سمنة البطن... مخاطر صحية أعلى

سمنة البطن... مخاطر صحية أعلى

دراسات دولية حديثة حول دور المتغيرات الجينية وتوترات الحياة فيها
الجمعة - 5 جمادى الآخرة 1438 هـ - 03 مارس 2017 مـ
سمنة شكل التفاحة تكون فيها الشحوم متركزة في منطقة البطن
الرياض: د. عبير مبارك
أعاد الباحثون من جامعة أريزونا بالولايات المتحدة توجيه النظر نحو إدراك أن سمنة البطن أشد خطورة في التسبب بالأمراض المختلفة، وفي تهديد سلامة الحياة، من مجرد الزيادة في وزن الجسم، خصوصاً لدى النساء. كما طرح الباحثون من «يونيفيرستي كوليدج لندن» تفاصيل جديدة حول آلية تسبب معايشة توترات الحياة اليومية في زيادة سمنة البطن، واتساع محيط الوسط، وهو ما يطرح سبباً آخر غير زيادة تناول الطعام، وتدني مستوى النشاط البدني، في ارتفاع احتمالات الإصابة بالسمنة، وزيادة الوزن. ودرس الباحثون البريطانيون معدل تراكم هرمون التوتر Cortisol في شعر الرأس. ومن جانب آخر، عرض الباحثون من جامعة هارفارد نتائج تتبعهم تأثيرات الجينات ذات العلاقة بزيادة حجم سمنة البطن على ارتفاع احتمالات الإصابة بأمراض القلب، وهو ما يفسر أحد جوانب الأضرار المتعددة لزيادة تراكم الشحوم في منطقة البطن، بالمقارنة مع تراكم الشحوم في الجسم كله.

* السمنة والبدانة

ويلاحظ المراقبون الطبيون أن ثمة تركيزاً في الدراسات والبحوث الطبية التي تتناول سمنة البطن، أو ما يُسميه البعض بـ«الكرش» Belly Fat، خلال السنوات القليلة الماضية، خصوصاً تأثيرات ذلك على ارتفاع الإصابات بالأمراض المختلفة.

هذا ولا تزال السمنة Obesity، وزيادة الوزن Overweight، من المشكلات الصحية الواسعة الانتشار، التي تفيد المؤشرات الطبية حولها بأنها في ارتفاع مستمر بين الذكور والإناث، في مناطق واسعة من العالم. وتفيد نشرات المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض واتقائها بأن الإحصائيات الحديثة في الولايات المتحدة تشير إلى أن 38 في المائة من الناس فوق سن العشرين من العمر لديهم سمنة، وأن 70 في المائة منهم لديهم إما سمنة أو زيادة في الوزن، مما يعني أن 30 في المائة فقط من الناس فوق سن العشرين لهم أوزان طبيعية، وأن نسبة السمنة هي 21 في المائة، فيما بين منْ أعمارهم ما بين 12 و19 سنة، و17 في المائة، فيما بين منْ أعمارهم من 6 إلى 11 سنة.

وتفيد المصادر الطبية بأن حالة السمنة أو زيادة الوزن هي المحصلة النهائية لتسبب عوامل عدة في حصول زيادة عدد، وزيادة حجم الخلايا الدهنية، التي تتبعها تداعيات ومضاعفات في ارتفاع الإصابات بأنواع مختلفة من الأمراض المزمنة، مثل متلازمة الأيض Metabolic Syndrome، وارتفاع ضغط الدم، والتصلب العصيدي للشرايين Atherosclerosis، وأمراض القلب، ومرض السكري، وارتفاع الكولسترول، وارتفاع الإصابات بأنواع مختلفة من الأورام السرطانية في أعضاء شتى بالجسم، واضطرابات النوم، وغيرها من الآثار.

وتعتبر الأنسجة الشحمية Adipose Tissue، المكونة من الخلايا الشحمية Fat Cells، أحد أكثر أنسجة الجسم قدرة على النمو في عدد الخلايا فيها، وأعلاها قدرة في اتساع حجم الخلايا المكونة لأنسجتها، وذلك مقارنة بزيادة عدد وكبر حجم الأنسجة الأخرى في الجسم. كما تعتبر الأنسجة الشحمية الأعلى من بين أنسجة الجسم في القدرة على التغلغل والانتشار داخل عدد كبير من مناطق وأعضاء الجسم. وعلى الرغم من أن السمنة تعني ببساطة ارتفاع حجم ووزن الأنسجة الشحمية في الجسم، فإنها حالة تسبقها مرحلة «زيادة وزن الجسم».

ومعلوم أن وزن الجسم محصلة لوزن العضلات والعظم والشحوم والماء، وتحصل السمنة حينما يحصل اضطراب في حالة التوازن بين كمية طاقة الطعام الذي يتناوله المرء، أي كمية الطاقة الداخلة إلى الجسم، وبين كمية الطاقة التي يتم حرقها واستهلاكها من قبل الجسم، ومع ارتفاع حجم وكتلة عبء هذا الفائض لخلل التوازن، يعمد الجسم إلى تحويل تلك الطاقة إلى شحوم يتم تخزينها في المستودع الوحيد لها، ألا وهو الأنسجة الشحمية.

كما أنه معلوم أن ثمة نوعين من السمنة، سمنة شكل التفاحة Apple - Shaped التي تكون السمنة الشحمية متركزة في منطقة البطن، وسمنة شكل الكُمثرى Pear - Shaped التي تكون فيها السمنة الشحمية متركزة في منطقة الأرداف والإليتين. ووفق إرشادات منظمة الصحة العالمية WHO، فإن محيط الخصر Waist Circumference يتم قياسه في منتصف المسافة ما بين أسفل آخر ضلع يُمكن الإحساس به وأعلى عظمة عُرف الحرقفة Iliac Crest، وهي العظمة التي تشكل الحوض، وغالبًا تكون تلك المنطقة أعلى بقليل من فتحة الصرة. ومحيط الورك Hip Circumference يُقاس عند أوسع منطقة للأرداف والإليتين. والطبيعي أن يكون محيط الورك أعلى من محيط الخصر.

* متغيرات جينية

ووفق ما تم نشره ضمن عدد 14 فبراير (شباط) من مجلة الرابطة الطبية الأميركية Journal of the American Medical Association، هدف الباحثون من جامعة هارفارد ومستشفى ماساتشوسس العام، في بوسطن، إلى معرفة ما إذا كان للجينات التي تجعل المرء أعلى عرضة لسمنة البطن دور في ارتفاع الإصابات بأمراض القلب والسكري، وتحديدًا هل أن سمنة البطن عامل مستقل Independent Factor في رفع الإصابات بأمراض القلب والسكري، بغض النظر عن مقدار وزن الجسم كله، وعن مؤشر كتلة الجسم Body Mass Index.

ومعلوم أن مؤشر كتلة الجسم يتم حسابه بقسمة مقدار الوزن بالكيلوغرمات على مربع الطول بالمتر، أي يأخذ في الاعتبار مقدار وزن الجسم كله، دون تحديد ما إذا كانت ثمة سمنة في منطقة البطن أو الأرداف والإليتين. والباحثون من هارفاد في دراستهم الحديثة نظروا إلى مقدار النسبة فيما بين محيط الخصر ومحيط الورك Waist Hip Ratio.

ودرس الباحثون 48 من المتغيرات الجينية Gene Variants التي ثبت من دراسات طبية سابقة أن لها علاقة بمقدار نسبة محيط الخصر إلى محيط الورك، وقاموا بإعداد مؤشر خطورة خاص بتقييم تلك المتغيرات الجينية Genetic Risk Score. ومن ثم، طبقوا قيم مؤشر الخطورة الجيني ذلك على أكثر من 400 ألف شخص بالغ. ولاحظ الباحثون في نتائج دراستهم أن كل انحراف معياري واحد Standard Deviation في نسبة محيط الخصر إلى الورك، يعني ارتفاع في خطورة الإصابة بأمراض القلب بنسبة 46 في المائة، وارتفاع في خطورة الإصابة بمرض السكري بنسبة 77 في المائة. وهو ما علق عليه الدكتور كونر إيمدن، من مركز الطب الجيني في مستشفى ماساتشوسس العام والباحث الرئيسي في الدراسة، بالقول: «هذه النتائج توفر أدلة قوية على أن زيادة شحوم البطن تؤثر بشكل مباشر في أمراض القلب والسكري، وأن سمنة البطن تبدأ أولاً ثم تليها أمراض القلب والسكري، ويُمكن للحمية الغذائية وممارسة الرياضة البدنية، وغيرهما من سلوكيات الحياة الصحية، تعديل ذلك».

* توترات الحياة

ووفق ما تم نشره ضمن عدد 23 فبراير من مجلة السمنة Journal Obesity، درس الباحثون البريطانيون تأثيرات المعايشة المزمنة للقلق ولتوترات الحياة اليومية وضغوطاتها على احتمالات ارتفاع الإصابة بالسمنة وزيادة محيط الخصر. وقام الباحثون بتحليل مستويات هرمون الكورتيزول في خصلة من الشعر طولها ثلاثة أرباع بوصة (البوصة= 2.5 سم)، تم قطعها أقرب ما يُمكن لجلد فروة الرأس. وهذه الخصلة تعكس تراكم هرمون كورتيزول التوتر خلال الشهرين الماضيين للشخص. ومعلوم أن هرمون كورتيزول هو ما يُسمى بهرمون التوتر Stress Hormone، الذي يرتفع إفرازه كردة فعل لمعايشة المرء حالة «أهرب أو حارب» Flight - Or – Fight، عند مواجه الخطر. ووفق ما يشير إليه الباحثون من مايوكلينك، فإن الارتفاع المزمن لهذا الهرمون في الجسم، أي إفرازه بشكل متواصل ومتكرر لفترات طويلة، يرفع من احتمالات الإصابة بالاكتئاب والقلق، وزيادة الوزن، ومشكلات صحية أخرى عدة.

وشمل الباحثون في دراستهم لتراكم هرمون التوتر في الشعر أكثر من 2500 من البالغين البريطانيين، تمت متابعتهم لمدة 4 سنوات. وقارن الباحثون فيما بين كمية هرمون التوتر المتراكم في الشعر وبين كل من: وزن الجسم، ومحيط الخصر، ومؤشر كتلة الجسم. ولاحظ الباحثون في نتائجهم أن الأشخاص الذين لديهم أعلى نسبة لتراكم هرمون التوتر في الشعر هم أيضًا لديهم محيط خصر أعلى، أي فوق 40 بوصة للرجال، وفوق 35 بوصة للنساء، كما أن لديهم مؤشر كتلة الجسم بمقدار أعلى، بما يعكس زيادة تراكم الشحوم في الجسم، بزيادة إفراز الجسم لهرمون التوتر. كما لاحظ الباحثون أن زيادة تراكم هرمون التوتر في الشعر مرتبطة بزيادة احتمالات الإصابة بالسمنة لدى الذكور ولدى الإناث خلال الأربع سنوات من المتابعة أثناء الدراسة.



* استشارية في الباطنية

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة