كيف تناول الإعلام الإيراني الاحتجاجات؟

«الشرق الأوسط» تستطلع آراء صحافيين إيرانيين حول تغطية المظاهرات ضد تدهور الوضع المعيشي

طلاب في مواجهة الغاز المسيل للدموع أمام بوابة جامعة طهران وسط شارع انقلاب في 30 ديسمبر الماضي (أ.ب)
طلاب في مواجهة الغاز المسيل للدموع أمام بوابة جامعة طهران وسط شارع انقلاب في 30 ديسمبر الماضي (أ.ب)
TT

كيف تناول الإعلام الإيراني الاحتجاجات؟

طلاب في مواجهة الغاز المسيل للدموع أمام بوابة جامعة طهران وسط شارع انقلاب في 30 ديسمبر الماضي (أ.ب)
طلاب في مواجهة الغاز المسيل للدموع أمام بوابة جامعة طهران وسط شارع انقلاب في 30 ديسمبر الماضي (أ.ب)

أصبحت وسائل الإعلام الإيرانية مرة أخرى أمام اختبار صعب لتقييم مصداقيتها في الشارع الإيراني من جهة، ولاختيار جاهزيتها لتغطية أزمة داخلية ضربت البلاد من جهة أخرى.
و قبل شهر تحركت شرائح المجتمع الإيراني ضد غلاء المعيشة، كانت البلاد شهدت أكثر من ألف زلزال على أثر تحرك الطبقات تحت الأرض، قبل أن ينتقل التحرك إلى طبقات المجتمع الإيراني فوق الأرض.
وأثناء الحملات الانتخابية ، حذر المرشد الإيراني علي خامنئي من تلاسن المسؤولين عبر وسائل الإعلام وتحرك طبقات المجتمع والتسبب في زلزال كبير.
ولم تكن الحرب محصورة بين السلطات وشبكات التواصل الاجتماعي. وسائل الإعلام بدورها كانت مسرحاً لمواجهة بين الإعلام الرسمي والإعلام غير الرسمي. داخلياً لم تنشر الصحف الإيرانية سوى قليل من الأخبار وردت على لسان المسؤولين الإيرانيين، فيما شهدت تغطية القنوات الناطقة بالفارسية خارج إيران تبايناً كبيراً في التغطية. في هذا السياق ارتأت «الشرق الأوسط» أن ترصد آراء الصحافيين الإيرانيين حول أداء الإعلام الإيراني بمختلف اتجاهاته في تغطية الاحتجاجات الإيرانية.

إيران تسعى لفرض الرقابة على وسائل الإعلام الأجنبية

> يقول مسؤول ملف إيران وأفغانستان في منظمة «مراسلون بلا حدود»، رضا معيني المقيم بباريس في شهادته لـ«الشرق الأوسط» عبر الهاتف، حول تغطية احتجاجات إيران، إنها تأثرت بـ«سياسة إيران في تدويل الرقابة»، لافتاً إلى أن السلطات تحاول عبر الترهيب أو الإغراء التأثير في نشر أخبار الداخل الإيراني في وسائل الإعلام الأجنبية.
وباعتقاد معيني في محاولة فهم طبيعة نقل الأحداث الداخلية الإيرانية، «نحن نواجه واقعين؛ أولاً لا توجد لدينا القنوات الداخلية الحرة والمستقلة لنقل الأخبار والمعلومات. وسط هذا تشكل القنوات الدولية التي يملك بعضها خدمة فارسية مصدراً أكثر استقلالية من الشبكات الداخلية. هذا المصدر الوحيد الأكثر استقلالية من القنوات الداخلية».
ويستند معيني إلى بيانات سابقة صدرت من منظمة «مراسلون بلا حدود» في هذا الصدد، قائلاً: «هناك محاولات للسيطرة على هذه القنوات. هذه التهديدات عملياً يمكن أن تكون مؤثرة. النظام يهدد الصحافيين الذين يعملون في هذه القنوات. ويغري بعضاً منهم أي يقدم لهم بعض الإمكانيات، وحتى الصحافيين الأجانب الذين يتوجهون إلى إيران لم يسلموا، بواسطة الضغوط التي يتعرضون لها والملفات التي تجمعها ضدهم إيران، تحديداً تمارس إيران عليهم الضغوط والرقابة وتجبرهم على نشر أخبار معينة مثل وسائل الإعلام الداخلية».
وأوضح معيني في شهادته حول محاولات التحكم بوسائل الإعلام الأجنبية: «إذا أردت أن أضرب مثالاً على ذلك، فإنه يمكننا مقارنة الأخبار التي تنشرها وكالة (رويترز) بالأخبار التي تنشرها وكالة الصحافة الفرنسية».
وبشأن هذه المقارنة يلفت إلى أن «وكالة الصحافة الفرنسية» لديها مكتب في طهران، وتتعرض إلى ضغوط ولا يمكنها العمل كما ينبغي، بينما «رويترز» لا تملك مكتباً والأخبار الأكثر حرية واستقلالية هي لوكالة «رويترز». الحالة ذاتها تنطبق على القنوات والصحف الأخرى.
وعن صعوبة مهمة المراسلين في العاصمة الإيرانية، صرح معيني بأن «أي صحافي يذهب إلى إيران، إذا كان من أصحاب الجنسية المزدوجة يتعرض لضغوط مضاعفة، وإذا لم يكن من أصحاب الجنسية المزدوجة يواجه ملفات أعدت للقناة أو الصحيفة التي يعمل لصالحها. هذه الملفات هي مجموعة الأعمال التي قام بها الصحافي أو وسيلة الإعلام التي ينتمي لها، وبهذا التهديد لا توجد إمكانية لتمديد التأشيرة وإصدار رخصة عمل في إيران، مثلما قلنا في أحد البيانات: النظام الإيراني يحاول أن يجعل الرقابة دولية. في هذه القضية خصوصاً، أوضحنا أن الصحافيين والمراسلين في أي وضع يجب أن يكونوا حاضرين، وألا ينسوا الأخلاق والواجب المهني الاحترافي، وإذا تحول الصحافي إلى متعاون مع النظام فإنه لم يعد صحافياً».
وعلى صعيد الإجراءات التي اتخذتها السلطات الإيرانية بفرض قيود على الإنترنت خلال الأيام القليلة الماضية، تطرق معيني إلى القيود التي تفرضها السلطات الإيرانية على حرية المعلومات ونقل الأخبار واستخدام الإنترنت بشكل عام في إيران. ويرى أن النظام يعاني من الازدواجية والمفارقة في مواقفه من الإعلام. من جانب يجني الأموال من الإنترنت و«من جانب آخر يفرض قيوداً على حرية المواطنين ويمارس الرقابة».
وبحسب معيني، فإن مخاوف النظام من الإنترنت بدأت منذ توسع استخدام الخدمة في عام 2000. فمن جهة شكلت ثورة الكومبيوتر والإنترنت مصدراً اقتصادياً ضخماً للنظام، ومن جانب آخر يحاول النظام التحكم بالإنترنت.
يقول معيني في هذا الخصوص: «هذا التناقض عملياً نراه عندما تقلل سرعة الإنترنت حتى يواجه عرقلة نقل المعلومات». ويشير إلى رغبة المجتمع الإيراني في الوصول إلى المعلومات عبر استخدام الإنترنت، لكنه في الوقت ذاته يتساءل: «ما الداعي لشراء أحدث الأجهزة إذا كان من المقرر أن يشاهد المواطن الإيراني منتجات هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيراني في الإنترنت؟».
وينوه معيني بإقامة إيران شبكة معلومات وطنية بهدف عزل الإنترنت في إيران عن المناطق الأخرى، وهو ما أطلق عليه في إيران «الإنترنت الحلال». ويعتقد أن مشروع الحكومة في رفع تكلفة الإنترنت للاتصال بالخارج مقابل أسعار أرخص للإنترنت الداخلي «تمييز إلكتروني» تمارسه السلطات عبر الإنترنت الحلال.
إضافة إلى ذلك يتحدث معيني عن سياسة السلطات الإيرانية عبر إطلاق مشروع «الحجب الذكي»، وذلك بهدف استمرار الأرباح الاقتصادية مع توسع نطاق الرقابة على الإنترنت.

اللوبي الإيراني والخطاب الإصلاحي وراء تحفظ قنوات خارجية

> «وسائل الإعلام باللغة الفارسية داخل إيران، بطبيعة الحال، لا يمكن معالجتها جميع الجوانب بسبب القيود. وهناك إمكانية لإغلاق وسائل الإعلام إذا عكست بعض الحقائق ذلك، يبدأ رسام الكاريكاتير ومدير موقع «خودنويس» المغلق حالياً، نك آهنك كوثر، كلامه عن تقييم أداء وسائل الإعلام الإيرانية.
وبحسب نك آهنك كوثر، فإن شبكات التواصل الاجتماعي خلال الاحتجاجات الأخيرة كانت «نشطة جداً، ولكن كانت هناك فرصة ضئيلة للتحقق من أخطائها وقضاياها. لأن كثيراً منها تلقى تقارير من مواقع مختلفة، فمن غير الممكن التحقق من دقة هذه المواد الإعلامية».
وينظر آهنك كوثر بتحفظ على تغطية وسائل التواصل، لأن «بعض الحالات، بدلاً من نقل الأخبار، يصنعون الأخبار. على سبيل المثال، نقول إن مسيرة ستعقد غداً في المنطقة في حين لم يكن هناك أي أخبار عن الحدث، ويمكن أن يؤدي ذلك إلى اجتماع مجموعات، وأن يأتي الطرف المقابل لقمع التجمعات».
ويلفت آهنك إلى أن «الخطر الحقيقي المتمثل في عدم وجود وسائل إعلام حقيقية في غياب حرية الصحافة يجعلنا لا نرى المسؤولية الإعلامية، مثل كثير من الشبكات الاجتماعية».
وعن تقييم وسائل الإعلام الناطقة باللغة الفارسية خارج حدود إيران، يرى أن قنوات مثل «بي بي سي» الفارسية أو «راديو فردا» تتأثر بلجنة التحرير الإصلاحية، مضيفاً أنها «لا تنقل جزءاً من الأخبار ولا تعمل بالدقة المطلوبة تجاه المجموعات التي تشاركها الأفكار». على سبيل المثال هذا ينطبق تماماً على مواقف الإصلاحيين. وفي «صوت أميركا» يبدو ذلك إلى حد ما، ولكن يبدو أن قناة «من وتو» أعدت تقارير أفضل من الآخرين حول الأحداث.
ومقارنة بالتغطية الإعلامية بين احتجاجات الحركة الخضراء في 2009 واحتجاجات هذا العام، يوضح نك آهنك أن «عنصر التواصل الاجتماعي أقوى مما كان عليه في عام 2009، على سبيل المثال، كان (فيسبوك) هو الأول في ذلك الوقت، هذا العام كان (تويتر) قوياً جداً، ونشط كثير من الإيرانيين لم يكونوا نشطين من قبل، هذا العام على (تويتر)، وأظهر تطبيق (تليغرام) مدى قوته، حتى دفع النظام إلى حجبه».
ويشير آهنك إلى أن كثيراً من البيانات في 2009 «كانت تنقل بواسطة البلوتوث وفي شبكات أصغر. هذا العام يختلف تماماً، كان أوسع بكثير».
ويوضح آهنك أن دور المواطن الصحافي برز أكثر في الأحداث «على الرغم من أن دور الحملة الحكومية على الإنترنت كان أقوى أيضاً هذا العام».
ويقول آهنك إن «النقطة الأخرى في عام 2009، كان جزء من الحشد الذي ذهب في الشوارع والمظاهرات قريباً جداً من الطبقة الوسطى. في ذلك الوقت كان هناك عدد قليل جداً من الهواتف الذكية المتاحة لهذه الطبقة الوسطى، ولكن هذا العام، علينا الانتباه إلى أن هناك ما يقارب 40 مليوناً من الهواتف الذكية بيد شرائح مختلفة لديها إمكانية الوصول إلى هذه الهواتف. ونتيجة لذلك، كان تداول المعلومات أوسع بكثير».
وبالعودة إلى أداء القنوات التلفزيونية مقارنة بأحداث عام 2009، يقول إنه «لم تكن القنوات الفارسية في ذلك الوقت، على ما هي عليه الآن. كانت هيئة الإذاعة البريطانية الفارسية نشطة جداً، وصوت أميركا، ولكن هذا العام، شاهدنا دور قناة من وتو». ويرى أن قناة «من وتو» عبر تغطيتها للأحداث بـ«شفافية أكثر استطاعت أن تجتذب مزيداً من الجماهير».
ومع ذلك ينتقد بعض القنوات لتحفظها في نقل الأحداث، قائلاً إن «التغطية قد تأخرت هذا العام، كانت ردة فعل قناة بي بي سي الفارسية في 2009 سريعة، لكن هذا العام شاهدناها تأخرت عدة ساعات. وفي المقابل كان هناك كثير من السرعة بين الشبكات الاجتماعية، التي كانت قادرة على الحصول على مقاطع فيديو ذات جودة».
وعن أسباب غضب الجمهور من تغطية القنوات، يقول نك آهنك إن الأمر «يعود إلى أن بعض جماهيرنا يريدون موقفاً سياسياً في التغطية الإخبارية. وهذا، بالطبع، على حساب التغطية الإعلامية الحقيقية. وبطبيعة الحال، إذا انحاز معلق مباراة الكلاسيكو في إيران بين فريقي استقلال وبرسبولين، فإنه يلاقي استحسان مشجعي أحد الفريقين».
ويتابع في هذا الصدد: «قد يكون لدى كثير من الناس في الساحة السياسية هذه النزعة. على وسائل الإعلام أن تهتم بتوفير التغطية الإعلامية، فضلاً عن القضايا التي قد تكون غير مدركة للمجتمع، وقد تؤدي إلى معرفة أكثر عمومية. لكن مع ذلك، نحن لا نرى هذا في كثير من وسائل الإعلام في الخارج. لأنهم يسعون أحياناً إلى حل الأزمة وهم يخضعون للرقابة في مواجهة ما يحدث لحكومة روحاني».
وحول أداء الصحافيين في نقل المعلومات إلى خارج حدود إيران، يرى الخبير الإيراني أن «كثيراً من الصحافيين المحليين لديهم الفرصة لإرسال المعلومات إلى أصدقائهم في الخارج عبر مجموعة متنوعة من الطرق، بما في ذلك أساليب التشفير. ولكن كثيراً من الصحافيين المحليين بسبب موقفهم الإصلاحي، على سبيل المثال لا ينشرون الأشياء التي تضر حكومة روحاني، أو على سبيل المثال، تقارير عن الإصلاحيين التي يمكن أن تجعل موقفهم في المجتمع الأضعف. حتى في الشبكات التواصل الاجتماعي تعليقاتهم متحفظة جداً، ووفقاً لبعض أصدقائهم، يقولون إنهم أكثر إصراراً في الاستمرار مع الإصلاح».
ويعيد آهنك السبب إلى أن «المشكلة الكبيرة التي تبدو مع هيكل مؤسساتنا الإعلامية هي أن كثيراً من الصحافيين في إيران بدلاً من التمسك قواعد الصحافة، يتمسكون بالأهداف الحزبية والسياسية»، موضحاً أنهم «يعملون في إطار المصالح الحزبية والاجتماعية، ويتناسب نوع المعلومات التي يوفرونها مع هذه النظرة الحزبية، وحتى لو ألحق ذلك أضراراً بحزبهم إما أن يحجبوه، أو بطرق مختلفة يقللوا من حجم الخسائر».
وعلى سبيل المثال، لم تنشر وسائل الإعلام موقف جمعية رجال الدين المناضلين التي ينتمي لها خاتمي حول الاحتجاجات إلا بعد ساعات، ولم تتقبل تلك القنوات أن خاتمي كان أحد الموقعين على البيان، وعلى سبيل المثال أيضاً، دور روحاني في مجلس الأمن القومي كجهة مسؤولة أمرت بقمع الشعب، حاولوا أن يقولوا إن روحاني كان يفعل أي شيء لإبعاد الخطر عن الشعب، لكنه رفض الاعتراف بأن ما يحدث في الشوارع أساس قرارات مجلس الأمن القومي.
هذه القضية تقلل من الثقة العامة تجاه جزء من وسائل الإعلام الداخلية، كما هي الآن متراجعة. هذا في حين أن الصحف التي يكثر عنها الكلام في الساحة السياسية الإيرانية تتراجع عدد طبعاتها، وتراجعت إلى نحو 23 عاماً قبل أن يرتبط الصحافيين الإيرانيين العاملين في صحف مختلفة، باللوبي الإيراني، ونتيجة لذلك يحاولون جعل الأخبار في الفضاء الإعلامي والشبكات الاجتماعية مثل «تويتر»، كما لو كنا في إيران، لدينا مجموعة كبيرة جداً من المجموعات التقدمية والديمقراطية تمثلها حكومة روحاني وهناك طرف آخر يقابله باسم حكومة روحاني، هناك مجموعة سيئة للغاية تسمى الجانب الآخر. ومع ذلك، فإن الحادث الذي وقع كان موقف الإصلاحيين والاشتراكيين في وسائل الإعلام الاجتماعية في وسائل الإعلام المختلفة، فإنها لم تكن قادرة على ترجمة بدقة لجمهور يتحدث الإنجليزية.
ما حدث أن مواقف الإصلاحيين والمعتدلين في شبكات التواصل الاجتماعي تناقلتها وسائل الإعلام المختلفة، لكن الصحافيين رفضوا نقلها إلى اللغة الإنجليزية، حتى لا تقدم صورة سيئة، على سبيل المثال، لمحمد رضا خاتمي لدى المتلقي الإنجليزي. وكذلك الحال بالنسبة لمواقف الإصلاحيين وعملياً يتحكمون بالأخبار.
من جانب آخر يتابعون النهج الإعلامي ذاته للوبي الإيراني في أميركا حول الاحتجاجات في إيران. وتتأثر تغطيتهم الإعلامية بمواقف اللوبي الإيراني في أميركا. هذا الأمر يتسبب في أن تأخذ مراكز صنع القرار في الدول الغربية قراراتها بناء على المعلومات المنشورة.
ويرى أن «تويتر» سبب التوازن ضد هذا الخطاب الإعلامي، لأنه يسمح بمداخلة الصحافيين المتسلقين وتصحيح المعلومات الخاطئة. وهو ما يظهر أن هناك بعض الأخطاء في التغطية.
ويرى أن تحرك اللوبيات لا يترك أثره على الصحافيين الإيرانيين فحسب، إنما يترك أثره على الصحافيين الأجانب. وفي هذا الخصوص يلفت الانتباه إلى تعميم مفهوم آيديولوجي في نقل المعلومات عن إيران. ويعتبر تغطية مراسل «نيويورك تايمز» في طهران «نموذجاً لنقل الأخبار التي ترسم الابتسامة على وجه وزير الخارجية الإيراني أو اللوبي الإيراني في أميركا». ويضيف أن هذا النوع من نقل الأخبار «ينقل جزءاً من الواقع وليس كل الواقع، ونقل جزء من الواقع أسوأ بمرات من الكذب».

شبكات التواصل و{الصحافي المواطن} تكسر صمت الإعلام الرسمي

> في شهادته حول تغطية الأحداث، يقارن الصحافي إحسان محرابي المقيم في برلين لـ«الشرق الأوسط» عبر الهاتف، بين غياب الاهتمام الإعلامي الداخلي في احتجاجات هذا العام والاحتجاجات الكبيرة التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية.
ويقول محرابي إن «التجمعات الأخيرة في إيران مختلفة عن التجمعات الاحتجاجية السابقة من حيث التغطية الإعلامية». ويرى أن الخلاف الجوهري في أنها «لم تنعكس الاضطرابات الاقتصادية التي حدثت في إيران خلال التسعينات وخلال رئاسة أكبر هاشمي رفسنجاني في مدن مشهد وقزوين وإسلامشهر في المجتمع الإيراني، ولهذا السبب كانت وسائل الإعلام أقل اهتماماً بأصل القضية، وباستثناء وسائل الإعلام الرسمية كان هناك قليل من وسائل الإعلام التي تحدث عن الاحتجاجات».
ويتابع محرابي المختص بالشؤون البرلمانية الإيرانية: «لكن المظاهرات الاحتجاجية في 1999 وبعدها الهجوم على سكن طلاب جامعة طهران كان وضعها مختلفاً، والصحف الخاصة التي بدأت إصدارها في فترة حكومة محمد خاتمي، غطت الاحتجاجات على نطاق واسع. حتى بعد أيام من الاحتجاجات كانت العنوان الرئيسي في الصحف».
وعن التغطية الإعلامية في احتجاجات عام 2009، يوضح: «لم تلعب الصحف دوراً بسبب الضغوط الضخمة والتوقيف الواسع الذي وقع في السنوات السابقة للاحتجاجات، ولكن قبل الانتخابات، قام مؤيدو مير حسين موسوي ومهدي كروبي، زعماء الحركة الإصلاحية المحتجين على نتائج الانتخابات، بإطلاق مواقع على شبكة الإنترنت. وغطت هذه المواقع بعد الانتخابات أيضاً تقارير عن الاحتجاجات والقتلى والمحتجزين. هذا العام، أجرت بي بي سي الفارسية وراديو فردا أيضاً، مقابلات مع كثير من مؤيدي موسوي وكروبي، وكذلك الصحافيين، وغطت أخبار الاحتجاجات والأحداث اللاحقة».
كما يشير إلى وجود عدد كبير من الصحافيين الأجانب في طهران لتغطية الانتخابات، وهو ما ساعد أيضاً في نقل الأيام التالية من الانتخابات وانطلاق احتجاجات الحركة الخضراء الإصلاحية.
ولكن عن هذا العام يقول إن «أحداثه كانت مختلفة عن جميع الأحداث السابقة. في هذه الاحتجاجات، لم تكن لدى المتظاهرين قيادة واحدة لديهم، ولا حتى مواقع ووسائل إعلام واضحة. ومن ناحية أخرى، كانت التغطية الإعلامية المحلية للاحتجاجات متاحة فقط للمسؤولين».
ولكن في هذه الاحتجاجات، لعبت وسائل الإعلام الاجتماعية والصحافيين المواطنين دوراً خاصاً، ونشرت تجمعات الأخبار على الشبكات الاجتماعية أو أرسلت إلى بي بي سي وراديو فردا، وغيرهما من وسائل الإعلام في خارج البلاد، بحسب محرابي.
في هذا الصدد، يلفت إلى مساهمة «بعض الصحافيين المحليين أيضاً في تغطية هذا التطور، ولكن بشكل عام، فإن الصحافيين المحليين في المحافظات الإيرانية لديهم اتصالات أقل من صحافيين في عاصمة إيران طهران وأقل إمكانيات».
يختم محرابي قائلاً: «بطبيعة الحال، فإن التحقق من صحة التقارير التي يرسلها الصحافيون المواطنون إلى وسائل الإعلام في الخارج صعب، حيث يواجهون صعوبة في طلب خبرة متخصصة، ويتعين على صحافيين من وسائل الإعلام الأجنبية القيام بكثير من الأبحاث حول هذه الأفلام والصور».

بعض القنوات تحفظت على الاحتجاجات
> ترى بنفشه بور زند أن النظام، خصوصاً القضاء الإيراني، أسكت وسائل الإعلام المستقلة بأي طريقة ممكنة خلال السنوات الماضية.
وفي تعليقها على غياب أخبار الاحتجاجات الأخيرة من وسائل الإعلام الرسمية، قالت إن «الأخبار الواقعية لا يمكن أن تنشر بالطريقة الصحيحة في أيامها العادية، فما بالنا بالأيام التي تشهد احتجاجات».
وقالت بور زند إن بعض وسائل الإعلام الناطقة باللغة الفارسية خارج إيران: «تحاول التحفظ على الإصلاحيين، وتحت تأثير ذلك فإن تلك الوسائل الإعلامية لا تنقل الأخبار والحقائق وتتغاضى عن الدخول إلى التفاصيل».
وفي المقابل، ترى أن وسائل الإعلام العلمانية التابعة للتيار الليبرالي نقلت الأخبار الصحيحة، لكنها في الوقت ذاته تفتح الباب أمام «تكريس الشائعات وكذلك التنظير السياسي»، ما يؤدي إلى «شغل المواطنين بالقضايا الهامشية». كما أنها «لا تولي اهتماماً للمحليين والمتخصصين الذين يقدمون حلولاً معقولة أو يتناولون الأخبار بحذافيرها بعيداً عن الثرثرة والتنظير»، بحسب بور زند.
وترى أن سياسة الفريقين الإصلاحي والعلماني في الإعلام وأسلوب تناول القضايا «لا يساعد في حل القضايا الإيرانية».
وتعرب بور زند عن اعتقادها أن «شبكات التواصل الاجتماعي نجحت في مهمتها داخل إيران»، فيما رأت أن «بعض المواقع الخبرية تحولت إلى أبواق لبعض الأحزاب»، ورغم أنها لا ترى عيباً في ارتباط الصحافي بالأحزاب، فإنها ترهن ذلك بـ«ألا يترك تأثيراً على أداء الصحافيين ونشر المعلومة».
وقالت بور زند إن المنابر الإعلامية «قدمت تفسيراً على خلاف حركة الاحتجاجات».
كما أعربت عن اعتقادها أن تغطية بعض القنوات التلفزيونية «تأثرت بالحزبية» من دون الإشارة إلى أسماء بعينها. وفي الوقت نفسه ترى أن القنوات الإخبارية خارج الأراضي الإيرانية «لم تكن سيئة، لكن كان بالإمكان أن تكون أفضل فيما يتعلق بنشر الخبر».
وترى أن شبكات التواصل الاجتماعي تفوقت على القنوات الإخبارية في نقل الأخبار دون تحفظ. وطالبت القنوات الإخبارية بأن تقدم تحليلاً بدلاً من التنظير، وتقدم الأولويات للأخبار.
في سياق منفصل، تنتقد بور زند غياب وسائل إعلامية مستقلة باللغة الإنجليزية، لافتة إلى أن تلك الوسائل تعاني من الانحياز للنظام أو الأحزاب المعارضة. كما تشير إلى «نفوذ اللوبي الإيراني في بعض وسائل الإعلام»، إضافة إلى «تمويل إيران وسائل إعلام مثل موقع ألمانيتور»، فضلاً عن عدد الصحافيين الأجانب المرتبطين بالنظام الإيراني، وهو ما يشكل ضغطاً على الصحافيين المستقلين.

الإعلام المحافظ حمّل الحكومة مسؤولية الحراك

قال صحافي ومختص في الشؤون الإعلامية الإيرانية يقيم في طهران ورفض الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، إن هناك نقطتين حول تغطية الأحداث في الصحف الإيرانية؛ أولاً: حاولت الصحف المحافظة أن تلقي باللوم في كل ما حدث على الحكومة، وأن تركز على أن السبب الرئيسي في إشعال الأزمة هو تلكؤ الحكومة في تحسين الحالة الاقتصادية، ومن هذه الجهة قامت بتأييد الاحتجاجات، وخصوصاً خلال الأيام الأولى. أما الصحف الإصلاحية فاتجهت في الأيام الأولى إلى رفض الاحتجاجات واتهام المحتجين بأنهم مسيرون من جانب المعسكر المحافظ، وهذا ترك أثراً سلبياً على مكانتهم بين الشارع، من حيث إنهم رفضوا حق التظاهر.
ثانياً: بعد عدة أيام من بدء الأزمة شهدنا توحداً في الاتجاهات بين الصحف من حيث رفض الاحتجاجات ومن حيث إحالتها إلى القوى الخارجية. ولكن مع مرور الزمن ارتفعت هذه اللهجة في الصحف المحافظة، بينما فضلت الصحف الإصلاحية التركيز على أسباب الاحتجاجات والتأكيد على حقوق المحتجين والمعتقلين.
وعن اختلاف تغطية احتجاجات هذا العام مقارنة بعام 2009، قال الصحافي الإيراني إن «الواقع أن وجه الاختلاف الأبرز كان هذا التوحد بين الصحافة الإصلاحية والمحافظة في ذم الاحتجاجات. فبينما شهدت أحداث عام 2009 انحيازاً للصحافة الإصلاحية إلى جانب المحتجين لم نشهد مثل هذا الانحياز في الصحافة الإصلاحية في الأحداث الأخيرة. إلا أنه وعلى الرغم من ذلك فإن المعالم الأساسية للتغطية الرسمية كانت واحدة في كلا الحادثين، مع الأخذ بعين الاعتبار ارتفاع مستوى رد فعل الصحافة الرسمية على الهجمات التي شنتها الصحافة غير الرسمية وشبكات التواصل، ما يدل على اتساع أثر هذه الشبكات».
ورأى المحلل الإيراني أن أغلب الشارع «تابع الأحداث من منطلق شبكات التواصل وتليغرام على وجه الخصوص، وهو ما همش دور الصحافة المتلفزة والمسموعة خلال هذه الاحتجاجات. لكن مع انقطاع الإنترنت ارتفع مستوى متابعة التلفزيون بين المواطنين».
ورداً على سؤال حول تأكيد تفوق شبكات التواصل على الإعلام الرسمي بعدما تفوقت في الانتخابات وأسباب ذلك، قال: «بعدما بينت تأثيرها في الانتخابات الرئاسية، وخصوصاً في انتخابات البرلمان ومجلس الخبراء، هذه المرة أثبتت الشبكات وخصوصاً تليغرام جدارتها في تحريك الشارع كما أثبتت فقدان الثقة بالتلفزة والصحافة الرسمية لدى الشارع. السبب الأول في ذلك تلكؤ الصحافة الرسمية في التعامل مع الحدث وصمته في الأيام الأولى. والسبب الثاني هو أن الخطاب الذي انتهجته الصحافة الرسمية لم يحصل على ثقة الشارع. وبالتالي فإن عامل المصداقية وعامل السرعة في نقل الأحداث هما سببان أديا إلى تفوق شبكات التواصل في سباقها مع الصحافة الرسمية».


مقالات ذات صلة

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

إعلام ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)
الولايات المتحدة​ مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

«واشنطن بوست» تعلن تسريح ثلث موظفيها في جميع الأقسام

في ضربة قاسية لإحدى أعرق المؤسسات الصحافية... أعلنت صحيفة «واشنطن بوست» عن تسريح ثلث موظفيها بقسم الأخبار والأقسام الأخرى

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق أكدت الجلسة الحوارية أن المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية إيصال الأخبار بشكل احترافي (المنتدى السعودي للإعلام)

خبراء: المنصات الحديثة تفرض على المؤسسات الصحافية مراجعة أدواتها

أكد خبراء إعلاميون أن التحولات الرقمية المتسارعة تفرض على المؤسسات الصحافية إعادة التفكير في أدواتها وأساليبها، مع الحفاظ على القيم المهنية وجودة المحتوى.

غازي الحارثي (الرياض) عمر البدوي (الرياض)

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
TT

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)

قالت كِندة إبراهيم، المديرة العامة الإقليمية لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، إن استراتيجية المنصة في المنطقة خلال عامي 2026 و2027 ترتكز على بناء «اقتصاد إبداعي مستدام» يحوّل المحتوى من نشاط رقمي إلى مسار مهني حقيقي، ويمنح المواهب المحلية أدوات النمو والوصول إلى الاقتصاد الرقمي العالمي.

وأوضحت إبراهيم، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» على هامش حفل جوائز «تيك توك» الذي نُظم أخيراً، أن المنصة «لا تنظر إلى نفسها بوصفها منصة ترفيه فحسب، بل منظومة متكاملة تتحول فيها الإبداعات إلى مهن، والاهتمامات إلى مجتمعات رقمية، والقصص المحلية إلى محتوى قادر على الانتشار عالمياً مع الحفاظ على هويته الثقافية».

وأضافت أن هذه الاستراتيجية «تقوم على الاستثمار في أدوات صناعة المحتوى، وتوسيع فرص تحقيق الدخل المستدام، وتعزيز أنظمة الأمان، وبناء شراكات تمكّن المواهب المحلية من النمو داخل المنطقة وخارجها بثقة». وأردفت أن تركيز المنصة سيظل منصبّاً على أسواق رئيسية مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية ومصر، إلى جانب أسواق واعدة أخرى تشهد زخماً متزايداً في ريادة الأعمال والإبداع الرقمي.

مؤشرات نضج المنظومة

في هذا السياق، رأت كندة إبراهيم أن نتائج حفل جوائز «تيك توك» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2025 «شكّلت مؤشراً واضحاً على نضج منظومة صناع المحتوى في المنطقة، بعدما شارك أكثر من 5.7 مليون مستخدم في التصويت، مما يعكس تحول الجمهور من مجرد متلقٍّ إلى شريك فاعل في صناعة المشهد الإبداعي».

وأوضحت أن تكريم 33 صانع محتوى ضمن 11 فئة شملت الترفيه والتعليم والتأثير الاجتماعي والرياضة والطعام والأزياء والابتكار، «يعكس اتّساع نطاق الإبداع وعمقه».

وتابعت قائلةً إن صناعة المحتوى في المنطقة «لم تعد مرتبطة بلحظة انتشار عابرة أو بنوع واحد من المحتوى، بل أصبحت منظومة حقيقية تبني مجتمعات رقمية وتسهم في تشكيل الثقافة».

واستطردت بأن «وصول 66 صانع محتوى إلى القوائم النهائية قبل بدء التصويت يؤكد وجود قاعدة واسعة ومتنوعة من المواهب في مختلف أنحاء المنطقة، وهو ما دفع (تيك توك) إلى تطوير برامج دعم جديدة لعام 2026، تشمل استثمارات أكبر في أدوات مثل (تيك توك استديو) و(تيك توك ون)، إلى جانب برامج متخصصة للمعلمين والفنانين وصناع المحتوى الرياضيين ورواة القصص».

كِندة إبراهيم، المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى "تيك توك" في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا.(الشرق الأوسط)

محركات النمو

من جهة ثانية، ذكرت كندة إبراهيم أن نمو «تيك توك» في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا تقوده ثلاثة عوامل رئيسة تتمثل في: الاكتشاف، والمجتمع، وفرص الدخل المستدام.

ولفتت إلى أن «نظام التوصية القائم على الاهتمامات، وليس على عدد المتابعين، يتيح للأصوات الجديدة الظهور بسرعة، ويسمح للاهتمامات المتخصصة من التعليم والرياضة إلى الطعام والجمال، بأن تتحول إلى حركات ثقافية واسعة تقودها المجتمعات نفسها... وأدوات مثل (تيك توك ون)، والتعاون بين صناع المحتوى، أمور تسهم في تحويل التفاعل إلى علاقات أعمق وفرص دخل حقيقية، مما يدعم بناء منظومة إبداعية أكثر استدامة في المنطقة». ومن ثم، فإن المنصة -وفق كندة ابراهيم- «تقيس هذا النمو عبر مجموعة من المؤشرات، تشمل عدد المستخدمين النشطين، ووقت المشاهدة، والتفاعل المتكرر، ونشاط صناع المحتوى، وتبني أدوات تحقيق الدخل، إضافة إلى عدد الصنّاع الذين ينشرون محتوى بشكل منتظم، وسرعة وصول المواهب الجديدة إلى مجتمعاتها».

التعليم والترفيه

ورداً على سؤال عن طبيعة المحتوى، أكدت أن الترفيه لا يزال عنصراً أساسياً في تجربة «تيك توك»، لكنه لم يعد النوع الوحيد الذي يبحث عنه الجمهور... ذلك أن المحتويين التعليمي والمعرفي، إلى جانب محتوى ريادة الأعمال والتأثير الاجتماعي، قطاعات تشهد نمواً متزايداً، خصوصاً عبر مبادرات مثل «تعلم في تيك توك».

وأوضحت أن التعليم على المنصة لا يأتي بصيغة تقليدية، بل في قالب بسيط وسريع وممتع، يمزج بين الفائدة والترفيه، وهو ما يجعل المحتوى أكثر قرباً من الناس وأكثر قابلية للمشاركة والاستمرار.

منصة متعددة الأجيال

وفيما يتعلق بالفئات العُمرية، شددت المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، على أن «تيك توك» باتت «منصة متعددة الأجيال بطبيعتها». إذ تعتمد تجربة المستخدم على الاهتمامات لا على العمر، وبالتالي، «فإن كل مستخدم يجد محتوىً يناسبه، سواءً للترفيه أو التعلّم أو التعبير عن الذات، مما يجعل التجربة أكثر شمولاً وإنسانية».

السلامة والذكاء الاصطناعي

أما عن التحديات، فقالت إن «تيك توك» تولي أولوية قصوى لبناء بيئة رقمية آمنة وشفافة، خصوصاً مع الانتشار المتزايد لأدوات الذكاء الاصطناعي. وشرحت كيف أن المنصة كانت أول جهة تطبّق تقنية «بيانات اعتماد المحتوى Content Credentials بالتعاون مع تحالف C2PA لتمييز المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي».

وأضافت أن أكثر من 37 مليون صانع محتوى استخدموا أداة وسم المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي منذ العام الماضي، كما جرى وسم أكثر من 1.3 مليار فيديو بعلامات مائية غير مرئية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية.

كذلك كشفت عن إطلاق صندوق بقيمة مليوني دولار لدعم محو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي، إضافةً إلى الانضمام إلى «Partnership on AI» لتعزيز التعاون على مستوى الصناعة. وشددت على أن هدف «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا هو مواكبة الابتكار، مع الحفاظ على بيئة آمنة ومسؤولة تحترم الخصوصية، وتعزز الثقة، وتدعم الإبداع الحقيقي الذي يعكس ثقافة وقيم مجتمعات المنطقة.

هذا، وتجدر الإشارة إلى أن المنصة كانت قد نظّمت اخيراً حفل جوائزها السنوي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا احتفاءً بأبرز صنّاع المحتوى في المنطقة الذين كان لهم تأثير متميز خلال عام 2025، وتم تكريم صنّاع المحتوى الذين ساهمت قصصهم وإبداعاتهم وتأثيرهم في رسم ملامح هذا العام على المنصة وخارجها.

تنامي المنصة

للعلم، تُعدّ «تيك توك» من المنصات الرقمية المتنامية العالم. وخلال السنوات الماضية عملت على طرح المحتوى بشكل مختلف من خلال الفيديوهات القصيرة. إذ تقوم فلسفة المنصة على نموذج اكتشاف قائم على الاهتمامات لا على عدد المتابعين، مما يمنح الأصوات الجديدة فرصة الظهور والانتشار السريع، ويتيح للمجتمعات الرقمية أن تتشكل حول متابعات مشتركة، سواءً في التعليم أو الرياضة أو الطعام أو ريادة الأعمال أو الفنون.

وفي منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، تتطلع «تيك توك» لأن تكون لاعباً رئيسياً في تشكيل الثقافة الرقمية، إذ تحوّلت إلى مساحة للتعبير عن الهوية المحلية، ومسرح للأفكار الجديدة، ومنصة لإطلاق المواهب الشابة.


«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

عاد الجدل حول مستقبل التفاعل على منصة «فيسبوك» إلى الواجهة، في ظل مؤشرات أداء حديثة تُظهر استمرار تراجع معدلات التفاعل، مقارنة بمنصات اجتماعية منافسة. وهذا الأمر يدفع الآن شركة «ميتا»، مالكة المنصة، إلى الرهان على الذكاء الاصطناعي بوصفه مساراً لاستعادة التفاعل عبر تحسين أنظمة التوصية وترتيب المحتوى، وتقديم تجربة أكثر تخصيصاً للمستخدمين.

لقد أشار تقرير أجرته «سوشيال إنسايدر» (وهي شركة متخصصة في تحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي وتقديم تقارير مؤشرات أداء)، خلال الشهر الحالي، إلى أن «متوسط معدلات التفاعل على (فيسبوك) بلغ 0.15 في المائة. وهي نسبة تعكس انخفاضاً تم تسجيله منذ مطلع عام 2025». وتبيّن المؤشرات التي استندت إلى تحليل بيانات نحو 70 مليون منشور عبر منصات «تيك توك» و«إنستغرام» و«فيسبوك» و«إكس» (تويتر سابقاً)، أنه لا يمكن فصل هذا التراجع عن التحولات الأوسع في سلوك المستخدمين، ولا عن المنافسة المحتدمة مع منصات تقدّم أنماطاً أكثر حيوية من المحتوى، وفي مقدمتها الفيديو القصير.

حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، أرجع انخفاض التفاعل على «فيسبوك» إلى عدة عوامل. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «(فيسبوك) بات يعاني من هجرة جيلَي زد وألفا، وتحوّل المنصة إلى فئة عُمرية أكبر (في سن 35 سنة)، والسبب في ذلك أساساً وجود منافسين أكثر حيوية ومنصّات تقدّم أنماطاً جديدة من المحتوى مثل (تيك توك) و(إنستغرام)، حتى إن (فيسبوك) باتت منصة الآباء والأجداد».

الشولي يشير إلى «تحول (فيسبوك) لإحراق المحتوى؛ إذ تتعرّض الحسابات العادية لنحو 1500 منشور محتمل خلال أقل من 8 ساعات، ما أدى إلى مفهوم انهيار السياق والاتجاه نحو التلوث في الكم مع إغفال النوع». ويضيف: «هو بالأساس يدخل في إطار فلسفة الاقتصاد، بتحويل انتباه المستخدمين وجعلها عملية نادرة، تتنافس عليها الشركات المعلنة، الأمر الذي أدى لتحول المنصة لسوق من الإعلانات، مع انعدام المحتوى». ويلفت إلى أن «الكمية الهائلة من المنشورات ولّدت فقراً في الانتباه، كما يقول هربرت سايمون، الذي أسس لفكرة اقتصاد الانتباه».

جدير بالذكر أن مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لـ«ميتا»، كان قد ألمح إلى نية الشركة الدفع باتجاه مزيد من الأدوات والاستخدامات المعززة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما عدّه خبراء «رهاناً لتعويض تراجع التفاعل». وكشفت «ميتا» عقب إعلانها أحدث تحديثات الأداء عن دور أنظمتها المتقدمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تحسين ترتيب المحتوى وزيادة الصلة داخل الخلاصات.

عودة إلى الشولي، فإنه يرى صعوبة في إيجاد تغيير ملموس بشكل كامل على «فيسبوك»؛ إذ يقول: «المنصة بحاجة لإعادة نظر في شكلها الحالي وطبيعة عملها... والأهم من ذلك استقطابها لجمهور الشباب؛ إذ لدى (فيسبوك) نحو 3 مليارات مستخدم نشط شهرياً، منهم 2 مليار ناشطون بشكل يومي، ولكن معدل الأعمار الأكثر نشاطاً هم الأكبر بالعمر، وهذه مشكلة عنق الزجاجة التي تعاني منه (فيسبوك) طوال السنوات العشر الماضية».

ويضيف أن «الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في استهلاك المحتوى من قبل المستخدمين؛ لكن داخل حيز الحسابات النشطة فقط». وهو لا يعتقد بارتفاع أعداد الحسابات النشطة أكثر مما عليه الآن.

من جهة ثانية، وفق البيانات الرسمية لـ«ميتا»، أسهمت تحسينات ترتيب الخلاصات والفيديو على «فيسبوك» خلال الربع الرابع من عام 2025 في زيادة مشاهدات منشورات الخلاصة والفيديو العضوية بنسبة 7 في المائة، مع تسجيل نمو في وقت مشاهدة الفيديو على أساس سنوي داخل الولايات المتحدة. كذلك زادت المنصة من عرض المقاطع القصيرة المنشورة في اليوم نفسه بنسبة تجاوزت 25 في المائة مقارنة بالربع الثالث من العام ذاته.

وهنا ذكرت دعاء عمار، الصحافية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «فيسبوك» لم تنجح في جذب الشرائح الأصغر سناً. ولفتت إلى التغيّر في تفضيلات الخوارزمية، قائلة: «في السابق كانت خوارزمية (فيسبوك) تعرض ما ينشره أصدقاؤك وأقاربك، أما الآن فتحاول (فيسبوك) استنساخ (تيك توك)». وأردفت دعاء عمار أن «الخوارزمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ما تشاهده على أساس اهتمامك الحالي، وليس بناء على مَن تتابعهم»، معتبرة أن هذا قلّل «الحميمية» التي كانت قبل ذلك دافعاً أساسياً للتفاعل بالتعليقات والمشاركة.

وبالنسبة لرهان «فيسبوك» على الذكاء الاصطناعي، رأت دعاء عمار أن «المشكلة تكمن في أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي مصممة لزيادة التفاعل بأي ثمن، ما قد يؤدي على سبيل المثال إلى انتشار الأخبار المضللة أو حبس المستخدم في فقاعة من المحتوى الذي يوافق مزاجه فقط؛ ما قد يخلق استقطاباً مجتمعياً حاداً». ومن ثم «التفاعل يجب أن يكون هدفاً مقيداً وليس الهدف الوحيد... والحد الفاصل هو عندما يتحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة لتحسين التفاعل، إلى محرّك غير خاضع للمساءلة لزيادة هذا التفاعل».


«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.