تايلور سويفت... الشاعرة المعذّبة وسيّدة الألغاز

ألبوم جديد يغوص في قصص الحب التي تركت ندوباً على أغاني الفنانة الأميركية

الشعر شكلاً ومضموناً هو العنوان العريض لألبوم تايلور سويفت الجديد (إنستغرام)
الشعر شكلاً ومضموناً هو العنوان العريض لألبوم تايلور سويفت الجديد (إنستغرام)
TT

تايلور سويفت... الشاعرة المعذّبة وسيّدة الألغاز

الشعر شكلاً ومضموناً هو العنوان العريض لألبوم تايلور سويفت الجديد (إنستغرام)
الشعر شكلاً ومضموناً هو العنوان العريض لألبوم تايلور سويفت الجديد (إنستغرام)

خلال حفلها في ملبورن - أستراليا قبل شهرَين، اعترفت تايلور سويفت أمام الجمهور بأنها لم تشعر يوماً بالحاجة إلى الكتابة، كما فعلت وهي تعدّ ألبوم «The Tortured Poets Department» (قسم الشعراء المعذّبين).

جاء الألبوم المنتظَر قبل يومَين ليؤكّد اعتراف المغنّية الأميركية، فهو عبارة عن فيضان من القصائد والكلمات والأسرار الموزّعة على 31 أغنية. نعم، 31 أغنية أي أكثر من ساعتَي استماع. لا بدّ أن يكون الفنان محصّناً بكثيرٍ من الجرأة والثقة بمعجبيه، كي يُصدر عملاً بهذه المدّة الطويلة. وسويفت مطابقة للمواصفات، فالجرأةُ والثقة لا تنقصانِ معبودةَ الجماهير المحمّلة بجوائز «غرامي» الموسيقيّة، وبحبّ عشرات الملايين حول العالم، ذلك بشهادة جولتها العالميّة (Eras Tour) التي حطّمت الأرقام مبيعاً.

31 أغنية وأكثر من ساعتَي استماع

كان من المفترض أن يقتصر ألبوم سويفت الحادي عشر في مسيرتها، على 16 أغنية، لكن لم تكد تمرّ ساعتان على صدور الدفعة الأولى من الأغاني، حتى فاجأت محبّيها بـ15 أغنية إضافيّة.

إلى جانب مدّته الزمنيّة المبالغ فيها، فإنّ الألبوم شخصيٌّ جداً. ينضح عنوانُه بما فيه من معاناة خاصة، فتبدو سويفت الشاعرة الأكثر عذاباً في قسم الشعراء. تولّت تأليف الأغاني بالتعاون مع شريكَيها الموسيقيَّين جاك أنتونوف وآرون ديسنر، كما استضافت نجوماً ليشاركوها الغناء. في أولى أغاني الألبوم وإحدى أكثره شعبيّةً وعنوانها «Fortnight» (فورتنايت)، انضمّ إليها مغنّي الراب الأميركي بوست مالون. أما «Florida» (فلوريدا) التي لاقت استحسان النقّاد، فشاركتها إيّاها مغنية الروك البريطانية فلورانس ويلش من فريق «Florence and the Machine».

انضمّ مغنّي الراب الأميركي بوست مالون إلى سويفت في أولى أغاني الألبوم (إنستغرام)

أسماء شركاء العمل مُعلنة، وإشاراتُ الإعجاب بأيقوناتٍ فنية مكتوبةٌ بالخطّ العريض. إذ تُسمّي سويفت في هذا الألبوم شخصياتٍ ثقافية أثّرت بها، من بينها المغنية الأميركية باتي سميث، والشاعر البريطاني ديلان توماس، والمغني الأميركي الشاب تشارلي بوث.

أحاجي الحب والفراق

غير أنّ ما خفي من أسماءٍ بين سطور الأغاني كثيرٌ، ويمتدّ على 7 سنوات من تاريخ سويفت العاطفيّ. عن كلٍّ من شركائها السابقين أكثر من أغنية، ولكلٍّ منهم أكثر من رسالة مبطّنة ولاذعة. ولعلّ تلك الاعترافات تحديداً، هي ما انتظره عشّاق سويفت بحرارة منذ أعلنت قبل شهرَين أنها في طور إعداد ألبوم جديد.

وحدَهم مَن يتابعون حياة سويفت عن كثب، قادرون على تفكيك الألغاز وحلّ الأحاجي التي يخبّئها الألبوم؛ و«السويفتيّون»، (أي جيش سويفت المليونيّ)، يعشقون تلك اللعبة.

تفتح سويفت في الألبوم الجديد ملفّاتها العاطفية من دون أن تسمّي شركاءها السابقين (إنستغرام)

هي نجمة الألبوم من دون منازع، إلّا أنها دعت إلى قصائدها الطويلة نجوماً أفَلَوا من حياتها. أوّلُ من بحث عنه الفضوليّون بين السطور، حبيبها السابق الممثل البريطاني جو ألوين، الذي انفصلت عنه عام 2023. ولم تكن مهمة العثور على جو صعبة، فهو حاضرٌ في أكثر من أغنية، لعلّ أبرزها «So Long London»، (إلى اللقاء لندن). ومن المعروف أنّ سويفت كانت قد انتقلت من الولايات المتحدة إلى العاصمة البريطانية، من أجل الإقامة مع حبيبها السابق.

تزدحم معاني الخيبة والفراق في هذه الأغنية، حيث ترثي سويفت حباً آلمَها وحبيباً ضحّى بها. ثمّ يعود طيف ألوين ليظهر في أغنية «loml» (اختصار لعبارة «حبّ حياتي»)، حيث بعد سردٍ للتراجيديا التي دارت بين الحبيبَين، تنتهي سويفت بوصفِه «خسارة حياتي».

سويفت وحبيبها السابق الممثل البريطاني جو ألوين (إكس)

بكاء في «الجيم» وهجوم على كيم

في هذا الألبوم، يسقط قناع القوّة والبهجة عن وجه سويفت. لا تمانعُ مشاركةَ العالم هشاشتَها، وانكسارَها، وتفاصيل الألمِ الذي أصابها بداعي الحبّ. تغنّي مثلاً كيف أنها انهارت وما استطاعت مغادرة السرير، وكيف أنها بكت في نادي الرياضة.

بين السطور كذلك، تلميحاتٌ لعلاقتها بالمغنّي ماتي هيلي التي لم تدُم طويلاً، بسبب ضغوطٍ تعرّضت لها من جمهورها الحانق على سلوك هيلي ومواقفه. وقد رضخت سويفت وأنهَت تلك العلاقة، التي ظهّرتها أغانٍ مثل «I Can Fix Him» (يمكنني إصلاحه) على أنها سامّة جداً.

لا تقتصر الألغاز والأحاجي على الرجال الذين عبروا في حياة سويفت، بل تنسحب على أشخاصٍ تعرّضوا لها بالتنمّر والهجوم الكلاميّ، ومن بينهم سيّدة غنية عن التعريف تُدعى كيم كارداشيان. فقد نالت نجمة تلفزيون الواقع نصيبها من سِهام سويفت في أغنية «thanK you aIMee»، (شكراً إيمي)، التي تحدّثت في الظاهر عن تلميذةٍ تنمّرت عليها في المدرسة لكنّها توجّهت في الواقع إلى كيم، على ما تؤكّد كذلك الطريقة التي كُتب بها عنوان الأغنية.

تخلّلت العلاقة بين سويفت وكيم كارداشيان خلافات ومشادّات كلاميّة كثيرة (إكس)

حكمة الشعراء

على مستوى الكلام، ألبوم سويفت الجديد عبارة عن اعترافاتٍ شخصيّة وتأريخٍ لمرحلة عاطفيّة طويلة من حياتها. فيه الكثير من الضعف، والغضب، ومشاعر الحب المتضاربة والمتطرّفة. ربّما لا يحمل المواصفات التجاريّة التي اعتادها الجمهور، إلا أنه يفتح الباب إلى عوالم مخفيّة في شخصية الفنانة، كما أنه نافذةٌ مفتوحة على قلبها.

أما على مستوى الألحان، فيغرق الألبوم الجديد في الرتابة، إذ تبدو النغمات والإيقاعات متشابهة، كأنّها تكرارٌ لأغانٍ سبقت. قد يُفسّر الأمر على أنّ هذه الموسيقى الخالية من المفاجآت، اختيرت عمداً كي لا تسلب الأضواء من البوح العاطفي والكلام العميق. إلّا أنّ بعض النقّاد الموسيقيين علّقوا على الأمر قائلين إنّ مدّة صلاحيّة شراكتها الموسيقيّة مع جاك أنتونوف، والمتواصلة منذ 10 سنوات، ربما اقتربت من نهايتها.

سويفت وجاك أنتونوف شريكها الموسيقي كتابةً وتلحيناً منذ 10 سنوات (إنستغرام)

لكن مهما تضاربت الآراء حول الألبوم، فالمؤكّد واحد وهو أنّ سويفت تؤرّخ فيه لحقبةٍ انقضت، بما أنها تُمضي أياماً سعيدة حالياً إلى جانب لاعب كرة القدم الأميركي ترافيس كيلسي، الذي خصّته بأغنية «The Alchemy»، (الكيمياء).

في منشورٍ لها على وسائل التواصل الاجتماعي تزامنَ وصدور الألبوم، كتبت سويفت واصفةً العمل بأنه مقتطفات من أعمال تعكس أحداثاً وآراءً ومشاعر تعود لمرحلة عبرت. تحرص على التأكيد أنّها أقفلت ذاك الفصل من حياتها، من دون أي رغبة في الانتقام. وتضيف بحكمةِ الشعراء: «عندما نبوح بأتعسِ قصصنا، نتحرّر منها فلا يبقى سوى الشعر المعذّب». ثم تختمُ بما يبرّر كلّ هفوات الألبوم: «كل شيء مُباح في الحبّ والشعر».


مقالات ذات صلة

«قصة كبيرة»... مجد معوّض يمنح الغيتار بُعداً أوركسترالياً جديداً

يوميات الشرق في ألبومه الجديد «قصة كبيرة» يُكرِّم آلة الغيتار (دكتور مجد معوّض)

«قصة كبيرة»... مجد معوّض يمنح الغيتار بُعداً أوركسترالياً جديداً

يرى معوّض أن الغيتار نادراً ما يُستخدم آلة أساسية في الموسيقى التصويرية، ويسعى إلى منحه هذا الدور في أعماله.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق مهرجان الطبول يحتفي بالفنون الشعبية (وزارة الثقافة المصرية)

«مهرجان الطبول»... كرنفال عالمي للفنون الشعبية يُنعش شوارع القاهرة

عاد «مهرجان الطبول» ليُنعش شوارع القاهرة ومراكزها الثقافية ومسارحها في دورته رقم 12 التي بدأت في 19 يونيو (حزيران) الجاري وتستمر حتى 23 من الشهر نفسه.

حمدي عابدين (القاهرة )
يوميات الشرق «باليه أوزوريس» حمل معاني رمزية لصراع الخير والشر (الشرق الأوسط)

«أوزيريس»... باليه يستعيد وهج الأسطورة المصرية القديمة

في عرض يستعيد وهج الأساطير المصرية القديمة، قدمت فرقة باليه أوبرا القاهرة، بالاشتراك مع أوركسترا أوبرا القاهرة «باليه أوزوريس» في أربع حفلات.

محمد الكفراوي (القاهرة )
الوتر السادس مي سليم: لم أُعبّر عن نفسي كوني مطربة بشكل كامل

مي سليم: لم أُعبّر عن نفسي كوني مطربة بشكل كامل

كشفت الفنانة الأردنية مي سليم عن ملامح خطتها الفنية الجديدة خلال الفترة المقبلة، مؤكدة أنها تعمل حالياً على تقديم نسخة مختلفة ومتطورة من نفسها بصفتها مطربة.

محمود إبراهيم (القاهرة)
الوتر السادس يمان الحاج لـ«الشرق الأوسط»: الموسيقى ترافق تطوري في الحياة

يمان الحاج لـ«الشرق الأوسط»: الموسيقى ترافق تطوري في الحياة

في عام 1955، كتب الأخوان رحباني كلمات أغنية «مرفرف الدلال» وصاغاها بما يتناسب ولحن الأغنية الكوبية الشهيرة «كيزاس كيزاس كيزاس».

فيفيان حداد (بيروت)

مصر: رسوم لمشاهدة مباريات المونديال في الـ«فان زون» بعد واقعة تخريب

منطقة «الفان زون» شهدت إقبالاً كبيراً على المباريات (شركة العاصمة الجديدة)
منطقة «الفان زون» شهدت إقبالاً كبيراً على المباريات (شركة العاصمة الجديدة)
TT

مصر: رسوم لمشاهدة مباريات المونديال في الـ«فان زون» بعد واقعة تخريب

منطقة «الفان زون» شهدت إقبالاً كبيراً على المباريات (شركة العاصمة الجديدة)
منطقة «الفان زون» شهدت إقبالاً كبيراً على المباريات (شركة العاصمة الجديدة)

بعد انتقال الشغب الكروي من الملاعب إلى ساحات الفرجة العامة في مصر، يبدو أن هذه الساحات تتجه لضبط إيقاعها عبر الفرز الجماهيري، بعد الإعلان عن أسعار تذكرة دخول «الفان زون» بالعاصمة الجديدة (شرق القاهرة) بمقابل مادي تراوحت التعليقات حوله بين التأييد والتندر والرفض؛ إذ كان دخول المنطقة مجانياً خلال المرحلة الأولى من التصفيات قبل أحداث الشغب أخيراً.

ووفق ما نشرته وسائل إعلام محلية وعربية، طرحت شركة «تذكرتي» تذاكر حضور مباريات دور الـ32 لتصفيات كأس العالم بمنطقة المشجعين (فان زون) في العاصمة الإدارية الجديدة لتبدأ أسعارها من 300 جنيه للتذكرة (الدولار يساوي نحو 49 جنيهاً مصرياً)، وفق موقع «تذكرتي».

إلى ذلك، أعلنت الشركة تأجيل تشغيل «الفان زون» خلال مباراة مصر وإيران والاعتذار عن عدم استقبال الجماهير لمدة 48 ساعة بسبب إقامة المباراة في السادسة صباحاً بتوقيت القاهرة، مما يؤثر على كفاءة الرؤية.

من جهة أخرى، كشفت وزارة الداخلية المصرية ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي تضمّن قيام عدد من الأشخاص بإتلاف المقاعد المخصصة للمواطنين بالمنطقة الترفيهية بالعاصمة الجديدة بالقاهرة عقب الانتهاء من مشاهدة إحدى المباريات الرياضية.

القبض على متهمين بالتخريب في منطقة «الفان زون» بمصر (وزارة الداخلية)

ووفق بيان «الداخلية»، فقد «تم تحديد وضبط مرتكبي الواقعة (10 أشخاص مقيمين بنطاق محافظات القاهرة، والمنوفية، والغربية)، وبمواجهتهم اعترفوا بارتكاب الواقعة على النحو المشار إليه بتاريخ 22 الحالي خلال الاحتفال بفوز المنتخب المصري على نيوزيلندا، وجرى اتخاذ الإجراءات القانونية حيالهم».

ووفق المادة 90 من قانون العقوبات المصري، فإنه «يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على خمس سنين كل من خرّب عمداً مباني أو أملاكاً عامة أو مخصصة لمصالح حكومية أو للمرافق العامة أو للمؤسسات العامة أو الجمعيات المعتبرة قانوناً ذات نفع عام»، ويؤكد القانون أنه «يحكم على الجاني في جميع الأحوال بدفع قيمة الأشياء التي خرّبها».

ويصف الناقد الرياضي المصري سعد صديق ما حدث في «الفان زون» بأنه «تصرف غير مسؤول من قلة حضرت لمشاهدة مباراة منتخبنا الوطني في الجولة الثانية لكأس العالم أمام نيوزيلندا»، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «الدولة المصرية قادرة على محاسبة كل من تجاوز وخرّب في مشهد محزن، ولم أجد مبرراً لهذه التصرفات الهمجية، ولا بد من الضرب بيد من حديد ضد أي شخص تعمد إتلاف ممتلكات عامة».

وكانت شركة العاصمة الجديدة المسؤولة عن «الفان زون» أعلنت إغلاق المنطقة والاعتذار عن عدم استقبال الجمهور خلال مباراة المنتخب المصري مع نظيره الإيراني المقررة فجر السبت، بتوقيت القاهرة، مؤكدة في بيان أصدرته الأربعاء أن «القرار جاء استباقياً عقب مراجعة تقنية دقيقة أظهرت أن جودة العرض على الشاشة العملاقة لن تكون بالوضوح والكفاءة المطلوبة خلال توقيت المباراة».

وكانت منطقة «الفان زون» شهدت توافد حشود من الجماهير لمشاهدة مباريات كأس العالم على الشاشة العملاقة في المنطقة، بالإضافة للاستفادة من الخدمات الترفيهية بالمكان، وكان يُسمح بحجز تذاكر الدخول لمنطقة المشجعين مجاناً من خلال موقع «تذكرتي»، مع السماح باستخدام «المونوريل» للوصول مجاناً إلى المنطقة.

منطقة «الفان زون» بالعاصمة الجديدة (شركة العاصمة الجديدة)

ويرى الناقد الرياضي المصري محمد البرمي أن «ما حدث في العاصمة الإدارية محزن جداً أن تتحول منطقة لتجمعات عائلية ومشاهدة مباريات منتخب مصر إلى ساحة للتخريب والإفساد»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الدولة تحملت عبئاً كبيراً في دعوة الحضور وتشجيعهم وتوفير كل الإمكانات، لنفاجأ بمشهد لا نريد أن نراه لا في الملاعب ولا في أي مكان آخر».

وتابع: «أتمنى ألا تتراجع الدولة عن هذه النوعية من الاحتفالات، بل أتمنى أن نراها في كل ميادين مصر، وعلى القانون أن يسود ويفرض نفسه على الجميع، ومن يخطئ لا بد أن يعاقب».

وحول إعلان سعر التذكرة 300 جنيه بدلاً من الدخول المجاني، قال البرمي: «هذا الأمر يتعلق غالباً بضمان التزام الناس وتعويض التلفيات، وهو في النهاية نظام تحدده الجهات المسؤولة عن المنطقة».


مصريون يوثقون حفلات زفافهم باللوحات التشكيلية

لوحة تشكيلية توثق حفل زفاف (الشرق الأوسط)
لوحة تشكيلية توثق حفل زفاف (الشرق الأوسط)
TT

مصريون يوثقون حفلات زفافهم باللوحات التشكيلية

لوحة تشكيلية توثق حفل زفاف (الشرق الأوسط)
لوحة تشكيلية توثق حفل زفاف (الشرق الأوسط)

بعد الاعتماد على التصوير الفوتوغرافي والفيديو لسنوات طويلة في توثيق حفلات الزفاف، لجأ مصريون إلى الفن التشكيلي لتذكر تفاصيل أجمل ليالي العمر، في اتجاه جديد نما في مصر بالآونة الأخيرة، حيث اتجه عدد من التشكيليين الشباب إلى القيام برسم العروسين مباشرة ليلة الزفاف في أجواء مبهجة.

الفنانة رولا رضا واحدة من الفنانين المصريين الذين تبنوا هذا الاتجاه الجديد، وحققت انتشاراً واسعاً من خلاله، تخرجت رضا (27 عاماً) من كلية الفنون الجميلة في جامعة حلوان عام 2020، تقول لـ«الشرق الأوسط»: «توثيق الزفاف باللوحات التشكيلية اتجاه جديد بدأ يتنامى في مصر بشكل ملحوظ، وحقق انتشاراً واسعاً»، وتتذكر أن «أول حفل زفاف رسمته مجاناً مجاملة لإحدى صديقاتها فتح أمامها فرصاً كثيرة».

حفلات الزفاف في الأماكن التراثية تفتح آفاقاً أوسع للإبداع (الشرق الأوسط)

وتتزايد حفلات الزفاف في مصر خلال فصل الصيف، مما يبقي رولا مشغولة أكثر من الشتاء: «الأسبوع الماضي قمت بالرسم في 3 أفراح مختلفة».

لدى رولا طقوس وإجراءات كثيرة قبل بدء الرسم: «أجهز كل أدواتي، وأذهب إلى حفل الزفاف مبكراً، حيث أختار مكاناً يجمع بين مواصفات عدة أضع فيه مرسمي، منها أن يكشف أكبر مساحة من مشهد مظاهر الحفل، ويمكنني من خلاله رؤية العريس والعروس من مسافة كافية، وأيضاً ألا يكون في مسار حركة عمال الخدمات بالحفل».

ومع ما يشهده الاتجاه الفني الجديد من انتشار لافت، تتنوع الفئات التي تقبل على الفكرة، منها الطبقة «فوق المتوسطة»، والمتوسطة، والأقل من المتوسطة بشكل أقل نسبياً، وهنا بحسب رولا: «يختلف رسم الحفل في قاعة راقية عن حفلات القاعات الشعبية»، وهو ما يظهر في تفاصيل الحفل، حيث «يكون الفرح الشعبي أكثر ضجيجاً، وألوان القاعة والخلفيات والورود قد تكون غير متناسقة، مما يضطرني إلى إضافة اللمسة الفنية على الألوان خلال الرسم لتصبح أكثر جمالاً، وهنا تبرز أهمية المزج الفني في اللوحة بين تصوير الواقع بمظاهر الفرح المختلفة ومساحة خيال الفنان».

وبحسب النشرة السنوية لإحصاءات الزواج والطلاق في مصر الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (جهاز حكومي) في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2025، بلغ عدد عقود الزواج 936.73 ألف عقد زواج عام 2024 في مقابل 961.2 عقد عام 2023 بنسبة انخفاض 2.5 في المائة.

لوحة تشكيلية لحفل زفاف بمحافظة أسيوط بصعيد مصر (الشرق الأوسط)

وقبيل موعد زفافها بعدة أشهر، ذهبت المهندسة المصرية الشابة نورهان الستاوي لحضور حفل زفاف إحدى صديقاتها، ووسط صخب الحفل تركز بصرها على فتاة شابة تجلس في هدوء أمام مرسمها وأدوات الرسم غير حافلة بما يدور حولها.

وتقول المهندسة نورهان الستاوي، 30 سنة، لـ«الشرق الأوسط»: «مشهد الفتاة وهي ترسم في الفرح الذي حضرته أبهرني جداً، فسألت العروس عنها، ووصلت إليها، ثم عرضت الفكرة على خطيبي فتحمس جداً، واتفقت مع الفنانة الشابة على رسم لوحة خلال حفل زفافي»، مؤكدة أنها قامت بوضع اللوحة في مكان بارز بمنزل الزوجية، «ونالت إعجاب أهل زوجي وأهلي، وحتى الآن كلما استقبلنا ضيوفاً يسألون عن اللوحة، ويبدون إعجابهم بها».

وتفتح إقامة مراسم الزواج وحفلات الزفاف في المعالم الأثرية والتراثية آفاقاً أوسع للإبداع، وتشرح رولا رضا تأثير هذه الأماكن على عملها: «رسمت لوحات زفاف في قلعة صلاح الدين، ومتحف قصر المنيل، ومسجد محمد علي، ويكون المكان ملهماً، وثرياً بالعناصر الإبداعية والزخرفية التي تنعكس على اللوحة».

لوحة تشكيلية توثق حفل زفاف في قلعة صلاح الدين بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وتختلف العناصر الفنية للوحة التشكيلية إذا كان حفل الزفاف في صعيد مصر، حيث الطبيعة الخاصة بحكم الجغرافيا، والثقافة، يقول الفنان الشاب جورج عادل، (25 سنة) مُعيد بكلية الفنون الجميلة بجامعة أسيوط، لـ«الشرق الأوسط» إن «توثيق حفلات الزفاف باللوحات التشكيلية يلقى رواجاً بصعيد مصر لا يختلف عن القاهرة، سوى في مظاهر الاحتفال الذي تكون له خصوصية بالجنوب، وكذلك الألوان التي تفرضها الطبيعة».

وتحدث عادل عن المزج بين تصوير الواقع تشكيلياً ومساحة خيال الفنان، بقوله: «اللوحة يكون فيها نحو 80 في المائة تصويراً للواقع و20 في المائة من خيال الفنان، فالتكوين الفني للوحة يعبر عن رؤيتي، مع ضرورة إبراز عناصر ومظاهر الفرح بجانب العناصر الفنية التي أقوم بإضافتها، والتي تتشكل من خلالها هوية اللوحة، وتفرّدها».


«والأسماك تطير فوق رؤوسنا»... حين يصبح البحر ملاذاً للحياة والغياب

«قاسم» يسير بعكازه على شاطئ بيروت ينتظر الفرج (المخرجة ديما الحر)
«قاسم» يسير بعكازه على شاطئ بيروت ينتظر الفرج (المخرجة ديما الحر)
TT

«والأسماك تطير فوق رؤوسنا»... حين يصبح البحر ملاذاً للحياة والغياب

«قاسم» يسير بعكازه على شاطئ بيروت ينتظر الفرج (المخرجة ديما الحر)
«قاسم» يسير بعكازه على شاطئ بيروت ينتظر الفرج (المخرجة ديما الحر)

تأخذ المخرجة ديما الحر مشاهدي فيلمها الوثائقي «والأسماك تطير فوق رؤوسنا» في رحلة، حيث تضع البحر في قلب السرد البصري والإنساني. تصوِّر بيروت؛ المدينة المشرفة على امتداد أزرق شاسع، وتربط هذا الفضاء المفتوح بـ«ثلاث شخصيات» هي: «رضا» و«قاسم» و«عادل»، فتقدم مقاربة عفوية تنفتح على تجارب لبنانيين كثر يجمعهم حسٌّ عميق بالانتماء إلى المكان.

يشكِّل البحر مركز اهتمام هؤلاء وملاذهم اليومي وقدَرهم؛ فيه يودعون همومهم وأحلامهم وأوجاعهم، كأنه مساحة تطهير وعودة إلى الذات. ومنذ اللحظة الأولى للفيلم، توجّه ديما كاميرتها نحو البحر، فتخلق نوستالجيا مشبعة بالتناقض بين الحزن والحرية، والثقل والاتساع.

مع أبطالها الثلاثة تطرح أسئلة وجودية وإنسانية تلامس هواجس الإنسان العميقة، من دون أن تقع في فخ التعقيد أو التنظير. فالبحر يتحوَّل مساحةً آمنةً وملاذاً بصرياً ومعنوياً، رغم ما يحمله في الذاكرة الجماعية من قصص فقدان وغرق، سواء أكان ذلك مصادفة أم عن قصد. ومع ذلك، فإن هذا الامتداد المتوسطي يبقى رابطاً حياً بين أهل المدينة وبحرهم، وفضاءً مفتوحاً على الحياة بقدر ما أنه مفتوح على الغياب. كما تطبعه بحبكة إخراجية مشحونة بالإثارة والتشويق، تبتعد فيها عن إيقاع الوثائقي التقليدي، لمصلحة سرد بصري أعلى حيوية وانسيابية، فتدفع المشاهد إلى متابعة التفاصيل بوصفها جزءاً من رحلة غير متوقعة، وتتنقّل بين اللحظة اليومية والبعد التأملي، وهي تستخرج من الواقع الانطباع الذي يخلقه في الذاكرة.

انطلقت عروض الفيلم في صالات سينما «متروبوليس» منذ 25 يونيو الحالي (المخرجة ديما الحر)

تقول المخرجة في حديث لـ«الشرق الأوسط» إنها سبق أن نفَّذت فيلماً قصيراً في المكان نفسه. وذلك على شاطئ بحر بيروت مقابل الجامعة الأميركية، حيث كان بطل العمل آنذاك «رضا»، الذي التقته صدفة هناك. وقد حمل الفيلم عنوان: «البحر الأزرق في عينيك». وتضيف أنها، بعد مرور 20 عاماً، عادت لتقف من جديد في الموقع نفسه، لتلمح «رضا»، الرجل صاحب الشعر الأحمر، من بعيد. وتقول: «لقد منحتني رؤيته شعوراً بالبهجة، فشعرت بالأمل والاستمرارية، وكأن الزمن لم يمر. عندها قرَّرت أن أصنع هذا الوثائقي لأحكي فيه عن البحر بوصفه مساحةً تجمع كل اللبنانيين».

وتتابع: «منطقة الكورنيش تعني لي الكثير، كما تعني لغيري، ومن هنا انطلقت فكرة الفيلم؛ من هذا الفضاء المفتوح الذي يحتضن الذاكرة والناس والحياة».

تشير المخرجة إلى أنها، قبل 20 عاماً، صوّرت أجساداً شابة مفتولة العضلات على الشاطئ نفسه، فيما تلاحظ اليوم أن تلك الأجساد تغيَّرت، وفقدت جزءاً من لياقتها، وأن التعب والإرهاق باتا أكبر حضوراً في الملامح.

ومن خلال «الشخصيات الثلاث»: «رضا» و«قاسم» و«عادل»، تبرز العلاقة العميقة التي تربط أهل المدينة بالبحر، بوصفه امتداداً لحياتهم اليومية وذاكرتهم الجماعية. وتقول: «فكرة الانتظار والوقوف أمام البحر ألهمتني للغوص في موضوعات متعددة. فهو أشبه بخشبة خلاص؛ يمتلك القدرة على احتواء كل ما يُثقل الناس من معاناة وانكسارات. كما يحتضن لحظاتهم الجميلة وأشواقهم». وتضيف: «مع البحر يعيشون حالة ترقُّب دائمة، كأنهم ينتظرون انفراجاً ما قد يأتي مع غروب أو شروق... لحظة تحمل لهم أملاً خافتاً يطلُّ من الأفق».

في سياق الفيلم نتعرَّف إلى أبطاله الثلاثة وحكاياتهم، والدوافع التي تقودهم إلى البحر يومياً. «رضا» يقصده سيراً على الأقدام من مكان إقامته في برج البراجنة، في حين يتوجه «قاسم» إليه مع طلوع الفجر؛ إذ يعيش مع شقيقه المتزوج ولا يرغب أن يُشكِّل عبئاً على العائلة. أما «عادل» فيراه المنفذ الوحيد له، خصوصاً في أيام الأحد والعطل. وهو عامل نظافة في أحد المستشفيات، يراه بقعة ضوء في حياته، ويلتقط معه صوراً متكررة كأنها محاولة دائمة لإثبات وجوده في الحياة.

أحد أبطال الفيلم «رضا» الذي يملك علاقة وثيقة بالبحر (المخرجة ديما الحر)

يُمضي المشاهد يوماً كاملاً إلى جانب هؤلاء الرجال... يسبحون ويتبادلون الأحاديث والفضفضة، يسترخون وينامون غير آبهين بطبقة الملح التي تجفُّ على أجسادهم وتزيدها قسوة. وبين لحظة وأخرى، يعبِّرون عن علاقتهم الخاصة بالبحر. بالنسبة إلى «رضا»، فهو الحبيب الوحيد الذي وجد معه انسجامه. ويقول: «لم أخض مغامرات عاطفية تُذكر، ربما لأنني خجول»، في اعتراف يطلُّ من قلب العلاقة مع الكاميرا.

لا تفصل ديما الحر بين هؤلاء الرجال الثلاثة، وباقي اللبنانيين، إذ تؤكد: «إنهم نماذج تُمثِّلنا جميعاً؛ يعيشون الوحدة كما يعيشون الحزن. وعندما نسجت قصة الفيلم أردتها أن تجمعنا تحت خيوط واحدة، كشبكة متصلة؛ لأننا جميعاً نحمل الأحلام ونتقاسم المعاناة نفسها، ونبحث عن مكان نُفرغ فيه همومنا وأوجاعنا».

حصد فيلم «والأسماك تطير فوق رؤوسنا» جوائز سينمائية عدة، من بينها «جائزة الجمهور» في كندا، وجائزة «رؤية حقيقية» في مهرجان «زونتا»، إضافة إلى تنويهٍ فخريٍّ في كل من المكسيك والأردن، و«جائزة الطلاب» في مهرجان «جان روج» السينمائي بفرنسا.

وتشير ديما إلى أن الفيلم لا يزال يتنقل بين المهرجانات الدولية، على أن يحط قريباً في الأرجنتين ومدينة تولوز الفرنسية. أما عن معنى العنوان ورسالة العمل، فتقول: «لا أريد أن أشرح للمشاهد المعنى الحقيقي لهذه المشهدية، وأفضِّل أن يكتشفها بنفسه. وما عليه سوى أن يتخيّلها كي يخرج بالنتيجة التي يريدها».

يُذكَر أن الفيلم يُعرَض في صالات سينما «متروبوليس» منذ 25 يونيو (حزيران) الحالي ولفترة قصيرة.