علاقة اللاجئين المسلمين مع الغرب... الجانب المظلم من القمر

رواية «شمال الفجر» للصومالي نور الدين فرح

نور الدين فرح
نور الدين فرح
TT

علاقة اللاجئين المسلمين مع الغرب... الجانب المظلم من القمر

نور الدين فرح
نور الدين فرح

في أحدث رواياته، يأخذنا الكاتب الصومالي نور الدين فرح في روايته الجديدة إلى ما يمكن وصفه بالوجه المظلم للقمر، معيداً إلى الذاكرة -من خلال عنوان هذه الرواية وموضوعها- بنوع من الافتقاد المؤسّي مصطفى سعيد (بطل رواية الطيب صالح، «موسم الهجرة إلى الشمال»)؛ كأول تناول روائي عربي لعلاقة الجنوب بالشمال، وما تحمله من أثقال المخيال الشرقي الذي يشكل الخلفية لآلية تواصل البطل المذهول، مع واقع يلتبس بين الحقيقة والمثال. يضعنا سرد «شمال الفجر» أمام طرح جريء لمعضلة العلاقة التي تحكم اللاجئين المسلمين بمجتمعات الغرب العلماني، ممثَّلةً بنمو ثقافة الإرهاب، لكن في النرويج البلد الاسكندنافي الذي رحب ووفّر الأمان للاجئين من دول مختلفة.
من الإنصاف القول بأن نور الدين فرح هو مؤرخ الخسارات الصومالية، في بلد يشهد حروباً واقتتالات طاحنة، منذ عقود. حتى إن جيلي -على الأقل- لا يتذكر الصومال إلا كمقر لحركة «الشباب» الإرهابية، التي تمثل نقطة تمركز القرصنة البحرية.
يحاول الكاتب، في هذه الرواية، محاكاة جرحه الشخصي مستنطقاً إياه عبر ألسنة شخوص الرواية. مرة في حوارات موجدي وزوجته غالو، التي رغم اقتضابها وتركيزها، تتسم غالباً بالتناقض في ما يخص ابنهما ذاكني. والذي تطلعنا الصفحات الأولى بأنه قضى في تفجير انتحاري، في مطار العاصمة مقديشو، منهياً حياته وحياة العشرات معه.
يعبر موجدي عن غضبه لغالو زوجته، المفجوعة في وحيدها، بالقول: «ما تفعلينه نحو أسرة ذاكني، لن يغيّر شيئاً بأن ولدنا إرهابي»، فترد غالو: «ولن يغير مآل وحيدنا المفجع شيئاً، من واقع أنه ابني وأنا أمه».
لطالما اختلف الزوجان على تربية ذاكني، في سياق تحيز الأب إلى البنت الكبرى تيميرو، التي سنعلم في فصل لاحق أنها ابنتهما بالتبنّي، الأمر الذي يكتمانه عن تيميرو، فلن تعرفه البنت أبداً.
غالو تسعى بلا توقف لاستقدام عائلة ابنها الجهادي الانتحاري، والمكونة من أرملته والية مع ولديها من رجل آخر، هما نعيم ابن الثالثة عشرة وصافي التي تكبره بعام. يقبل موجدي، على مضض، مبدياً تخوفاته وتحفظاته الشديدة والمسبقة في ما يخص المشكلات التي ستنجم عن لمّ شمل عائلة انتحاري من حركة «الشباب» المتطرفة.
ستتكفل غالو بكل شيء يمكن أن يسأل عنه البوليس النرويجي ودائرة الهجرة؛ تضمن شقة مدفوعة الأجر، ريثما تستقر العائلة وتنطلق في رحلة الاندماج والعمل والاستقرار في أوسلو.
من خلال الولدين نعيم وصافي، سنتعرف على عالمين متناقضين. فالولد منفتح جريء وشغوف بتجربة الحرية والوصول إلى بلد لا يُستخدم فيه السلاح للقتل، كما عهده في الصومال أو في مخيمات اللجوء في نيروبي. وعلى نقيضه تنزوي صافي، الخارجة من محنة اغتصاب متكررة -من قبل عدة رجال- غارقة دوماً في الخجل والخوف وموجات هيستيريا، تدهمها كلما اقترب منها رجل أو سمعت صراخاً، لتصبح أسيرة علاجات أمها، عبر الصلاة وإسماعها القرآن، كي تهدّئ من روعها، كلما أصابها ذعر لسبب أو آخر. سنرى رعبها حين يأتي البوليس لاستجواب أمها، على خلفية اعتقال زبير، أحد أئمة الجوامع في أوسلو، والصديق القديم لزوجها الراحل ذاكني.
سنعلم في تواتر سريع أن إمام الجامع هذا قد تزوج من والية، وكان على وشك تزويج ابنتها صافي أيضاً من رجل دين آخر ينتمي إلى دائرته. ويماثله أيضاً في ارتباطاته الخاصة مع حركة «الشباب» في مقديشو. كادت مصيبة تزويج صافي تحصل، لولا تدخل موجدي وغالو بالشكوى ضد زبير وتلميذه، على خلفية جلد الأول لنعيم بحجة شرب النبيذ، حيث كان قميص نعيم ملطخاً ببقعة نبيذ لأن كأساً منه اندلق على طاولة الطعام في بيت جده.
خمسون جلدة، من يد زبير، خلّفت ظهر نعيم دامياً ورمتْه في دوامة مريعة من الصمت والاستسلام.
سيعاني نعيم وصافي -بلا طائل- محاولات شاقة لإقناع أمهما بخطورة تصديق زبير، وخطورة عدم تصديق جديهما أي غالو وموجدي... لكن عبثاً.
يصر الجدان على رؤية الطفلين، لأطول وقت، لكي يتاح لهما تأمين جلسات استشفاء لصافي، عبر إحدى المعارف التي مارست علاج حالات شبيهة، خلال عملها لسنوات طويلة في أفريقيا، ومعاينتها عن قرب لحالات اغتصاب وانهيارات عصبية لفتيات معنفات. الأمر الذي سينعكس إيجاباً وبسرعة على صافي، التي تقبل الالتحاق بمدرسة محلية، ما يساعدها لاحقاً في إيجاد عمل أيضاً. فتأخذ حياتها مساراً مختلفاً كلياً عما كان ممكناً لو تم تزويجها من ذاك الشيخ الأفاق، الذي يزعم أن زواج المسلمة حصانة وحيدة لها وما عدا ذلك كفر وخطيئة.
من جهته سيتعرف نعيم على منى، ابنة حيمو، وهي امرأة نرويجية من أصل صومالي، يصورها الكاتب كامرأة مكافحة وصلبة، نجت من زواجين فاشلين وأنجبت ثلاثة أطفال رائعين ومميزين. وهي تعمل وتربي أطفالها كامرأة صومالية نرويجية مستقلة، تحترم ذاتها وأسرتها وقوانين بلدها النرويج، الذي منحها الجنسية والأمان والكرامة.
يجمع نعيم ومنى هوايةُ لعبة الشطرنج، ويتقاسما وقتهما بسعادة. فبالإضافة إلى ما يشعر به نعيم من أمان واستقرار برفقة منى؛ يجتهد للاستفادة من لغتها وتجربتها كلاجئة مسلمة في بلد علماني، وكشابة منطلقة في الحياة... قبل أن يسقط مصعوقاً يوماً، على فجيعة مقتل منى مع عدد من تلاميذ مدرستها، في الهجوم الإرهابي الذي نفّذه رجل نرويجي، من اليمين المتطرف، وُصف بأنه معتوه، في يوليو (تموز) 2011.
صدمة وفجيعة ونحيب، تصيب الجميع بالخبل، وهم يُنزلون منى في قبرها -داخل تابوت ملفوف بالعلمين الصومالي والنرويجي- لم تخفف منها مشاركة رئيس الوزراء وزوجته في جنازة منى، وتقديمهما العزاء لكل عائلات الضحايا.
فجيعة أخرى، لم تكن أقل وطأة وقسوة -بخاصة على موجدي- تمثلت بموت زوجته ورفيقة عمره غالو، بتأثير السم الناجم عن تناولها كمية زائدة من مسكن، كانت تتعاطاه للتغلب على آلام نزلت بها متأثرةً بالهمّ الثقيل الذي سببه استقدام والية وولديها وما تبعه من مشكلات، مع أنها كانت تتمتع بصحة جيدة، فأورثتها تجربة لمّ الشمل التوتر وغرابة الأطوار، والإصرار على رفض رجاءات زوجها لها بزيارة المشفى أو مراجعة طبيب!
في تلك الليلة نهضت غالو، بشكل مفاجئ، من غرفة النوم في الطابق العلوي، وسارت إلى المطبخ بهدوء. أعدت عشاءً لضيوفها بيرغيتا ويوهان، وابنتهما تيميرو وحفيدتهما ريو، إضافة إلى نعيم وصافي. ثم نظفت البيت وغسلت الثياب... أشياء لم تفعلها منذ أسابيع. وعلى الرغم من استغراب الجميع سلوكها، فقد أظهروا أقصى البهجة والسعادة... مؤمّلين أن يكون هذا علامة على بداية الشفاء.
حين استأذنت الجميع وذهبت للنوم، تبادل موجدي وصافي المراقبة للاطمئنان عليها، بين وقت وآخر. وفجأة يفجع موجدي الجميع بالخبر المريع: غالو لا تتنفس!
وسط الذهول والصدمة، التي شلّت الموجودين، تصل سيارة الإسعاف وتنقل غالو إلى مشرحة المشفى، لتحديد أسباب الوفاة.
عاجزاً عن استيعاب المصاب، يفشل موجدي في أن يتمالك نفسه، ويهرم في لحظات من النحيب الصامت، ويتأمل في الخواء الرهيب الذي سقط فيه، والذي بدأ لحظة الدفن، حين انهار الرجل المفجوع وهم يُنزلون جثمان رفيقته، ولولا أن يمسكه أخوه لسقط في القبر مع غالو.
بعدها سيواظب يوهان وبرغيتا وحيمو ونعيم وصافي على رعاية الزوج الأرمل، لمساندته في محنته، قبل أن تأخذنا الرواية إلى تحول جديد، بدأ في الفصول الأخيرة، مع ظهور شخصية صومالية خطيرة هي آلاء (صديقة قديمة لوالية في مقديشو)؛ التي سيعلم نعيم أنها تمتهن الدعارة، وتتعرض للتعنيف لتصبح لاجئة دائمة في منزلهم.
ستفتعل آلاء هذه حريقاً لمنزل والية، في تخطيط ماكر للانتقال إلى بيت موجدي، طمعاً في الاستيلاء على بيته، مستغلة هشاشة حاله كأرمل وحيد.
تقول آلاء لوالية: لا عليكِ اتركي الأمر لي.
يشعر نعيم بخطورة ما تخطط له آلاء، ويحذر جده من استقباله آلاء في بيته مهما كانت الأسباب. الأمر الذي ساعد موجدي في رفض استقبالها بالفعل، رغم محاولاتها التحرش بموجدي، واستعطافه مستغيثة من عنف مزعوم تعرضت له. وتبالغ في الغناج بخبث على الباب: «أهكذا تستقبل امرأة ضعيفة؟ أين الكرم الصومالي؟! أين أخلاق المسلم... أين العطف...؟!».
ثم تتظاهر بالسقوط أرضاً، وحينها يبادر موجدي إلى مساعدتها، تحاول إغواءه، لكن موجدي ينسحب متقززاً من سلوكها ويغلق الباب صارخاً في وجهها: عودي من حيث أتيتِ. لكنها لا تستسلم، وتهدده بأنه سيندم على ما فعل.
بعد أن ينجح برغيتا ويوهان، صديقا موجدي، باقتراح ناديا عليه كصديقة جديدة ويتأقلم موجدي مع ناديا؛ سيتم استجوابه من قبل البوليس على خلفية ادّعاء آلاء ضده، بقضية تحرش واغتصاب. لكن التحاليل ستثبت كذبها. وتنال عقوبة السجن، لمحاولتها تضليل التحقيق.
في الفصل الأخير تقرر والية مغادرة النرويج والعودة إلى الصومال، لكي تنفذ عملية انتحارية، لطالما آمنت أنها كانت هي أولى بتنفيذها، بدلاً من زوجها ذاكني.
رواية مكثفة، تنوس مستوياتها بين السرد الواقعي المعيش، وبين التخييل الغني بالرموز والدلالات. ولعل أعمق وأبرز الأسئلة التي تفرضها، بقوة، هو سؤال اللحظة: لماذا يتحول بعض اللاجئين المسلمين إلى إرهابيين على الرغم من النقلة العظيمة التي تتيح له التنعم بالحرية والأمان في بلدان اللجوء؟
هذا السؤال تتفرع منه أسئلة كثيرة إشكالية حول دور مساجد التطرف المنتشرة في أوروبا... وكيف تصوِّر للبسطاء مفاهيم عن خطورة الاندماج وقبول الآخر؛ رغم أن هذا الآخر هو نفسه من يستضيفه ويمنحه الحرية والأمان؟
الأخطر من الأسئلة الكثيرة والمتشابكة، التي طرحتها الرواية دون لف ولا دوران؛ هي الدلالات التي يمكن استقراؤها حول المصير المخيف للبلدان المضيفة، باعتباره معادلاً لمصير الحداثة والحرية وحقوق الإنسان والتقدم والحضارة... إلخ. فلا تكتفي الرواية، على ذلك، بالتحذير بل تكاد تطالب بفرض قوانين اندماج تشمل كل اللاجئين، على أساس القوانين العالمية الحديثة، وحقوق الإنسان.
ليس هناك من مرارة أكثر من تلك الدلالة في إهداء الكتاب لأخت الكاتب التي قضت في تفجير انتحاري في مطعم في كابل، حيث كانت تعمل مع الـ«يونيسيف».
رواية «شمال الفجر» هي إضافة لافتة ومهمة في نتاج نور الدين فرح، الحاصل على أهم جائزة أدبية عالمية بعد نوبل وهي جائزة «نيو ستاد» من جامعة أوكلاهوما لعام 1998، والمدرج كأهم كاتب أفريقي في الزمن المعاصر.



كامل الباشا : «فينيسيا» بوابة دخولي إلى عالم السينما

كامل الباشا يعود مجدداً إلى مهرجان فينيسيا (حسابه في «فيسبوك»)
كامل الباشا يعود مجدداً إلى مهرجان فينيسيا (حسابه في «فيسبوك»)
TT

كامل الباشا : «فينيسيا» بوابة دخولي إلى عالم السينما

كامل الباشا يعود مجدداً إلى مهرجان فينيسيا (حسابه في «فيسبوك»)
كامل الباشا يعود مجدداً إلى مهرجان فينيسيا (حسابه في «فيسبوك»)

بعد 9 سنوات من وقوفه على منصة مهرجان فينيسيا لتسلّم جائزة أفضل ممثل عن الفيلم اللبناني «القضية 23»، عاد كامل الباشا إلى المهرجان نفسه، لكن بصورة مختلفة.

هذه المرة، لم يشارك في المنافسة، بل حضر بفيلم فلسطيني هو «حوار مع البحر» للمخرج مؤيد عليان، ويجسّد فيه شخصية أب يبحث عن مصير ابنه الذي يعتقد أنه غرق.

وبين الرحلتين، تبدو المسافة الزمنية طويلة، لكنها تختصر بالنسبة إلى الباشا مرحلة كاملة من حياته الفنية، تنقّل خلالها بين السينما والتلفزيون والمسرح، وبين فلسطين والعالم العربي وتجارب دولية أخرى.

يقول الباشا، في حواره مع «الشرق الأوسط»، إن العودة إلى فينيسيا بعد كل هذه السنوات أثارت لديه مشاعر متداخلة، ولا سيما أن الجائزة التي حصل عليها عن «القضية 23» كانت، في نظره، أكثر من مجرد تكريم؛ إذ فتحت له باباً أوسع إلى عالم السينما.

ويستعيد تلك المرحلة قائلاً: «تختلط المشاعر في مراجعة 9 سنوات مضت، وقد كانت هذه الجائزة هي البوابة التي دخلت منها عالم السينما. ثم عدت مجدداً إلى فينيسيا بعد أن أنجزت أفلاماً ومسلسلات عدَّة أعتز بها جميعاً، وسافرت هذه المرة مع الفيلم الفلسطيني (حوار مع البحر) لأشارك خارج المسابقة، بعيداً عن توتر المنافسة، وأستمتع بعروض المهرجان وبالمدينة نفسها».

لكن العودة إلى فينيسيا هذه المرة لم تكن مجرد استعادة لذكرى جائزة سابقة؛ فالفيلم الجديد يعيد الباشا إلى مساحة يعرفها جيداً: فلسطين، وما تحمله حكاياتها من تجارب إنسانية تتجاوز السياسة المباشرة إلى تفاصيل الفقد والانتظار والأسرة.

في «حوار مع البحر»، يعود الباشا إلى القدس، المدينة التي لا يتعامل معها بوصفها مجرد موقع للتصوير، بل بوصفها جزءاً من تكوينه الشخصي والإنساني. ويقول إن القدس «مدينته»، ولذلك فإن حضورها في الفيلم يحمل لديه معنى يتجاوز المكان، ويرتبط بمعاناة الشعب الفلسطيني وقضيته.

وقد صُوّر الفيلم في ظروف معقدة، غير أن بساطة حكايته كانت، في رأيه، من أبرز عناصر قوته؛ فهو يروي قصة إنسانية عن أب يواجه احتمال فقدان ابنه.

ومع عرض الفيلم في فينيسيا، وجد الباشا أن استقبال الجمهور له يحمل دلالة مهمة. فقد شعر بأن المشاهدين تفاعلوا بحرارة مع العمل، وأن رسالته الإنسانية وصلت إليهم. ويرى أن هذا أحد أهم أدوار السينما: أن تنقل تجربة محلية إلى مشاهدين لا يعيشون الظروف نفسها.

كامل الباشا على ملصق الفيلم خلال مشاركته في مهرجان تورونتو (حسابه في «فيسبوك»)

ومن هنا، يرى أن حضور السينما الفلسطينية في المهرجانات الدولية ليس ظاهرة عابرة. فمنذ عقود، تواصل الأفلام الفلسطينية الوصول إلى المهرجانات العربية والدولية، لأن القصص الفلسطينية، في رأيه، لا تنضب، ولأن أجيالاً متعاقبة من المخرجين والكتّاب والممثلين واصلت البحث عن أشكال جديدة لروايتها.

ويقول إن السينما الفلسطينية باتت تُنجَز بمستوى مهني واضح، وبشراكات دولية تتيح لأفلامها الوصول إلى جمهور أوسع. وتتعلم الأجيال الجديدة من تجارب من سبقوها، لكنها تحاول في الوقت نفسه أن تجد لغتها الخاصة واستقلالها الفني.

وكان انتقاله من فينيسيا إلى تورونتو مع فريق الفيلم فرصة أخرى لمواصلة هذه الرحلة، إذ التقى جمهوراً جديداً وأسعدته ردود فعله، فيما يواصل الفيلم حمل حكايته الفلسطينية من شاشة إلى أخرى.

وفي موازاة تجربته في السينما الفلسطينية، تفتح أفلام أخرى أمام الباشا مساحات مختلفة كممثل. ومن بينها الفيلم المصري «كولونيا»، الذي واصل رحلته بين المهرجانات وحصد جوائز، منها جائزة تمثيل نالها الباشا عن دوره فيه.

في الفيلم، يجسّد شخصية أب يدخل في صراع بالغ التعقيد مع ابنه، إلى درجة تقترب من الكراهية، قبل أن تبدأ العلاقة بالتحول تدريجياً نحو المصالحة. وشخصية الأب هنا ليست نموذجاً يُحتذى، بل تكاد تكون نقيض الصورة التي يُفترض أن يكون عليها الأب، وهذا ما جعل أداءها شديد الصعوبة بالنسبة إليه.

تجربة مرهقة وممتعة

يصف الباشا تجربة العمل بأنها كانت صعبة ومرهقة وممتعة في آن واحد، لكنه يشير خصوصاً إلى الجانب النفسي منها، معتبراً أن الشخصية كانت من أكثر الأدوار التي استنزفته نفسياً، بسبب تعقيدها وما تحمله من مكر وعدائية.

ومع نجاح الفيلم جماهيرياً ونقدياً، يرى الباشا أن هذه التجربة أضافت جانباً آخر إلى علاقته بالسينما المصرية، التي تحتفظ بمكانة خاصة لديه. وقد خاض، خارج فلسطين، تجارب في أعمال عربية وغربية، ويقول إنه يعتز بكل ما قدّمه، متمنياً أن تكون اختياراته قد تركت أثراً إيجابياً.

غير أن مصر تحتل موقعاً مختلفاً في هذه الرحلة؛ فهي، كما يقول، «عزيزة على قلبه». ويصف صناعة السينما والتلفزيون فيها بأنها فريدة ومتنوعة، وتعمل في ظل منافسة كبيرة، ما يمنح المشاركة فيها خصوصيتها.

الباشا مع طاقم فيلم «حوار مع البحر» في فينيسيا (حسابه في «فيسبوك»)

ومن السينما، تمتد تجربة الباشا إلى المسرح. فهو ليس ممثلاً فحسب، بل كاتب ومخرج مسرحي أيضاً، وقد حمل عبر أعماله القضية الفلسطينية إلى مسارح مختلفة حول العالم.

وعاد إلى المسرح الدولي قبل عامين من خلال تجربة في اليابان، سبقتها وأعقبتها تجارب في بلجيكا وفرنسا، وكانت معظم هذه الأعمال مرتبطة بفلسطين وقضيتها.

ويقول الباشا إن الحرب في غزة لم تؤثر في المسرح وحده، بل تركت أثرها في كل شيء، ولم يعد ممكناً فصل الفنان عما يحدث حوله.

وهو لا ينظر إلى اختيار العمل بوصفه قراراً مهنياً فحسب؛ فالفن، بالنسبة إليه، ينبغي أن يحمل رسالة، وقد أصبحت هذه الفكرة معياراً أساسياً في اختياراته. ويقول إن هذا المبدأ ظل حاضراً في أعماله، باستثناء تجربة واحدة لا يحب الحديث عنها.

وفي أحدث خطواته السينمائية، انتهى الباشا أخيراً من تصوير الفيلم الفلسطيني «جو من مونتريال» للمخرج أمين نايفة. وهو عمل عائلي في جوهره، تدور حكايته حول طفل يبلغ 12 عاماً يسافر إلى الأردن للقاء عائلته، في رحلة لا تقتصر على التعرّف إلى أشخاص جدد، بل تشمل اكتشاف التاريخ والبلد والجذور.

ويؤدي الباشا دور مدرّس تاريخ متقاعد يعيش حياة بسيطة ويرعى الأغنام، ثم يلتقي الطفل ويساعده خلال رحلته. ويضم الفيلم فريقاً من الأردن ولبنان وسوريا وفلسطين.

وبين أب يبحث عن ابنه في «حوار مع البحر»، وأب يواجه ابنه في «كولونيا»، ومدرّس متقاعد يرافق طفلاً في «جو من مونتريال»، تبدو شخصيات كامل الباشا كأنها تعود دائماً إلى السؤال نفسه: ماذا تفعل العائلة بالإنسان؟ وماذا يفعل الإنسان بما ورثه من ذاكرة ومكان وفقد؟


«حلم»... شاب كفيف يولد من الذكاء الاصطناعي ليمنح أصحاب الهمم صوتاً

«حلم» ضيف شرف دائم في حفلات مهرجان «إضافة» لأصحاب الهمم (سام سعد)
«حلم» ضيف شرف دائم في حفلات مهرجان «إضافة» لأصحاب الهمم (سام سعد)
TT

«حلم»... شاب كفيف يولد من الذكاء الاصطناعي ليمنح أصحاب الهمم صوتاً

«حلم» ضيف شرف دائم في حفلات مهرجان «إضافة» لأصحاب الهمم (سام سعد)
«حلم» ضيف شرف دائم في حفلات مهرجان «إضافة» لأصحاب الهمم (سام سعد)

منذ إطلاق مهرجان «إضافة» لأصحاب الهمم، أخذ صاحب الفكرة ومؤسِّس المهرجان، المخرج سام سعد، على عاتقه مؤازرة هذه الفئة الاجتماعية من خلال نشاطات مختلفة. فابتكر نادياً خاصاً بهم، وخصّص لهم جوائز تقديراً لمواهبهم الفنية والرياضية والاجتماعية وغيرها. وشكّل مهرجان «إضافة» مساحة لتكريم ذوي الإرادة الصلبة والناجحين الذين تحدّوا الإعاقة، وحقّقوا إنجازات وأظهروا مواهب استثنائية.

اليوم، يتّجه سعد إلى تقديم لفتة تكريمية جديدة لهم من خلال شخصية «حلم»، التي تمثّل شاباً كفيفاً في الـ19 من عمره، وُلِّدت بواسطة الذكاء الاصطناعي. و«حلم» مشروع مستقبلي يتيح للشخصية الانخراط في المجتمع وإجراء مقابلات ضمن إطلالات إعلامية. كما ستكون ضيف شرف دائماً على مسرح «مهرجان إضافة»، فتطلّ على الخشبة أمام الحضور شخصياً لتقدّم فقرات مخصّصة من المهرجان.

الشاب «حلم» يحمل رسالة إنسانية إلى زملائه المكفوفين (سام سعد)

ولكن كيف وُلدت فكرة الشاب الكفيف «حلم»؟ وما الدور الذي سيلعبه في المستقبل القريب؟ يُجيب سام سعد «الشرق الأوسط»: «عالم أصحاب الهمم يحتل مساحة كبيرة من مشاريعي. وأبحث دائماً عن أفكار تبلور هذا الاهتمام وتعكس طاقة إيجابية على أصحاب الهمم. والفكرة فريدة من نوعها، ولم يسبق أن رأينا مثيلاً لها في لبنان والعالم».

ويتابع: «فكرة الشاب (حلم) تأتي ضمن مهرجان (إضافة) الذي يكرّم هذه الفئة من المجتمع منذ 3 سنوات حتى اليوم. ونقدّمه بهذه السنّ ليستطيع مواكبة فئة شبابية تعاني إعاقات مختلفة، فيبثّ في قلوبهم التشجيع والسعادة من خلال إنجازات ومقابلات يقوم بها».

ويرى أنه من الطبيعي أن يفكّر المهرجان في كيفية مواكبة الذكاء الاصطناعي بشكل أو بآخر. ومع هذه الفكرة، سيشقّ «حلم» طريقه بثقة، حاملاً مهمّات ذات رؤية مستقبلية يمكن أن يستفيد منها أصحاب الهمم، من بينها ما سيكون ذا طابع علاجي، موضحاً: «قد نعمل من خلال هذه الشخصية على تعليم النطق للأشخاص ذوي الحاجات الخاصة الذين يجدون صعوبة في ذلك. كما نفكّر في علاجات أخرى أصبح الذكاء الاصطناعي ملمّاً بها، فيساعد على تخطّي هذا النوع من المشكلات وغيرها. ونحن بصدد تطوير قدرات الشاب الكفيف (حلم)، لتوسيع مهماته على نحو يستفيد منه زملاؤه على أرض الواقع».

رسم سام سعد هذه الشخصية وولّدها بالتعاون مع اللبناني بلال كساسير، صاحب شركة في السعودية تُعنى بتوظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وسيلةً للتعبير. ومن خلالها، سيتعزّز الدمج، وتصل أصوات أصحاب الهمم إلى مساحة أوسع في الإعلام والمشهد الرقمي.

ويعلّق: «رغبنا في التأكيد على أنّ الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يحمل رسائل إنسانية تتجاوز التكنولوجيا نفسها، فتفتح أبواباً جديدة في كيفية التواصل والدمج بين شعوبنا في العالم العربي».

واستوحى سعد ملامح الشاب «حلم» من وجه ابنه إيلاي، البالغ 19 عاماً: «ملامح تشبه ابني إلى حدّ كبير، لجهة العينين والشامة على خدّه الأيسر، وكذلك شكل ذقنه. استوحيتها جميعها منه ليكون أقرب إلى الحقيقة والواقع كلّما نظرت إليه».

سام سعد مع المطوّر التكنولوجي لشخصية «حلم» بلال كساسير (سام سعد)

ويشير إلى أن «حلم» سيتولّى مهمّات عدّة في المستقبل. ولا يمكن إدراجه ضمن فئة الروبوتات المتحرّكة، بل يندرج ضمن فئة «الشبيهة بالبشر»، المعروفة في العالم الافتراضي، والتي تعني محاكاة المظهر الجسدي أو السلوك أو السمات المعرفية للكائن البشري. ويضيف: «وسيقدّم برنامجاً حوارياً، وربما مدوّنة صوتية، ويستضيف أشخاصاً من أصحاب الهمم يحاورهم على طريقته».

سام سعد و«حلم» يستعدّان لمشاريع مستقبلية (سام سعد)

أما المشروع الفنّي الذي يحضّر له سام سعد مع الشاب «حلم»، فهو ثنائي غنائي. وبعدما كان يفكّر في أن يغنّي معه شخصياً، فضّل ترك المهمة لفنان محترف سيُكشف عن اسمه قريباً. ويقول: «الأغنية بعنوان (100 حلم)، من كتابة زياد جمال وألحانه؛ وهو الذي سبق أن قدّم أغنيات شهيرة لأهم الفنانين في لبنان، كان آخرهم راغب علامة. وبناءً على التركيبة الغنائية للشاب (حلم)، نختار الصوت الذي يشاركه هذا الثنائي الغنائي».

وجاءت أولى إطلالات «حلم» على وسائل التواصل الاجتماعي من خلال تحية قدّمها في فيديو مصوّر لزميلته «فرح» من الأردن، وهي الناطقة الرقمية التي أطلقتها الحكومة الأردنية لتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في التواصل مع المواطنين، وفق ما أعلنته «وكالة الأنباء الأردنية».


استقالوا وتركوا «ثقافة العمل الشاق»... لماذا يختار جيلا «زد» والألفية «التقاعد المصغر»؟

ما هو «التقاعد المصغر» ولماذا يختاره الجيل «زد» وجيل الألفية؟
ما هو «التقاعد المصغر» ولماذا يختاره الجيل «زد» وجيل الألفية؟
TT

استقالوا وتركوا «ثقافة العمل الشاق»... لماذا يختار جيلا «زد» والألفية «التقاعد المصغر»؟

ما هو «التقاعد المصغر» ولماذا يختاره الجيل «زد» وجيل الألفية؟
ما هو «التقاعد المصغر» ولماذا يختاره الجيل «زد» وجيل الألفية؟

بدأ بعض أفراد جيل «زد» وجيل الألفية في إعادة تعريف مفهوم «سنة الفجوة» التي كانت تُخصص تقليدياً لخريجي الجامعات الراغبين في أخذ استراحة قبل بدء حياتهم المهنية. ومع تصاعد الاحتراق الوظيفي، بات شباب عاملون يلجأون إلى ما يُعرف بـ«سنوات الفجوة للبالغين» أو «التقاعد المصغر»، في محاولة للابتعاد مؤقتاً عن ضغوط العمل وإعادة ترتيب حياتهم.

وبفضل التخطيط المالي والادخار، اختارت عالمة البيانات جوليا فاي، البالغة 29 عاماً، ترك وظيفتها ذات الأجر الجيد من دون خطة بديلة، بعد سبع سنوات من العمل في قطاع التكنولوجيا.

الذكاء الاصطناعي دفعها إلى إعادة التفكير في مستقبلها

وقالت فاي، التي كانت تقيم في مانهاتن، لصحيفة «نيويورك بوست»: «هناك كثير من التغييرات في العمل بسبب الذكاء الاصطناعي والتحولات التكنولوجية، ورأيت لنفسي رؤية وفرصة لفعل شيء وبناء شيء خاص بي».

وأضافت: «لقد أحببت عملي بالفعل، لكن بدا أن الوقت مناسب»، مشيرة إلى اعتقادها بأن «ما تبقى لنا هو 5 إلى 10 سنوات من وظائف التكنولوجيا بالشكل الذي نعرفه اليوم».

وقررت فاي أيضاً قضاء فترة التوقف بالقرب من والديها المتقاعدين في غوانغتشو بالصين، حيث قالت إن تكلفة المعيشة أقل بكثير. وتستخدم مدخراتها عند الحاجة، في حين تساعدها الإقامة مع والديها وتأجير شقتها في نيويورك على خفض النفقات.

وخلال فترة التوقف، تخطط فاي لتطوير فكرة منتج تقني خاص بها، إلى جانب تنمية عملها في صناعة المحتوى، الذي أصبح مصدر دخلها الرئيسي.

«سنة الفجوة» ليست خالية من التحديات

رغم أن الابتعاد عن العمل قد يبدو رفاهية، فإن فاي تواجه صعوبة في التعامل مع غياب الروتين الذي كانت تكرهه سابقاً.

ويرى إيه جاي شنايدر، المخطط المالي ومؤسس شركة «Beyond The Green Coaching»، أن التخطيط المالي يجعل خوض تجربة مماثلة أكثر قابلية للتنفيذ.

وقالت شنايدر: «ترتيب أمورك المالية مهم حتى تتمكن من القيام بقفزات كبيرة في حياتك»، موضحة أن الادخار لا يتعلق فقط بالتقاعد أو شراء منزل، بل أيضاً بامتلاك القدرة على مغادرة وظيفة لا يشعر الشخص بالسعادة فيها من دون تعريض نفسه للخطر المالي.

وتنصح الراغبين في أخذ سنة فجوة بخفض نفقاتهم اليومية وزيادة مدخراتهم، مع تحديد تكاليف السفر والإقامة والطعام والأنشطة مسبقاً وتقسيم المبلغ المطلوب على عدد الأشهر المتاحة للادخار.

الاحتراق الوظيفي يدفع الشباب إلى البحث عن بداية جديدة

فاي ليست الوحيدة التي تبحث عن إعادة ترتيب حياتها. ووفقاً للتحالف الوطني للأمراض النفسية، أقرّ 74 في المائة من أفراد جيل «زد» وجيل الألفية بأنهم يعانون مستويات متوسطة إلى مرتفعة من الاحتراق النفسي.

وعلى «تيك توك»، يضم وسم #adultgapyear آلاف المقاطع التي ينتقد فيها الشباب «ثقافة العمل الشاق» والانشغال الدائم. وقال أحد صناع المحتوى في مقطع واسع الانتشار: «ثقافة العمل الشاق ستؤدي إلى سقوط هذا الجيل».

«كنت أعيش اليوم نفسه مراراً»

اختارت تامي أرمسترونغ، البالغة 31 عاماً، المسار نفسه بعد 10 سنوات من العمل سكرتيرة طبية في اسكوتلندا.

وقالت لصحيفة «نيويورك بوست»: «كانت وظيفتي تصبح أكثر رتابة بشكل متزايد. شعرت بأنني أعيش اليوم نفسه مراراً وتكراراً».

وأضافت: «أردت أن أشعر بالحرية مجدداً... وأردت أن أخرج من منطقة الراحة الخاصة بي، وآمل أن أصل إلى نوع من الإدراك لما أريد فعله في حياتي. وأردت أيضاً أن أهدئ جهازي العصبي وأن أعيش بوتيرة أبطأ».

ولبدء سنة الفجوة في يناير (كانون الثاني) 2025، عملت أرمسترونغ لساعات إضافية والتزمت بميزانية صارمة، وضحت بحياتها الاجتماعية وبعض النفقات الشخصية. وخلال رحلاتها، تعتمد على وظائف بدوام جزئي، وبيوت شباب وفنادق ومواقع تخييم منخفضة التكلفة، وأماكن إقامة محلية عندما تسافر مع مجموعات تطوعية.

«كان من الصعب ألا أشعر بالذنب»

قالت أرمسترونغ إن التخلي عن روتين العمل والتكيف مع إنفاق أموال أقل لم يكن سهلاً.

وأضافت: «كانت هناك بالتأكيد لحظات شعرت فيها بالقلق من أن يؤدي ذلك إلى تأخري عن الآخرين في الحياة، وكنت أشعر بالقلق بشأن المال».

وتابعت: «كنت أتحمل كثيراً من الأمور التي لم تكن تتوافق معي لسنوات، لمجرد أنها كانت دائماً كذلك. واضطررت فعلاً إلى التخلص من فكرة أن التراجع ليس فشلاً».

«الحياة ليست مضمونة»

وبعد مرور عام على تبنيها هذا النمط الجديد من الحياة، تعدّ أرمسترونغ اسكوتلندا موطنها حالياً، ولا تملك خططاً للسفر في المستقبل القريب، حتى تتمكن من أخذ الوقت الكافي لتحديد ما تريد فعله بعد ذلك.

وأضافت: «هناك خيارات أخرى للحياة غير المسار التقليدي، والناس يستقرون في حياتهم في سن متأخرة».

وتابعت: «الحياة ليست مضمونة، كما أن العمل الجاد طوال حياتك بهدف الاستمتاع بها في نهاية المطاف بعد التقاعد ليس مضموناً أيضاً».