توزيع الشحوم في الجسم... تأثيرات مختلفة على أمراض الشرايين القلبية

تراكمها في منطقة البطن والصدر والظهر يزيد احتمالات الإصابة

توزيع الشحوم في الجسم... تأثيرات مختلفة على أمراض الشرايين القلبية
TT

توزيع الشحوم في الجسم... تأثيرات مختلفة على أمراض الشرايين القلبية

توزيع الشحوم في الجسم... تأثيرات مختلفة على أمراض الشرايين القلبية

قدمت مجموعة باحثين أميركيين تدقيقاً علمياً جديداً لجلاء حقيقة العلاقة بين توزيع الشحوم في أجزاء جسم المرأة ذات الوزن الطبيعي وعلاقة ذلك بارتفاع مخاطر الإصابة بالأمراض القلبية.
وأفادت نتائج هذه الدراسة الحديثة، للباحثين من كلية ألبرت إنشتاين للطب بولاية نيويورك، بأن ثمة اختلافا واضحا فيما بين تأثير تراكم الشحوم في مناطق البطن والصدر والظهر (جذع الجسمBody Trunk) مقارنة بتأثير تراكم الشحوم في الأرداف والأطراف السفلية، وذلك على مدى احتمالات الإصابة بأمراض القلب.

نوعية الأنسجة الدهنية

وتأتي نتائج هذه الدراسة لتدعم إحدى الحقائق الطبية اليوم، وهي أن نوعية الوظائف البيولوجية للأنسجة الدهنية المتوزعة في الجسم، تختلف باختلاف أماكن تراكم تلك الشحوم في مناطق الجسم المختلفة.
كما أن الخصائص التشريحية لمكونات شحوم المناطق المختلفة بالجسم، من نواحي اللون ونوعية الخلايا الدهنية، لها تأثيرات واضحة في نوعية النشاط الحيوي لتلك النوعيات المختلفة من الشحوم، ولها أيضاً تأثيرات مختلفة على احتمالات ارتفاع أو انخفاض الإصابات بأمراض القلب.
ووفق ما تم نشره ضمن عدد السابع من سبتمبر (أيلول) من مجلة القلب الأوروبية، قيم الباحثون الأميركيون تأثير أماكن تراكم كتلة الشحوم لدى النساء ذوات الوزن الطبيعي من غير المصابات بأمراض شرايين القلب، في احتمالات الإصابة بأمراض الشرايين القلبية على المدى المتوسط والبعيد.
وتعتبر هذه الدراسة أول دراسة طبية تبحث في هذه الجوانب لدى النسوة ذوات الوزن الطبيعي.
وشمل الباحثون أكثر من 160 امرأة عند بداية الدراسة في عام 1993، والتي استمرت متابعتهن أكثر من 18 سنة لتتبع مدى الإصابة بأمراض الشرايين القلبية وعلاقة ذلك بنوعية توزيع الشحوم في مناطق الجسم. وتم قياس توزع تلك الكتلة الشحمية في الأجزاء المختلفة من أجسام أولئك النسوة، وذلك باستخدام تقنية «الطاقة المزدوجة قياس امتصاص الأشعة السينية Dual - Energy X - Ray Absorptiometry».

مواقع تراكم الشحوم

ولاحظ الباحثون في نتائجهم أن كمية الشحوم في الجسم ليست هي العامل الأقوى في رفع احتمالات الإصابة بأمراض القلب تلك، بل زيادة تراكم الشحوم في منطقة البطن والصدر والظهر، أي منطقة جذع الجسم. ولاحظ الباحثون أيضاً في نتائجهم أن زيادة تراكم الشحوم في مناطق الأرداف والفخذين بالمقارنة مع منطقة الجذع، ارتبطت بانخفاض الإصابات بالأمراض القلبية.
وأشار الباحثون في مقدمة الدراسة إلى أن الاعتماد على «مؤشر كتلة الجسم» BMI، كوسيلة لتقييم وزن الجسم، أو حتى عدد كيلوغرامات وزن الجسم، يفتقر إلى الأخذ بعين الاعتبار مدى توزيع كتلة الشحوم في أرجاء الجسم لدى الأشخاص المختلفين في هيئة بنية الجسم. وعلى سبيل المثال، أفادت نتائج كثير من الدراسات الطبية بأن الأشخاص الذين لديهم زيادة في مقاس محيط البطن هم أعلى عرضة للإصابة بأمراض القلب، حتى لو كان مؤشر كتلة الجسم ومقدار وزن الجسم لديهم ضمن المعدلات الطبيعية.
وهو ما يفرض الاهتمام بموضوع «مكان تراكم الشحوم»، وهو ما قال الباحثون حوله: «إن نوعية الوظائف البيولوجية للأنسجة الدهنية تعتمد على الموقع الذي تتراكم فيه تلك الشحوم؛ حيث تُظهر الدهون في الجزء العلوي من الجسم والدهون في الجزء السفلي من الجسم آثاراً معاكسة (أي ضارة مقابل مفيدة)، وذلك على عمليات التمثيل الغذائي المختلفة بما في ذلك تنظيم الغلوكوز وتخزين الدهون».

دهون البطن والصدر

وهناك اليوم أدلة علمية متزايدة على أن زيادة كتلة دهون جذع الجسم (البطن والصدر والظهر) هي مؤشر قوي على السلوك السلبي في عمليات التمثيل الغذائي، مثل ارتفاع مقاومة أنسجة الجسم لمفعول هرمون الأنسولين Insulin Resistance، وهي التي كلما زادت، زاد خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية. وبالمقابل، فإن زيادة الدهون في الأرداف والفخذ والساق تترافق مع انخفاض خطر الاضطرابات عمليات التمثيل الغذائي الأيضية Metabolic Disturbances، وانخفاض خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.
وتؤكد هذه الأدلة العلمية على أهمية تبعات اختلاف توزيع دهون الجسم في تطور الإصابات بأمراض القلب».
وكانت عدة دراسات طبية سابقة قد أكدت على أن المهم في شأن كل من: ضرر تراكم الشحوم في الجسم، وعلاقة شحوم الجسم بخطورة الإصابة بالنوبات القلبية والسكتة الدماغية ومرض السكري، ليس هو مقدار الزيادة في كمية الشحوم المختزنة في الجسم فقط، بل هو «مكان» خزن تلك الشحوم في مناطق معينة من الجسم.
وهو ما يُسمى لدى الأوساط الطبية «أنماط توزيع الدهون»Fat Distribution Patternsوتأثيراتها على مخاطر القلب الأيضية Cardio - Metabolic Riskأي: مخاطر الإصابة بأمراض القلب المرتبطة باضطرابات عمليات الأيض الكيميائية الحيوية الناجمة عن زيادة شحوم الجسم.

البدانة والسمنة

وتفيد المصادر الطبية بأن حالات زيادة الوزنOverweightوحالات السمنة Obesityيمكن التفريق بينهما بحساب مؤشر كتلة الجسم. وتحديداً: «السمنة» حينما يكون مؤشر كتلة الجسم فوق مستوى 30، بينما «زيادة الوزن» تكون حينما يكون مؤشر كتلة الجسم ما بين 25 و30، والسمنة المفرطة حينما يكون مؤشر كتلة الجسم فوق مستوى 40. وبإمكان أحدنا حساب مؤشر كتلة الجسم عبر قسمة مقدار الوزن بالكيلوغرامات على مربع الطول بالمتر. وصحيح أن في الغالب تكون الزيادة في وزن الجسم عن المعدل الطبيعي هي بسبب زيادة تراكم كميات الشحوم في الجسم تحديداً، ولكن في حالات أخرى تكون زيادة الوزن بسبب زيادة كتلة العضلات والكثافة النوعية لكتلة الهيكل العظمي، إضافة إلى زيادة تراكم السوائل في الجسم.
وبالمنظور الطبي فإن كلا من السمنة وزيادة الوزن، يُعرض المرء لارتفاع احتمالات الإصابة بعدد من المشكلات الصحية، ولذا تعتبر السمنة السبب الرئيسي الثاني للوفاة الذي يمكن الوقاية منه، أي بعد التدخين. ومع هذا تلاحظ الأوساط الطبية أن الأشخاص الذين لديهم نفس مقدار وزن الجسم أو نفس مؤشر كتلة الجسم، ربما يختلفون في معدلات إصابتهم بالأمراض والاضطرابات الصحية ذات العلاقة بالسمنة أو بزيادة الوزن. وترى تلك الأوساط أن ذلك ينجم عن تداخل عوامل أخرى ذات علاقة إما بالجينات الوراثية، أو نمط سلوكيات عيش الحياة اليومية، أو نوعية ومكونات التغذية التي يأكلونها، وأيضاً ربما بسبب اختلاف توزيع كتلة الشحوم في الجسم. ولذا يُعتبر توزيع الشحوم في الجسم مؤشرا ذا أهمية في توقع احتمالات خطورة الإصابة بأمراض القلب ذات الصلة باضطرابات عمليات الأيض الكيميائية الحيوية. ولدى غالبية حالات السمنة، هناك إما نمط سمنة شكل التفاحةApple - Shaped Obesity أو نمط سمنة شكل الكمثرىPear - Shaped Obesity، وذلك وفق اختلاف أماكن تراكم وخزن الشحوم في الجسم. وفي حالة سمنة شكل التفاحة، يكون تراكم الشحوم أكبر في «جذع الجسم»، أي البطن والصدر والظهر. وفي حالة سمنة شكل الكمثرى، يكون تراكم الشحوم أكبر في منطقة الأطراف السفلى، أي الأرداف وحول الوركين والحوض والفخذين.

الشحوم الحشوية

وإضافة لهذا، ثمة بحوث طبية حول ما يُعرف بـ«الدهون الموجودة خارج أماكنها الطبيعية» Ectopic Fat، وأن التأثيرات السلبية الصحية لزيادة تراكمها هي أشد خطورة. ومن أنواعها الشحوم التي تتراكم في داخل وحول أعضاء تجويف البطن والصدر، وتحديداً في داخل الكبد، وداخل أعضاء أخرى من الجسم، وأيضاً الشحوم التي تتراكم في داخل العضلات. وتسمى تلك الشحوم المتراكمة في البطن بالشحوم الحشوية Visceral Adipose Tissue.


مقالات ذات صلة

لماذا يزداد جفاف اليدين في فصل الشتاء؟

صحتك تصبح البشرة أكثر جفافاً وخشونةً في الشتاء (بيكسلز)

لماذا يزداد جفاف اليدين في فصل الشتاء؟

مع حلول فصل الشتاء، يلاحظ كثيرون تغيراً واضحاً في مظهر أيديهم، إذ تصبح البشرة أكثر جفافاً وخشونة، وتظهر عليها خطوط دقيقة وتشققات، خصوصاً حول مفاصل الأصابع.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك قد يواجه الدماغ صعوبة في التمييز بين الخطر والأمان عند ارتفاع القلق (بيكسلز)

كيف يخلط الدماغ بين الخطر والأمان؟ وما علاقة ذلك بالقلق؟

قد يدفع القلق الدماغ إلى تفسير مواقف آمنة بوصفها تهديداً، بسبب حساسية استجابة الإنذار وتعميم الخوف، في حين تكشف الأبحاث دور تعلّم الأمان في تهدئته تدريجياً.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك  الرقص يُساعد على شد العضلات وتقوية القلب والرئتين (بيكسلز)

تكره ممارسة الرياضة؟ 9 طرق ممتعة للحفاظ على لياقتك

لا يشعر الجميع بالحماس تجاه ممارسة الرياضة وقد يجد البعض صعوبة في الالتزام بالذهاب إلى الصالة الرياضية أو اتباع برنامج منتظم للتمارين

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك قد تمنح المباعدة بين حالات الحمل جسم الأم وقتاً للتعافي لكن علاقتها بالشيخوخة تحتاج إلى مزيد من الدراسة (بيكسلز)

المباعدة بين الحمل والإنجاب... هل تؤثر على شيخوخة الأم؟

تشير أبحاث إلى ارتباط الحمل بتغيرات في مؤشرات الشيخوخة البيولوجية للأم، مع تعافٍ محتمل بعد الولادة، بينما يظل تأثير المباعدة بين الأحمال بحاجة لدراسات إضافية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك بعض العادات الصباحية قد تشكل عبئاً إضافياً على صحة القلب (رويترز)

لحماية قلبك... 5 عادات تجنبها في الصباح

حذر طبيب متخصص في أمراض القلب من 5 عادات صباحية قد تشكل عبئاً إضافياً على صحة القلب خصوصاً خلال الساعات الأولى بعد الاستيقاظ

«الشرق الأوسط» (لندن)

البدائل النباتية للألبان... هل توفر احتياجات الجسم الغذائية؟

تناول الألبان ضروري من أجل الحصول على المغذيات الأساسية للجسم (جامعة ساري)
تناول الألبان ضروري من أجل الحصول على المغذيات الأساسية للجسم (جامعة ساري)
TT

البدائل النباتية للألبان... هل توفر احتياجات الجسم الغذائية؟

تناول الألبان ضروري من أجل الحصول على المغذيات الأساسية للجسم (جامعة ساري)
تناول الألبان ضروري من أجل الحصول على المغذيات الأساسية للجسم (جامعة ساري)

كشفت دراسة جديدة أن استبدال بدائل نباتية غير مدعّمة بالعناصر الغذائية الدقيقة الأساسية بمنتجات الألبان، ولو جزئياً، قد يؤدي إلى عدم حصول الجسم على كفايته من هذه العناصر.

ووفقاً للنتائج المنشورة في دورية «لانسيت بلانيتاري هيلث»، تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لدى الفئات الأكثر عرضة للخطر، بما في ذلك الأطفال الصغار والمراهقات؛ إذ تزداد احتمالية إصابتهم بنقص بعض المُغذيات الدقيقة، وهو ما قد يؤثر في صحتهم العامة.

ومن أجل تقييم هذا الأثر، درس باحثون من جامعة ساري في إنجلترا، بالتعاون مع زملاء لهم من جامعة كوينز بلفاست في آيرلندا، تأثير استبدال بدائل نباتية متوفرة تجارياً بالحليب والزبادي والجبن، على 4 من المُغذيات الدقيقة الأساسية، هي: اليود، والكالسيوم، والريبوفلافين (فيتامين ب2)، وفيتامين ب12. واستعان الباحثون ببيانات «المسح الوطني للنظام الغذائي والتغذية»، إلى جانب تقنية مبتكرة للنمذجة والتقييم.

ووجد الباحثون أن استبدال بدائل نباتية بمنتجات الألبان، حتى وإن كان جزئياً، يؤدي إلى انخفاض ملحوظ في مستويات المغذيات الدقيقة الأربعة، وكان اليود أكثرها تأثراً. فعلى سبيل المثال، وفي ظل مستويات التدعيم الغذائي المعمول بها حالياً في الأسواق، أدى استبدال بدائل نباتية بما يتراوح بين 20 و35 في المائة من منتجات الألبان، إلى ارتفاع نسبة نقص اليود لدى المراهقات من 54 إلى 65 في المائة، ولدى النساء اللاتي تتراوح أعمارهن بين 19 و49 عاماً من 32 إلى 42 في المائة.

وفي حال الاستبدال الكامل لمنتجات الألبان، ارتفعت معدلات نقص اليود لتصل إلى 80 في المائة بين المراهقات، و72 في المائة بين المراهقين الذكور.

وقالت الدكتورة سارة باث، الأستاذة المشاركة بجامعة ساري والباحثة الرئيسية في الدراسة: «قد لا يدرك كثيرون أهمية اليود، الذي يحتاج إليه الجسم لإنتاج هرمونات الغدة الدرقية، وهي هرمونات ضرورية لتنظيم عملية التمثيل الغذائي، ودعم النمو السليم وتطور الدماغ».

وأضافت، في بيان صدر الأربعاء: «وتبرز أهمية اليود، بشكل خاص، أثناء الحمل، إذ تزداد حاجة الجسم إليه، كما أنه ضروري قبل الحمل لضمان توافر مخزون كافٍ منه في الجسم. كذلك، لا يدرك كثيرون أن منتجات الألبان تُعد مصدراً رئيسياً لليود، وأن البدائل النباتية، ما لم تكن مدعّمة، تحتوي على كميات ضئيلة جداً منه».

التدعيم الإلزامي

ودرس الباحثون أثر التدعيم الإلزامي للبدائل النباتية لمنتجات الألبان بالمُغذيات الدقيقة، بوصفه إجراء محتملاً للوقاية من حالات النقص. وتبيَّن أن هذا التدعيم يمكن أن يحُول دون انخفاض مستويات المغذيات الدقيقة عند استبدال منتجات الألبان.

وأظهرت النتائج أن تدعيم الخبز باليود، على سبيل المثال، يسهم في تحسين مستويات هذا العنصر، ما أسهم في خفض نسبة المراهقات المعرَّضات لنقص اليود إلى 37 في المائة.

وتشير النتائج إلى أن الاستراتيجية الأكثر فاعلية للحد من نقص اليود تتمثل في الجمع بين الإلزام بتدعيم بدائل الألبان النباتية باليود وتدعيم الخبز به أيضاً.

وقالت الدكتورة كاتي نيكول، إحدى مؤلفات الدراسة والباحثة بجامعة ساري: «مع انتشار البدائل الغذائية النباتية، أصبح من الضروري معرفة ما إذا كانت هذه البدائل توفر كميات مكافئة من المغذيات الدقيقة الموجودة في منتجات الألبان».

وخلصت إلى القول: «يجب أن تتطور سياسات التغذية بالتوازي مع الأهداف البيئية، ومن المهم ألا تؤدي التحولات نحو أنظمة غذائية أكثر استدامة إلى الإضرار بالصحة العامة»، مشددة على أن «تدعيم الأغذية يُعد إحدى الوسائل لتحقيق ذلك، لكن تنفيذ هذه الخطوة يتطلب سياسات حكومية داعمة».


لماذا يزداد جفاف اليدين في فصل الشتاء؟

تصبح البشرة أكثر جفافاً وخشونةً في الشتاء (بيكسلز)
تصبح البشرة أكثر جفافاً وخشونةً في الشتاء (بيكسلز)
TT

لماذا يزداد جفاف اليدين في فصل الشتاء؟

تصبح البشرة أكثر جفافاً وخشونةً في الشتاء (بيكسلز)
تصبح البشرة أكثر جفافاً وخشونةً في الشتاء (بيكسلز)

مع حلول فصل الشتاء، يلاحظ كثيرون تغيراً واضحاً في مظهر أيديهم، إذ تصبح البشرة أكثر جفافاً وخشونةً، وتظهر عليها خطوط دقيقة وتشققات، خصوصاً حول مفاصل الأصابع، مما يجعل اليدين تبدوان أكبر سناً بصورة مفاجئة مقارنةً بفصل الصيف.

لماذا يحدث ذلك؟

تقول الدكتورة كارونا مالهوترا، اختصاصية التجميل والأمراض الجلدية في نيودلهي لموقع «أونلي ماي هيلث» العلمي: «الشتاء يجرد البشرة من رطوبتها، وتفقد اليدان هذه الرطوبة بسرعة أكبر، فالهواء يكون جافاً، ويزيد غسل اليدين أكثر من مرة خلال اليوم من الأمر، فضلاً عن أن اليدين تنتجان كميات قليلة جداً من الزيوت الطبيعية في هذا الفصل، مما يجعلهما أكثر عرضة للجفاف والخشونة والشد والتجاعيد».

لماذا اليدان أكثر تضرراً من باقي الجسم؟

تتعرض اليدان للجفاف بصورة أكبر من مناطق الجسم الأخرى بسبب اختلاف طبيعة الجلد فيهما، إذ تقول مالهوترا: «راحة اليدين لا تحتوي على غدد دهنية على الإطلاق، بينما يحتوي ظهر اليدين على عدد قليل جداً منها، في حين يحتوي الوجه على عدد أكبر بكثير، ولذلك يظل أكثر نعومة».

كما أن الجلد الموجود على ظهر اليدين رقيق، مما يجعل علامات الجفاف والخطوط الدقيقة أكثر وضوحاً، فضلاً عن تعرض اليدين المستمر للهواء البارد والرياح وحرارة أجهزة التدفئة، إلى جانب تكرار الغسل واستخدام المطهرات التي تزيل الزيوت الطبيعية من البشرة.

ماذا يحدث داخل الجلد؟

تشبّه مالهوترا ما يحدث داخل البشرة خلال الشتاء بجدار من الطوب، حيث تمثل خلايا الجلد وحدات البناء، بينما تعمل الدهون الطبيعية، مثل السيراميدات، بمثابة المادة التي تربط هذه الوحدات وتحافظ على تماسكها.

وتقول: «في الهواء البارد والجاف، ومع استخدام المياه الساخنة والصابون، تتفكك هذه المادة الرابطة، فتتسرب المياه من الجلد ويصبح سطحه خشناً ومتقشراً»، وهو ما يؤدي إلى تضرر الحاجز الطبيعي الواقي للبشرة وفقدانها قدرتها على الاحتفاظ بالرطوبة.

وتدعم الأبحاث هذه التفسيرات، إذ رصدت دراسة نُشرت عام 2022 في مجلة السلوك الميكانيكي للمواد الحيوية التغيرات التي تطرأ على الجلد مع الانتقال من الشتاء إلى الصيف، وأظهرت انخفاض فقدان المياه عبر الجلد بنسبة 22.15 في المائة، وتراجع خشونة سطحه بنسبة 34.29 في المائة، مما يشير إلى أن البشرة تفقد كميات أكبر من المياه خلال الشتاء وتصبح أكثر خشونة.

ولا يقتصر تأثير الجفاف على ملمس اليدين، بل قد يجعل التجاعيد والخطوط الدقيقة أكثر وضوحاً، إذ توضح مالهوترا أن «البشرة الجافة تظهر عليها خطوط دقيقة وسطحية، وغالباً ما تتحسن هذه الخطوط خلال أيام من الانتظام في استخدام المرطبات».

عادات يومية تزيد المشكلة سوءاً

تحذر مالهوترا: «غسل اليدين، وغسل الأطباق، واستخدام المطهرات، كلها تزيل الزيوت الطبيعية للجلد مرة بعد مرة».

وفي مراجعة علمية نُشرت عام 2022 في مجلة التعليم والصحة والرياضة حول الإكزيما لدى العاملين في القطاع الصحي خلال جائحة كوفيد-19، تبيّن أن الخطر ارتفع مع الاستخدام المتكرر لمنتجات نظافة اليدين والمطهرات الكحولية والقفازات. وكتب المؤلفون أن «غسل اليدين واستخدام المطهرات يُخلّان بوظيفة الحاجز الطبيعي للجلد».

متى تزور طبيب الجلدية؟

تنصح مالهوترا بزيارة الطبيب في الحالات التالية:

* ظهور تشققات مؤلمة أو مصحوبة بنزيف.

* احمرار أو حكة أو بثور لا تهدأ خلال أسبوع إلى أسبوعين.

* صديد أو تورم أو سخونة أو قشور.

* انتشار طفح جلدي على اليدين.

* ظهور بقع سميكة متقشرة.

* جفاف لا يتحسن مع الترطيب المنتظم.

* جفاف الجلد المصحوب بالإرهاق أو تغيرات في الوزن أو عطش مفرط.


كيف يخلط الدماغ بين الخطر والأمان؟ وما علاقة ذلك بالقلق؟

قد يواجه الدماغ صعوبة في التمييز بين الخطر والأمان عند ارتفاع القلق (بيكسلز)
قد يواجه الدماغ صعوبة في التمييز بين الخطر والأمان عند ارتفاع القلق (بيكسلز)
TT

كيف يخلط الدماغ بين الخطر والأمان؟ وما علاقة ذلك بالقلق؟

قد يواجه الدماغ صعوبة في التمييز بين الخطر والأمان عند ارتفاع القلق (بيكسلز)
قد يواجه الدماغ صعوبة في التمييز بين الخطر والأمان عند ارتفاع القلق (بيكسلز)

قد تشعر بالخوف في موقف عادي رغم أن ما حولك لا يشير إلى تهديد واضح. وعندما يرتفع القلق، قد يواجه الدماغ صعوبة في التمييز بين الخطر الحقيقي والمواقف الآمنة، فيستجيب أحياناً كما لو أن هناك ما يستدعي الدفاع أو الهرب.

ووفق شرح نشرته جامعة ييل الأميركية لأبحاث عن الخوف، يمكن لمواقف لا تنطوي على خطر فعلي أن تثير خوفاً شديداً لدى بعض الأشخاص المصابين باضطرابات القلق. ويساعد فهم كيفية معالجة الدماغ لإشارات الخطر والأمان على تفسير هذه الاستجابة.

لماذا ينطلق الإنذار في موقف آمن؟

يمكن تشبيه هذه الحالة بزيادة حساسية نظام الإنذار في الدماغ؛ إذ تصبح إشارات عادية كافية لاستدعاء استجابة خوف، حتى في غياب خطر فعلي. لكن هذا التشبيه يختصر عمليات معقدة، تشمل تعلّم الخوف، وتقييم الموقف، والتعرّف إلى إشارات الأمان.

ومن الآليات المرتبطة بذلك «تعميم الخوف»؛ أي انتقال الاستجابة من شيء ارتبط بتجربة مزعجة إلى أشياء أخرى تشبهه، رغم أنها آمنة. وللتوضيح، قد يمتد الخوف بعد تجربة مخيفة مع كلب إلى كلاب أخرى لا تُظهر سلوكاً عدائياً.

وفي تجربة على أشخاص يعانون اضطراب القلق المعمم، وجد الباحثون أن استجابة الخوف امتدت إلى إشارات آمنة تُشبه الإشارة المرتبطة بالخطر. وهذا قد يوسّع دائرة المواقف التي تستدعي القلق في الحياة اليومية.

كيف يتعلّم الدماغ الأمان؟

يتعلّم الدماغ أيضاً أن بعض الإشارات تدل على غياب التهديد. وفي أبحاث شملت بشراً وفئراناً، ربط الباحثون شكلاً أو صوتاً بنتيجة مزعجة، وربطوا إشارة أخرى بالأمان. وعندما ظهرت إشارة الأمان مع إشارة التهديد، انخفضت استجابة الخوف مقارنة بظهور إشارة التهديد وحدها.

وأظهرت النتائج مشاركة مسار دماغي يختلف عن المسارات المرتبطة بتعلّم انطفاء الخوف عبر تكرار مواجهة الإشارة المخيفة دون حدوث ضرر. وتفتح هذه النتائج مجالاً لدراسة وسائل قد تدعم العلاجات الحالية، لكنها لا تعني أن الاستعانة بأغنية أو غرض مألوف تُشكّل علاجاً مثبتاً بمفردها.

وتوضح هذه الأبحاث أن استجابة الخوف قابلة للتعديل بالتعلّم، وأن فهم إشارات الأمان قد يُساعد على تفسير سبب استمرار القلق رغم غياب التهديد. كما أنها لا تعني أن كل شعور عابر بالقلق ينطوي على اضطراب في هذه العمليات.