من التاريخ: معركة ليبانتو.. وبداية السقوط العثماني

من التاريخ: معركة ليبانتو.. وبداية السقوط العثماني

السبت - 4 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 03 ديسمبر 2016 مـ
خوان النمساوي
د. محمد عبد الستار البدري
كان تحوُّل البحر المتوسط إلى ساحة صراع في النصف الثاني للقرن السادس عشر، انعكاسًا للأوضاع السياسية والعسكرية في القارة الأوروبية، وهو الصراع الذي خسره العثمانيون، كما تابعنا في الأسبوع الماضي. وعلى الرغم من القوة البحرية العثمانية، وسعيها لمحاولة فرض الهيمنة على البحر المتوسط، لم تترك الأطراف الأوروبية هذه الساحة للعثمانيين نظرًا لأهميتها الكبرى، سواءً الاستراتيجية أو التجارية، خصوصًا مع اشتعال الحروب في القارة الأوروبية بين الدولة العثمانية وحليفتها فرنسا من ناحية، والإمبراطورية الرومانية المقدسة وإسبانيا والبابا من ناحية أخرى. وجاء هذا الوضع في ظل طموحات الفريق الثاني لفرض الهيمنة على القارة الأوروبية تحت لواء الكاثوليكية، بينما تفجرت في أجزاء من القارة حركة الإصلاح الديني (البروتستانتي) في شكل حروب أهلية تتمحور حول العقيدة المسيحية.
ولقد أدرك التحالف الغربي أن استمرار الغارات العثمانية على شواطئ أوروبا الجنوبية، خصوصًا في غرب المتوسط وإيطاليا وما حولها، خطر لا بد من معالجته على وجه السرعة، وكسر أي فرصة للهيمنة العثمانية. ومع أنه كان من الممكن أن تُبقي الدبلوماسية الهادئة على الوضع المتقدم للعثمانيين في المتوسط، لكن تهور السلطان سليم الثاني الذي لم يكن أهلاً للسلطنة بعد أبيه سليمان القانوني، وإهماله للشأن العام جراء إدمانه للخمر وانهماكه مع النساء، دفعاه لقبول فكرة بائسة، هي الاستيلاء على قبرص التي كانت خاضعة لسيادة جمهورية البندقية (فينيتزيا، في إيطاليا اليوم) - يومذاك - ولم تكن تمثل أي خطر على الملاحة العثمانية، لا سيما في وجود تحالف عثماني - بندقي.
وعلى الفور، غيّرت هذه الخطوة الرعناء موازين القوى البحرية في المتوسط، إذ لجأت البندقية إلى الغرب لمساعدتها على مواجهة البحرية العثمانية، في تحرك كلاسيكي لآليات توازن القوى، ورغم قلة ارتياح الغرب للبندقية لكونها محتكرة لجزء كبير من التجارة الأوروبية، استطاع بابا الفاتيكان إقناع الإمبراطور وأخيه ملك إسبانيا بالتحالف لصياغة «تحالف مقدّس» لكسر الدولة العثمانية بحريًا. ومن ثم، وافقت الأطراف على التحالف، كل دولة لأهدافها، فالبندقية كانت تريد استعادة قبرص، والإمبراطور كان يريد كسر الهيمنة العثمانية، بينما إسبانيا تسعى للتخلص من المناوشات البحرية على حدودها من قبل المسلمين (بمن فيهم العثمانيون). وهكذا، تجمعت المصالح كلها ضد الدولة العثمانية بسبب كسر سليم الثاني التوازن السياسي والبحري في المتوسط.
وبدأت المواجهة بإعلان «التحالف المقدس»، في مايو (أيار) 1571، الذي شمل هذه الأطراف، إلى جانب جمهورية البندقية. وساهمت إسبانيا التي كانت تمثل القوة الأوروبية البازغة، بعد اكتشاف الأميركيتين ودفع الذهب والفضة إليها، بقرابة نصف القوة البحرية للتحالف، حيث خصصت ما يقرب من نصف القوة البحرية، ووضعتها تحت تصرف التحالف، بينما وضعت البندقية أسطولها لخدمة جهد التحالف، أما الإمبراطور الروماني المقدس مكسيميليان، فقد خصص نسبة ضعيفة من المراكب، ودخل البابا بمساهمة رمزية. كذلك، تم تعيين خوان النمساوي، الأخ غير الشقيق لملك إسبانيا، قائدًا عامًا لهذا التحالف، وأسند لابن البطل البحري أندريا دوريا - قائد الأساطيل المجمّعة السابقة - منصب نائب القائد، وبدأت الأساطيل الغربية تتجمع في ميناء ميسينا الإيطالي، بجزيرة صقلية، حتى وصلت لقرابة ثلاثمائة سفينة، وما يقرب من خمسين ألف بحار، ومعهم قرابة ثلاثين ألف جندي على متن هذه السفن.
أما الأسطول العثماني، فقد كان منهمكًا في الاستيلاء على ميناء فماغوستا القبرصي، تحت قيادة علي باشا قائد الأسطول. إلا أن المدينة استعصت عليه، مما أفقده وقتًا ثمينًا للإعداد، ولم يتفرغ لذلك إلا بعد سقوط المدينة في أغسطس (آب) من ذلك العام، وهو ما أمهله شهرين فقط للاستعداد للمعركة، في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 1571. ومن ثم، استطاع علي باشا أن يجمع نحو 250 سفينة، وتأهب لمواجهة أسطول التحالف بالقرب من بلدة ليبانتو اليونانية، وعلى الفور بدأت المواجهة البحرية بين الطرفين للسيادة على البحر المتوسط.
كان خوان النمساوي يقود قلب البحرية، وقد وضع ميسرته تحت قيادة دوريا، بينما قاد علي باشا قلب بحريته، ووضع على الميمنة شيروكو، أحد أكفأ معاونيه، وبدأت المعركة البحرية بتكتيك واضح من القائد الغربي الذي كان مدركًا أن حسم المعركة سيكون من خلال قلب البحرية التي يقودها، وليس الجناحين. من ثم، ركز اهتمامه على استغلال قوة مدفعيته لتفتيت القلب، على أمل أن يصمد الجناحين لحين كسر القلب. وهكذا، بدأ خوان بهجوم من القلب مستغلاً بعد مدى مدفعيته مقارنة بالعثمانيين، وهو ما جعل علي باشا يتراجع بعض الشيء، إلا أن ميسرة العثمانيين كانت قد دخلت في صراع قوي مع ميمنة الأسطول الغربي حتى استطاعت أن تفتح ثغرة بين الجناح وقلب الأسطول. لكن القائد الغربي المحنك استطاع أن يدفع على الفور باحتياطيه، ليسد الفجوة، ويرد الهجوم العثماني الذي لو نجح لكان قد حسم الصراع. أما في الميمنة العثمانية، فقد كان شيروكو سيد الموقف تقريبًا، إذ نجح في تطويق الميسرة الغربية، وكاد ينجح بعد مقتل قائدها، لكن القدر لم يمهله كثيرًا، حيث اشتعلت سفينته، مما أوقف تقدمه.
في هذه الأثناء، كانت المعركة حامية الوطيس في القلب، حيث كان تسيد التحالف الغربي واضحًا، ولم يستطع علي باشا الصمود كثيرًا أمام قوة النيران الغربية، وبدأت جبهته تتفتت تدريجيًا على مدار الساعات الـ24. وفي النهاية، حاول القائد العثماني الفرار والنجاة بحياته تحت وطأة نيران خوان، لكنه قتل، وقطع رأسه وعلّق لكسر الروح المعنوية للعثمانيين. وهذا ما تحقق بالفعل، إذ أخذت الجبهة العثمانية تتآكل، وانتهت المعركة بهزيمة ساحقة للعثمانيين، بعدما خسروا أغلبية السفن، وموت ما يقرب من ثلاثين ألفًا، مقابل ما يقرب من ثمانية آلاف غربي. وحقيقة الأمر أن علي باشا ما كان أهلاً للقيادة، مقارنة بشخصية مثل خير الدين بربروسا الذي كان - كما أشرنا من قبل – قد رفض الدخول في معركة مفتوحة مع التحالف الأوروبي السابق، وركز فكره الحربي على تكتيك الاستنزاف، مستغلاً عامل الوقت لكسر التحالف الغربي ضده. ولو كان علي باشا قد اتبع تكتيكات مشابهة، لكان الوضع قد تغير، ولكانت النتيجة أفضل بكل تأكيد.
بهذه الهزيمة، تلاشت أية فرصة للسيادة العثمانية على البحر المتوسط، جراء تحرك عسكري غير مبرر للسلطان سليم الثاني. ومع أن المعركة لم تكسر نهائيًا شوكة الأسطول العثماني في المتوسط، فإنها أنهت بلا رجعة أي فرصة للدولة العثمانية كي تفرض أي نوع من الهيمنة خارج نطاق شرق المتوسط الذي كانت تحتل الأراضي المتاخمة له. وبالتالي، قطع الذراع العسكري العثماني الغربي في صراعها مع الغرب، وتُركت منطقة وسط وغرب المتوسط بعيدًا عن أي تأثير سياسي - عسكري بحري للعثمانيين على هذا المسرح.
هذا الواقع أدى إلى انحسار هذه الدولة بوصفها قوة عظمى دولية مع الوقت، كذلك كان لهذه المعركة أثرها النفسي الكبير على خفض الروح المعنوية العثمانية في الجبهة البرية في شرق ووسط أوروبا، مقابل ارتفاع الروح المعنوية الغربية بعد كسر أسطورة القوة العثمانية. وهي العوامل التي جعلت الدولة العثمانية تبدأ رحلة الهبوط التدريجي في السياسة الدولية.
أخيرًا، لعل أهم درس مستفاد من معركة ليبانتو هو أن التخطيط السياسي المتسرع، والفقر الاستراتيجي في إدارة الدولة، كما حدث عند احتلال السلطان سليم الثاني قبرص، من التبصر في آثاره المحتملة يمكن أن يؤدي إلى نتائج كارثية على المدى القصير. إذ إن قوة الجيوش والأساطيل أمر مطلوب، ولكن كيفية استخدامهما لا يقل أهمية أيضًا. والتاريخ يؤكد أن الدولة تحتاج لعنصر القوة العسكرية في إدارة علاقاتها الخارجية التي تحتاج بدورها لإدارة سياسية رشيدة، وهذه هي العبرة التي لا يدركها بعض القادة إلا بعد ضياع دولهم.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة