هل يصبح صنّاع المحتوى صحافيي الغد؟

دراسات تتوقع اتساع رقعة نفوذهم مقابل أفول نجم الإعلام التقليدي

هوغو ترافرس "هوغو ديكريبت" (يو تيوب)
هوغو ترافرس "هوغو ديكريبت" (يو تيوب)
TT

هل يصبح صنّاع المحتوى صحافيي الغد؟

هوغو ترافرس "هوغو ديكريبت" (يو تيوب)
هوغو ترافرس "هوغو ديكريبت" (يو تيوب)

قبل 10 سنوات ما كان أحد يتصور أن يقبل رئيس دولة كبيرة كفرنسا بإجراء مقابلة خاصة مع صانع محتوى شاب لا يتعدى 24 سنة، لم يتخصّص في الصحافة ولا يعمل في أي مؤسسة إعلامية. إلا أن هذا ما حدث فعلاً في 2019 حين حاور هوغو ترافرس (قناة هوغو ديكريبت) الرئيس إيمانويل ماكرون لمدة ناهزت الساعتين حول مواضيع سياسية تهم الشباب والفرنسيين بصفة عامة. كذلك، حاور صانع المحتوى الشاب أكثر من 30 سياسياً فرنسياً من اليسار واليمين، وشخصيات مهمة مثل بيل غيتس ورئيس وكالة الاستخبارات الأميركية جون برينان، كما يقدم أسبوعياً تحليلاً لأهم الأحداث السياسية والاقتصادية، يتابعها ويعلّق عليها الملايين على منصّة «يوتيوب».

لينا محفوف "لينا سيتواسيون" (غيتي)

هذه الأمثلة المختارة ما عادت ظاهرة منعزلة، فـ«صنّاع المحتوى» الذين يقتحمون المجال الإعلامي ويقلبون الموازين باتوا ظاهرة آخذة في التطور... وكل في مجاله. إذ إن منهم من يتخصّص في السياسة، ومنهم في الاقتصاد والمال أو في الثقافة والرياضة، بعيداً عن الصورة التقليدية أو النمطية لصانع المحتوى الذي لا يتناول إلا المواضيع الترفيهية بسطحية وابتذال. واللافت أن الظاهرة أخذت أبعاداً كبيرة، خصوصاً في أوساط الشباب، لدرجة أنها صارت تثير قلق الإعلاميين وخوفهم من منافسة قد لا تنتهي حتماً لصالحهم.

انقلاب الموازين يعدّ البعض النفوذ المستجد لصانعي المحتوى بمثابة طبق الانتقام الذي يؤكل بارداً، فلطالما عانى هؤلاء من ازدراء شخصيات من عالم الصحافة والإعلام عدّتهم «متطفلين» يفتقدون الشرعية والمؤهلات. وفي حوار نُشر بالمجلة الثقافية «تيلي راما»، عاد المؤثّر الفرنسي لوكاس هوشار الملقب بـ«سكويزي» سنوات إلى الوراء ليعلّق على الحوار التلفزيوني الذي جمعه بالإعلامي المعروف تيري أرديسون، وهو الحوار الذي أثار كثيراً من الجدل بسبب لهجة السخرية والازدراء التي خاطب بها أرديسون المؤثر الشاب، وبالذات عندما توجّه إليه بلهجة ساخرة قائلاً: «دعني أقول لك إنك عبقري... فعملك يقتصر على اللعب والدردشة مع متابعيك، وبفضل الإعلانات تتلقى أجوراً خرافية، هذا أمر رائع...».«سكويزي» علّق على تلك الحادثة بقوله: «لقد تلقوا صفعة على وجوههم ولم يفهموا أننا على أبواب ثورة ترفيهية وتكنولوجية... مَن أكون حتى أقول إن تعامله معي لم يكن لائقاً؟... لكن ما أستطيع قوله هو أن الازدراء كان فعلاً مبالغاً فيه... اليوم نضجنا من حيث المضمون والمعالجة وهذه لغة يفهمونها أكثر...». وحقاً، بمرور الوقت، انقلبت الموازين واختلطت الأوراق، وصار صانعو المحتوى يتمتعون بنفوذ كبير.

سيبريان (آ ف ب)

المؤثر الشاب الذي كان موضع استهزاء من طرف الإعلامي أصبح اليوم «الرجل الأكثر مشاهدة في فرنسا»، وفق مجلة «تيلي راما» بأكثر من 40 مليون متابع في مجمل المنّصات، ويتربع على رأس شركة إنتاج تزن أكثر من 14 مليون يورو، وهو الذي يقرر مَن يحاوره من الصحافيين وبأي الشروط.

ملاحقة وشروط

في الموقع الإخباري «أري سو ايماج»، الذي يديره الصحافي المستقل دانيال شنيديرمان، شرح عدد من الصحافيين كيف أنهم ركضوا لأشهر طويلة وراء صانع المحتوى «سكويزي» أملاً في الظفر بحوار معه، وحين قبل، اشترط موافقته على النسخة النهائية وحذف المقاطع التي لا يراها مناسبة قبل النشر، وهو أمر قبل به الصحافيون، بحسب شهادة أحدهم وهو فيكتور لو غران الصحافي من مجلة «سوسايتي» الثقافية.

ما يأخذه صنّاع المحتوى على الإعلاميين التقليديين هي لهجة «التعالي» التي تُستخدم تجاههم، ذلك أنه على الرغم من كل الجهود التي يبذلونها فإن تُهم السطحية ونقص المهنية لا تزال تلاحقهم في كل مناسبة.

وفي شهادات حصرية لمجلة «لا روفو دي ميديا»، التي خصّصت مقالاً طويلاً حول هذا الموضوع بعنوان: «بين المؤثرين والصحافيين، غياب دائم للثقة»، يستحضر كثير من صنّاع المحتوى الفرنسيين العبارة التي غالباً ما يستعملها الإعلاميون لتقديمهم. وهي تبدأ بالجملة التالية: «أنتم لا تعرفونهم، لكنهم الشخصيات الأكثر شعبية في ساحات المدارس...».

لوكاس هوشار "سكويزي" (آ فب ب)

من جانب آخر، «سيبريان»، وهو صانع محتوى آخر معروف، يتذكّر على صفحات المجلة ذاتها كيف أنه فوجئ بالصحافية في قناة «كنال بلوس» مايتينا بيرابان، التي من المفروض أن تحاوره، وقد كلّفت طفلة صغيرة بتوجيه الأسئلة بدلاً منها... في تلميح منها إلى أن الجمهور الذي يهتم بمضامين المؤثر الشاب هم فقط من الأطفال.الغيرة والخوف من المنافسةالمنافسة التي بات يشكلها صنّاع المحتوى على الصحافيين، وبخاصة الناشطين في القطاع السمعي البصري، أدّت إلى تطور علاقات سيئة بين الفريقين. بل ازدادت الوضعية تدهوراً مع الوقت بسبب الهوّة التي شكلها نقص الثقة المزداد بين الجمهور والإعلام التقليدي المُقيم، وحسب آخر مسح أجري في فرنسا، بنحو لا تزيد الثقة على 30 بالمائة فقط.

وفي موضوع الهجوم الذي شنّه بعض الصحافيين المتخصصّين في الأخبار الفنية، حين اكتشفوا أن مجموعة من المؤثرين قد حصلوا على تصاريح صحافية في حفل افتتاح الفيلم السنيمائي «بابيلون»، نقلت مجلة «ليبيراسيون» عن واحدة منهم؛ وهي الصحافية بالوما بيكوس من مجلة «باري ماتش» في تغريدة عبر منصّة «إكس»، قولها: «أنا حزينة لأنني اكتشفت اليوم أن التصاريح الصحافية النادرة جداً باتت اليوم متاحة للمؤثرين، كأن الأماكن ليست غالية بما فيه الكفاية، بل كأن المعركة التي نخوضها (نحن الصحافيين التقليديين) يومياً من أجل الفوز بالمصداقية ليست صعبة بما فيه الكفاية... هل أنا الوحيدة التي تجد أن هذه الوضعية ما عادت تطاق؟».

بيكوس نشرت التغريدة مع صورة لمؤثرة شابة تدعى لينا محفوف (قناة لينا سيتواسيون) وهي تحمل التصريح الصحافي، مع العلم أن المؤثرة التي وجهت لها شركة الإنتاج الدعوة لا تنتمي لأي مؤسسة إعلامية ولا تتمتع بأي خبرة في الحوارات الصحافية. إلا أنها في المقابل، تملك أعداداً غفيرة من المتابعين (3 ملايين). ولقد ذكّرت «ليبيراسيون» قراءها بأن صانعة المحتوى الشابة وزملاءها الأربعة الذين حضروا حفل الافتتاح يتربّعون على مملكة من المتابعين تصل إلى 6 ملايين شخص يثقون في آرائهم ويتأثرون باختياراتهم، وهو ما تفتقده الصحافية بيكوس.

لسنا بحاجة إلى الإعلام التقليديهذه العلاقات المتوترة بين «الإخوة الأعداء» أكدتها دراسات كثيرة، منها واحدة لوكالة «ريتش» المتخصّصة في التسويق الرقمي، نُشرت في صحيفة «لاروفو دي ميديا» وشارك فيها أكثر من 1300 صانع محتوى فرنسي. وفي حين بينت الدراسة أن 42 بالمائة منهم يعدّون «وسائل الإعلام تمثلهم بصورة سلبية»، ذهبت صانعة المحتوى الفرنسية آفا ميند إلى حد اتهام الصحافيين «بتشويه الحقيقة ومحاولة الإيقاع بهم في الحوارات». ذلك أن معظم الأسئلة، حسب الشابة الفرنسية، تدور حول مواضيع تافهة «كالمدخول، والمشروعات بعد فقدان المتابعين، والعلاقة بالزملاء من الرجال (؟) ولذا فهي نادراً جداً ما تقبل حوارات صحافية». وأردفت: «مهنة صانع المحتوى مهنة قائمة بحد ذاتها، فيها جوانب إيجابية وكذلك سلبية... والمهم التوقف عن النظر إلينا باحتقار لأنني فخورة بعملي...».

صانع المحتوى المعروف «سكويزي» ذهب، من جهته، إلى وصف قطاع التلفزيون «بالعتيق الذي عفّى عليه الزمن» خلال حوار مع مجلة «تيلي راما». وتابع أنه «لا يفكر بالعمل فيه، لأن طريقة العمل فيه تخلو من الإبداع والتجديد». وحقاً، على طريق الاستغناء عن الإعلام التقليدي يلجأ صنّاع المحتوى اليوم إلى إنشاء «دائرة إعلامية بديلة». وعبرها يقوم هؤلاء باستجواب بعضهم، والأسباب شرحها أحدهم على صفحات مجلة الدراسات الإعلامية «لا روفو دي ميديا»، فقال: «حين يحاورني زميل، فأنا أتعامل مع شخص من الوسط نفسه الذي أنشط فيه، ولذا سيكون وديّاً معي ومتفهّماً للمواضيع التي لا أود التطرق إليها». هل هم صحافيو الغد؟أمام المعطّيات الجديدة، فقد اهتمت عدة جهات برصد تطورات المشهد والتوقعات المستقبلية. إذ ظهرت عدة دراسات تتوقع مستقبلاً زاهراً لصناع المحتوى، أولاها دراسة نشرت في صحيفة «فايننشيال تايمز» البريطانية، كبرى الصحف المالية والاقتصادية العالمية، في أواخر مارس (آذار) الماضي 2024، تحت عنوان «الطّرق التي سنلجأ لها للتزود بالأخبار مع مطلع 2030»، وهي تبين أن أهم تغيير سيتعلق بمستقبل النشاط الصحافي.

هذه الدراسة تتوقع نفوذاً أكبر لصنّاع المحتوى في قطاع الإعلام مقابل «أفول نجم الصحافيين بالمعنى التقليدي... تحت وطأة المنافسة الشرسة». ثم إنها تشير إلى مشكلة «انعدام الثقة» التي أضحت تجسّد العلاقة بين جمهور الشباب ووسائل الإعلام التقليدية، التي من المتوقع أن تمتد إلى شرائح أخرى في المستقبل.

وبالتالي، فإن الدراسة وإن لم تعلن عن «موت الصحافة التقليدية» وصحافييها، فإنها دقّت ناقوس الخطر بالقول إن «على الصحافيين العمل على تغيير علاقتهم بالجمهور إذا أرادوا الاحتفاظ بشيء من النفوذ، لأن أكبر مشكلة تواجههم الآن هي «غياب المصداقية». ثم شرحت أن كثيرين «ما عادوا يثقون في وسائل الإعلام التقليدية ومصادرها الإخبارية»، بل يشككون في كل معلومة أو خبر. وفي المقابل، تنصبّ الأنظار والاهتمامات نحو المضامين التي تقدّمها شخصيات من وسائل التواصل الاجتماعي. وعلى سبيل المثال، فإن صانع المحتوى الذي يسجل أحداث المظاهرات وينقل حيثياتها يومياً قد يبدو أكثر صدقية من الصحافي الذي يغطي الحدث، ثم ينتقل إلى موضوع آخر في اليوم الذي يليه، لكون التقارب والشعور بالارتباط بمصدر المعلومات مسألة مهمة للغاية.

دراسة «فايننشيال تايمز» ركزت أيضاً على تقدم صانعي المحتوى على الإعلاميين فيما يتعلق بالعلاقات «شبه الاجتماعية» أو التفاعلات الافتراضية التي تربطهم بالجمهور الذي يستهلك هذه المواد الإخبارية.

في حين يعزل الصحافيون التقليديون أنفسهم داخل قلاع المؤسسات الإعلامية التي ينتمون إليها.

ولعل هذا ما قصدته الصحافية الأميركية تايلور لورنز في مقال بصحيفة «واشنطن بوست» تحت عنوان «صانعو المحتوى: الفائز الأول في محاكمة (جوني) ديب وأمبر (هيرد)»، عندما كتبت: «انطلاقاً من هذا الحدث الذي أثار اهتمام الجمهور، أدرك كثير من صناع المحتوى أنهم باتوا قادرين على إثارة الاهتمام وجني الأرباح من خلال تغطية الأخبار...». وأضافت: «في سياق يشهد تلاشي الصلة الضعيفة التي كانت تربط الجمهور بالصحافيين، وسواءً أرادت وسائل الإعلام والسّاسة الاعتراف بذلك أم لا، فإن صنّاع المحتوى صاروا شخصيات ريادية تقدم مضامين إخبارية لعدد مزداد من الأشخاص، وأيضاً هم الذين صاروا يحددون السّرد الإلكتروني للأحداث الكبرى».

دراسة أخرى، في الاتجاه نفسه، أعدتها وكالة «رويترز» عن الإعلام الرقمي تتوقع منعطفاً خطيراً في طرق استهلاك الأخبار بالمستقبل. فقد كشفت الدراسة أن «توزيع الأخبار الآن بصدد الانتقال من أيدي الصحافيين إلى أيدي صنّاع المحتوى، وأن البحث عن المضامين الإخبارية سيكون في المستقبل مدفوعاً بغرض التواصل بين أفراد المجتمع، أما البحث عن الأخبار ذاتها فسيغدو مهمة جماعية نسعى من خلالها إلى تحقيق الترابط والوصول إلى مصادقة الآخرين».

كذلك، تتوقع دراسة «رويترز» نهاية «الفجوة» بين المضامين الإخبارية «الجادة»، كمواضيع السياسة والاقتصاد، والمواضيع الخفيفة كأخبار المشاهير والرياضة، ومن ثم، ظهور مزيج بين الاثنين أطلقت عليه اسم «إنفوتاينمنت» المكوّنة من كلمتي «إنفورمايشن» (معلومات) و«إنترتاينمنت» (ترفيه). وبالتالي، «على قاعات التحرير - حسب الدراسة - تقديم ما يريده الصحافيون وما يريده الجمهور»، وأهم ما بينته هذه الدراسة «الرغبة المُلحة في التفاعل ونبذ مشاعر العجز»، وهو الجانب الذي يتفوق فيه صناع المحتوى ويتألقون مقارنة بالصحافيين.


مقالات ذات صلة

بلال البدر: قصصنا المحليَّة طريقنا إلى العالمية

خاص المخرج والمصور السينمائي السعودي بلال البدر (الشرق الأوسط)

بلال البدر: قصصنا المحليَّة طريقنا إلى العالمية

المعدات الجيدة لا تكفي لصنع فيلم جيد؛ فلا بدّ، أولاً، من قصة يعرف صانعُها عالمَها وتفاصيلَها...

عبد الهادي حبتور (الرياض)
يوميات الشرق إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)

في آخر مصانع النسيج اللبنانية... خيوط الذاكرة لم تنقطع

القميص قطعة تجمع الأجيال والمهن والطبقات الاجتماعية بالليونة والبناء الهندسي...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق يقدّم الدليل إرشادات تسهم في تمكين العاملين من مواكبة التقنيات الحديثة وتوظيفها بصورةٍ مسؤولة (وزارة الثقافة)

السعودية تطلق دليلاً لأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع الثقافي

أصدرت وزارة الثقافة السعودية دليل «أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي» في القطاع، بهدف ترسيخ ممارساتٍ واعية ومسؤولة وعادلة في توظيف التقنيات بالصناعات الإبداعية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق ما أكلوه ذات يوم... يروي اليوم كيف عاشوا (واس)

ماذا كان يُطبخ في سوريا قبل 4500 عام؟

كان طهاة المدينة يستخدمون أوانيَ تختلف خصائصها في امتصاص الحرارة وتوزيعها، وفق نوع الطعام الذي يعتزمون إعداده...

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
يوميات الشرق «أنغام وأفلام»... حفل تجلس فيه الذاكرة بين مقاعد الجمهور (الجهة المنظّمة)

«أنغام وأفلام»... الماضي الذي لم يُغادرنا له موعدٌ في بيروت

اختار المايسترو هاروت فازليان الاقتراب من الأعمال في صيغتها الأصيلة، بعيداً عن التغيير لمجرّد إظهار الاختلاف...

فاطمة عبد الله (بيروت)

كلود هندي: أظن أنني أحدثت تغييراً في عقلية الناس

على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
TT

كلود هندي: أظن أنني أحدثت تغييراً في عقلية الناس

على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)

قد تختلف الإعلامية كلود أبو ناضر هندي عن غيرها في ممارسة مهنتها؛ فهي إعلامية ملتزمة ومهنية، ترى نفسها باحثة عن الحقيقة مهما كانت صعبة، ومناضلة من أجل قضايا بيئية واقتصادية، واجتماعية وطبية وغيرها.

كذلك، فهي تقول إنها تأبى إلا أن «تكشف المستور» وتقدّمه على الشاشة، ولم تتطلّع يوماً إلى بريق الأضواء من باب الشهرة. فالكاميرا بالنسبة إليها وسيلة تعكس هموم الناس وأوجاعهم، أما أهدافها فبسيطة وواضحة، تصبّ في مصلحة البلد وأهله، من دون أن تعبأ بتهديدات تتلقاها أحياناً من هنا وهناك.

برنامج «تحقيق»

البرنامج التوثيقي «تحقيق»، الذي تعدّه أبو ناضر هندي على شاشة تلفزيون «إم تي في»، هو الأحدث في مسيرة إعلامية تنقّلت خلالها بين الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون. وللعلم، منذ انطلاق أولى حلقات البرنامج عام 1987، كانت تُدرك أن مهمتها لن تكون سهلة. وبعد إقفال «إم تي في» عام 2001 بقرار صادر عن مجلس الوزراء يومها، توقّف البرنامج، ثم ما لبثت أن أعادت إطلاقه عام 2009، لتفتح من خلاله ملفات ترتبط مباشرة بحياة اللبناني ويومياته حتى الساعة.

ومن ملفات تزوير الدواء والاتجار بالأعضاء والمخدِّرات، وصولاً إلى قضايا التلوّث البيئي، وأخرى تتعلق بحروب العراق وسوريا وجنوب لبنان، استطاعت أبو ناضر أن تترك بصمة إعلامية خاصة في لبنان والعالم العربي.

وعلى مدى نحو 50 دقيقة، كانت حلقات برنامجها توثّق من خلال عمل استقصائي حثيث، المشكلات بالصوت والصورة. فكانت الأرض «ملعبها» ومركز تحقيقاتها، مُستبعِدة الأسلوب الإعلامي الذي يدور في أروقة الاستوديوهات.

برنامج من هذا النوع يشكّل نموذجاً في الإعلام المرئي الاحترافي المنبثق من العمل الوثائقي. فأبو ناضر كانت سبّاقة في اعتماده، أسوةً بما كانت تقدّمه قنوات فرنسية وأوروبية، قبل أن يصبح هذا النوع من البرامج مادة أساسية في عدد من القنوات الفضائية العربية.

كلود أبو ناضر هندي... هدفها فتح ملفات حياتية (كلود أبو ناضر هندي)

يناسب مختلف الشرائح

تعلّق أبو ناضر في لقاء مع «الشرق الأوسط» على برنامجها فتقول: «كنت الوحيدة في الشرق الأوسط عندما أطلقت فكرة البرنامج الوثائقي. وقمت بلبننته ليناسب بمضمونه مختلف الشرائح الاجتماعية. ولوّنته بمواضيع متنوعة؛ حتى لا تقتصر متابعته على فئة معينة».

والواقع، لم تلجأ أبو ناضر إلى استضافة سياسيين وزعماء أحزاب أو فعاليات رسمية للترويج لبرنامجها وزيادة نسبة مشاهدته، بل خصّصته لمعاناة الناس وأفراحهم وهمومهم في آن، وأرادته مرآة للحقيقة، لا مساحة لتلميع صورة هذا السياسي أو ذاك.

كان نضالها الأبرز - كما توضح - مُنصبّاً على «البيئة»؛ إذ لديها قناعة بأن هناك مافيا تعمل على تدميرها بشكل ممنهج وعن سابق تصوّر وتصميم... و«لذا؛ فتحتُ ملفات كثيرة في هذا المجال، بدءاً من تلوث نهر الليطاني، مروراً بمشكلة الكسّارات والمرامل، ووصولاً إلى أزمة النفايات».

وعمّا إذا كانت قد استطاعت تسجيل أهداف في شِباك أعداء الطبيعة، تردّ: «تسجيل الهدف تلو الآخر كان الإيقاع الذي ألتزم به وأرغب في تحقيقه. ولكن، مع الأسف، اكتشفت أن هذه الأهداف لا تؤلم المافيات التي تقف وراءها، حتى لو سمّيتها بأسمائها. الفساد المستشري في منظومة تحكمنا منذ أكثر من 40 سنة، ولا يهمّها سوى جمع مبالغ طائلة لتعبئة جيوبها، ولو على حساب الناس».

ومن ثم، تواصل كلامها فتقول إن الخبرة التي حصدتها في مشوارها الإعلامي المتنوع وظّفتها في برنامجها التلفزيوني، «أنا أتطلّع دائماً إلى تطوير نفسي من خلال متابعتي لبرامج وثائقية أجنبية. وحتى أثناء مشاهدتي فيلماً سينمائياً، أستعير منه أفكاراً موسيقية وبصرية لأخزّنها في ذاكرتي. إن شغفي بمهنتي كبير، وهو ما حضّني على رفض الاستسلام أو الشعور بالإحباط طوال سنوات العمل».

بحثاً عن الحقيقة

وسألناها: «هل فوجئتِ بواقع لبنان عندما غصتِ في زواريبه بحثاً عن الحقيقة؟»، فأجابت: «ما فاجأني بالفعل اللبنانيون أنفسهم. فعندما زرت إحدى المناطق الريفية القصية ووقفت على مشاكل أهاليها، سألتهم لماذا لا يزالون ينتخبون الأشخاص أنفسهم، في ظل التقصير بتقديم أي خدمات اجتماعية ولوجستية؟ فكان جوابهم صريحاً بشكل صادم؛ إذ قالوا لي إن زعماءهم يشترونهم بأثاث منزل أو أدوات كهربائية وحفنة من الدولارات، وهم راضون بواقعهم هذا. وهكذا، عندما تكون المحاسبة غائبة عن أجندة لبنان الرسمية، تصبح الخيارات مفتوحة على عناصر تسهم في تخلّف الشعب وزيادة نسبة الفقر».

بالتوازي، ذكرت أبو ناضر أنها لم تملك يوماً توقعات كبيرة من أداء السياسيين في لبنان... «جلّهم جزء من منظومة عميقة تتدخّل في كل شاردة وواردة، ويمارسون فيها الفساد كي يبقوا شعبهم خاضعاً. فلماذا أتوقّع منهم المختلف؟».

وعمّا إذا استطاعت، من خلال برنامجها «تحقيق»، إحداث تغيير على أرض الواقع، ردّت: «ربما استطعت أن أغيّر في عقلية الناس وطريقة تفكيرهم، بعدما عرّفتهم إلى الحقائق الصادمة. وكلمة الشكر التي يستقبلونني بها تكفيني وتروي عطشي من أجل بناء مجتمع أفضل».

ثم قالت إنها، رغم الصدمات التي واجهتها على أرض الواقع، ترفض الاستسلام. وإنها تشبه مهمتها بالطبيب الذي يستمر في معالجة مريضه من دون أن يفقد الأمل.

داخل الاستوديو (كلود أبو ناضر هندي)

العلاقة بلبنان الوطن

لذا؛ عندما تتكلّم عن علاقتها بلبنان، تلمس ارتباطها الوثيق به. وتضيف: «كلّما تعرّفت إليه عن قرب، ازداد تعلّقي به. لقد جُلت في جميع المناطق من دون استثناء، وتعرّفت إلى أهلها من الشمال إلى الجنوب. وجميعهم شعب طيب ومضياف. أعتبر وطني من أجمل بلدان العالم، ليس من باب التبجّح والتعالي، بل لأنه خُلق بمناخات وطبيعة تزخر بالتنوّع لا نجدها في أي بقعة أخرى على الأرض. وأي موضوع أقاربه يخص لبنان، أتناوله بحماسة كبيرة. أفرح مرات وأحزن مرات أخرى، لكنه يبقى وطني وشغفي الأكبر وملهمي. فجميع حواسي ومشاعري تتأجّج عندما أزور أي منطقة فيه، من شدة حبّي له».

لا تفكير بالانتقال إلى مجال السياسة

بالتوازي، لا تفكّر أبو ناضر هندي في دخول العمل السياسي بتاتاً، رغم أن فرصاً كثيرة عُرضت عليها. وتعلّق: «لا شك في أن بعض حلقات برنامجي كانت تشكّل خطراً على منظومة فاسدة. نعم، تلقيت تهديدات وإنذارات، خصوصاً في مواضيع تناولت الكسارات والمرامل، لكنها لم تستطع إيقافي عن مواجهة المنظومة بالحقائق المطلوبة».

وسألناها عمّا إذا كان برنامجها قد تأثر بوسائل التواصل الاجتماعي، فأجابت: «لا أبداً؛ لأن المعلومات والحقائق التي تُنشر عبرها ليست موثّقة وموضّبة ومشرّحة كما أقدّمها أنا. فالعمل الوثائقي لا يضاهيه أهمية أيّ عمل إعلامي آخر. فهو يشبه سيارة فارهة لا يستطيع أي شخص قيادتها وامتلاكها... ومواضيعي تأتي ضمن حلقات متكاملة، بمحتوى غني بالصوت والصورة».

وبالفعل، حصلت كلود أبو ناضر هندي على أكثر من جائزة أكاديمية وثقافية، واختيرت واحدة من أفضل الشخصيات الإعلامية لعام 2014 من قِبل «إم سي إنترناشونال» MC International. كما نالت لقب «شخصية العام 2011»؛ تقديراً لإنجازاتها المتميزة، من «المنظمة العربية للتنمية الإدارية» التابعة لجامعة الدول العربية وأكاديمية تتويج للتميز والجودة.

وختاماً، رداً على سؤالنا عن الملف الذي ترغب في فتحه من جديد، قالت: «قد أعيد فتح ملفات عدة بمقاربة جديدة، وفي مقدّمها موضوعا تلوث البيئة والفساد. فأي موضوع يتّصل بالإنسان يمكن أن نتناوله أكثر من مرة ومن نواحٍ مختلفة».

خصّصت كلود أبو ناضر هندي برنامجها لمعاناة الناس وأفراحهم


المواقع الإخبارية تخشى «ميوز ميتا»

شعار «ميتا» (رويترز)
شعار «ميتا» (رويترز)
TT

المواقع الإخبارية تخشى «ميوز ميتا»

شعار «ميتا» (رويترز)
شعار «ميتا» (رويترز)

أثار إطلاق «ميتا» وكيلها الذكي «ميوز» مخاوف لدى المواقع الإخبارية بعدما بات وسيطاً جديداً يقف بين الناشرين والمستخدمين. وعدّ خبراء هذا التطور «تحدياً قد يعيد رسم خريطة التوزيع الرقمي، ويدفع المواقع إلى إعادة النظر في شروط إتاحة محتواها».

«ميتا» أطلقت في سبتمبر (أيلول) الماضي «ميوز»، بوصفه «وكيل ذكاء اصطناعي شخصياً لا يكتفي بالإجابة عن الأسئلة، بل يستطيع فتح المتصفح وملء الاستمارات والتفاوض نيابة عن المستخدم، كما يواصل العمل حتى بعد إغلاق التطبيق».

ووفق ما أوردت وكالة «رويترز» أخيراً «بلغ عدد مرات تنزيل التطبيق نحو 3 ملايين خلال أول أسبوعين من إتاحته». وأفاد موقع «تك كرانش» بأن «ميوز» تجاوز في مراحله الأولى ما حققه «تشات جي بي تي» من تنزيلات ومستخدمين نشطين يومياً في المرحلة نفسها. ودفع هذا الإقبال الشركة إلى دعوة المستخدمين للتقدم بطلبات وصول مبكر إلى مزايا متقدمة مرتقبة.

غير أن الأسابيع الأولى لـ«ميوز» كشفت أن السؤال الأهم ليس ما يستطيع الوكيل فعله، بل من يقرر السماح له بالوقوف وسيطاً بين الشركات وعملائها. إذ بينما فتحت «شوبيفاي» متاجرها أمامه، حجبته «أمازون» عن التصفح والشراء على موقعها.

وتشير «وثائق السلامة الخاصة» بـ«ميتا» إلى أن نشاط «ميوز» حين يتصفح الإنترنت «سيظهر بوصفه نشاطاً للمستخدم نفسه». في المقابل تشترط «أمازون» أن «يُعرف الوكلاء عن أنفسهم في كل طلب يُرسل عبر الويب».

ولا تقتصر تداعيات هذا الانقسام على التجارة الإلكترونية، إذ يرى تحليل نشرته مجلة «فوربس» نهاية الشهر الماضي أن «الناشرين الذين يعتمدون على منصات التكنولوجيا في التوزيع، يواجهون الآن وسيطاً إضافياً». فـ«الوكيل الذكي بإمكانه قراءة تقارير الناشر من دون أن يُسجل زيارة واحدة للصفحة».

رئيس قسم الاتصال في جامعة خورفكان بالإمارات محمد مالك أبلغ «الشرق الأوسط» في لقاء معه أن «وضع المسألة باعتبارها خياراً ثنائياً: نسمح للوكيل أو نحجبه، ليس النموذج الذي ستستقر عليه الصناعة، لأن لكل خيار تكلفة واضحة».

وأوضح أنه «إذا فتحت المؤسسة محتواها بالكامل، فقد تستفيد من الظهور داخل إجابات الوكيل، لكنها تخاطر بأن يحصل المستخدم على القيمة التي يريدها من دون الوصول إلى الموقع الأصلي. وإذا حجبت الوكلاء بالكامل، فهي تحافظ نظرياً على السيطرة على محتواها، لكنها تخاطر بأن تصبح أقل حضوراً أمام شريحة من الجمهور تعتمد بصورة متزايدة على هذه الأدوات».

مالك عدّ ما قامت به «أمازون» مثالاً على أن «المؤسسات الكبرى بدأت بالفعل تتعامل مع الوكلاء باعتبارهم وسطاء يمكن قبولهم أو رفضهم وفق مصالحها». ولفت إلى أن «الطريق الثالث الأكثر واقعية، هو الانتقال من الوصول المجاني وغير المشروط إلى الوصول المنظم والقابل للترخيص والقياس». ثم أشار إلى «بوادر عملية لهذا النموذج، إذ عقدت مؤسسات إعلامية صفقات ترخيص مع شركات ذكاء اصطناعي، بينما لجأت أخرى إلى القضاء أو تقييد الوصول. كما طورت كلاودفلير (شركة أميركية متخصّصة في خدمات البنية التحتية للإنترنت) نماذج مثل الدفع مقابل الزحف ثم الدفع مقابل الاستخدام بحيث يتحكم الناشر في وصول أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى المحتوى ويطلب مقابلاً مالياً».

من جهة ثانية، أعرب مالك عن اعتقاده أن العلاقة يمكن أن تتطور إلى نموذج أكثر توازناً «يقوم على ثلاثة أمور، الترخيص، والإسناد، وتقاسم القيمة... ما يعني أن يسمح الناشر للوكيل بالوصول إلى قدر معين من المحتوى، مقابل تعويض مالي، وإظهار اسم المؤسسة بوضوح، وتوفير رابط للمادة الأصلية، مع الاحتفاظ بالمحتوى الحصري خلف الاشتراك».

وأوضح أن «المعركة الحقيقية خلال السنوات المقبلة لن تكون بين المؤسسات الإعلامية والذكاء الاصطناعي، بقدر ما ستكون حول شروط الوساطة الجديدة، من يسمح بالوصول إلى المحتوى؟ وبأي سعر؟ وكيف يُنسب إلى مصدره؟ ومن يحتفظ ببيانات المستخدم؟».

من جانبه، رأى أحمد عبد الله، مستشار التسويق الرقمي والاستراتيجي، في حواره مع «الشرق الأوسط» أن «التحدي أمام الناشرين لم يعُد في سرعة الوصول إلى المعلومات، إنما المشكلة الحقيقية ستكون في القيمة التي تقدمها المؤسسة نفسها، وما الذي يميز ما تقدمه عن غيرها».

وتوقع من ثم أن «يتحول اهتمام الجمهور من الخبر نفسه إلى تحليله... فالجمهور سيبحث عن التحليل، وعن العمق في التعامل مع الخبر، وعن الزوايا المختلفة في معالجته، هذه هي القيمة التي يمكن أن تقدمها أي مؤسسة إعلامية للقارئ، بعيداً عن المحتوى المنسوخ الذي لا يختلف عما ينتجه الذكاء الاصطناعي». وأضاف عبد الله: «هناك أيضاً التحقيقات الاستقصائية، والتغطيات الحصرية، والمحتوى الذي لا يمكن إنتاجه بالطرق المعتادة أو باستخدام الذكاء الاصطناعي». وعن علاقة المؤسسة بجمهورها، شدد عبد الله على أنه «يمكن بناء هذه العلاقة عبر النشرات البريدية والتطبيقات والمجتمعات الرقمية، بدلاً من أن يتمحور كل شيء حول محركات البحث وعدد النقرات ومنصات التواصل الاجتماعي».


جدل في فرنسا حول حظر شبكات التواصل على القاصرين

كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)
كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)
TT

جدل في فرنسا حول حظر شبكات التواصل على القاصرين

كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)
كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)

لم تعد قضية استخدام المراهقين شبكات التواصل الاجتماعي شأناً تربوياً أو عائلياً فحسب، بل تحولت ملفاً سياسياً وقانونياً وتقنياً مفتوحاً على احتمالات واسعة. إذ أقرّ البرلمان الفرنسي، يوم 21 يوليو (تموز) الماضي، قانوناً يمنع القاصرين مِمَن هم دون سن الخامسة عشرة من الوصول إلى شبكات التواصل الاجتماعي، قبل أن يلغي المجلس الدستوري المادة الأساسية منه في 14 أغسطس (آب)، عادَّاً أن الصيغة المعتمدة تفرض قيوداً واسعة وغير متناسبة مع حرية التعبير.

إجماع على المخاطر واختلاف حول العلاج

استندت المبادرة الفرنسية إلى قلق متزايد بشأن التأثيرات النفسية والاجتماعية لاستخدام الشبكات في سن مبكرة. فلقد أشار تقرير لمجلس الشيوخ الفرنسي إلى مخاطر عدة، من بينها اضطراب النوم، والقلق، والتنمر الإلكتروني، والتعرّض للمحتويات العنيفة أو الإباحية، واضطرابات صورة الجسد، والتواصل مع أشخاص مجهولي الهوية قد يشكّلون خطراً على القاصرين.

كذلك، لفت التقرير إلى دور خوارزميات التوصية والإشعارات المتكرّرة في دفع المستخدمين إلى البقاء أطول وقت ممكن داخل المنصات. وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، نشرت الوكالة الوطنية الفرنسية للأمن الصحي والغذائي والبيئي والمهني (أناس) دراسة خلصت إلى وجود ارتباط بين الاستخدام المكثف أو الإشكالي لشبكات التواصل وبين عدد من الاضطرابات النفسية لدى المراهقين، ولا سيما القلق والاكتئاب واضطرابات النوم وصورة الجسد. غير أن التقرير لم يُعدّ الشبكات سبباً وحيداً لهذه المشكلات؛ إذ يمكن للمراهق الذي يعاني أصلاً اضطراباً نفسياً أن يلجأ إلى الشبكات بكثافة، قبل أن تزيد هذه الاستخدامات وضعه سوءاً.

إحدى أهم نقاط الجدل

الدراسات العلمية لا تثبت أن كل استخدام لشبكات التواصل مضرّ بجميع المراهقين. إذ تظهر مراجعات حديثة أن التأثير يختلف باختلاف طبيعة الاستخدام، ودرجة التعلق بالمنصة، ونوعية المحتويات، ومدى استخدام الهاتف ليلاً. وتبدو الصلة أكثر وضوحاً في حالات الاستخدام القهري، والمقارنة الاجتماعية المستمرة، والتعرض لمحتويات تروّج للنحافة المرضية أو إيذاء النفس، فضلاً عن التنمر الإلكتروني.

معضلة التحقق من العمر

إذا كان المبدأ السياسي يبدو بسيطاً، فإن تطبيقه يطرح مشكلة تقنية وقانونية معقدة: فكيف تستطيع المنصات التأكد من أن المستخدم تجاوز الخامسة عشرة من دون تحويل الإنترنت فضاءً للمراقبة الجماعية؟

والواقع أن السلطات الفرنسية كانت قد درست استخدام آليات للتحقق من السن، من بينها نظام «إثبات العمر» ووسائل تقوم على ما يسمى «إخفاء الهوية المزدوج». وبموجب هذه الآليات، يمكن لجهة مستقلة أن تتحقق من سن المستخدم من دون أن تعرف المنصة هويته الكاملة. غير أن هذه الحلول لا تزال تثير أسئلة بشأن حماية البيانات، واحتمال تسريبها، والجهة التي ستحتفظ بها، والمدة التي ستبقى خلالها محفوظة.

ولقد رأى المجلس الدستوري أن القانون لم يقدّم ضمانات دقيقة بما يكفي فيما يتعلق بجمع بيانات المستخدمين وتخزينها واستعمالها. وأشار إلى أن التحقق من العمر قد يطول جميع المستخدمين، وليس القاصرين فقط؛ الأمر الذي يجعل المسألة مرتبطة بحقوق الخصوصية والحريات العامة.

شعار "غوغل" (رويترز)

التجربة الأسترالية

لعل أستراليا تُعدّ التجربة الدولية الأبرز في هذا المجال. فمنذ ديسمبر (كانون الأول) 2025، مُنع من هم دون السادسة عشرة من امتلاك حسابات على عدد من شبكات التواصل الكبرى. وأعلنت السلطات الأسترالية حذف ملايين الحسابات، وقدّمت الخطوة بوصفها محاولة لإجبار المنصات على تحمل مسؤوليات أكبر تجاه القاصرين.

لكن النتائج الأولى تبدو أقل حسماً مما توحي به الأرقام الرسمية. فقد أشارت دراسة أسترالية، نقلتها صحيفة «لوموند» الفرنسية، إلى أن نسبة كبيرة من المراهقين واصلت استخدام الشبكات رغم الحظر، وأن تطبيق القانون ظل جزئياً بسبب التحايل على أنظمة التحقق من العمر.

السبب أن القاصر يستطيع، في بعض الحالات، تقديم تاريخ ميلاد زائف أو استخدام حساب أحد أفراد الأسرة أو إنشاء حساب جديد بعد إغلاق الحساب السابق، أو حتى اللجوء إلى أدوات تقنية لتجاوز القيود. كذلك بيَّنت دراسة أخرى أن الحظر لم يؤد، خلال الفترة الأولى، إلى تراجع كبير ومستدام في استخدام المراهقين لهذه المنصات. طبعاً، لا تعني هذه النتائج أن التنظيم الحكومي غير مفيد، لكنها تشير إلى أن الحظر الشامل، من دون وسائل تقنية موثوقة وبرامج توعية ومساندة أسرية، قد ينتج امتثالاً شكلياً أكثر منه تغييراً حقيقياً في السلوك.

الآباء بين الارتياح والقلق

رحَّب كثيرون من الآباء بالمبادرة الفرنسية؛ لأنهم يرون فيها وسيلة لإعادة التوازن إلى علاقة الأسرة بالمنصات الرقمية.

فالأهل يجدون أنفسهم غالباً في مواجهة شركات تملك أدوات تقنية ونفسية هائلة لجذب المستخدمين، في حين لا تتوافر لهم دائماً المعرفة أو الوقت لمراقبة كل ما يتعرّض له أبناؤهم. لكن هناك من يخشى أن تمنح الدولة الأهل شعوراً زائفاً بالأمان. ثم إن الحظر قد يدفع بعض المراهقين إلى استخدام حسابات سرّية أو منصّات أقل رقابة، وقد يحرمهم أيضاً من بعض أشكال التواصل الاجتماعي والمعلومات والدعم النفسي التي توفرها الشبكات لبعض الفئات، خصوصاً المراهقين الذين يعيشون العزلة أو يواجهون التمييز.

أما الخبراء، فينقسمون بين من يرى في سن الخامسة عشرة خطاً وقائياً ضرورياً، ومن يعتقد أن التركيز ينبغي أن ينصبّ على خصائص المنصات لا على عمر المستخدم وحده. فالمشكلة، وفق هذا الاتجاه، لا تكمن في وجود حساب لمراهق يبلغ الرابعة عشرة بقدر ما تكمن في خوارزمية تدفعه إلى محتوى مؤذٍ، أو في إشعارات تمنعه من النوم، أو في منصة لا تتدخل سريعاً أمام التنمر.

من الحظر العام إلى التنظيم الدقيق

بعد إلغاء المادة الأساسية، تعتزم الحكومة الفرنسية إعداد صيغة جديدة. ومن المرجح أن يتجه النقاش نحو حظر أكثر تحديداً، يستهدف الخصائص الأكثر خطراً: أنظمة التوصية، والإعلانات الموجهة، والإشعارات الليلية، والتواصل مع البالغين المجهولين، والمحتويات المتعلقة بإيذاء النفس واضطرابات الأكل. وتشير توصيات «أناس» إلى أن حماية المراهقين لا يمكن أن تقوم على الحظر وحده، بل تحتاج أيضاً إلى التربية الرقمية، ودعم الوالدين، وتعزيز دور المدرسة، وتحسين آليات التبليغ والمراقبة.

لذلك؛ فإن المعركة الفرنسية لم تنتهِ بقرار المجلس الدستوري. بل هي انتقلت من سؤال بسيط، هو: «هل نمنع مَن هم دون الخامسة عشرة؟»، إلى سؤال أكثر تعقيداً: «كيف نحمي القاصرين من أخطار المنصات من دون أن نحوّل كل عملية دخول إلى الإنترنت عمليةَ تفتيشٍ ومراقبة؟

كيف تستطيع المنصات التأكد من أن المستخدم تجاوز الـ 15 من دون تحويل الإنترنت فضاءً للمراقبة؟