هل يصبح صنّاع المحتوى صحافيي الغد؟

دراسات تتوقع اتساع رقعة نفوذهم مقابل أفول نجم الإعلام التقليدي

هوغو ترافرس "هوغو ديكريبت" (يو تيوب)
هوغو ترافرس "هوغو ديكريبت" (يو تيوب)
TT

هل يصبح صنّاع المحتوى صحافيي الغد؟

هوغو ترافرس "هوغو ديكريبت" (يو تيوب)
هوغو ترافرس "هوغو ديكريبت" (يو تيوب)

قبل 10 سنوات ما كان أحد يتصور أن يقبل رئيس دولة كبيرة كفرنسا بإجراء مقابلة خاصة مع صانع محتوى شاب لا يتعدى 24 سنة، لم يتخصّص في الصحافة ولا يعمل في أي مؤسسة إعلامية. إلا أن هذا ما حدث فعلاً في 2019 حين حاور هوغو ترافرس (قناة هوغو ديكريبت) الرئيس إيمانويل ماكرون لمدة ناهزت الساعتين حول مواضيع سياسية تهم الشباب والفرنسيين بصفة عامة. كذلك، حاور صانع المحتوى الشاب أكثر من 30 سياسياً فرنسياً من اليسار واليمين، وشخصيات مهمة مثل بيل غيتس ورئيس وكالة الاستخبارات الأميركية جون برينان، كما يقدم أسبوعياً تحليلاً لأهم الأحداث السياسية والاقتصادية، يتابعها ويعلّق عليها الملايين على منصّة «يوتيوب».

لينا محفوف "لينا سيتواسيون" (غيتي)

هذه الأمثلة المختارة ما عادت ظاهرة منعزلة، فـ«صنّاع المحتوى» الذين يقتحمون المجال الإعلامي ويقلبون الموازين باتوا ظاهرة آخذة في التطور... وكل في مجاله. إذ إن منهم من يتخصّص في السياسة، ومنهم في الاقتصاد والمال أو في الثقافة والرياضة، بعيداً عن الصورة التقليدية أو النمطية لصانع المحتوى الذي لا يتناول إلا المواضيع الترفيهية بسطحية وابتذال. واللافت أن الظاهرة أخذت أبعاداً كبيرة، خصوصاً في أوساط الشباب، لدرجة أنها صارت تثير قلق الإعلاميين وخوفهم من منافسة قد لا تنتهي حتماً لصالحهم.

انقلاب الموازين يعدّ البعض النفوذ المستجد لصانعي المحتوى بمثابة طبق الانتقام الذي يؤكل بارداً، فلطالما عانى هؤلاء من ازدراء شخصيات من عالم الصحافة والإعلام عدّتهم «متطفلين» يفتقدون الشرعية والمؤهلات. وفي حوار نُشر بالمجلة الثقافية «تيلي راما»، عاد المؤثّر الفرنسي لوكاس هوشار الملقب بـ«سكويزي» سنوات إلى الوراء ليعلّق على الحوار التلفزيوني الذي جمعه بالإعلامي المعروف تيري أرديسون، وهو الحوار الذي أثار كثيراً من الجدل بسبب لهجة السخرية والازدراء التي خاطب بها أرديسون المؤثر الشاب، وبالذات عندما توجّه إليه بلهجة ساخرة قائلاً: «دعني أقول لك إنك عبقري... فعملك يقتصر على اللعب والدردشة مع متابعيك، وبفضل الإعلانات تتلقى أجوراً خرافية، هذا أمر رائع...».«سكويزي» علّق على تلك الحادثة بقوله: «لقد تلقوا صفعة على وجوههم ولم يفهموا أننا على أبواب ثورة ترفيهية وتكنولوجية... مَن أكون حتى أقول إن تعامله معي لم يكن لائقاً؟... لكن ما أستطيع قوله هو أن الازدراء كان فعلاً مبالغاً فيه... اليوم نضجنا من حيث المضمون والمعالجة وهذه لغة يفهمونها أكثر...». وحقاً، بمرور الوقت، انقلبت الموازين واختلطت الأوراق، وصار صانعو المحتوى يتمتعون بنفوذ كبير.

سيبريان (آ ف ب)

المؤثر الشاب الذي كان موضع استهزاء من طرف الإعلامي أصبح اليوم «الرجل الأكثر مشاهدة في فرنسا»، وفق مجلة «تيلي راما» بأكثر من 40 مليون متابع في مجمل المنّصات، ويتربع على رأس شركة إنتاج تزن أكثر من 14 مليون يورو، وهو الذي يقرر مَن يحاوره من الصحافيين وبأي الشروط.

ملاحقة وشروط

في الموقع الإخباري «أري سو ايماج»، الذي يديره الصحافي المستقل دانيال شنيديرمان، شرح عدد من الصحافيين كيف أنهم ركضوا لأشهر طويلة وراء صانع المحتوى «سكويزي» أملاً في الظفر بحوار معه، وحين قبل، اشترط موافقته على النسخة النهائية وحذف المقاطع التي لا يراها مناسبة قبل النشر، وهو أمر قبل به الصحافيون، بحسب شهادة أحدهم وهو فيكتور لو غران الصحافي من مجلة «سوسايتي» الثقافية.

ما يأخذه صنّاع المحتوى على الإعلاميين التقليديين هي لهجة «التعالي» التي تُستخدم تجاههم، ذلك أنه على الرغم من كل الجهود التي يبذلونها فإن تُهم السطحية ونقص المهنية لا تزال تلاحقهم في كل مناسبة.

وفي شهادات حصرية لمجلة «لا روفو دي ميديا»، التي خصّصت مقالاً طويلاً حول هذا الموضوع بعنوان: «بين المؤثرين والصحافيين، غياب دائم للثقة»، يستحضر كثير من صنّاع المحتوى الفرنسيين العبارة التي غالباً ما يستعملها الإعلاميون لتقديمهم. وهي تبدأ بالجملة التالية: «أنتم لا تعرفونهم، لكنهم الشخصيات الأكثر شعبية في ساحات المدارس...».

لوكاس هوشار "سكويزي" (آ فب ب)

من جانب آخر، «سيبريان»، وهو صانع محتوى آخر معروف، يتذكّر على صفحات المجلة ذاتها كيف أنه فوجئ بالصحافية في قناة «كنال بلوس» مايتينا بيرابان، التي من المفروض أن تحاوره، وقد كلّفت طفلة صغيرة بتوجيه الأسئلة بدلاً منها... في تلميح منها إلى أن الجمهور الذي يهتم بمضامين المؤثر الشاب هم فقط من الأطفال.الغيرة والخوف من المنافسةالمنافسة التي بات يشكلها صنّاع المحتوى على الصحافيين، وبخاصة الناشطين في القطاع السمعي البصري، أدّت إلى تطور علاقات سيئة بين الفريقين. بل ازدادت الوضعية تدهوراً مع الوقت بسبب الهوّة التي شكلها نقص الثقة المزداد بين الجمهور والإعلام التقليدي المُقيم، وحسب آخر مسح أجري في فرنسا، بنحو لا تزيد الثقة على 30 بالمائة فقط.

وفي موضوع الهجوم الذي شنّه بعض الصحافيين المتخصصّين في الأخبار الفنية، حين اكتشفوا أن مجموعة من المؤثرين قد حصلوا على تصاريح صحافية في حفل افتتاح الفيلم السنيمائي «بابيلون»، نقلت مجلة «ليبيراسيون» عن واحدة منهم؛ وهي الصحافية بالوما بيكوس من مجلة «باري ماتش» في تغريدة عبر منصّة «إكس»، قولها: «أنا حزينة لأنني اكتشفت اليوم أن التصاريح الصحافية النادرة جداً باتت اليوم متاحة للمؤثرين، كأن الأماكن ليست غالية بما فيه الكفاية، بل كأن المعركة التي نخوضها (نحن الصحافيين التقليديين) يومياً من أجل الفوز بالمصداقية ليست صعبة بما فيه الكفاية... هل أنا الوحيدة التي تجد أن هذه الوضعية ما عادت تطاق؟».

بيكوس نشرت التغريدة مع صورة لمؤثرة شابة تدعى لينا محفوف (قناة لينا سيتواسيون) وهي تحمل التصريح الصحافي، مع العلم أن المؤثرة التي وجهت لها شركة الإنتاج الدعوة لا تنتمي لأي مؤسسة إعلامية ولا تتمتع بأي خبرة في الحوارات الصحافية. إلا أنها في المقابل، تملك أعداداً غفيرة من المتابعين (3 ملايين). ولقد ذكّرت «ليبيراسيون» قراءها بأن صانعة المحتوى الشابة وزملاءها الأربعة الذين حضروا حفل الافتتاح يتربّعون على مملكة من المتابعين تصل إلى 6 ملايين شخص يثقون في آرائهم ويتأثرون باختياراتهم، وهو ما تفتقده الصحافية بيكوس.

لسنا بحاجة إلى الإعلام التقليديهذه العلاقات المتوترة بين «الإخوة الأعداء» أكدتها دراسات كثيرة، منها واحدة لوكالة «ريتش» المتخصّصة في التسويق الرقمي، نُشرت في صحيفة «لاروفو دي ميديا» وشارك فيها أكثر من 1300 صانع محتوى فرنسي. وفي حين بينت الدراسة أن 42 بالمائة منهم يعدّون «وسائل الإعلام تمثلهم بصورة سلبية»، ذهبت صانعة المحتوى الفرنسية آفا ميند إلى حد اتهام الصحافيين «بتشويه الحقيقة ومحاولة الإيقاع بهم في الحوارات». ذلك أن معظم الأسئلة، حسب الشابة الفرنسية، تدور حول مواضيع تافهة «كالمدخول، والمشروعات بعد فقدان المتابعين، والعلاقة بالزملاء من الرجال (؟) ولذا فهي نادراً جداً ما تقبل حوارات صحافية». وأردفت: «مهنة صانع المحتوى مهنة قائمة بحد ذاتها، فيها جوانب إيجابية وكذلك سلبية... والمهم التوقف عن النظر إلينا باحتقار لأنني فخورة بعملي...».

صانع المحتوى المعروف «سكويزي» ذهب، من جهته، إلى وصف قطاع التلفزيون «بالعتيق الذي عفّى عليه الزمن» خلال حوار مع مجلة «تيلي راما». وتابع أنه «لا يفكر بالعمل فيه، لأن طريقة العمل فيه تخلو من الإبداع والتجديد». وحقاً، على طريق الاستغناء عن الإعلام التقليدي يلجأ صنّاع المحتوى اليوم إلى إنشاء «دائرة إعلامية بديلة». وعبرها يقوم هؤلاء باستجواب بعضهم، والأسباب شرحها أحدهم على صفحات مجلة الدراسات الإعلامية «لا روفو دي ميديا»، فقال: «حين يحاورني زميل، فأنا أتعامل مع شخص من الوسط نفسه الذي أنشط فيه، ولذا سيكون وديّاً معي ومتفهّماً للمواضيع التي لا أود التطرق إليها». هل هم صحافيو الغد؟أمام المعطّيات الجديدة، فقد اهتمت عدة جهات برصد تطورات المشهد والتوقعات المستقبلية. إذ ظهرت عدة دراسات تتوقع مستقبلاً زاهراً لصناع المحتوى، أولاها دراسة نشرت في صحيفة «فايننشيال تايمز» البريطانية، كبرى الصحف المالية والاقتصادية العالمية، في أواخر مارس (آذار) الماضي 2024، تحت عنوان «الطّرق التي سنلجأ لها للتزود بالأخبار مع مطلع 2030»، وهي تبين أن أهم تغيير سيتعلق بمستقبل النشاط الصحافي.

هذه الدراسة تتوقع نفوذاً أكبر لصنّاع المحتوى في قطاع الإعلام مقابل «أفول نجم الصحافيين بالمعنى التقليدي... تحت وطأة المنافسة الشرسة». ثم إنها تشير إلى مشكلة «انعدام الثقة» التي أضحت تجسّد العلاقة بين جمهور الشباب ووسائل الإعلام التقليدية، التي من المتوقع أن تمتد إلى شرائح أخرى في المستقبل.

وبالتالي، فإن الدراسة وإن لم تعلن عن «موت الصحافة التقليدية» وصحافييها، فإنها دقّت ناقوس الخطر بالقول إن «على الصحافيين العمل على تغيير علاقتهم بالجمهور إذا أرادوا الاحتفاظ بشيء من النفوذ، لأن أكبر مشكلة تواجههم الآن هي «غياب المصداقية». ثم شرحت أن كثيرين «ما عادوا يثقون في وسائل الإعلام التقليدية ومصادرها الإخبارية»، بل يشككون في كل معلومة أو خبر. وفي المقابل، تنصبّ الأنظار والاهتمامات نحو المضامين التي تقدّمها شخصيات من وسائل التواصل الاجتماعي. وعلى سبيل المثال، فإن صانع المحتوى الذي يسجل أحداث المظاهرات وينقل حيثياتها يومياً قد يبدو أكثر صدقية من الصحافي الذي يغطي الحدث، ثم ينتقل إلى موضوع آخر في اليوم الذي يليه، لكون التقارب والشعور بالارتباط بمصدر المعلومات مسألة مهمة للغاية.

دراسة «فايننشيال تايمز» ركزت أيضاً على تقدم صانعي المحتوى على الإعلاميين فيما يتعلق بالعلاقات «شبه الاجتماعية» أو التفاعلات الافتراضية التي تربطهم بالجمهور الذي يستهلك هذه المواد الإخبارية.

في حين يعزل الصحافيون التقليديون أنفسهم داخل قلاع المؤسسات الإعلامية التي ينتمون إليها.

ولعل هذا ما قصدته الصحافية الأميركية تايلور لورنز في مقال بصحيفة «واشنطن بوست» تحت عنوان «صانعو المحتوى: الفائز الأول في محاكمة (جوني) ديب وأمبر (هيرد)»، عندما كتبت: «انطلاقاً من هذا الحدث الذي أثار اهتمام الجمهور، أدرك كثير من صناع المحتوى أنهم باتوا قادرين على إثارة الاهتمام وجني الأرباح من خلال تغطية الأخبار...». وأضافت: «في سياق يشهد تلاشي الصلة الضعيفة التي كانت تربط الجمهور بالصحافيين، وسواءً أرادت وسائل الإعلام والسّاسة الاعتراف بذلك أم لا، فإن صنّاع المحتوى صاروا شخصيات ريادية تقدم مضامين إخبارية لعدد مزداد من الأشخاص، وأيضاً هم الذين صاروا يحددون السّرد الإلكتروني للأحداث الكبرى».

دراسة أخرى، في الاتجاه نفسه، أعدتها وكالة «رويترز» عن الإعلام الرقمي تتوقع منعطفاً خطيراً في طرق استهلاك الأخبار بالمستقبل. فقد كشفت الدراسة أن «توزيع الأخبار الآن بصدد الانتقال من أيدي الصحافيين إلى أيدي صنّاع المحتوى، وأن البحث عن المضامين الإخبارية سيكون في المستقبل مدفوعاً بغرض التواصل بين أفراد المجتمع، أما البحث عن الأخبار ذاتها فسيغدو مهمة جماعية نسعى من خلالها إلى تحقيق الترابط والوصول إلى مصادقة الآخرين».

كذلك، تتوقع دراسة «رويترز» نهاية «الفجوة» بين المضامين الإخبارية «الجادة»، كمواضيع السياسة والاقتصاد، والمواضيع الخفيفة كأخبار المشاهير والرياضة، ومن ثم، ظهور مزيج بين الاثنين أطلقت عليه اسم «إنفوتاينمنت» المكوّنة من كلمتي «إنفورمايشن» (معلومات) و«إنترتاينمنت» (ترفيه). وبالتالي، «على قاعات التحرير - حسب الدراسة - تقديم ما يريده الصحافيون وما يريده الجمهور»، وأهم ما بينته هذه الدراسة «الرغبة المُلحة في التفاعل ونبذ مشاعر العجز»، وهو الجانب الذي يتفوق فيه صناع المحتوى ويتألقون مقارنة بالصحافيين.


مقالات ذات صلة

«ليالي الفيلم السعودي» في أستراليا أواخر يونيو

يوميات الشرق الفعالية تعزز حضور السينما السعودية عالمياً ومحلياً (هيئة الأفلام)

«ليالي الفيلم السعودي» في أستراليا أواخر يونيو

أعلنت هيئة الأفلام السعودية عن انطلاق فعالية «ليالي الفيلم السعودي» في محطتها القادمة بأستراليا خلال الفترة بين 26 و28 يونيو الجاري.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق «رؤية السعودية 2030» ركّزت على خلق مجتمع حيوي وبيئة عامرة (هيئة الترفيه)

دراسة حديثة تؤكد اهتمام الجمهور الدولي بنمط حياة السعوديين

كشفت دراسة حديثة عن تزايد اهتمام الجمهور الدولي بمتابعة الثقافة المحلية للمجتمع السعودي، وإسهام المنصات الرقمية في تعزيز صورة إيجابية عن البلاد.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق التنظيمات الجديدة تستهدف تقديم المِنح والحوافز لدعم العاملين بالقطاعات الثقافية (واس)

ممكنات جوهرية لإثراء القطاع الثقافي السعودي

وافق مجلس الوزراء السعودي خلال جلسته الثلاثاء عبر الاتصال المرئي برئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز على تنظيمات الهيئات الثقافية الـ11.

«الشرق الأوسط» (جدة)
شمال افريقيا القفطان المغربي خلال عرض أزياء أفريقي بمقر «اليونيسكو» بباريس

بسبب القفطان... المغرب يشكو الجزائر في «اليونيسكو»

أزمة بين المغرب والجزائر بسبب القفطان تصل إلى «اليونيسكو».

«الشرق الأوسط» (لندن)
سينما الملصق الدعائي لفيلم «رفعت عيني للسماء» (وزارة الثقافة المصرية)

احتفاء بأول فيلم مصري يحصد جائزة «العين الذهبية» في مهرجان كان

فاز الفيلم المصري «رفعت عيني للسماء» بجائزة «العين الذهبية» لأفضل فيلم تسجيلي في مهرجان كان السينمائي بدورته السابعة والسبعين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

حنين الإعلام المرئي اللبناني لـ«الزمن الجميل» يبرز في برمجته العصرية

الوزير زياد مكاري (الشرق الأوسط)
الوزير زياد مكاري (الشرق الأوسط)
TT

حنين الإعلام المرئي اللبناني لـ«الزمن الجميل» يبرز في برمجته العصرية

الوزير زياد مكاري (الشرق الأوسط)
الوزير زياد مكاري (الشرق الأوسط)

التطور التكنولوجي وما تفرّع عنه من وسائل تواصل اجتماعي وصفحات إلكترونية لم يثنِ اللبناني عن اهتمامه بماضٍ تقليدي. ومُشاهد محطات التلفزة لا يزال عاشقاً لحقبة تلفزيونية يشتاق إليها. إنها مرحلة «الزمن الجميل» التي تطفو أخيراً على سطح البرمجة في الإعلام المرئي بشكل ملحوظ. واللافت هي نسبة مشاهدتها المرتفعة من جيل لا يزال يعد الشاشة الصغيرة لا منافس لها. وبمناسبة إثارة هذا الموضوع، التقينا وزير الإعلام اللبناني زياد مكاري.

نجوم «أبو سليم» (فيسبوك)

تكلفة شراء الدقيقة 3000 دولار

وزير الإعلام زياد مكاري، أصدر أخيراً قراراً يقضي بضبط عملية استخدام أرشيف «تلفزيون لبنان». وبعدما كان هذا الأرشيف الثري في الماضي القريب بمثابة «الرزق السائب» وضع مكاري حداً لشرذمته. ويقضي هذا القرار بدفع مبالغ مالية من كل شخص يرغب في استعارة دقائق مسجلة من هذا الأرشيف. وأوضح الوزير في حديث لـ«الشرق الأوسط» أنه «كان لا بد من فعل هذه الخطوة للحفاظ على أرشيف تلفزيون لبنان. أنا أعدّه ثروة وكنزاً نحن بصدد ترميمه ورقمنته على أكمل وجه. ووضعنا آلية واضحة لكيفية استعارته أو شراء دقائق منه مقابل مبالغ مالية تحدَّد قيمتها حسب مدتها والفترة الزمنية التي تطبعها. فسعر دقيقة من برنامج قديم يعود إلى الستينات يعني أن تكلفتها لن توازي تكلفة مشابهة لآخَر أُنتج حديثاً. وللعلم، تصل سعر الدقيقة الواحدة من برنامج معين إلى مبلغ 3 آلاف دولار».

أيضاً، أفادنا مكاري بأن «الاستعمال المجاني لمقتطفات من تلك البرامج صار ممنوعاً، ويجب ألا تتعدى مدته الـ15 ثانية». وأضاف: «نعمل اليوم على تسجيل أرشيف تلفزيون لبنان على لائحة (ذاكرة العالم) في اليونيسكو، وهذا الأمر يتطلب مشواراً طويلاً يحتاج إلى خبراء دوليين ولبنانيين. وعلينا لإتمام ذلك إجراء جردة حساب دقيقة، نلملم خلالها كل أرشيف تلفزيون لبنان، ونجمعه في مكان واحد، أي في مبناه في الحازمية».

حماية المِلكية الفكرية لتلفزيون لبنان يضعها الوزير مكاري في المقدمة. ومن هذا المنطلق، يسير في خطة مدروسة وعملية في آن. وهو حالياً يلاحق وسائل التواصل الاجتماعي التي تَركن إلى هذا الأرشيف وتعرضه من دون إذن مسبق.

وعن طبيعة مشاعره تجاه إعادات تلجأ إليها المحطات التلفزيونية اليوم، قال مكاري: «حتى قبل أن أصبح وزير إعلام كنت أعيش في صفحات الماضي وتراثنا العريق. فأنا أهوى تلك المرحلة وتعمّقت فيها عبر السنين. وأعتقد أن تعلّق اللبنانيين بماضيهم ينتج عن حاضر صعب يعيشونه. فهم بغالبيتهم يترحّمون على عصر لبنان الذهبي... و(الزمن الجميل) يضعهم في خانة واحدة توحِّد ذاكرتهم».

أم ملحم وأبو ملحم (سلوى وأديب حداد) في «أبو ملحم» (فيسبوك)

كذلك يعمل الوزير راهناً مع مركز «إينا INA» الفرنسي المتخصص في حفظ آلاف الساعات من الأرشيف البصري حول العالم. ويشرح: «دأبَ هذا المركز على تقديم الأرشيف بشكل حديث، راكناً إلى إنستغرام وتيك توك وفيسبوك وغيرها، فيروّج لبيع منتجات أرشيفية يحتفظ بها. وقد أبرمنا اتفاقاً معه يتعلق بأرشيف تلفزيون. وربما في المستقبل يتوسّع هذا التعاون ليشمل أرشيف الإذاعة اللبنانية والوكالة الوطنية».برامج لا تُنسى

في الواقع، البرامج القديمة التي اشتهرت على الشاشة الفضية تستقطب اليوم شريحة لا بأس بها من اللبنانيين. وأحياناً لا تكتفي بما تقدمه المحطات التلفزيونية من جرعات منها، فتنكبُّ على البحث عنها عبر صفحات إلكترونية. البعض يرى إعادات تلك البرامج القديمة بمثابة دواء يشفي الروح، وآخرون يجدون أنها تُسهم في استرجاع لطيف لمرحلة الطفولة. إذ إن مواضيع تلك البرامج لم تفقد براءتها رغم مرور الزمن عليها. وتلك البرامج تمثل حقاً لبنان العز والبساطة، والماضي الجميل البريء... من دون «ريموت كونترول» ولا استهلاك أفكار متشابهة مكرّرة. وإذا ما قمنا بجولة سريعة على قنوات التلفزة اللبنانية تستوقف إعادتها لبرامج قديمة، غالبيتها تخصص فقرة تعزز فيها ذاكرتنا تحت عنوان «الزمن الجميل».

تلفزيون المؤسسة اللبنانية للإرسال (إل بي سي آي) يعرض ضمن برنامجه الصباحي «مورنينغ توك» مقاطع من أرشيفه الغنيّ، بينها محطات مختلفة من برنامج «استوديو الفن»، ومقطع من مسلسل للراحلة هند أبي اللمع، ومشهد من مسرحية لفيروز. هذه المقتطفات تُستخدم وفقاً لموضوع معين يتناوله معدّو البرنامج. أما برنامج «ذا ستايدج» مع المذيعة كارلا حداد، فيرتكز على محتوى بصري من هذا النوع، فكرته الأساسية تقوم على تكريم فنانين من لبنان. وهو ما يحتاج العودة بالذاكرة إلى إنجازات لهم، غالباً ما تكون بالأسود والأبيض.

أكبر أرشيف ومكتبة

إلا أن «تلفزيون لبنان»، (الحكومي)، هو صاحب أكبر وأوسع مكتبة أرشيفية بين المحطات المحلية. واليوم تشمل مسلسلات وبرامج حوارية وأخرى كوميدية، وتوزع ساعات بث هذه البرامج وإعادتها على أقسام يوم بكامله. ثم إنه تتراوح برمجة تلفزيون لبنان على إعادات عرض لبرامج «أبو سليم» و«أبو ملحم» و«حكمت المحكمة» و«ألو حياتي» وغيرها... لطالما تستحضر لحظات لحقبة ذهبية عاشها لبنان. والواقع أن المحطة تستفيد من عرضها باستمرار في ظل افتقارها للميزانية المالية اللازمة لتجديد محتوى برامجها على المستوى المطلوب.

«المستقبل» اكتفى بالماضي

ومن المحطات المحلية التي تملك أرشيفاً تلفزيونياً ضخماً أيضاً قناة «المستقبل». ومن كان يتابعها يلمس ذلك عن كثب. فـ«المستقبل» كانت من القنوات التلفزيونية السباقة بمحتواها الترفيهي والوثائقي. لكنها اليوم تكتفي باستحضار تلك الحقبة لتؤلف محتوى شاشتها الصغيرة الغائبة عن السمع. وهكذا، نشاهد أشهر مذيعيها كيُمنى شري وزاهي وهبي وكارين سلامة وغيرهم يتألقون في تقديم برامج مختلفة، علماً بأن هذا النوع من الإعادات يعيد نجوم الشاشة الصغيرة يافعين... ننظر إليهم ونردد عبارات تصف تبدلات لملامحهم.

في الإعادة سعادة

من جهة أخرى، استطلعت «الشرق الأوسط» رأيين حول سبب الانجذاب لبرامج الماضي...

الدكتور بلال عبد الهادي، الأستاذ في الجامعة اللبنانية، يتمسك بتمضية جزء من يومه في متابعة «تلفزيون لبنان». وقال لنا: «للبرامج القديمة طعم يختلف عن الحديثة. إنها تعيدني إلى زمن الشباب فاستمتع بمشاهدتها. هذه الهواية لا علاقة لها بمستوى تلك البرامج ومحتواها. وعلى عكس ما يعتقده كثيرون فإن بساطتها وعفوية حواراتها تولّد هذا الارتباط بها. أحياناً أسأل نفسي وأنا أتابع برنامج لـ«أبو سليم» مثلاً، ماذا كان يعجبني في خياري هذا؟ ويأتيني الجواب بسيطاً «إن لكل زمن رجاله».

أما الإعلامي جوني منيّر، فشرح أنه «الحنين إلى الماضي بكل ما فيه من حلو ومر». وتابع: «في تلك الفترة لم يكن هناك على الساحة الإعلامية المرئية سوى تلفزيون لبنان. اليوم عندما أتفرج على برنامج للممثل صلاح تيزاني (أبو سليم) وفرقته أضحك لاشعورياً. أفرح لرؤية الراحل إيلي صنيفر في مسلسل (البؤساء). لقد طبع ذاكرتي، لا سيما أن قصة العمل للأديب الفرنسي الراحل فيكتور هوغو كانت تدخل في المنهج الدراسي. وما زلت أملك نفس الحماس لمشاهدته أكثر من مرة». وأردف منيّر «إن (الزمن الجميل) عالم خاص بجيل معين قد لا يستوعب جيل الشباب اليوم أي شيء منه، ومتعة مشاهدة مقتطفات منه تعيدني إلى نشأتي وطفولتي... ومَن منَّا لا يحب استعادتها بغضِّ النظر عمَّا إذا كانت طبيعتها جميلة أو العكس».