علاقة اللاجئين المسلمين مع الغرب... الجانب المظلم من القمر

رواية «شمال الفجر» للصومالي نور الدين فرح

نور الدين فرح
نور الدين فرح
TT

علاقة اللاجئين المسلمين مع الغرب... الجانب المظلم من القمر

نور الدين فرح
نور الدين فرح

في أحدث رواياته، يأخذنا الكاتب الصومالي نور الدين فرح في روايته الجديدة إلى ما يمكن وصفه بالوجه المظلم للقمر، معيداً إلى الذاكرة -من خلال عنوان هذه الرواية وموضوعها- بنوع من الافتقاد المؤسّي مصطفى سعيد (بطل رواية الطيب صالح، «موسم الهجرة إلى الشمال»)؛ كأول تناول روائي عربي لعلاقة الجنوب بالشمال، وما تحمله من أثقال المخيال الشرقي الذي يشكل الخلفية لآلية تواصل البطل المذهول، مع واقع يلتبس بين الحقيقة والمثال. يضعنا سرد «شمال الفجر» أمام طرح جريء لمعضلة العلاقة التي تحكم اللاجئين المسلمين بمجتمعات الغرب العلماني، ممثَّلةً بنمو ثقافة الإرهاب، لكن في النرويج البلد الاسكندنافي الذي رحب ووفّر الأمان للاجئين من دول مختلفة.
من الإنصاف القول بأن نور الدين فرح هو مؤرخ الخسارات الصومالية، في بلد يشهد حروباً واقتتالات طاحنة، منذ عقود. حتى إن جيلي -على الأقل- لا يتذكر الصومال إلا كمقر لحركة «الشباب» الإرهابية، التي تمثل نقطة تمركز القرصنة البحرية.
يحاول الكاتب، في هذه الرواية، محاكاة جرحه الشخصي مستنطقاً إياه عبر ألسنة شخوص الرواية. مرة في حوارات موجدي وزوجته غالو، التي رغم اقتضابها وتركيزها، تتسم غالباً بالتناقض في ما يخص ابنهما ذاكني. والذي تطلعنا الصفحات الأولى بأنه قضى في تفجير انتحاري، في مطار العاصمة مقديشو، منهياً حياته وحياة العشرات معه.
يعبر موجدي عن غضبه لغالو زوجته، المفجوعة في وحيدها، بالقول: «ما تفعلينه نحو أسرة ذاكني، لن يغيّر شيئاً بأن ولدنا إرهابي»، فترد غالو: «ولن يغير مآل وحيدنا المفجع شيئاً، من واقع أنه ابني وأنا أمه».
لطالما اختلف الزوجان على تربية ذاكني، في سياق تحيز الأب إلى البنت الكبرى تيميرو، التي سنعلم في فصل لاحق أنها ابنتهما بالتبنّي، الأمر الذي يكتمانه عن تيميرو، فلن تعرفه البنت أبداً.
غالو تسعى بلا توقف لاستقدام عائلة ابنها الجهادي الانتحاري، والمكونة من أرملته والية مع ولديها من رجل آخر، هما نعيم ابن الثالثة عشرة وصافي التي تكبره بعام. يقبل موجدي، على مضض، مبدياً تخوفاته وتحفظاته الشديدة والمسبقة في ما يخص المشكلات التي ستنجم عن لمّ شمل عائلة انتحاري من حركة «الشباب» المتطرفة.
ستتكفل غالو بكل شيء يمكن أن يسأل عنه البوليس النرويجي ودائرة الهجرة؛ تضمن شقة مدفوعة الأجر، ريثما تستقر العائلة وتنطلق في رحلة الاندماج والعمل والاستقرار في أوسلو.
من خلال الولدين نعيم وصافي، سنتعرف على عالمين متناقضين. فالولد منفتح جريء وشغوف بتجربة الحرية والوصول إلى بلد لا يُستخدم فيه السلاح للقتل، كما عهده في الصومال أو في مخيمات اللجوء في نيروبي. وعلى نقيضه تنزوي صافي، الخارجة من محنة اغتصاب متكررة -من قبل عدة رجال- غارقة دوماً في الخجل والخوف وموجات هيستيريا، تدهمها كلما اقترب منها رجل أو سمعت صراخاً، لتصبح أسيرة علاجات أمها، عبر الصلاة وإسماعها القرآن، كي تهدّئ من روعها، كلما أصابها ذعر لسبب أو آخر. سنرى رعبها حين يأتي البوليس لاستجواب أمها، على خلفية اعتقال زبير، أحد أئمة الجوامع في أوسلو، والصديق القديم لزوجها الراحل ذاكني.
سنعلم في تواتر سريع أن إمام الجامع هذا قد تزوج من والية، وكان على وشك تزويج ابنتها صافي أيضاً من رجل دين آخر ينتمي إلى دائرته. ويماثله أيضاً في ارتباطاته الخاصة مع حركة «الشباب» في مقديشو. كادت مصيبة تزويج صافي تحصل، لولا تدخل موجدي وغالو بالشكوى ضد زبير وتلميذه، على خلفية جلد الأول لنعيم بحجة شرب النبيذ، حيث كان قميص نعيم ملطخاً ببقعة نبيذ لأن كأساً منه اندلق على طاولة الطعام في بيت جده.
خمسون جلدة، من يد زبير، خلّفت ظهر نعيم دامياً ورمتْه في دوامة مريعة من الصمت والاستسلام.
سيعاني نعيم وصافي -بلا طائل- محاولات شاقة لإقناع أمهما بخطورة تصديق زبير، وخطورة عدم تصديق جديهما أي غالو وموجدي... لكن عبثاً.
يصر الجدان على رؤية الطفلين، لأطول وقت، لكي يتاح لهما تأمين جلسات استشفاء لصافي، عبر إحدى المعارف التي مارست علاج حالات شبيهة، خلال عملها لسنوات طويلة في أفريقيا، ومعاينتها عن قرب لحالات اغتصاب وانهيارات عصبية لفتيات معنفات. الأمر الذي سينعكس إيجاباً وبسرعة على صافي، التي تقبل الالتحاق بمدرسة محلية، ما يساعدها لاحقاً في إيجاد عمل أيضاً. فتأخذ حياتها مساراً مختلفاً كلياً عما كان ممكناً لو تم تزويجها من ذاك الشيخ الأفاق، الذي يزعم أن زواج المسلمة حصانة وحيدة لها وما عدا ذلك كفر وخطيئة.
من جهته سيتعرف نعيم على منى، ابنة حيمو، وهي امرأة نرويجية من أصل صومالي، يصورها الكاتب كامرأة مكافحة وصلبة، نجت من زواجين فاشلين وأنجبت ثلاثة أطفال رائعين ومميزين. وهي تعمل وتربي أطفالها كامرأة صومالية نرويجية مستقلة، تحترم ذاتها وأسرتها وقوانين بلدها النرويج، الذي منحها الجنسية والأمان والكرامة.
يجمع نعيم ومنى هوايةُ لعبة الشطرنج، ويتقاسما وقتهما بسعادة. فبالإضافة إلى ما يشعر به نعيم من أمان واستقرار برفقة منى؛ يجتهد للاستفادة من لغتها وتجربتها كلاجئة مسلمة في بلد علماني، وكشابة منطلقة في الحياة... قبل أن يسقط مصعوقاً يوماً، على فجيعة مقتل منى مع عدد من تلاميذ مدرستها، في الهجوم الإرهابي الذي نفّذه رجل نرويجي، من اليمين المتطرف، وُصف بأنه معتوه، في يوليو (تموز) 2011.
صدمة وفجيعة ونحيب، تصيب الجميع بالخبل، وهم يُنزلون منى في قبرها -داخل تابوت ملفوف بالعلمين الصومالي والنرويجي- لم تخفف منها مشاركة رئيس الوزراء وزوجته في جنازة منى، وتقديمهما العزاء لكل عائلات الضحايا.
فجيعة أخرى، لم تكن أقل وطأة وقسوة -بخاصة على موجدي- تمثلت بموت زوجته ورفيقة عمره غالو، بتأثير السم الناجم عن تناولها كمية زائدة من مسكن، كانت تتعاطاه للتغلب على آلام نزلت بها متأثرةً بالهمّ الثقيل الذي سببه استقدام والية وولديها وما تبعه من مشكلات، مع أنها كانت تتمتع بصحة جيدة، فأورثتها تجربة لمّ الشمل التوتر وغرابة الأطوار، والإصرار على رفض رجاءات زوجها لها بزيارة المشفى أو مراجعة طبيب!
في تلك الليلة نهضت غالو، بشكل مفاجئ، من غرفة النوم في الطابق العلوي، وسارت إلى المطبخ بهدوء. أعدت عشاءً لضيوفها بيرغيتا ويوهان، وابنتهما تيميرو وحفيدتهما ريو، إضافة إلى نعيم وصافي. ثم نظفت البيت وغسلت الثياب... أشياء لم تفعلها منذ أسابيع. وعلى الرغم من استغراب الجميع سلوكها، فقد أظهروا أقصى البهجة والسعادة... مؤمّلين أن يكون هذا علامة على بداية الشفاء.
حين استأذنت الجميع وذهبت للنوم، تبادل موجدي وصافي المراقبة للاطمئنان عليها، بين وقت وآخر. وفجأة يفجع موجدي الجميع بالخبر المريع: غالو لا تتنفس!
وسط الذهول والصدمة، التي شلّت الموجودين، تصل سيارة الإسعاف وتنقل غالو إلى مشرحة المشفى، لتحديد أسباب الوفاة.
عاجزاً عن استيعاب المصاب، يفشل موجدي في أن يتمالك نفسه، ويهرم في لحظات من النحيب الصامت، ويتأمل في الخواء الرهيب الذي سقط فيه، والذي بدأ لحظة الدفن، حين انهار الرجل المفجوع وهم يُنزلون جثمان رفيقته، ولولا أن يمسكه أخوه لسقط في القبر مع غالو.
بعدها سيواظب يوهان وبرغيتا وحيمو ونعيم وصافي على رعاية الزوج الأرمل، لمساندته في محنته، قبل أن تأخذنا الرواية إلى تحول جديد، بدأ في الفصول الأخيرة، مع ظهور شخصية صومالية خطيرة هي آلاء (صديقة قديمة لوالية في مقديشو)؛ التي سيعلم نعيم أنها تمتهن الدعارة، وتتعرض للتعنيف لتصبح لاجئة دائمة في منزلهم.
ستفتعل آلاء هذه حريقاً لمنزل والية، في تخطيط ماكر للانتقال إلى بيت موجدي، طمعاً في الاستيلاء على بيته، مستغلة هشاشة حاله كأرمل وحيد.
تقول آلاء لوالية: لا عليكِ اتركي الأمر لي.
يشعر نعيم بخطورة ما تخطط له آلاء، ويحذر جده من استقباله آلاء في بيته مهما كانت الأسباب. الأمر الذي ساعد موجدي في رفض استقبالها بالفعل، رغم محاولاتها التحرش بموجدي، واستعطافه مستغيثة من عنف مزعوم تعرضت له. وتبالغ في الغناج بخبث على الباب: «أهكذا تستقبل امرأة ضعيفة؟ أين الكرم الصومالي؟! أين أخلاق المسلم... أين العطف...؟!».
ثم تتظاهر بالسقوط أرضاً، وحينها يبادر موجدي إلى مساعدتها، تحاول إغواءه، لكن موجدي ينسحب متقززاً من سلوكها ويغلق الباب صارخاً في وجهها: عودي من حيث أتيتِ. لكنها لا تستسلم، وتهدده بأنه سيندم على ما فعل.
بعد أن ينجح برغيتا ويوهان، صديقا موجدي، باقتراح ناديا عليه كصديقة جديدة ويتأقلم موجدي مع ناديا؛ سيتم استجوابه من قبل البوليس على خلفية ادّعاء آلاء ضده، بقضية تحرش واغتصاب. لكن التحاليل ستثبت كذبها. وتنال عقوبة السجن، لمحاولتها تضليل التحقيق.
في الفصل الأخير تقرر والية مغادرة النرويج والعودة إلى الصومال، لكي تنفذ عملية انتحارية، لطالما آمنت أنها كانت هي أولى بتنفيذها، بدلاً من زوجها ذاكني.
رواية مكثفة، تنوس مستوياتها بين السرد الواقعي المعيش، وبين التخييل الغني بالرموز والدلالات. ولعل أعمق وأبرز الأسئلة التي تفرضها، بقوة، هو سؤال اللحظة: لماذا يتحول بعض اللاجئين المسلمين إلى إرهابيين على الرغم من النقلة العظيمة التي تتيح له التنعم بالحرية والأمان في بلدان اللجوء؟
هذا السؤال تتفرع منه أسئلة كثيرة إشكالية حول دور مساجد التطرف المنتشرة في أوروبا... وكيف تصوِّر للبسطاء مفاهيم عن خطورة الاندماج وقبول الآخر؛ رغم أن هذا الآخر هو نفسه من يستضيفه ويمنحه الحرية والأمان؟
الأخطر من الأسئلة الكثيرة والمتشابكة، التي طرحتها الرواية دون لف ولا دوران؛ هي الدلالات التي يمكن استقراؤها حول المصير المخيف للبلدان المضيفة، باعتباره معادلاً لمصير الحداثة والحرية وحقوق الإنسان والتقدم والحضارة... إلخ. فلا تكتفي الرواية، على ذلك، بالتحذير بل تكاد تطالب بفرض قوانين اندماج تشمل كل اللاجئين، على أساس القوانين العالمية الحديثة، وحقوق الإنسان.
ليس هناك من مرارة أكثر من تلك الدلالة في إهداء الكتاب لأخت الكاتب التي قضت في تفجير انتحاري في مطعم في كابل، حيث كانت تعمل مع الـ«يونيسيف».
رواية «شمال الفجر» هي إضافة لافتة ومهمة في نتاج نور الدين فرح، الحاصل على أهم جائزة أدبية عالمية بعد نوبل وهي جائزة «نيو ستاد» من جامعة أوكلاهوما لعام 1998، والمدرج كأهم كاتب أفريقي في الزمن المعاصر.



نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.


تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
TT

تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

يناقش عدد من الأعمال الدرامية المصرية المقرر عرضها في شهر رمضان المقبل على الشاشات والمنصات المختلفة تداعيات الطلاق على الأسر وتضرر الأبناء والخلافات التي تحدث بين المنفصلين في قضية تشكل جزءاً محورياً من تفاصيل عدد من الأعمال الاجتماعية.

من بين هذه الأعمال مسلسل «بابا وماما جيران»، الذي يتقاسم بطولته أحمد داود وميرنا جميل، وتدور أحداثه حول العلاقة بين الثنائي بعد الانفصال، وإقامة كل منهما في شقة مستقلة، بينما يتشاركان في البحث عن حلول للتعامل مع أطفالهما بين شد وجذب.

كما يتطرق مسلسل «وننسى اللي كان»، الذي تقوم ببطولته ياسمين عبد العزيز للموضوع ذاته بوصفه جزءاً رئيسياً من أحداثه، من خلال شخصية الفنانة الشهيرة «جليلة»، التي تدخل في صراع مع طليقها بسبب ابنتها، مما يدخلها في مشكلات عدة تتفاقم على مدار الأحداث.

أما مسلسل «أب ولكن» الذي يقوم ببطولته محمد فراج وركين سعد مع هاجر أحمد، فتدور أحداثه حول أب يخوض معارك قانونية من أجل رؤية ابنته التي تحاول زوجته السابقة إبعادها عنه، وسط تصاعد للأحداث مع تقديمه كل ما يثبت من التزاماته كونه أباً تجاه ابنته.

ويتطرق مسلسل «كان يا مكان»، الذي يتقاسم بطولته ماجد الكدواني ويسرا اللوزي، إلى العلاقة بين الزوجين في أول عام بعد الطلاق، والسجالات التي تحدث، بالإضافة إلى طريقة تعاملهما سوياً، والمشكلات التي تحدث بسبب الخلاف حول آلية التعامل مع الأبناء والمسؤوليات التي يجري تقاسمها بينهما.

الملصق الترويجي لمسلسل «بابا وماما جيران» (الشركة المنتجة)

في السياق نفسه، تعد الخلافات الزوجية هي المحور الرئيسي لمسلسل «المتر سمير»، الذي يقوم ببطولته كريم محمود عبد العزيز مع ناهد السباعي، حيث يظهر في دور محام معني بمحاكم الأسرة وقضايا الطلاق.

وعَدّ الناقد المصري طارق الشناوي تكرار تناول مشاكل الطلاق والخلافات التي تحدث بين المنفصلين وما يتبعه من مشكلات بشأن رؤية الأبناء وطريقة التعامل معهم بـ«الطبيعية»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن الدراما تأتي بوصفها انعكاساً طبيعياً لما يشهده المجتمع، وهناك زيادة واضحة في عدد حالات الانفصال التي تحدث كل عام، وتزايد للقضايا الموجودة أمام المحاكم، أو حتى المشكلات التي نسمع عنها بسبب الخلاف بين الأب والأم بعد الانفصال.

وأضاف أن هذه القضية من القضايا الاجتماعية الشائعة، وكل عمل بالتأكيد سيتناول جانباً منها، وهناك أعمال تناولتها في السابق، وأخرى ستقوم بتناولها مستقبلاً، ولا يمكن اعتبار أن أياً من الكُتاب هو صاحب الفكرة الأصلية لتقديمها على سبيل المثال، مؤكداً أن الحكم على العمل وتقييمه يكون بعد المشاهدة.

محمد فراج (حسابه على فيسبوك)

رأي دعمه الناقد المصري محمد عبد الرحمن، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن تكرار الثيمات الدرامية التي تتناول الخلافات الأسرية بعد الانفصال أمر متوقع، وربما لعبت الصدفة دوراً في وجوده بأكثر من عمل درامي، مشيراً إلى أن الدراما الاجتماعية بشكل عام تركز على الموضوعات التي تشغل المواطنين بحياتهم اليومية، ولا يوجد تقريباً اليوم شخص لا يوجد بدائرة معارفه زوجان منفصلان، سواء كان بينهما خلافات أو لا.

الملصق الترويجي لمسلسل «أب ولكن» (حساب فراج على فيسبوك)

وأشار إلى أنه رغم كون نجاح بعض الأعمال التي تناولت الأمر في السابق، فإن ما عُرض من بروموهات دعائية حتى الآن يشير لوجود جوانب مختلفة في المعالجات الدرامية، من بينها تجربة محمد فراج في مسلسل «أب ولكن»، الذي ظهر في دور أب يحاول الحفاظ على التواصل مع نجله رغم رفض زوجته السابقة، مؤكداً أن كل عمل سيتناول من منظور مختلف القضية، وفي إطار درامي يمكن على أساسه تقييم التجربة.