أنه يظل وصمة عار على جبين كل حر، حتى لو لم يعاصر وقائع إبادة المخيمين اللذين كانا يضمان لاجئين فلسطينيين في بيروت بين يومي 16 و18 سبتمبر (أيلول) 1982.

وحسب تقارير الأمم المتحدة، دخل مسلحون من «القوات اللبنانية»، الجناح العسكري لـ«حزب الكتائب»، إلى صبرا وشاتيلا، واستمرت عمليات القتل الجماعي نحو 43 ساعة لتخلف أعداداً غير مسبوقة من الضحايا، بينهم جثامين أطفال ونساء، لكن الكتاب الذي كان في الأصل آخر رسالة علمية بالإنجليزية ناقشتها الكاتبة والأكاديمية الراحلة رضوى عاشور قبل أسابيع من رحيلها في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، يعيد تفكيك سردية المذبحة من منظور ثقافي ليرصد تجلياتها في التحليل الغربي والرواية العربية، على حد سواء.

يتوقف الكتاب، الذي ترجمته نسمة محمد دياب وياسمين أسامة الشيمي وراجعه عمرو زكريا عبد الله، بشكل خاص، عند تجارب ثلاثة مثقفين غربيين اختاروا أن ينظروا إلى المأساة الفلسطينية من خارج القوالب الجاهزة، وأن يستندوا إلى ما شاهدوه وقرأوه وعايشوه، بدلاً من الاكتفاء بإعادة إنتاج الخطاب الإعلامي السائد آنذاك.

على رأس هؤلاء يأتي الكاتب الفرنسي جان جينيه، لا سيما مقاله «أربع ساعات في شاتيلا» الذي يصف فيه، بلغة مشحونة بالألم، تفاصيل الصدمة التي خلفتها المشاهد التي رآها، كما توقف مطولاً عند إشكالية اللغة التي استخدمها الخطاب السياسي في وصف الفلسطينيين، وكيف يمكن لكلمة أو توصيف مختزل أن يحجب إنسانية الضحية ويطمس هويتها، كما ذهب إلى أن الواقعة تحولت من منظوره إلى مواجهة أوسع مع الاستبداد، بعد أن بات «يشتم رائحة الموت تنبعث من جسده»، وفق تعبيره.

وفيما يتعلق بالصحافي البريطاني روبرت فيسك، فقد اقترب من مأساة المخيم بأدوات التحقيق الصحافي الميداني، إذ توجه إلى المكان وعاين آثار المذبحة وطرح أسئلة مباشرة حول الروايات التي قُدمت لتفسير ما حدث، ومن بين ما لفت انتباهه الطريقة التي جرى بها استخدام اللغة، مثل استبدال تعبير فضفاض هو «أحداث» بكلمة «مذبحة»، أو حذف كلمة «فلسطيني» من بعض الصياغات، بما يسهم في طمس حقيقة ما جرى.

أما المفكر الأميركي نعوم تشومسكي، فيركز على الروايات الرسمية والحجج التي قُدمت حول المذبحة، محاولاً تفكيك ما اعتبره «تناقضات داخل بنيتها»، عبر أدوات التحليل والسخرية للكشف عن الفجوات بين ما قيل وما حدث على الأرض. كما توقف كذلك عند الطريقة التي يمكن أن يتحول بها الجدل السياسي إلى وسيلة لإغلاق النقاش، من خلال وضع «منتقدي الصهيونية» تلقائياً في مواجهة اتهامات بـ«معاداة السامية»، بما يصرف الانتباه عن مناقشة الظروف السياسية التي أحاطت بالمذبحة، على حد تعبيره.

في المقابل، تتوقف الباحثة عند ثلاث روايات عربية، هي: «الحب في المنفى» لبهاء طاهر، و«الطنطورية» لرضوى عاشور، و«باب الشمس» لإلياس خوري، إذ تتناول تلك النصوص المأساة من زوايا مختلفة، وتقدم سردية أدبية إبداعية لما حدث بالفعل، من خلال منظور فني يستند إلى سردية الواقع.

تضع «الحب في المنفى» الواقعة في سياق إنساني يتجاوز حدود فلسطين ولبنان، فالرواية تربط بين ما يواجهه المعارضون في العالم العربي وبين مآسٍ شهدتها شعوب أخرى، من تشيلي وغينيا إلى إسبانيا، لتصبح «صبرا وشاتيلا» واحدة من صور القمع التي يتعرض لها الإنسان عندما يتم إخضاع الآخرين وسلب حقوقهم بالقهر. وتقدم «الطنطورية» معالجة مختلفة، إذ تمتد أحداث الرواية زمنياً من نكبة 1948 إلى تحرير الجنوب اللبناني عام 2000، عبر حكايات الشخصيات وذكرياتها وما عاشته من تهجير وفقد، عبر سردية تمتزج فيها التفاصيل التاريخية مع جوانب من الحياة اليومية والتراث الشعبي الفلسطيني، مما يمنح الأحداث بعداً إنسانياً لافتاً. وتعيد «باب الشمس» بناء جانب واسع من تاريخ النكبة من خلال قصص الفلسطينيين وذاكرتهم، مثل سقوط قرى: عين الزيتون والبروة والشعب خلال عام 1948، فالكاتب هنا لا يتوقف فقط عند الأحداث الكبرى المحفورة في الوجدان العام، إنما يهتم أيضاً بالتفاصيل الصغيرة التي حفظها أصحابها، من أسماء الأماكن إلى حكايات العائلات وتجارب النزوح.


الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني
TT

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

تحت عنوان «الصراع حول أفريقيا»، صدر عن المركز القومي للترجمة في القاهرة الجزء الأول من كتاب «يوميات ويلفريد بلنت - سردية شخصية للأحداث من 1888 حتى 1914»، من تأليف الرحالة والشاعر والدبلوماسي البريطاني ويلفريد سكاون بلنت، ترجمة أسامة الغزولي.

يعد الكتاب سجلاً تاريخياً واجتماعياً يلتقي فيه الخاص بالعام، والسفر بالتأمل السياسي، عبر مفارقة نادرة لرجل انحاز للشرق وتعاطف معه ضد سياسات بلاده الاستعمارية، كما يكتسب أهمية خاصة للقارئ العربي لأنه يقدم شهادة شخصية مباشرة على مرحلة شديدة الاضطراب من تاريخ المنطقة، تمتد في الأصل إلى الفترة من 1888 إلى 1914.

عاش بلنت في الفترة من 1840 حتى 1922، وعمل في السلك الدبلوماسي البريطاني بين عامي 1858 و1869، ثم اتجه لاحقاً إلى السفر والكتابة، وارتبط اهتمامه بالشرق بعلاقته بزوجته الليدي آن بلنت، حفيدة الشاعر الإنجليزي لورد بايرون، إذ جاب الزوجان مناطق واسعة من الشرق الأوسط، وأسسا لاحقاً مزرعة لتربية الخيول العربية.

ورغم ذلك، لم يكن اهتمامه بالشرق مجرد شغف بالرحلات أو بالحياة البدوية، فقد تطور تدريجياً إلى موقف سياسي ناقد للإمبريالية البريطانية، بالتزامن مع موقف أقرب إلى الانبهار بالثقافة العربية.

وتكمن قيمة الكتاب في أن مؤلفه لم يكن مؤرخاً يكتب بعد عقود من وقوع الأحداث، وإنما رجل تحرك داخل دوائر سياسية واجتماعية متعددة، وشاهد شخصيات وأحداثاً وصراعات كانت لا تزال في طور التشكل، ولذلك تبدو اليوميات أقرب إلى كاميرا تتحرك بين لندن والقاهرة ومناطق الشرق، فتسجل الانطباعات والمحادثات والأخبار والقرارات، ثم تربطها بسياق سياسي أكبر.

ينتقل المؤلف إلى تونس وليبيا، في خطوة من شأنها توسيع زاوية النظر من مصر إلى شمال أفريقيا في الوقت الذي كانت فيه القوى الأوروبية تتنافس على المنطقة، كما أولى شبه الجزيرة العربية اهتماماً خاصاً، في إطاراهتمامه بالخيول العربية والمجتمعات البدوية، إذ انتقد النظرة الغربية المنحازة سلفاً ضد المجتمعات المحلية.

يتسع المشهد ليشمل السودان أيضاً، من خلال فصل «أم درمان وفاشودة»، حيث تدخل اليوميات في قلب التنافس البريطاني الفرنسي في أفريقيا، ضمن محطات التوتر بين القوتين في نهاية القرن التاسع عشر، مع تحول موقف المؤلف من «الاستشراق الرومانسي» في شبابه إلى بلورة موقف نقدي أكثر تماسكاً للسياسة الاستعمارية.

ولأنه شاعر في الأساس، لا يمكن فصل الحس الأدبي عن طريقة كتابة اليوميات لدى ويلفريد بلنت فحتى عندما يتناول الشأن السياسي المباشر لا يكتفي بتسجيل أسماء المسؤولين أو القرارات، إنما يهتم بالشخصيات وطباعها وعلاقاتها بما وراء التصريحات الرسمية، عبر لغة تجمع بين الصورة الأدبية ودقة المؤرخ والحس التوثيقي.

على هذه الخلفية، يصعب التعامل مع الكتاب بوصفه وثيقة محايدة فيما يتعلق بتناول الشأن المصري تحديداً، فالمؤلف نفسه شخصية سياسية ذات مواقف واضحة، فقد عاش خصماً للسياسة الإمبراطورية البريطانية، ومناصراً لثورة الزعيم الوطني أحمد عرابي، وهو ما يعني أن اختياراته لما يسجله وطريقته في وصف الشخصيات والأحداث تأثرت برؤيته الفكرية كناقد للإمبريالية ومتعاطف مع الحركة الوطنية المصرية.

من هنا تكتسب المواجهة بين بلنت واللورد كرومر، المندوب السامي البريطاني في القاهرة، أهمية خاصة لأنها تكاد تكون مواجهة بين رؤيتين متناقضتين لمصر بعيون إنجليزية، فالثاني يمثل الإدارة الاستعمارية ويدافع عن تجربتها في مستعمرات الشرق، بينما كان بلنت يرى أن الوجود البريطاني تحول إلى سيطرة سياسية تتعارض مع حق المصريين في تقرير مستقبلهم.

اللافت أن هذه اليوميات تجعل التاريخ أقل تجريداً وحيادية كما تمنحه بعداً شخصياً ملموساً، فبدلاً من أن نقرأ الاحتلال البريطاني للبلدان العربية في صورة تواريخ ومعاهدات وأسماء حكام، نراه من خلال رجل يتحرك بين لندن والشرق، ويتابع العلاقات بين القوى السياسية، ويراقب المجتمع والناس، ويكتب عن صراع الإمبراطوريات وهي تتوسع، على نحو يثبت أن الاستعمار لم يكن مجرد احتلال عسكري، وإنما شبكة من النفوذ المالي والإداري والسياسي والثقافي.