الأمن والاقتصاد والحكم الرشيد في «منتدى أصيلة»

نقاشات اليوم الثاني تسلط الضوء على صورة القارة ومحاولاتها لتحقيق التنمية

جانب من ندوة «أفريقيا والعالم: أي عالم لأفريقيا؟» في مهرجان أصيلة أمس («الشرق الأوسط»)
جانب من ندوة «أفريقيا والعالم: أي عالم لأفريقيا؟» في مهرجان أصيلة أمس («الشرق الأوسط»)
TT

الأمن والاقتصاد والحكم الرشيد في «منتدى أصيلة»

جانب من ندوة «أفريقيا والعالم: أي عالم لأفريقيا؟» في مهرجان أصيلة أمس («الشرق الأوسط»)
جانب من ندوة «أفريقيا والعالم: أي عالم لأفريقيا؟» في مهرجان أصيلة أمس («الشرق الأوسط»)

استحوذت القضايا الأمنية والاقتصادية وسبل الحكم الرشيد في أفريقيا على نقاشات اليوم الثاني من فعاليات «موسم أصيلة الثقافي الدولي» التاسع والثلاثين، ضمن ندوة «أفريقيا والعالم: أي عالم لأفريقيا؟»، التي سلطت الضوء على صورة القارة في الخارج ومحاولاتها تحقيق التنمية.
وطرح رئيس «مؤسسة التنمية والتبادل الدولي» وزير خارجية جمهورية الرأس الأخضر فيكتور بورغيس أسئلة عن التسميات التي تشخص الأزمات في القارة، معتبراً أن «مشكلات كثيرة تم حلها، لكن استمر وصفها بالأزمة». وتساءل عمن لديه الحق في إطلاق التسميات وتحديد «الأزمات»، موضحاً أن «من له الحق في إطلاق التسمية وفرضها هو من يملك القوة والسلطة، في حين أن الأزمات الحقيقية لا أحد يتحدث عنها ولا يتم البحث عن حلول لها، والتباطؤ في علاجها يزيد من الفقر والعجز المستمرين». وعزا ذلك إلى أن «الأفارقة غير مستعدين لمعرفة الأسباب الحقيقة للمشكلات كي يواجهوها بشجاعة».
وتحدث بورغيس عن خيبة آمال الشباب الأفارقة في ما يتعلق بالديمقراطية في القارة «لأن الحكومات عجزت عن تلبية حاجات السكان الأساسية، فاتجهت الفئة الشابة إلى الهجرة بحثاً عن عيش أفضل، بعدما فقدت الأمل في تحقيق فرص عمل في بلدانها واستمر تدهور البيئة ومشكلات الجفاف واستغلال الثروات بشكل مفرط مما زاد من تعميق الأزمة أكثر، إضافة إلى الأزمات العالمية التي لها بعد سياسي أو ديني وتخلق بدورها توترات لا تجعل الوضع أفضل».
وركزت الأستاذة في معهد الدراسات السياسية بباريس نياغالي بوغايوكو على تشخيص الوضع الأمني في أفريقيا. و«استشهدت» بتجارب دول غرب القارة التي أدت الصراعات إلى تعبئة جيوشها، مشيرةً إلى أنه مكافحة القرصنة البحرية نشطت القوات البحرية، وفي مواجهة الجريمة تمت تقوية جهاز الشرطة، وهو ما أدى إلى تطوير جهاز الاستخبارات والقوات المكلفة حراسة الحدود». لكنها شددت على «ضرورة حسن إدارة القوات الأمنية وتدبيرها حتى لا تتسبب في الإخلال بالاستقرار». ورأت أن مفهوم الأمن «لا يقتصر على الرد على التهديدات العسكرية فقط، بل يشمل التهديدات السياسية والاجتماعية والبيئية».
وأوضحت أن «الشرط الأساسي في نجاح الحل الأمني هو أن تكون القوات خاضعة للمساءلة والإشراف من قبل الجهات الأمنية، كما يجب أن تنخرط في المراقبة أطراف غير حكومية، كي تدار بطريقة ديمقراطية، حتى نتمكن من توظيف القطاع الأمني التابع للدولة، بدل الاستعانة بالخارج لتمويل الخدمات الأمنية».
أما ليسيل لو فودرون، وهي صحافية مختصة في الشؤون الأفريقية ومستشارة في معهد الدراسات الأمنية بجوهانسبورغ، فتحدثت عن المساعدات الدولية التي تتلقاها أفريقيا لحل الأزمات، «من دون أن تعطي نتائج دائمة. وسرعان ما تعود الأزمة أشد بعد مدة قصيرة». ورأت أن تعزيز الأمن بالسلاح أمر بالغ الأهمية، لكن التمويل دائماً لا يكفي والنتائج الإيجابية غالباً ما تكون مؤقتة، واستشهدت في ذلك بنموذج أزمة دارفور.
وشددت فودرون على ضرورة إجراء إصلاحات جذرية في الاتحاد الأفريقي، موضحة أن عملية الاتحاد شاقة وبطيئة. وعزت ذلك إلى أن «القيادة في الاتحاد الأفريقي ليست قوية بما فيه الكفاية، والأفارقة لم يبلغوا بعد مرحلة توحيد الآراء ليتجاوزوا أزماتهم معاً وتحفيز التنمية».
ودعا رئيس «المركز المغربي للدراسات الاستراتيجية» محمد بنحمو إلى «ضرورة مصارحة الأفارقة لأنفسهم بشأن حقيقة أزماتهم من دون حياء أو تردد بطريقة صريحة ومستفزة، فالقارة الأفريقية تعاني من مشكلة تشخيص أيضاً، والأفارقة لا يصفون المشكلات بالطريقة الصحيحة وبالتالي يكون العلاج دائماً رديئاً».
وأشار إلى أن «أفريقيا بعد الاستقلال بنت مجتمعات يستحيل تدبيرها، وبلداناً غير قابلة للحكم، واستمرت العوائق واشتدت حدتها منذ ذلك الحين، إذ دخلت في مسيرة مستمرة ومتشعبة من الأزمات. ورأى أن «الواقع المر هو أن أفريقيا ليست طرفاً فاعلاً في بناء العالم، بل هي خاضعة لمقاصد دول أخرى، وهذا أمر منطقي نظراً لظروفها، فالأزمات المزمنة مثل الأمراض المزمنة. وكلما تمت معالجة أزمة نشأت أخرى أسوأ منها». وقال: «إضافة إلى مشكلاتها الداخلية، أصبحت أفريقيا خزاناً للمشكلات الخارجية التي تصدر إليها، وكل أزمة متسلسلة ومتشعبة ولها أشكال جديدة وتتحول، وهو ما عَقَّد الأزمة وصَعَّب الخروج منها». واعتبر أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة المستقلة ببرشلونة أوسكار ماتيوس مارتن أنه «يجب التعامل مع الأسباب العميقة للأزمات، سواء من خلال البعد الدولي أو المحلي، كي يمكننا فهم المسارات المعقدة». وأوضح أن «الباحثين غالباً ما يتحدثون عن مشكلات الراديكالية والتطرف، لكن سبب ذلك هو خيبة الآمال لدى الشباب التي تجعلهم ينضمون إلى الجماعات الإرهابية والعصابات».
وتطرق إلى البعد العالمي في خلق الأزمات، ودور الأطراف الإقليمية والمحلية التي تترابط مع أطراف فاعلة مثل الشركات الأمنية. ورأى أن «الحل الدولي مهم جداً من خلال التنظيمات الدولية لتدبير الصراعات، وأيضاً استخلاص الخبرة، إذ إن إصلاحات عقد التسعينات الأمنية لم تعط ثمارها بعد 25 عاماً من تجربتها، رغم أنها حققت شبه استقرار أمني فيما بقيت الظروف الاجتماعية على حالها ولم تؤدِّ إلى سلام بمعنى إيجابي بل إلى سلام مؤقت».
واعتبر رئيس لجنة إنعاش القطاع الخاص في مجلس التجارة والصناعة في بوركينافاسو جان دوديو سومدا، أن الوقت حان «لتصبح القارة بين الأقوياء، وتعيد النظر في النظرة القيادية والالتزام بمسار ديمقراطي من أجل التنمية».
وأشار إلى أن «الحكم السديد والتنمية أمران مرتبطان، لكن في أفريقيا لا يؤمنون بهذا الارتباط. ورغم إعلان جل الدول الأفريقية عن دعمها للحوكمة، إلا أنها في الواقع لا تعمل بذلك ولا ترى أنها جزء لا يتجزأ من مشروع التنمية الذي يصبو إليه الجميع».
وأكد أن «54 دولة أفريقية التزمت بممارسة الحكم السديد لكن هذا المفهوم غير واضح بالنسبة إليها».
ولفت الكاتب السنغالي آدما غاي إلى أن أفريقيا «اعتمدت مفهوم الحوكمة من خلال إقرار الدساتير وتعددية الأحزاب والانفتاح ومنح الحرية للصحافة والنقابات، لكن ذلك للأسف يبقى كله على الورق ونظرياً»، مشيراً إلى أن القارة «مثل المتسلط الذي يتحدث عن الديمقراطية، فالخطابات جميلة والتباين يشتد يوماً بعد يوم، وهم يستعملون الديمقراطية للاستيلاء على السلطة ويمارسون طقوس أسلافهم أثناء الحكم العسكري».
وأضاف أن «العالم عينه على أفريقيا ويحس بخيبة الأمل، لأن زعماءها يدبرون شؤونهم حسب المصالح، وبالتالي فإن الشركات والوكالات الأجنبية هي المستفيدة». وشدد الأمين التنفيذي لـ«مجلس التنمية للبحث في العلوم الاجتماعية» إبريمة سالا، على القواسم المشتركة بين الدول الأفريقية، مشددة على ضرورة أن «يكون الحكم ديمقراطياً ومولداً للتنمية، ويكتسي بعداً جديداً على المستوى الاجتماعي، فهناك بعض الأنماط التنموية التي تقترب من مفهوم الحكم السديد، لكن الأفارقة أولاً يجب أن يكونوا على دراية بما يصبون إليه وأي مستقبل يتوجهون نحوه وكيف».
وتحدث أستاذ العلاقات الدولية والدراسات الأفريقية في جامعة مدريد المستقلة مبويي كابوندا باي عن «الديمقراطية المفروضة من طرف المؤسسات التمويلية على أفريقيا». واعتبر أنها «ليست حلاً، بل يجب أن تكون الديمقراطية راسخة في التراب الأفريقي وملك للشعوب الجنوبية من خلال تحقيق توافق بين الحداثة والديمقراطية، وبدل الاقتصار على المفهوم الغربي للديمقراطية يجب التفريق بين الأشياء المكتسبة والأصلية». وأوضح أن «للديمقراطية سلبيات وإيجابيات، لكن على أفريقيا الاستفادة ما أمكن من الإيجابيات، وبفضلها تغيرت الأوضاع بعمق من خلال خلق حرية التعبير والجمعيات والمنظمات، وهي أمور لم تكن موجودة». وانتقد «ديمقراطيات مشوهة لتبرير كيفية الاستيلاء على السلطة في ظروف سيئة»، معتبراً إياها «ديمقراطيات شكلية وديكتاتوريات مخفية ويمكن اعتبارها هجيناً بين الديمقراطية والديكتاتورية».
وقال مدير «مركز دراسات أفريقيا - الشرق الأوسط» في المغرب خالد الشكراوي، إن الحكم الرشيد في القارة يعاني «مشكلات كثيرة»، مشيراً إلى أن «هناك تقدماً بسيطاً، فدول تتقدم وأخرى تتأخر لكنها تقدمات ضعيفة، لأن التطور هو على الورق فقط والواقع مختلف تماماً».
ولفت إلى أنه في أفريقيا قبل الاستعمار «كانت نزاعات الدول حول الحدود ضعيفة جداً، وتكاد تكون منعدمة. وكانت دولاً ذات تنظيمات مستقرة». وضرب مثالاً بعلاقة المغرب وجنوب الصحراء التي «تواصلت لعشرة قرون من دون نزاعات، ثم جاء الاستعمار وشكَّل الحدود من دون ارتباطات تاريخية». وأوضح أن «التاريخ الجديد لتنظيمات القارة الأفريقية حدده الاستعمار، سواء الدولة والقانون والنظام والحكومة، علماً بأن دول أفريقيا كانت تملك أنظمة خاصة بها وشاملة وكانت ناجحة في إدارة الشعوب». وخلص إلى أن «مشكلة أفريقيا هي استقطاب المفاهيم الأجنبية، إذ يجب إعادة قراءة التاريخ الأفريقي بمصطلحات أفريقية، وإذا لم تستطع أفريقيا أن تقرأ مجتمعاتها بلغاتها فلا بد من أن تقع في أخطاء الترجمة».
أما الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية وزير التربية التونسي السابق عبد اللطيف عبيد، فعرف الحوكمة الرشيدة بأنها «تطبيق الأساليب الجيدة في الحكم من خلال النجاعة والشفافية والنزاهة والمحاسبة». لكنه حذر من الفساد الذي تسبب بالاحتجاجات والثورات في بعض دول شمال أفريقيا، «وهو أيضاً سبب مباشر في التخلف الذي تعاني منه القارة ويقف عائقاً أمام التنمية الشاملة التي كانت تتطلع إليها الشعوب». وأوضح أن «منظومة الفساد ترتبط بمنظومة الاستبداد وضعف الحوكمة، وبالتالي نتج عنها عدم الاستقرار وظهور المجاعات والجماعات المتطرفة، وهو ما زاد من الاستبداد بحجة الحفاظ على الأمن والاستقرار فتقوت لوبيات وأصبحت هي الأخرى جزءاً من منظومة الفساد». وأضاف أن «أخطر ما في الأمر هو أن المجاعات والفقر أصبحت ظاهرة عامة تهدد المواطنين وتحط من كرامتهم»، مشيراً إلى أن «تطبيق الحوكمة الرشيدة يحتاج إلى إرادة سياسية قوية».
وتطرق الكاتب الموريتاني عبد الله ولد باه إلى ثلاث إشكاليات، هي الأمن والتحول السياسي، ومسألة الإصلاح الاقتصادي منذ عقد الثمانينات، وعلاقة حقوق الإنسان بمفهوم السيادة. وأشار إلى أن «الدول الغربية دخلت في مسار الانتقال السياسي على اعتبار أن الديمقراطية آلية للأمن الداخلي والخارجي، لكن عملية التحول في أفريقيا أعطت نتائج معاكسة، وزادت من تأجيج مشكلة الأمن وعدم الاستقرار السياسي».
أما الإصلاحات الاقتصادية «فكانت لها انعكاسات سلبية على المستوى الاجتماعي، ولذلك وجبت العودة إلى موضوع العدالة الاجتماعية، لأن التنمية ليست اقتصادية فقط بل من منظور العدالة الاجتماعية أيضاً». ورأى أن أفريقيا باتت «ساحة اختبار للعدالة الجنائية، في حين أن أكثر الدول انتهاكاً لحقوق الإنسان هي الأقل خضوعاً لهذا الاختبار».
وتطرق أستاذ الفلسفة المعاصرة في جامعة الرباط محمد نور الدين أفاية إلى «الضجيج الإعلامي الكبير حول موضوع النقاش في الندوة، علماً بأنه يصعب جداً الحديث عن أفريقيا التي تبدو من الخارج غابة من العراقيل والمشكلات على الأقل على مستويات ثلاثة، فهناك أفريقيا كما ينظر إليها الآخرون، وهناك أفريقيا حيث ينظر كل بلد أفريقي إلى ذاته، ثم هناك نظرة كل بلد أفريقي إلى البلدان الأخرى... الموضوع يضعنا في توترات دائمة ما بين هذه العلاقة المتشابكة بين الداخل والخارج، فللخارج أدوار كبرى في تحرك أفريقيا وفي مسارها». ورأى أن «هناك معوقين رئيسيين يحولان دون بروز الاستقلال الذاتي، الأول هو الاستلاب التاريخي للنخب الأفريقية، والثاني هو هيمنة النظرة الخارجية على القارة واقتصادها، خصوصاً اقتصاد المعرفة». وأوضح أنه «لا يمكن تصور وتوقع نجاح أي عمل اتحادي لأفريقيا من دون تأهيل رأس المال البشري... 9 في المائة من الكتب المنشورة في أفريقيا هي عبارة عن كتب مدرسية، ونادرة هي الكتب العلمية أو الأدبية».
أما على صعيد المنشورات الجامعية، فإن «واحداً في المائة فقط من الاستشهادات يأتي من أفريقيا، وهي موجهة لقراء غير أفارقة، كما أن هناك تأخراً ملحوظاً في الإنتاج العلمي الذي يتمركز أساساً في إنتاجات البلدان الأنغلوفونية».
ومن منظور اقتصادي، تحدثت الأستاذة في معهد الدراسات الأفريقية بالرباط خديجة بوتخيلي عن كون أفريقيا «واحدة من المناطق الأقل اندماجاً في الاقتصاد العالمي، وهو ما يفسر إمكانية غير مستغلة من التطوير والاندماج الإقليمي، باعتباره شرطاً أساسياً للتحول وتطور الاقتصاد الأفريقي». وأشارت إلى «ضرورة تقييم كيف يمكن للاندماج الأفريقي أن يحدث». وقالت إن «أفريقيا لديها ما يقرب من ثمانية تجمعات اقتصادية إقليمية حددها الاتحاد الأفريقي... لكن رغم مشاريع طموحة، فإن التجارة الأفريقية الداخلية لا تزال ضعيفة».



مصر والعراق... تنسيق متصاعد في مواجهة توترات المنطقة

رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي يستقبل رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن رشاد (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي)
رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي يستقبل رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن رشاد (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي)
TT

مصر والعراق... تنسيق متصاعد في مواجهة توترات المنطقة

رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي يستقبل رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن رشاد (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي)
رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي يستقبل رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن رشاد (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي)

وسط تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد التحديات الأمنية والسياسية التي يواجهها العراق في ظل استمرار الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران منذ فبراير (شباط) الماضي، تكتسب المحادثات المصرية-العراقية أهمية متزايدة، في ضوء مساعي البلدين لتعزيز التعاون والتنسيق في مواجهة تداعيات الأزمات الإقليمية، ودعم الاستقرار في المنطقة.

وتحمل الزيارة التي قام بها رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن رشاد إلى بغداد، الخميس، دلالات مهمة بحسب خبراء من مصر والعراق تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»؛ كونها تؤشر إلى زيادة التنسيق الأمني في ضوء التحضيرات لانسحاب قوات التحالف الدولي في 30 سبتمبر (أيلول) المقبل، إلى جانب تدشين مشروعات اقتصادية مشتركة لتوفير بدائل للمنافذ التقليدية لتصدير الطاقة عبر مضيق هرمز.

وأفاد مجلس الوزراء العراقي بأن رئيس المجلس علي الزيدي استقبل رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن محمود رشاد، الذي نقل إليه رسالة من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أشاد فيها بعمق العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، واستعداده الدائم لمساندة جهود تحقيق تطلعات الشعبين الشقيقين في جميع المجالات.

رسالة القاهرة

وتضمنت الرسالة، بحسب البيان العراقي الصادر مساء الخميس، توجيه الدعوة إلى رئيس مجلس الوزراء لزيارة مصر «انطلاقاً من الحرص المشترك للمضي بتعزيز مسار التعاون بين العراق ومصر، والمحافظة على مصالح البلدين وتدعيم السلم والاستقرار الإقليمي والدولي».

كما شهد اللقاء بحث «عدد من القضايا والملفات ذات الاهتمام المشترك، والتأكيد على أهمية تنسيق المواقف وتبادل المعلومات والخبرات، بما يعزز المصالح الثنائية، ولما فيه خير الشعبين الشقيقين والمنفعة المشتركة».

مصر والعراق لمزيد من التعاون والتنسيق الأمني والاقتصادي (مكتب رئيس الوزراء العراقي)

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، يعتقد مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير المصري الأسبق لدى العراق شريف شاهين، أن التقارب المصري-العراقي استراتيجي فرضته التطورات الإقليمية وأهمية العراق المحورية، مشيراً إلى أن زيارة رئيس المخابرات المصرية الأخيرة لبغداد تكتسب أهمية بالغة في إطار بناء علاقات متطورة ترتكز على التنسيق السياسي والأمني والاقتصادي، وأن القاهرة تنظر للعراق باعتباره دولة محورية في معادلة الأمن العربي.

صناعة غرف أمنية

ويرى المحلل السياسي والأمني «رئيس مركز العراق للدراسات» علي فضل الله، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن زيارة رئيس جهاز المخابرات المصرية للعراق لها أهمية كبيرة بحكم تبادل المعلومات والعمل على صناعة غرف أمنية مشتركة من أجل التعاون ومعالجة كل التحديات، خاصة في ملف الإرهاب في ظل الخبرة المتراكمة لدى الجيش والأجهزة الأمنية المصرية.

زخم تعاون يتصاعد

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد زار بغداد في يونيو (حزيران) 2021، في أول زيارة لرئيس مصري إلى العراق منذ عقود ضمن آلية التعاون الثلاثي التي جمعت مصر والعراق والأردن، واستهدفت تعزيز التنسيق السياسي والاقتصادي والأمني بين الدول الثلاث.

وانطلق المسار الثلاثي بين مصر والعراق والأردن في 14 مارس (آذار) 2019، عبر أول قمة ثلاثية استضافتها القاهرة، بحضور رئيس وزراء العراق آنذاك عادل المهدي.

وشهدت الفترة الأخيرة زخماً في الزيارات؛ إذ استقبل السيسي في 27 أغسطس (آب) 2024 رئيس الوزراء العراقي السابق محمد شياع السوداني، في ثالث زيارة له إلى مصر، بعد زيارتين في مارس ويونيو 2023، تناولت بحث تعزيز التعاون في مجالات الطاقة والتجارة والاستثمار وإعادة الإعمار، والاستفادة من خبرات الشركات المصرية في مشروعات البنية التحتية العراقية، إضافة إلى اتصالات على مستوى وزراء الخارجية في البلدين لبحث التهدئة في المنطقة بعد اندلاع حرب إيران، خاصة في ظل قرب بغداد من طهران.

وفي ضوء ذلك أوضح السفير المصري الأسبق لدى العراق شريف شاهين أن المرحلة الراهنة تشهد تحولات رئيسية في مجالات الطاقة عبر مشروعات استراتيجية تجمع بين مصر والعراق والأردن، لإنشاء شبكات لتصدير النفط تعيد توجيه مسارات الطاقة، وتوفير بدائل لمنافذ التصدير التقليدية عبر مضيق هرمز، مشدداً على أن هذه المشروعات الاقتصادية الطموحة تتطلب ترتيبات وتنسيقاً أمنياً على أعلى مستوى لحمايتها.

أولوية الأمن

وأضاف أن الشأن الأمني يحتل أولوية في المباحثات المشتركة، لا سيما في ضوء التحضيرات لانسحاب قوات التحالف الدولي في 30 سبتمبر المقبل، مما يستدعي تعزيز قدرات الجيش العراقي لضبط الحدود ومواجهة مخاطر الجماعات الإرهابية والخلايا النائمة لتنظيم «داعش»، بالإضافة إلى دعم جهود الدولة العراقية لحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية.

وشدد شاهين على أن استقرار بغداد لا يتجزأ من استقرار المنطقة وأمنها القومي العربي، لافتاً إلى أن مصر تمتلك إمكانات وخبرات فنية عالية تُمكّنها من تقديم الدعم والمساندة للجيش العراقي في مجالات متعددة، وفي مقدمتها الدفاع الجوي وتأمين الأجواء والمجال الأمني الإقليمي.

وأشار المحلل السياسي والأمني العراقي علي فضل الله إلى أن التعاون الأمني العراقي-المصري «ليس مستغرباً بحكم التحديات المشتركة التي تعصف بالمنطقة؛ فهناك تهديدات إسرائيلية باتجاه مصر، وباتجاه العراق، وباتجاه دول المنطقة عموماً، كما أن هناك تهديدات باتجاه الدول العربية التي من المفترض أن تشهد تنسيقاً وتعاوناً».


«زيارة شي» للقاهرة... اختبار للتوازن المصري بين الصين وأميركا

احتفاء مصري يسبق زيارة الرئيس الصيني للقاهرة (الرئاسة المصرية)
احتفاء مصري يسبق زيارة الرئيس الصيني للقاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

«زيارة شي» للقاهرة... اختبار للتوازن المصري بين الصين وأميركا

احتفاء مصري يسبق زيارة الرئيس الصيني للقاهرة (الرئاسة المصرية)
احتفاء مصري يسبق زيارة الرئيس الصيني للقاهرة (الرئاسة المصرية)

مع اقتراب زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ، إلى مصر، تبرز تساؤلات حول كيفية قدرة القاهرة على المواءمة بين علاقاتها مع بكين وواشنطن في ظل تباين وتجاذبات الطرفين.

ويعتقد دبلوماسيون مصريون سابقون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن مصر تنتهج في مسار علاقاتها الخارجية «الاتزان الاستراتيجي»، بما يسمح لها بموازنة علاقاتها على أساس المصالح المشتركة، من دون الانحياز إلى سياسات تتعارض مع مصالح حلفائها في المنطقة.

و«الاتزان الاستراتيجي»، عده الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال حفل إفطار الأسرة المصرية في شهر أبريل (نيسان) 2014، الإطار الرئيسي الحاكم للسياسة الخارجية المصرية، حتى بات هذا المفهوم كتاباً جديداً لوزارة الخارجية المصرية أصدرته في نهاية 2025، أكد أنه أحد المرتكزات الأساسية للسياسة الخارجية المصرية، في ظل تحولات إقليمية ودولية متسارعة.

وتشهد العلاقات المصرية الصينية محطة تاريخية بارزة تعكس عمق الشراكة الاستراتيجية التي تجمع بين القاهرة وبكين، حيث تأتي الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر لتتوج مساراً طويلاً من التعاون المتنامي بين البلدين، بحسب ما ذكرته «الهيئة العامة للاستعلامات المصرية» الرسمية، الخميس.

ويتوجه الرئيس الصيني، الأحد، إلى قرغيزستان بدءاً لجولته التي تستمر إلى الثالث من سبتمبر (أيلول)، للمشاركة في قمة «منظمة شنغهاي للتعاون» في العاصمة بيشكيك، حيث يقوم بزيارة دولة، تعقبها زيارة أخرى إلى مصر، وفقاً لما أعلنته وزارة الخارجية الصينية في بيان، الأربعاء.

صون السلام

وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان، أن المحادثات في مصر تهدف إلى «الإسهام الإيجابي في صون السلام والاستقرار في المنطقة»، لافتاً إلى أن زيارة شي هي «الأولى إلى مصر منذ 10 سنوات، كما تحمل أهمية خاصة لتطوير العلاقات الثنائية».

السيسي والرئيس الصيني في حديث ودي خلال المشاركة في احتفالات عيد النصر بالعاصمة الروسية موسكو يوم 9 مايو 2025 (الخارجية المصرية)

واحتفت وسائل إعلام مصرية مبكراً بالزيارة حيث نشرت صحيفة «الأهرام» الحكومية الخميس، مقالاً للكاتب أحمد ناجي قمحة بشأن الزيارة، قائلاً: «اتجاه مصر شرقاً لا يتعارض مع سياسة الاتزان الاستراتيجي، وإنما يمثل إحدى أدواتها؛ فالاتزان لا يعني الوقوف على مسافة واحدة من جميع القوى، وإنما امتلاك أكبر قدر ممكن من البدائل والشراكات، بما يزيد قدرة الدولة على الحركة والمناورة، ويحافظ على استقلال قرارها».

وأضاف: «لهذا تتعاون مصر مع الصين في مجالات، ومع الولايات المتحدة وأوروبا في مجالات أخرى، وتنفتح في الوقت نفسه على الهند واليابان وكوريا الجنوبية ودول آسيا الوسطى، والدلالة الأهم أن التوجه شرقاً أصبح مرتبطاً مباشرة بأولويات التنمية المصرية».

وفي 30 مايو (أيار) 1956، أصبحت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع الصين، قبل أن تشهد عام 2014 اتفاق الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره الصيني، شي جين بينغ على إقامة «الشراكة الاستراتيجية الشاملة» بين البلدين، وبعد عامين زار شي القاهرة لأول مرة.

وعام 2024 بلغ حجم التجارة المصرية - الصينية نحو 17.38 مليار دولار، ثم ارتفع في عام 2025 إلى نحو 19.52 مليار دولار، بزيادة تقارب 12.3 في المائة، وتعد الصين من أكبر 5 شركاء استثماريين لمصر، حسب تصريحات وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، حسن الخطيب، في مايو 2025.

اختبار للعلاقات

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، مساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر تأتي في لحظة إقليمية ودولية بالغة الحساسية، وتتجاوز في دلالاتها حدود العلاقات الثنائية بين القاهرة وبكين، مؤكداً أن مفهوم «الاتزان الاستراتيجي» المدخل الأوضح لفهم الزيارة.

ويمثل هذا المفهوم، وفق حجازي، أحد المرتكزات الأساسية في السياسة الخارجية المصرية، التي تقوم على بناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية، من دون النظر إلى الشراكة مع الصين بوصفها بديلاً عن العلاقات مع الولايات المتحدة أو غيرها.

وعلى هذا الأساس، يشير حجازي إلى أنه لا ينبغي تفسير الحفاوة المصرية باستقبال الرئيس الصيني بوصفها انحيازاً إلى بكين في مواجهة واشنطن، مؤكداً أن العلاقات المصرية الصينية تطورت على مدى 7 عقود، حتى بلغت مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، بالتوازي مع حرص القاهرة على الحفاظ على علاقاتها وشراكاتها مع الولايات المتحدة وسائر القوى الدولية.

الرئيس الصيني يستقبل نظيره المصري عبد الفتاح السيسي في بكين يوم 29 مايو 2024 (الرئاسة المصرية)

ومع ذلك، تفرض الزيارة اختباراً فعلياً لقدرة مصر على الحفاظ على هذا الاتزان، بحسب حجازي، مؤكداً أن المسألة لا تتعلق بالاختيار بين الصين والولايات المتحدة، بقدر ما ترتبط بواقع أن التنافس بين القوتين امتد إلى مجالات الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا والأمن الدولي، الأمر الذي يجعل هامش المناورة أكثر تعقيداً وتكلفة.

وأكد أن القاهرة لا تسعى إلى المفاضلة بين شركائها، بل إلى إدارة علاقاتها معهم وفقاً لأولوياتها ومصالحها، مشدداً على أن تعزيز الشراكة المصرية الصينية لا يعني تلقائياً تراجع الشراكة المصرية الأميركية.

بدوره، يرى سفير مصر الأسبق لدى الصين، نائب رئيس «جمعية الصداقة المصرية – الصينية»، السفير علي الحفني، أن الزيارة تحمل تقديرا كبيراً لجهود مصر ومواقفها في إرساء دعائم السلم والأمن الإقليمي والدولي بالتنسيق مع المنظمات الأممية، إلى جانب التقدير لمسيرة التنمية الشاملة التي تشهدها البلاد، مؤكداً أن مصر تتتبع سياسة الانفتاح والشراكة المتوازنة مع مختلف الأطراف الدولية منذ عام 2014، حرصاً منها على توفير أفضل الفرص لدعم أجندة التنمية الوطنية «مصر 2030».

وشدد على أن القاهرة تمتلك علاقات استراتيجية وثيقة وممتدة مع الولايات المتحدة، والاتحاد الروسي، والصين، والاتحاد الأوروبي، مبنية على العمل الجماعي والشراكات التنموية الفاعلة على أرض الواقع بدلاً من الشعارات التقليدية، والاتزان في العلاقات وهو ما يجعل القاهرة تنجح في الاستفادة من زيارة الرئيس الصيني دون أزمات مع دول أخرى.


مصر تدعم «عملية سياسية دون تدخلات خارجية» في السودان

وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني خلال لقاء سابق في القاهرة (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني خلال لقاء سابق في القاهرة (الخارجية المصرية)
TT

مصر تدعم «عملية سياسية دون تدخلات خارجية» في السودان

وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني خلال لقاء سابق في القاهرة (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني خلال لقاء سابق في القاهرة (الخارجية المصرية)

أكدت مصر دعمها تدشين «عملية سياسية ذات ملكية سودانية ودون تدخلات خارجية»، بما يُسهم في إنهاء الأزمة الراهنة واستعادة الأمن والاستقرار.

وأجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالَين هاتفيين، الجمعة، مع نظيره السوداني محيي الدين سالم، وكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، تناولا الأوضاع الجارية في السودان وسبل إنهاء الأزمة، حسب بيانين منفصلين لـ«الخارجية المصرية».

وجاء اتصال عبد العاطي وسالم، في إطار «متابعة تطورات العلاقات الثنائية في مختلف المجالات، وتطورات الأوضاع الميدانية في السودان»، وجدّد عبد العاطي تأكيد دعم وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية.

وذكر البيان أن وزير الخارجية المصري أكد أهمية «وجود عملية سياسية ذات ملكية سودانية ودون تدخلات خارجية، بما يُسهم في إنهاء الأزمة واستعادة الأمن والاستقرار في السودان».

كما تبادل الوزيران الرؤى بشأن التطورات في منطقة القرن الأفريقي وأمن البحر الأحمر، وأكدا أهمية تعزيز التنسيق بين الدول المشاطئة، وضرورة الحفاظ على أمن وسلامة الملاحة البحرية، فضلاً عن دعم الجهود الرامية إلى ترسيخ السلم والأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، بما يحفظ مصالح دول المنطقة وشعوبها.

بينما تناول اتصال عبد العاطي وبولس «الجهود الإقليمية والدولية المبذولة لدعم الأمن والاستقرار في السودان الشقيق، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود لدعم سيادته، والتوصل إلى حل سياسي يضمن إنهاء معاناة المدنيين ويصون للسودان وحدته وسلامة أراضيه»، وفقاً لبيان «الخارجية المصرية».

وكان رئيس مجلس السيادة والقائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، قد وافق على مبادرة تقدمت بها مجموعة من السودانيين لتشكيل آلية وطنية مستقلة تتولى التمهيد لحوار شامل. وتعهد البرهان بعدم تدخل الدولة في تنظيم الحوار، أو تحديد أطرافه، وأجندته، ومخرجاته.