المترحمون على صدام!

الاثنين - 20 شوال 1437 هـ - 25 يوليو 2016 مـ Issue Number [13754]

هناك حالة غريبة من الترحم على أو التعاطف مع القتلة والمجرمين، لا يوجد لها تفسير بشكل عام. لكن بأخذ كل حالة على حدة بالإمكان فهم المسألة بشكل واضح. البعض يمجد الرئيس الألماني النازي أدولف هتلر، بغض النظر عن مجازره وإباداته الجماعية، ودون مراعاة لمشاعر العائلات التي قضى أهاليها في مجازر الديكتاتور. كثير من العرب فرحون بإباداته، فقط لأنه قتل الآلاف من اليهود، متجاهلين بعض الروايات التي تقول إنه وضع العرب على قائمة الإبادة أيضا.
ثم تأتي حالة التمجيد الأكثر صدمة، وهي الترحم الدائم على الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، أو بشكل أدق ظاهرة “المترحمون على صدام”. السيدة التي ظهرت قبل أسابيع بعد تفجير الكرادة في العاصمة العراقية بغداد، من حقها أن تترحم عليه لأن الحالة الأمنية كانت أفضل، ولم يشهد العراق هذا الكم من التفجيرات والعمليات الانتحارية، بل كانت معدومة.
صدام حسين، قتل في العراق فقط، أكثر من 100 ألف شخص في 3 حوادث، الدجيل والأنفال وحلبجة. ثم جاءت الكارثة الأخلاقية الأشهر، بغزو الكويت في أغسطس(آب) 1990، وعمليات القتل والاختطاف، ثم إعلان أن جارته التي قامت بتسليفه أكثر من 14 مليار دولار في الحرب العراقية-الإيرانية أصبحت المحافظة رقم 19 وضمها للمحافظات العراقية، وإعلان صدام إلغاء السفارات والاتفاقيات الكويتية - العالمية. وبعدها، لم يتوان عن إطلاق صواريخ سكود على مناطق سعودية.
أطلق النظام العراقي أكثر من 40 صاروخ سكود باتجاه السعودية، اعترضت بطاريات صواريخ باتريوت معظمها، وسقط بعضها على أهداف، أصيب العشرات في حوادث مختلفة، ومع كل هذا تجد بعض الذين لديهم نزعات طائفية، يتخلون عن الوطنية ويترحمون على صدام حسين، الذي استهدف بلادهم، وغزا وأحدث دمارا في دولة جارة وشقيقة.
الحالة لا تتعلق بصدام حسين فقط، فالذي يتعاطف ويمجد شخصا استهدف دولته، ويضع صورته في تعريفه الشخصي في وسائل التواصل الاجتماعي أو غيرها، فهو بلا شك من دون وعي، ولا عقل يجعله يضع الأحداث في سياقها الطبيعي، ومن ثم يحكم عليها. يبدو أن الأمر ليس بالسهولة التي تستدعي تحليله؛ فالذي يمجد هتلر في الغالب، لأنه قتل اليهود وهو يرى في اليهود أعداء لا بشراً، والذي يرى في صدام حسين بطلاً عربياً يرى أنه وقف ضد إيران، وقام بجرائم إبادة ضد الأكراد والشيعة تحديداً، فنزعته طائفية بحتة، تتشابه مع نزعة المؤيدين لجرائم صدام. هناك دينية وهنا طائفية، من دون اعتبار لقيمة الإنسان، أو احترام له.
أسامة بن لادن كذلك، رجل أوهم المراهقين وبعض المتحمسين أنه ضد الأميركان، وأنه يسعى لتدمير أميركا، فاستخدمهم لاستهداف أوطانهم، وقتل المدنيين، والتأسيس لمفهوم الانتحار على نطاق واسع، خدمة لهدف تائه، سعت لتطبيقه قوافل من الجهلة وأصحاب السوابق ومدمني المخدرات.
المسألة معقدة جداً. مجموعات لا تعرف معنى الإنسانية، ولا تراعي مشاعر من تعرضوا للتعذيب والتنكيل بل القتل، وقبل ذلك، لا تقيم لوطنها اعتبارا وقيمة، تمجد قاتلا أو مجرما استهدف بلدهم بالصواريخ، وقتل مئات الآلاف دون ذنب، أباد الأطفال والنساء والشيوخ، ويعتبرونه بطلاً عربياً.
هؤلاء أنفسهم، لو سألتهم ما رأيكم ببشار الأسد، سيكيلون الشتائم له والدعوات عليه، لكن في نفس الوقت يقيمون التمجيد لصدام حسين. كيف يمكن إقناعهم بأن صدام حسين وبشار الأسد وعلي عبد الله صالح، ينتمون لنفس المعسكر، معسكر البعث، ومعسكر الدم أيضاً.
كيف يمكن إقناع "المترحمين على صدام" وتحديداً بعض أبناء الخليج العربي، أن هذا المُترحَم عليه، استهدف أوطانهم بعشرات الصواريخ، وأصاب العشرات وقتل آخرين؟ كيف يمكن أن نبين لهم أنه ليس حامياً للبوابة الشرقية، بل مدمر لها؟ كيف يمكن الحديث معهم ومحاورتهم بذلك، والطلب منهم أن يتخلوا عن النزعة الطائفية، والنظر للمسألة بواقعية؟ لا يمكن.
نسبة كبيرة من الممجدين له، وتحديداً على شبكات التواصل الاجتماعي، هم ممن ولدوا بعد حرب الخليج، لكنهم شهدوا غزو العراق 2003 وشنق صدام بطريقة مستفزة صبيحة عيد الأضحى، وقد يكون هذا أحد أسباب تعاطفهم المستمر. لكن في المقابل، هناك مئات الآلاف خسروا ذويهم، ونكل صدام حسين بهم، لهم مشاعر يجب احترامها. لقد كان فعلاً حاميا للبوابة الشرقية، لكنه فكر لاحقاً بابتلاع ما يمكن ابتلاعه من جيرانه، والخلاف الذي بدأ على تسوية الديون وإنتاج النفط بينه وبين بعض دول الجوار، جعله يرفض كل محاولات الوساطة والتهدئة، ويدخل الكويت، ويطلق عشرات الصواريخ على السعودية، وكل هذه وأكثر صعب أن تقنع بها شخصا يرى في من فعل كل ذلك واستهدف جيرانه أنه ليس بطلاً، بل مجرم حرب.