محاولات علمية لفهم دور اضطرابات إفراز العرق في الأمراض الجلدية

مع تضاعف أعداد الإصابات بحساسية التهاب الجلد

محاولات علمية لفهم دور اضطرابات إفراز العرق في الأمراض الجلدية
TT

محاولات علمية لفهم دور اضطرابات إفراز العرق في الأمراض الجلدية

محاولات علمية لفهم دور اضطرابات إفراز العرق في الأمراض الجلدية

عرضت مجموعة من الباحثين اليابانيين مراجعة للآليات التي يُسهم بها العرق في نشوء حالات حساسية التهاب الجلد التأتبي (Atopic Dermatitis)، وهو المرض الذي يعتبر من أنواع حساسية الجلد الشائعة في العالم، والتي تضاعفت الإصابات بها ثلاث مرات خلال الثلاثين سنة الماضية. كما قدمت مجموعة من الباحثين الأميركيين مراجعة أخرى لدور اضطرابات إفراز العرق في الإصابة بحالات حساسية التهاب الجلد التأتبي.
وتأتي نتائج هذه الدراسات الطبية الحديثة لتلقي مزيداً من الضوء على الجهود الطبية في محاولات فهم العلاقة بين الأمراض الجلدية وغير الجلدية من جهة، وبين عمليات إفراز العرق والاضطرابات التي قد تعتريها من جهة أخرى.
- حساسية الجلد
وكان الباحثون من جامعتي ناكازاكي وأوساكا باليابان، قد نشروا دراستهم الحديثة تحت عنوان: «دور العرق في التسبب بمرض التهاب الجلد التأتبي»، وذلك ضمن عدد أغسطس (آب) الماضي من المجلة الدولية لعلم الحساسية (Allergology International). وقال الباحثون اليابانيون: «العرق هو عبارة عن سائل شفاف تصنعه الغدد العرقية، وتشارك المكونات المختلفة للعرق في حفظ التوازن لتنظيم درجة حرارة الجسم، ولترطيب الجلد، وعمل جهاز المناعة فيه. وبالتالي، يلعب العرق دوراً رئيسياً في الحفاظ على توازن البشرة الجلدية. ولذلك فإن التعرق غير الطبيعي يضر صحة الإنسان بسهولة».
وأوضح الباحثون اليابانيون ذلك بقولهم: «وعلى سبيل المثال، في حالات حساسية التهاب الجلد التأتبي، تم التأكد من حصول حالة من الركود في إفراز العرق، ويُصاحب ذلك انسداد في أنبوب العرق (Sweat Tube) أو مسام العرق الجلدية (Sweat Pore)، ما يعيق إفراز العرق من داخل الغدد العرقية نفسها. وأيضاً يحصل تسرّب للعرق من الغدد العرقية إلى الأنسجة المحيطة بها. وفي السنوات الأخيرة، تم توضيح فرضية أن حالة حساسية التهاب الجلد التأتبي هي في حقيقة الأمر عبارة عن متلازمة ركود العرق (Sweat Stasis Syndrome) وذلك من خلال الاستعانة بتقنية تحليل ديناميكية إفراز الغدة العرقية للعرق (Dynamic Analysis Technique)، وأن حصول اضطراب إفراز العرق وتسريب العرق إلى الأنسجة الجلدية المحيطة، هما من أسباب التهاب الجلد ونشوء حالة الحكة الجلدية».
وأضاف الباحثون اليابانيون القول: «وعلاوة على ذلك، ومن نتائج تحليل العمليات الكيميائية الحيوية للعرق لدى المرضى الذين يعانون من حالة حساسية التهاب الجلد التأتبي، تم التأكد من أن تركيز الغلوكوز في عرقهم يزيد وفقاً لنوعية البشرة لديهم، مما يشير إلى أن ارتفاع نسبة غلوكوز العرق تؤثر على التوازن في الجلد. كما كشفت تحليلات متعددة الأوجه للعرق لدى الأشخاص المصابين بمرض ألزهايمر عن جوانب جديدة في علم الأمراض، وهو ما يجعل من المتوقع أن تسهم التدابير المناسبة لعلاج العرق في السيطرة على المدى الطويل على مرض ألزهايمر».
وضمن عدد فبراير (شباط) الماضي من مجلة علوم طب الجلدية (Journal of Dermatology Science)، قدمت مجموعة باحثين من كليات الطب في كل من جامعات أريزونا وكاليفورنيا وميامي ودريسكل في فيلاديلفيا، نتائج مراجعة دور آليات اضطرابات إفراز العرق في حالات حساسية التهاب الجلد التأتبي. وقال الباحثون: «إن الضعف في قدرات الجلد على الحجز، (فيما بين داخل الجسم وخارجه) هو شيء مرافق لحالات حساسية التهاب الجلد التأتبي، مما يتسبب في جفاف الجلد وتهيجه، وزيادة نفاذ عدة عناصر من خلاله، كالمهيجات الجلدية والمواد المسببة للحساسية ومسببات الأمراض الميكروبية. وفي الحالات الطبيعية يعمل العرق في تكوين جانب من ذلك الحاجز الواقي للبشرة».
وأضاف الباحثون الأميركيون قول ما ملخصه أنه قد تمت ملاحظة وجود اختلافات في عملية إفراز العرق (Perspiration) والعوامل المحفزّة لها، وآليات حصولها لدى المرضى الذين يُعانون من حالات حساسية التهاب الجلد التأتبي، وذلك مقارنة بالأشخاص غير المصابين بحساسية هذه الحالة الجلدية المرضية. وأن تلك الاختلافات في تكوين العرق وطريقة إفرازه لم تنل الاهتمام اللازم في تصنيفها كأحد العوامل المؤثرة في نشوء حالات الحساسية هذه وتفاقم الإصابة بها، ولذا فإن مراجعتهم العلمية هذه تناقش هذا الدور لاضطرابات إفراز العرق، ونوعية التفاعلات التي تحصل على الجلد فيما بين كل من: مكونات جهاز مناعة الجسم، ومكونات سائل العرق، وخلايا طبقة الجلد. وهو ما يُسلط الضوء على قيمة إدارة الجسم لعملية إفراز العرق، والدور المهم لذلك في الحالات المرضية لحساسية التهاب الجلد التأتبي.
- الغدد العرقية
وتشير المصادر الطبية إلى أن الشخص البالغ لديه نحو 2.6 مليون غدة عرقية في جلد جسمه. وباستثناء الشفتين والحلمتين والأعضاء التناسلية الخارجية، تتوزع هذه الغدد العرقية على جلد الجسم كله بنسب متفاوتة. وتشريحياً، تقع الغدد العرقية في طبقة الأدمة (Dermis) التي هي إحدى طبقات الجلد العميقة، وبقرب بصيلات الشعر ونهايات الشبكة العصبية للجلد.
وبشكل أساسي، تتكون الغدة العرقية من أنبوب طويل مجوف، جزء منه ملفوف في طبقة الأدمة، والجزء الآخر يصعد كأنبوب طويل إلى مسام فتحات السطح الخارجي لطبقة البشرة الجلدية. وفي الجزء الملفوف يتم إنتاج سائل العرق، ويتم دفعه إلى سطح الجلد عبر الجزء الأنبوبي الصاعد. وتتصل الخلايا العصبية من الجهاز العصبي الودي اللاإرادي (Sympathetic Nervous System) بالغدد العرقية. وهناك نوعان من الغدد العرقية:
> النوع الأول هو «الغدد العرقية المفرزة» (Eccrine Sweat Glands) التي توجد في جلد باطن الكفين والقدمين وعلى اليدين والجبهة، ومناطق أخرى من جلد الجسم المُعرض بشكل مباشر للخارج، ويخرج عرق هذه النوعية من الغدد إلى المسام الجلدية.
> النوع الثاني هو «الغدد العرقية المفترزة» (Apocrine Sweat Glands) التي توجد في جلد مناطق الإبطين والأعضاء التناسلية وفتحة الشرج.
وتختلف غدد هذين النوعين من الغدد العرقية في كل من الحجم، والعمر الذي يصبحان نشطين فيه، ومكونات سائل العرق الذي يصنعانه.
وبالمقارنة بينهما، فإن «الغدد العرقية المفرزة»، تبدأ العمل من حين الولادة، وتنتج عرقاً خالياً من الدهون والبروتينات. بينما تبدأ «الغدد العرقية المفترزة» في العمل مع سن البلوغ، وتفرز عرقاً يحتوي بروتينات ودهوناً.
وتأثيرات وجود أو عدم وجود البروتينات والدهون تتضح في سبب ظهور رائحة العرق، ذلك أن وجود البروتينات والدهون في عرق منطقة الإبطين والأعضاء التناسلية، يحفز البكتيريا الموجودة في تلك المناطق على تناول تلك الدهون والبروتينات كغذاء لها، وبالتالي تفرز البكتيريا عدداً من المواد الكيميائية ذات الرائحة. هذا بخلاف العرق الذي تفرزه «الغدد العرقية المفرزة» في جلد بقية مناطق الجسم والخالي من البروتينات والدهون. ولذا فإن تنظيف مناطق الإبطين والأعضاء التناسلية هو أفضل وسيلة للتغلب على رائحة العرق، عبر إزالة البكتيريا المتسببة بتكوين تلك المركبات الكيميائية ذات الرائحة.
> وهناك نوع ثالث من الغدد العرقية التي تحولت من غدد تفرز العرق إلى غدد لا تفرز العرق، وهي الغدد التي توجد في جلد قناة الأذن الخارجية، والتي مهمتها إنتاج شمع الأذن، وتسمى «Ceruminous Glands».
- تعرّق الجسم
يعرق الإنسان طوال الوقت غالباً، ولكنه قد لا يشعر بذلك إلا عند وجوده في أجواء حارّة، أو عند ممارسة الجهد البدني أو الانفعال العاطفي. وبالأصل، يعتبر إفراز العرق هو وسيلة الجسم للتبريد وتخليص الجسم من كميات الحرارة الزائدة فيه. والمصدران الرئيسيان لتراكم الحرارة في الجسم هما العمليات الكيميائية الحيوية التي تجري في الجسم، ضمن ما يُعرف بالعمليات الأيضية للتمثيل الغذائي (Metabolism). والمصدر الثاني هو الطاقة الحرارية التي تنتج مع تحريك العضلات واستهلاك السكريات والدهون في إنتاج الطاقة. وهناك مصادر أخرى، مثل حصول التهابات ميكروبية في الجسم، والوجود في أجواء مناخية حارة، وغيرها من مسببات ارتفاع حرارة الجسم.
وعندما يتم إفراز العرق، وينتشر على سطح الجلد، فإنه يتبخر، وبالتالي يبرد الجسم. وهذه البرودة تحصل وفق مبدأ فيزيائي بسيط، مفاده أن الماء عندما يتبخر يسحب معه الحرارة من الجسم الذي هو عليه، وهي التي تُسمّى «حرارة التبخير». ولكل كيلوغرام ماء يتبخر، يتم سحب كمية 450 ألف سعر حراري. وبعد تبخر سائل العرق، تبقى الأملاح، مثل الصوديوم والكلوريد والبوتاسيوم، على بشرة الجلد.
- عوامل مؤثرة في نجاح إفراز العرق لتبريد الجسم
> يعتمد نجاح الجسم في إفراز العرق بشكل كاف، لحفظ توازن برودة الجسم، على ثلاثة عوامل داخلية وعامل خارجي. وتشمل العوامل الداخلية في الجسم:
> العامل الأول هو توفر العدد الطبيعي من الغدد العرقية. ولذا في بعض الحالات التي يقل فيها عدد الغدد العرقية، مثل التقدم في العمر أو الأطفال الصغار أو حروق الجلد، تتدنى كفاءة عمل الغدد العرقية في إنتاج سائل العرق والنجاح في تبريد الجسم.
> العامل الثاني هو أن إفراز الغدد العرقية للعرق لا يتم بشكل تلقائي؛ بل يتحكم الجهاز العصبي في ذلك، عن طريق الجهاز العصبي اللاإرادي. ولذا فإن في حالات ضعف الجهاز العصبي في منطقة الجلد يتدنى إفراز العرق في الأجواء الحارة، وخاصة لدى كبار السن والأطفال ومرضى السكري وغيره، وبالتالي لا ينجح الجسم في تبريد نفسه بوسيلة إفراز العرق بشكل كاف.
> العامل الثالث هو توفر السوائل في الجسم، وهذا له دور مهم في تسهيل تكوين الغدد العرقية لسائل العرق. ولذا في حالات جفاف الجسم ينخفض إفراز العرق.
وهناك عامل خارجي مهم في استمرار نشاط عملية إفراز العرق، وهو درجة الرطوبة في الأجواء المحيطة بالجسم؛ ذلك أن تدني رطوبة الهواء المحيط بالجسم يُسهل عملية تبخر سائل العرق عن سطح الجلد، ما يُتيح فرصة أكبر لإفراز مزيد من العرق لتبريد الجسم عند الوجود في أجواء حارة. أما في حالات ارتفاع رطوبة الهواء الخارجي، فإن عملية تبخر سائل العرق عن سطح الجسم تكون ضعيفة، وبالتالي يقل إفراز العرق، وتتدنى قدرة الجسم على تبريد نفسه حينئذ.
وتجدر الإشارة إلى أن هناك أشخاصاً لديهم قدرة على تحمل حرارة الأجواء، بينما آخرون يشعرون بشكل أكبر بدرجة الحرارة المرتفعة نفسها. والسبب هو ما يُعرف بـ«تكيف الغدد العرقية»، ذلك أن الإنسان الذي تعود أن يعيش في أجواء باردة أو معتدلة البرودة، حينما ينتقل إلى منطقة حارة مناخياً فإنه يستطيع إفراز كمية لتر واحد من سائل العرق في الساعة كأقصى حد، ولكن لو استمر في البقاء لستة أسابيع في تلك المنطقة الحارة مناخياً، فإن الغدة العرقية تنشط وتستطيع أن ترفع من كفاءة قدرتها على إنتاج سائل العرق ليصل إلى 3 لترات في الساعة، وبالتالي يُصبح جسمه أعلى قدرة على تبريد نفسه.
وإضافة إلى التفاعل العاطفي وزيادة نشاط الحركة العضلية، قد تحصل اضطرابات في الجسم ترفع من وتيرة إفراز الغدد العرقية للعرق. ومنها اضطرابات الهرمونات المرافقة لبلوغ سن اليأس من المحيض، وزيادة نشاط الغدة الدرقية، وتناول بعض أنواع المشروبات المحتوية على الكافيين، وتناول بعض أنواع الأدوية، وزيادة نشاط الجهاز العصبي اللاإرادي.


مقالات ذات صلة

هل تتحكم الجينات في طول العمر؟ دراسة جديدة تجيب

صحتك كبار السن ومتوسطو العمر يمارسون تمارين رياضية باستخدام أثقال خشبية خلال فعالية للتوعية الصحية في معبد بحي سوغامو بطوكيو (أرشيفية-رويترز)

هل تتحكم الجينات في طول العمر؟ دراسة جديدة تجيب

تناولت دراسة علمية جديدة الدور الذي تلعبه الجينات في تحديد متوسط عمر الإنسان، في موضوع ظل محل نقاش علمي لعقود.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك تقدم الفاصوليا السوداء في وصفات السلطة مع أصناف أخرى من الخضراوات (بيكساباي)

الفاصوليا السوداء أحد أفضل مصادر الطاقة لجسم الإنسان

مثل البقوليات الأخرى، كالفول السوداني والبازلاء والعدس، تُعدّ الفاصوليا السوداء ذات قيمة غذائية عالية لغناها بالبروتين والألياف. كما تحتوي الفاصوليا السوداء…

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك يُعد الشوفان من أكثر الأطعمة الصحية شيوعاً (بيكساباي)

6 فوائد صحية لتناول الشوفان يومياً

يُعد الشوفان من أكثر الأطعمة الصحية شيوعًا، لما يحتويه من عناصر غذائية مهمة تدعم صحة الجسم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك تتميز حمية «الكيتو» بارتفاع نسبة الدهون (رويترز)

8 آثار جانبية خطيرة لحمية الكيتو

يحذّر خبراء الصحة من آثار جانبية خطيرة قد تنتج عن اتباع حمية الكيتو.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك هشاشة العظام تصيب النساء أكثر من الرجال (رويترز)

علامات صامتة قد تشير لاحتمالية الإصابة بهشاشة العظام

على الرغم من أن هشاشة العظام تُوصف أحياناً بأنها «مرض صامت»، إذ قد تتطور دون أعراض حتى حدوث كسر، فإن هناك بعض العلامات التي قد تشير لاحتمالية حدوثه.

«الشرق الأوسط» (لندن)

هل تتحكم الجينات في طول العمر؟ دراسة جديدة تجيب

كبار السن ومتوسطو العمر يمارسون تمارين رياضية باستخدام أثقال خشبية خلال فعالية للتوعية الصحية في معبد بحي سوغامو بطوكيو (أرشيفية-رويترز)
كبار السن ومتوسطو العمر يمارسون تمارين رياضية باستخدام أثقال خشبية خلال فعالية للتوعية الصحية في معبد بحي سوغامو بطوكيو (أرشيفية-رويترز)
TT

هل تتحكم الجينات في طول العمر؟ دراسة جديدة تجيب

كبار السن ومتوسطو العمر يمارسون تمارين رياضية باستخدام أثقال خشبية خلال فعالية للتوعية الصحية في معبد بحي سوغامو بطوكيو (أرشيفية-رويترز)
كبار السن ومتوسطو العمر يمارسون تمارين رياضية باستخدام أثقال خشبية خلال فعالية للتوعية الصحية في معبد بحي سوغامو بطوكيو (أرشيفية-رويترز)

تناولت دراسة علمية جديدة الدور الذي تلعبه الجينات في تحديد متوسط عمر الإنسان، في موضوعٍ ظل محل نقاش علمي لعقود.

ولفترة طويلة، ساد اعتقاد بأن العوامل الوراثية تفسر ما بين 20 و25 في المائة فقط من الفروق في متوسط العمر، بينما يُعزى الجزء الأكبر إلى نمط الحياة والبيئة. غير أن الدراسة الحديثة طعنت في هذه التقديرات، مشيرةً إلى أن التأثير الجيني قد يكون أكبر مما كان يُعتقد سابقاً.

وأوضح الباحثون في الدراسة أن الدراسات السابقة لم تأخذ في الحسبان التغيرات التي طرأت على أسباب الوفاة عبر الزمن، إذ كانت الوفيات قبل نحو قرن ترتبط، إلى حد كبير، بما يُعرف بـ«الأسباب الخارجية» مثل الحوادث والعدوى. أما في الوقت الحاضر، وخصوصاً في الدول المتقدمة، فقد أصبحت غالبية الوفيات ناتجة عن أسباب داخلية تتعلق بالشيخوخة وتدهور وظائف الجسم، إضافة إلى الأمراض المرتبطة بها مثل أمراض القلب والخرف، وهو ما يعزز أهمية العامل الوراثي في تحديد طول العمر.

وقام فريق البحث بتحليل مجموعات كبيرة من التوائم الإسكندنافية، مستبعدين بدقة الوفيات الناجمة عن أسباب خارجية. كما درسوا توائم نشأوا منفصلين، وأشقاء معمّرين في الولايات المتحدة، وعندما استبعدوا الوفيات الناجمة عن الحوادث والعدوى، قفزت المساهمة الجينية المقدَّرة بشكل كبير، من النسبة المعتادة التي تتراوح بين 20 و25 في المائة إلى نحو 50 و55 في المائة، وفق ما ذكر موقع «ساينس آليرت».

ويصبح هذا النمط منطقياً عند النظر إلى الأمراض الفردية، فالوراثة تفسر جزءاً كبيراً من التباين في خطر الإصابة بالخرف، ولها تأثير متوسط ​​على أمراض القلب، وتلعب دوراً متواضعاً نسبياً في السرطان. ومع تحسن الظروف البيئية، وشيخوخة السكان، وانتشار الأمراض الناجمة عن عملية الشيخوخة نفسها، يزداد حجم المكون الجيني بشكل طبيعي.

تغيرات في البيئة وليس الحمض النووي

أوضحت الدراسة التفسير العلمي لارتفاع التقديرات الحديثة لدور الجينات في تحديد متوسط العمر، مؤكدة أن ذلك لا يعني أن الجينات أصبحت أقوى، أو أن الإنسان يستطيع التحكم في نصف فرصه في بلوغ الشيخوخة، بل إن التغير الحقيقي طرأ على البيئة وليس على الحمض النووي.

وضربت الدراسة مثالاً بطول الإنسان، الذي كان قبل قرن يعتمد، بدرجة كبيرة، على توفر الغذاء، وما إذا كانت أمراض الطفولة تعرقل نموه، في حين يحصل معظم الناس، اليوم، في الدول الغنية على تغذية كافية، ما قلّص الفروق البيئية وجعل التباين المتبقي يُعزى بدرجة أكبر إلى الاختلافات الجينية، دون أن يقلل ذلك من أهمية التغذية.

وأشارت الدراسة إلى أن المبدأ نفسه ينطبق على متوسط العمر المتوقع، إذ إن تحسن التطعيم، وتراجع التلوث، وتحسن الأنظمة الغذائية وأنماط الحياة الصحية قلل تأثير العوامل البيئية، ما أدى رياضياً إلى زيادة نسبة التباين المنسوبة إلى الجينات، مؤكدة أن التقديرات السابقة لم تكن خاطئة، بل عكست ظروفاً تاريخية مختلفة.

ويكشف هذا عن أمرٍ جوهري: فالوراثة ليست خاصية بيولوجية ثابتة، بل هي مقياس يعتمد كلياً على السكان والظروف المحيطة. كانت النسبة التقليدية التي تتراوح بين 20 و25 في المائة تصف متوسط ​​العمر المتوقع كما كان عليه في المجتمعات التاريخية، حيث كانت المخاطر الخارجية حاضرة بقوة. أما التقدير الجديد، الذي يتراوح بين 50 و55 في المائة، فيصف سيناريو مختلفاً، حيث زالت تلك المخاطر، إلى حد كبير، وهو في جوهره يصف سمة مختلفة.

قد يُساء فهم النسبة الرئيسية لمتوسط ​​العمر المتوقع، والتي تُقدّر بنحو 50 في المائة من حيث الوراثة، على أنها تعني أن الجينات تُحدد نصف فرص حياة الشخص. في الواقع، يمكن أن تتراوح المساهمة الجينية لأي فرد من ضئيلة جداً إلى كبيرة جداً، وذلك تبعاً لظروفه.

وهناك طرقٌ لا حصر لها لحياة طويلة: فبعض الناس يتمتعون بتركيبة جينية قوية تحميهم حتى في الظروف الصعبة، بينما يعوّض آخرون عن جيناتهم الأقل ملاءمة من خلال التغذية السليمة والرياضة والرعاية الصحية الجيدة، إذ يُمثل كل شخص مزيجاً فريداً، ويمكن أن يؤدي عدد من التركيبات المختلفة إلى عمر أطول.

ويقرّ مؤلفو هذه الدراسة الحديثة بأن نحو نصف التباين في متوسط ​​العمر لا يزال يعتمد على البيئة، ونمط الحياة، والرعاية الصحية، والعمليات البيولوجية العشوائية، مثل انقسام الخلايا بشكل غير طبيعي في السرطان. ويؤكدون أن عملهم يجب أن يُجدد الجهود المبذولة لتحديد الآليات الجينية المسؤولة عن الشيخوخة وطول العمر.


الفاصوليا السوداء أحد أفضل مصادر الطاقة لجسم الإنسان

تقدم الفاصوليا السوداء في وصفات السلطة مع أصناف أخرى من الخضراوات (بيكساباي)
تقدم الفاصوليا السوداء في وصفات السلطة مع أصناف أخرى من الخضراوات (بيكساباي)
TT

الفاصوليا السوداء أحد أفضل مصادر الطاقة لجسم الإنسان

تقدم الفاصوليا السوداء في وصفات السلطة مع أصناف أخرى من الخضراوات (بيكساباي)
تقدم الفاصوليا السوداء في وصفات السلطة مع أصناف أخرى من الخضراوات (بيكساباي)

مثل البقوليات الأخرى، كالفول السوداني والبازلاء والعدس، تُعدّ الفاصوليا السوداء ذات قيمة غذائية عالية لغناها بالبروتين والألياف. كما تحتوي الفاصوليا السوداء كثيراً من العناصر الغذائية الأساسية الأخرى التي تُفيد صحة الإنسان.

والفاصوليا السوداء من البقوليات، وهي بذور نباتية صالحة للأكل. ونظراً إلى شكلها الصلب الذي يشبه الصدفة، فإنها تُعرف أيضاً باسم «فاصوليا السلحفاة».

ما الفوائد الغذائية للفاصوليا السوداء؟

الحفاظ على صحة العظام

يساهم الحديد والفسفور والكالسيوم والمغنسيوم والمنغنيز والنحاس والزنك الموجودة في الفاصوليا السوداء في بناء العظام والحفاظ على بنيتها وقوتها.

يُعدّ الكالسيوم والفسفور عنصرين أساسيين في بنية العظام، بينما يلعب الحديد والزنك دوراً حيوياً في الحفاظ على قوة ومرونة العظام والمفاصل.

يُخزّن نحو 99 في المائة من مخزون الكالسيوم في الجسم، و60 في المائة من مخزون المغنسيوم، و85 في المائة من مخزون الفسفور، في العظام. وهذا يعني أنه من الضروري جداً الحصول على كميات كافية من هذه العناصر الغذائية من النظام الغذائي، وفقاً لما ذكره موقع «ميديكال نيوز توداي» المعني بالصحة.

خفض ضغط الدم

يُعدّ الحفاظ على انخفاض استهلاك الصوديوم أمراً ضرورياً للحفاظ على ضغط الدم ضمن المعدل الطبيعي. تتميز الفاصوليا السوداء بانخفاض محتواها من الصوديوم، كما أنها تحتوي البوتاسيوم والكالسيوم والمغنسيوم، وكلها عناصر تُساعد على ضبط ضغط الدم.

احرص على شراء الفاصوليا السوداء المعلبة قليلة الصوديوم، مع الحرص على تصفيتها وشطفها جيداً لتقليل محتوى الصوديوم بشكل أكبر.

إدارة مرض السكري

أظهرت الدراسات أن مرضى السكري من النوع الأول الذين يتبعون نظاماً غذائياً غنياً بالألياف لديهم مستويات أقل من سكر الدم. بالإضافة إلى ذلك، فقد يتحسن مستوى السكر والدهون والإنسولين في الدم لدى مرضى السكري من النوع الثاني. يحتوي كوب واحد، أو 172 غراماً، من الفاصوليا السوداء المطبوخة على 15 غراماً من الألياف.

توصي «إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA)» بتناول 28 غراماً من الألياف يومياً بناءً على نظام غذائي يحتوي ألفي سعر حراري. قد يختلف هذا المقدار باختلاف كمية السعرات الحرارية التي يتناولها الشخص.

الوقاية من أمراض القلب

يدعم محتوى الفاصوليا السوداء من الألياف والبوتاسيوم وحمض الفوليك وفيتامين «ب6» والمغذيات النباتية، بالإضافة إلى خلوها من الكولسترول، صحة القلب. تساعد هذه الألياف على خفض إجمالي كمية الكولسترول في الدم وتقليل خطر الإصابة بأمراض القلب.

يمنع فيتامين «ب6» وحمض الفوليك تراكم مركب يُعرف باسم الهوموسيستين. عندما تتراكم كميات زائدة من الهوموسيستين في الجسم، فإنها يمكن أن تُلحق الضرر بالأوعية الدموية وتؤدي إلى مشكلات في القلب.

يُساعد الكيرسيتين والصابونين الموجودان في الفاصوليا السوداء على حماية القلب. الكيرسيتين مضاد طبيعي للالتهابات، ويبدو أنه يُقلل من خطر الإصابة بتصلب الشرايين ويحمي من الضرر الناتج عن ارتفاع نسبة الكوليسترول الضار (LDL).

تشير الأبحاث أيضاً إلى أن الصابونين يُساعد على خفض مستويات الدهون والكولسترول في الدم؛ مما يقي من تلف القلب والأوعية الدموية.

الوقاية من السرطان

يرتبط تناول الألياف من الفواكه والخضراوات، مثل الفاصوليا السوداء، بانخفاض خطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم.

تحتوي الفاصوليا السوداء نسبة عالية من حمض الفوليك، الذي يلعب دوراً في تخليق الحمض النووي وإصلاحه، وقد يمنع تكوّن الخلايا السرطانية الناتجة عن طفرات في الحمض النووي.

يمنع الصابونين الموجود في الفاصوليا السوداء الخلايا السرطانية من التكاثر والانتشار في الجسم. مع ذلك، قد يُساعد السيلينيوم، الموجود أيضاً في الفاصوليا السوداء، الخلايا السرطانية على التكاثر. يبحث الباحثون عن طرق لحرمان الخلايا السرطانية من السيلينيوم للقضاء عليها.

هضم صحي

بفضل محتواها من الألياف، تساعد الفاصوليا السوداء على الوقاية من الإمساك وتعزيز صحة الجهاز الهضمي. كما أنها تُغذي البكتيريا النافعة في القولون.

فقدان الوزن

تُعدّ الألياف الغذائية الموجودة في الفاصوليا السوداء وغيرها من الأطعمة النباتية عاملاً مهماً في فقدان الوزن والتحكم فيه، فالأطعمة الغنية بالألياف تُعزز الشعور بالشبع بعد تناول الطعام وتُقلل الشهية؛ مما يُساعد على الشعور بالشبع لفترة أطول، وبالتالي خفض إجمالي السعرات الحرارية المُتناولة.

كيفية تجهيز الفاصوليا السوداء؟

تتوفر الفاصوليا السوداء على مدار العام في محال البقالة؛ إما مجففة ومغلفة وإما معلبة. قوامها الكثيف، الشبيه باللحم، يجعلها مصدراً شائعاً للبروتين في الأطباق النباتية.

يُنصح باختيار الفاصوليا السوداء المعلبة الخالية من الصوديوم المضاف، وتصفيتها وشطفها جيداً قبل الاستخدام.

عند تحضير الفاصوليا السوداء المجففة، من المهم فرزها جيداً، وإزالة أي حصى صغيرة أو شوائب أخرى قد تكون موجودة في العبوة. وتُغسل وتُنقع في الماء لما بين 8 و10 ساعات على الأقل قبل الطهي للحصول على أفضل نكهة وقوام. وتصبح جاهزة عندما يسهل فصلها بالضغط عليها.

ويُقلل نقع البقوليات المجففة من وقت طهوها، كما يُساعد على التخلص من بعض السكريات قليلة التعدد التي تُسبب اضطرابات في الجهاز الهضمي. ويُساعد نقع الفاصوليا لفترات أطول على تقليل «الفيتات»، التي قد تعوق امتصاص المعادن.


6 فوائد صحية لتناول الشوفان يومياً

يُعد الشوفان من أكثر الأطعمة الصحية شيوعاً (بيكساباي)
يُعد الشوفان من أكثر الأطعمة الصحية شيوعاً (بيكساباي)
TT

6 فوائد صحية لتناول الشوفان يومياً

يُعد الشوفان من أكثر الأطعمة الصحية شيوعاً (بيكساباي)
يُعد الشوفان من أكثر الأطعمة الصحية شيوعاً (بيكساباي)

يُعد الشوفان من أكثر الأطعمة الصحية شيوعاً، لما يحويه من عناصر غذائية مهمة تدعم صحة الجسم.

ويؤكد خبراء التغذية أن تناول الشوفان يومياً يمكن أن يحقق فوائد صحية متعددة، من تحسين الهضم إلى دعم صحة القلب وتنظيم مستويات السكر في الدم.

ووفقاً للدكتورة إميلي بربا، عالمة التغذية المحاضِرة في كلية كينغز لندن، فإن الشوفان مصدر مهم للكربوهيدرات المعقدة والألياف، ويدعم صحة القلب والجهاز الهضمي.

وقالت بربا لصحيفة «التلغراف» البريطانية إن هناك 6 فوائد صحية رئيسية لتناول الشوفان يومياً، وهي:

خفض الكوليسترول الضار

يساعد الشوفان على خفض مستويات الكوليسترول الضار (LDL) بفضل احتوائه على ألياف «بيتا غلوكان»، التي ترتبط بالكوليسترول في الجهاز الهضمي وتساعد على التخلص منه، مما يقلل خطر الإصابة بأمراض القلب.

تنظيم مستويات السكر في الدم

يساهم تناول الشوفان، خصوصاً الأنواع الأقل معالَجةً، في إبطاء امتصاص السكر في الدم؛ ما يساعد على استقرار مستويات الطاقة وتقليل خطر الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني.

تعزيز صحة الجهاز الهضمي

تعمل ألياف الشوفان غذاء للبكتيريا النافعة في الأمعاء، مما يحسن توازن الميكروبيوم المعوي ويعزز صحة الجهاز الهضمي ويقلل الالتهابات في الجسم.

المساعدة في خفض ضغط الدم

تشير دراسات إلى أن تناول الشوفان بانتظام قد يسهم في خفض ضغط الدم، بفضل احتوائه على الألياف والمعادن، مثل البوتاسيوم والمغنيسيوم، التي تدعم صحة الأوعية الدموية.

تقليل خطر الإصابة بسرطان القولون

يساعد الشوفان الغني بالألياف على تحسين حركة الأمعاء ودعم صحة القولون، ما يقلل من خطر الإصابة بسرطان القولون، لا سيما عند تناوله ضمن نظام غذائي غني بالألياف.

دعم فقدان الوزن والشعور بالشبع

يُعد الشوفان خياراً مناسباً لمن يسعون لإنقاص الوزن، إذ يمنح شعوراً طويل الأمد بالامتلاء مع سعرات حرارية معتدلة، خاصة عند تناوله مع مصادر صحية للبروتين والدهون.