ممثل الداعية فتح الله غولن في تركيا: اتهامنا بالدولة الموازية هدفه التغطية على الفساد

مصطفى ياشيل يقول في حديث لـ(«الشرق الأوسط») إن السبب الرئيس للخلاف مع حزب إردوغان هو رفض الخضوع لإرادته

ممثل الداعية فتح الله غولن في تركيا: اتهامنا بالدولة الموازية هدفه التغطية على الفساد
TT

ممثل الداعية فتح الله غولن في تركيا: اتهامنا بالدولة الموازية هدفه التغطية على الفساد

ممثل الداعية فتح الله غولن في تركيا: اتهامنا بالدولة الموازية هدفه التغطية على الفساد

في مكان لا يبعد كثيرا عن منزل رئيس الحكومة التركية رجب طيب إردوغان، يقوم مبنى حركة «خدمة» التركية التابعة للداعية الإسلامي المقيم في الولايات المتحدة فتح الله غولن المتهمة ببناء «دولة موازية» في تركيا قوامها الشرطة والقضاء، وبالضلوع في تدبير قضية الفساد التي انفجرت بوجه إردوغان في 17 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وبالوقوف وراء تسجيلات تنصت على مسؤولين كبار في الدولة بينهم إردوغان نفسه.
المبنى الهادئ، محروس جيدا على غرار الكثير من المؤسسات التركية التي تمتلك ثقافة الحراسة الذاتية وكاشفات المعادن، انطلاقا من الصراع الطويل مع حزب «العمال الكردستاني» وغيره من التيارات اليسارية المتطرفة. عند المدخل تستقبلك ثلاث نسخ من القرآن الكريم، والإنجيل، والتوراة، في إشارة من أصحاب المبنى إلى نشر مبدأ «التسامح» الديني والإنساني.
يضحك مصطفى ياشيل رئيس مؤسسة الصحافيين والكتاب، الذي يمثل مؤسسة فتح الله غولن في تركيا، عندما تسأله عن «الدولة الموازية»، عادا أن هذه الاتهامات «أسخف من أن تصدق» ويؤكد ياشيل في حوار أجرته معه «الشرق الأوسط» أن الحركة ليست دينية، لكنها «متأثرة بالدين»، مشددا على أنها «حركة سلمية تؤمن بالحوار ولا يمكن أن تقوم بانقلابات أو دسائس»، لكنه يشير إلى أن السبب الرئيس للخلاف الحالي مع حزب العدالة والتنمية هو «أننا لم نخضع للإرادة السياسية للحزب». وفيما يلي نص الحوار:

* ما هي حركة «خدمة»؟ وما مصادر تمويلها؟
- تأسست الحركة في تركيا، ولهذا لديها بعض الخصائص التركية، لكن بالتعريف العام هي حركة تستوحي الإيمان، لكنها ليست حركة دينية. إنها تركز على الإنسانية والقيم الإنسانية المشتركة، وهي حركة تركز على السلام وناشطة اليوم في أكثر من 160 بلدا. أما مصادر التمويل فهي تعتمد على التبرعات ومساهمات الأعضاء. والحركة لا تؤمن بالعنف ولا بالدسائس، وهي تسعى إلى معالجة كافة العقبات بالوسائل السلمية.
* ما الأسس العريضة لعملكم؟
- كحركة عابرة للحدود الوطنية، هناك ثلاثة خطوط أساسية تعمل عليها حركة «خدمة» وتعالج من خلالها المشاكل الرئيسة الثلاث في المنطقة، خصوصا، والعالم عموما. وهذه المشاكل هي: أولا، الجهل الذي تحاول الحركة محاربته بتعميم التعليم. والمشكلة الثانية هي الفقر، والحركة تحاول محاربته من خلال تطوير الأعمال ومنح فرص العمل والمساعدات الإنسانية والعمل الاجتماعي. والثالثة تتمثل في الصراع داخل المجتمعات وفيما بينها والحركة تحاول مواجهة هذا بالحوار.
إن قدرة الحركة على إدارة مشاريع مشابهة في أماكن مختلفة في العالم نابع من التزامها بمعايير أخلاقية وإنسانية وقيم، وأينما تعمل الحركة، فإن هذا هو الإطار الذي يعمل فيه متطوعوها في إدارة نشاطاتهم، وهذا هو أساسا ما يبقينا معا.
بالنسبة للقيم والمبادئ، فإن مبادئنا المشتركة هي أساس انضباطنا. أما بالنسبة إلى القيم، فإن هدفنا الأسمى دائما هو البحث عن رضى الله وهذا هو الدافع الأكبر لكل عملنا. لا يوجد لدينا مبدأ الربح من خلال الانضمام إلى الحركة، بل الأساس هو العطاء والمساهمة في خدمة المجتمع والناس. إن مبادئ، كالحب والتسامح، هي مبادئ أساسية في الحركة، وقد أصبحت كطبيعة ثانية لمتطوعي الحركة. ونحن في نهاية المطاف كلنا بشر، نأتي من توجهات مختلفة وطباع مختلفة، لكن ما يجمعنا هو المبادئ الإنسانية. الإنسان هو الفن الأسمى للخالق، وهكذا نقارب الأمور. الابتكار هو مبدأ أساسي في عمل الحركة التي تعمل في عالم متغير، وبينما تتمسك الحركة بمبادئها، فإنها منفتحة على الابتكار.
* ما آلية القرار في الحركة؟
- لا توجد فردية في الحركة. فبدلا من أن نأخذ المبادرات انطلاقا من أسس فردية، فإن حزمة تتعامل مع القرارات بطريقة ليبرالية، إذ يجتمع الناس ويتناقشون في القضايا الأساسية، ويقررون سوية كيفية التعاطي معها.
* أنتم متهمون ببناء دولة داخل الدولة..
- الحركة لا خطط لديها لبناء دولة ضمن الدولة، لأنها لا تمتلك التقليد الذي يقول بالسيطرة على المجتمع من خلال مؤسسات الدولة، بل هي من أصحاب نظرية الإسلام المدني. الحركة تنادي بالديمقراطية لأنها الطريقة الأفضل للعيش. نحن نؤمن بأن الاختلاف لا يجوز أن يكون سببا للصراع في أي مجتمع، والحركة لا تمتلك ثقافة إخفاء أجندتها الحقيقية، ونحن لا نمارس التقية بأي شكل من الأشكال. نحن لدينا مصداقيتنا، وهذه المصداقية هي كل ما نمتلك. ومن مبادئ الحركة السياسية الهامة جدا، الحفاظ على استقلاليتها، فلا تمتلك أي اتصالات مع أي منظمات حكومية أو مؤسسات أجنبية، لا ماليا ولا إداريا، وهذا سبب رئيسي كبير لخلافنا الحالي مع حزب العدالة والتنمية، أي أننا لم نخضع للإرادة السياسية للحزب.
* لقد دعمتم الحزب منذ انطلاقته، ثم تخليتم عنه..
- في الفترات الثلاث لحزب العدالة، دعمت الحركة ما رأت أنه كان صحيحا وانتقدت ما رأته غير ذلك. توقعاتهم كانت مختلفة، كانوا يتوقعون منا الولاء السياسي الكامل، وهو ما لم يكن متاحا. فولاؤنا هو للمبادئ والقيم، وليس للتنظيمات السياسية.
الحركة لم تفكر يوما بالتحول إلى حركة سياسية، ومن مبادئنا الأساسية عدم التورط في هذا، ويهمنا كثيرا البقاء هكذا. لكن هذا لا يعني أننا منفصلون تماما عن السياسة، ففي المجتمعات الديمقراطية تقوم المنظمات الأهلية بخلق نوع من التأثير على الإرادة السياسية، ونعم نحن نقوم بذلك. نحن نسعى إلى ديمقراطية أفضل، ونؤمن بأن الحياة السياسية يجب أن تكون بعيدة عن التسلط، المدني أو العسكري. نحن حركة بناءة، وليس لدينا طابع المواجهة، ونتجنب العنف بأي ثمن. نحن متهمون أساسا بأننا سلبيون لأننا لم نتورط في أي من أشكال العنف، وفي الأزمة الأخيرة مع حزب العدالة بقينا متمسكين بالقانون، وندافع عن أنفسنا بالطرق القانونية فقط. حاليا يجند حزب العدالة كل الموارد العامة لخدمة سياسته الحزبية، وهم يمارسون خطابا حاقدا حيال الحركة، لكننا ما نزال نحافظ على هدوئنا. لقد رددنا على هذا الخطاب ببيان قلنا فيه بأن كلام رئيس الوزراء يبث الكره، وقد يؤدي إلى العنف. هو لا يستطيع السيطرة على الناس، فيما هو طاقة سلبية بينهم.
* ما عدد أعضاء الحركة؟
- لا يوجد في الحركة نظام انتساب، وبالتالي لا توجد لدينا سجلات لانضمام الأعضاء أو انسحابهم. من يجد أن الحركة مفيدة، ويقتنع بمبادئها، يستطيع أن ينضم إليها، وهذا الانضمام يكون بشكل تدريجي وتزداد مسؤولياته مع الوقت.
* هل لديكم تنظيم معين للحركة؟
- نشاطات الحركة في مجال الحوار والتربية والتعليم وفي الإعلام تدار محليا على صعيدي التمويل واتخاذ القرار، لكن هناك منظمة تشكل مظلة لإدارة هذه النشاطات. فمثلا كل المدارس التابعة للحركة في تركيا تشكل اتحادا خاصا، اسمه اتحاد المدارس الخاصة، وكل مؤسسات الحركة متصلة ببعضها بطريقة ما من خلال عملها على مشاريع مشتركة في بعض الأحيان. ومن الأمثلة على ذلك، مؤسسة تركيا (تركيا در) التي تؤمن الدعم التقني للمعلمين الذين يدرسون اللغة التركية خارج البلاد، فهي تنظم لهم دروسا وتنشر كتبا، كما تنظم الأولمبياد التركية التي يشارك فيها طلاب من المدارس التابعة للجمعية في 160 بلدا.
* ما هي المؤسسات الإعلامية التي تديرونها؟
- الحركة تعمل منذ بداية سبعينات القرن الماضي، عندما كانت الأوضاع صعبة عليها ويبدو أنها لا تزال كذلك. وكانت النخبة العلمانية الحاكمة آنذاك متوجسة من عمل الحركة، فوضعوا الكثير من القيود علينا. وكانت وسائل الإعلام العلمانية أيضا مهتمة بنا ومتوجسة منا. أرادت الحركة أن تتوجه إلى عامة الناس، فأنشأت صحيفة «زمان» في عام 1986. لأنه كانت هناك حاجة للرد على الاتهامات التي كانت توجه لنا. بدأت الصحيفة ببيع 5000 نسخة، ثم ارتفع العدد حاليا لتصبح الصحيفة الأكثر توزيعا في البلاد، إذ تبيع نحو مليون ومائتي ألف نسخة حاليا، فيما تبيع أقرب الصحف إليها ما بين 400 إلى 500 ألف نسخة. هذا يظهر مشاعر المجتمع التركي حيال الحركة. وهناك صحيفة أخرى تدار من قبل رجل أعمال متعاطف مع الحركة، وهي صحيفة «بوغون» التي تبيع نحو 200 ألف نسخة، وهذا معناه أن صحف الحركة تبيع نحو 1.4 مليون نسخة من أصل نحو خمسة ملايين هو حجم توزيع الصحف التركية كلها.
أما في المجال التلفزيوني، فهناك المجموعة التلفزيونية «سمان يولو» التي تدار من قبل الحركة، والتي تمتلك الكثير من القنوات المتخصصة، كالأخبار والثقافة والاقتصاد والأطفال وغيرها، وهذه محطات تشاهد من قبل المجموعات المحافظة والليبرالية في البلاد.
* هل من عدد محدد لمنتسبي الحركة؟
- من المستحيل معرفة عدد أعضاء الحركة أو مؤيديها لسببين، أولهما هو أننا لا نمتلك نظام عضوية، وثانيهما، لأننا غير مركزيين. لكن هناك بعض المؤشرات مثل عدد قراء صحفنا وعدد تلاميذنا. نستطيع أن نقول هناك ملايين، البعض يقول 4 ملايين والبعض الآخر 6 ملايين، فيما هناك من يقول: إن 25 في المائة من الشعب التركي يؤيد الحركة على مستويات مختلفة.
* هناك حديث عن نفوذكم الكبير داخل القضاء والشرطة، أو ما يصفه البعض بـ«الدولة الموازية»، كيف استطعتم فعل ذلك؟
- (ضاحكا) لقد أخذ ذلك وقتا طويلا جدا... لقد أجبنا على هذا السؤال مرات عدة، حتى أننا أصدرنا إعلانا حوله. خلال 40 سنة كنا ندير أنشطة تربوية، والمتخرجون من مدارسنا اختاروا الذهاب إلى القطاع الخاص، فيما اختار البعض الآخر البيروقراطية، فالتحقوا بوظائف رسمية، وهذا حق لأي مواطن تركي، والتنوع في المجتمع يجب أن ينعكس في الإدارة الرسمية. في الإدارة التركية كانت هناك نخبة علمانية تنظر إلى الإدارة الرسمية على أنها دائرة مغلقة خاصة بها، ويجب أن تدار من قبلها، ولا يفسح المجال فيها للناس العاديين أو المتأثرين بالدين. هذا الشيء بدأ يتغير مع وصول الرئيس طورغوت أوزال، إذ انقلبت الأمور، وبدأ الناس المؤيدون للحركة دخول المؤسسات الرسمية.
أما الاتهام للحركة ببناء دولة موازية، فما هو إلا للتعمية على فضيحة الفساد التي اندلعت في 17 ديسمبر (كانون الأول) الماضي. وهذا الفساد لم يكن كالفساد الذي اعتدنا رؤيته واعتدناه، فحجمه كان كبيرا، وقد بنوا نظاما له، كما أنهم يحاولون إيجاد فتوى دينية له. لقد وجهوا الاتهام من دون دلائل، علما بأنهم يمتلكون كل الوسائل لإحضار هذا الدليل عبر مؤسسات الدولة والاستخبارات وغيرها.
* لقد دعمتم حزب العدالة في ثلاث دورات، فلماذا هذا الفراق الآن؟
- 80 في المائة من مؤيدينا صوتوا لصالح العدالة والتنمية في انتخابات عام 2011. لأن الحزب وعد بالدخول إلى الاتحاد الأوروبي، ووعد بالتخلص من حكم العسكر، كما وعد بدستور مدني جديد يصون حقوق الفرد التركي. لكن بعد عام 2011 بدأ حزب العدالة يشعر بثقة زائدة بالنفس وبقوة فائضة، وبدأنا نشهد تغييرات راديكالية في الحزب، وبعد أن نال الأكثرية في مجلس النواب، بدأ يسعى للسيطرة على السلطة القضائية. ثم بدأنا نشم روائح الفساد التي انفجرت أخيرا وكانت أكبر من أي شيء نتصوره.
* هل تحضرون أنفسكم لإعلانكم منظمة إرهابية من قبل الحكومة؟
- إنهم يحاولون زرع الخوف في نفوس الناس. هذا الكلام قد يكون مجرد نكتة يمكن أن نضحك عليها. لقد اتهمنا بأننا سلبيون لأننا رفضنا الدخول في حروب الشوارع في السبعينات. كما أننا نروج للحوار والتفاهم، وكل مبادئنا تقوم على حل المشاكل بالحوار. لا يمكن لهم أن يبيعوا هذا الأمر للناس، فلا أحد سيصدقهم.

مصطفى ياشيل



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.