بين «عجز قياسي» و«مؤشرات سيئة».. هل تملك بريطانيا رفاهية الانفصال عن {الأوروبي}؟

بين «عجز قياسي» و«مؤشرات سيئة».. هل تملك بريطانيا رفاهية الانفصال عن {الأوروبي}؟

اقتصاد المملكة المتحدة «المريض» لا يتحمل «الصدمات».. و«سيناريوهات كابوسية» في حال الخروج منه
الخميس - 4 شعبان 1437 هـ - 12 مايو 2016 مـ

قبل 43 يوما فقط من التصويت الشعبي المزمع على خيار الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي، ما زالت حملات الموافقين والمعارضين للخروج مستمرة في تبادل الاتهامات والمناوشات السياسية في محاولاتها للوصول إلى شريحة الناخبين الذين لم يحددوا موقفا حتى الآن، حيث إن توقعات نسب التصويت ما تزال متقاربة وفقا لكل الاستطلاعات الأخيرة.. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة ويدور في رأس الجميع دون أن يجد إجابة صريحة يظل هو «هل تملك بريطانيا حقا القدرة الاقتصادية الكفيلة بمنحها حق ورفاهية الانفصال؟».

ويقود «معسكر البقاء» رئيس الوزراء ديفيد كاميرون، وتتصاعد تحذيرات رئيس الوزراء البريطاني من تداعيات الاستفتاء المتوقع على بريطانيا، فيما يسعى كاميرون لمواجهة حجج معارضيه التي تصف رغبته بالبقاء في الاتحاد الأوروبي باعتبارها علامة على «ضعف وطنيته».

ويحذر جورج أوزبورن، وزير الخزانة البريطاني حليف كاميرون «الوفي» في الحملة ذاتها، من احتمالية فقدان وظائف في قطاع الخدمات المالية، قائلا إن «بريطانيا قد تفقد 285 ألف وظيفة في القطاع ترتبط بالتجارة مع أوروبا».

وعلى الجانب الآخر، يسعى بوريس جونسون، عمدة لندن السابق، وقائد الفريق الذي يدعم الخروج البريطاني، إلى القيام بجولة موسعة لمزيد من التأييد لخروج بريطانيا، وسخر جونسون من تصريحات سابقة لكاميرون مفادها أن مغادرة الاتحاد الأوروبي يمكن أن «تشكل تهديدا للأمن القومي».

وبين الفريقين، يظهر استطلاع رأي، يجري بشكل متواصل، وتقوم به «فاينانشال تايمز» البريطانية حول الموافقين والمعارضين، أن نسبة داعمي البقاء وصلت إلى 46 في المائة، فيما وصلت نسبة داعمي الخروج إلى 43 في المائة، في آخر النتائج حتى أمس.

وبعيدا عن الاتهامات واللكمات السياسية التي يتبادلها الفريقان، تبقى لغة الأرقام وحدها الأكثر مصداقية.. وهي تظهر في غالبها أن الاقتصاد البريطاني حاليا في أضعف حالاته لتحمل أي تغيرات كبرى؛ سواء كان هذا الاقتصاد «مريضا» بفعل عوامل داخلية، أو تأثرا بأوضاع اقتصادية عالمية سيئة.

وأظهرت بيانات رسمية أمس، انخفاض إنتاج المصانع البريطانية سجل في مارس (آذار) الماضي، أكبر هبوط سنوي في نحو ثلاث سنوات، إذ أدى توقف بعض الإنتاج في قطاع الصلب، بسبب الطاقة الإنتاجية الزائدة على مستوى العالم، إلى انخفاض واسع النطاق في نشاط المصانع.

وقال مكتب الإحصاءات الوطنية، إن نشاط قطاع الصناعات التحويلية انخفض بنسبة 1.9 في المائة في مارس، مقارنة بمستواه قبل عام. وهو أكبر تراجع منذ مايو (أيار) عام 2013. ويتفق مع توقعات خبراء الاقتصاد في مسح أجرته رويترز.

وارتفع إنتاج قطاع الصناعات التحويلية قليلا في مارس بنسبة 0.1 في المائة، بما يقل قليلا عن التوقعات، بعد أن هبط بنحو 0.9 في المائة في فبراير (شباط) الماضي.

لكن مكتب الإحصاءات قال إن البيانات لا تشير إلى أي تعديل في تقديرات الناتج المحلي الإجمالي التي جرى نشرها الشهر الماضي، لأسباب منها التعديلات الصعودية الكبيرة للمقياس الأوسع للإنتاج الصناعي في فبراير.

وارتفع الناتج الصناعي الإجمالي بنحو 0.3 في المائة على أساس شهري في مارس، بعد أن انخفض 0.2 في المائة قبل عام.

وبالنسبة للربع الأول ككل، لم تسجل البيانات تغيرا يذكر عن تلك التي جرى استخدامها في تقديرات الربع الأول من أبريل (نيسان) الماضي، بتراجع فصلي يبلغ 0.4 في المائة.

وقال المكتب إن قطاع تصنيع الحديد والصلب الأساسي هبط في مارس بنسبة 37.3 في المائة مقارنة بمثيلاتها قبل عام، كما أسهم في تقلص الإنتاج الصناعي السنوي بواقع 0.3 في المائة.

وقال كولم بيركنيغ، المحلل الاقتصادي في مجموعة «آي إن جي» لإدارة الأصول، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إن «قطاع المصانع في بريطانيا عاد للركود للمرة الثالثة»، وأرجع المحلل الاقتصادي الأسباب إلى ضعف الطلب العالمي وقوة الإسترليني.

ويذكر أن القطاع الصناعي شهد الركود الأول بعد الأزمة العالمية في عام 2008. والمرة الثانية كانت في عام 2011 إبان واقعة إفلاس «بنك ليمان برازرز».

وتباطأ الاقتصاد البريطاني ككل في الربع الأول بحسب ما أظهرته البيانات الأولية، وتراجعت وتيرة النمو إلى 0.4 في المائة، مقابل 0.6 في المائة في الأشهر الثلاثة السابقة.

عجز قياسي

من ناحية أخرى، ارتفع العجز التجاري البريطاني في الربع الأول من 2016 إلى أعلى مستوى له منذ بداية الأزمة المالية في علامة جديدة على تأثر الاقتصاد سلبا بحالة الضعف العالمية.

وقال معهد الإحصاءات الوطنية أمس، إن العجز في الأشهر الثلاثة الأولى من العام زاد إلى 13.273 مليار إسترليني (نحو 19.181 مليار دولار)، مقارنة مع 12.205 مليار إسترليني (نحو 17.636 مليار دولار) في الفترة نفسها من العام الماضي، مسجلا أعلى مستوياته الفصلية منذ الربع الأول من 2008.

وارتفع العجز في تجارة السلع وحدها إلى أعلى مستوى له منذ بدء تسجيل البيانات القابلة للمقارنة في 1998، ليصل إلى 34.694 مليار إسترليني (نحو 50.136 مليار دولار).

وأظهرت بيانات مارس الماضي، وحده بعض التحسن حيث تقلص العجز في تجارة السلع قليلا إلى 11.204 مليار إسترليني ليقل قليلا عن توقعات خبراء الاقتصاد في استطلاع لـ«رويترز» بوصوله إلى 11.3 مليار إسترليني.

جدل الفائدة

وتأتي هذه البينات الضعيفة في المملكة المتحدة قبل يوم واحد من اجتماع بنك إنجلترا بشأن أسعار الفائدة. وتباطأ النمو الاقتصادي البريطاني إلى معدل فصلي نسبته 0.4 في المائة في الأشهر الثالثة الأولى من العام الحالي، انخفاضا من 0.6 في المائة من الربع الأخير من العام الماضي، وقال معهد الإحصاءات إن «التجارة ستكون من العوامل السلبية» خلال تلك الفترة.

وأظهرت بيانات أمس أن حجم صادرات السلع في الربع الأول من العام انخفضت بنحو 0.1 في المائة، وهي وتيرة تقل عما كانت عليه في نهاية 2015، بينما زادت واردات السلع بنحو 1.5 في المائة في الفترة نفسها.

توقعات سيئة

وتوقع المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية في بريطانيا نمو الاقتصاد بنحو اثنين في المائة فقط خلال العام الحالي، و1.9 في المائة العام القادم؛ في حال إذا ما صوت البريطانيون لمغادرة الاتحاد الأوروبي.. مقارنة بتوقعات أخرى تشير إلى متوسط نمو يبلغ نحو 3.5 في العامين الحالي والمقبل في حال البقاء.

وأوضح المعهد في تقرير له أول من أمس، أن قرار ترك الاتحاد الأوروبي من شأنه أن يمثل صدمة كبيرة لاقتصاد المملكة المتحدة، مشيرا إلى أنه بحلول 2030 فإن معدل نمو الاقتصاد السنوي المتصاعد، خلال فترة الـ15 عاما المقبلة، سيكون ما بين 1.5 في المائة خلال العام الجاري وصولا إلى 7.8 في المائة في نهاية تلك الفترة؛ وهي معدلات أقل كثيرا من النمو المفترض للمملكة المتحدة في حالة سيناريو «البقاء مع الاتحاد».

ووفقا لمؤشر مديري مشتريات التجار لـ«لويدز بانك الإقليمي» في القطاع الخاص، سجلت بريطانيا أدنى مستوى لها على المؤشر في أكثر من 3 سنوات في أبريل الماضي بنحو 52.1 نقطة، منخفضا من 53.7 نقطة في مارس الماضي، ويعد المؤشر عند 50 نقطة الفاصل بين النمو والانكماش. وشهدت لندن العاصمة أكبر خسارة للزخم في النشاط التجاري، لتصل إلى أدنى مستوى في 38 شهر بنحو 51 نقطة، فيما انخفض النشاط التجاري في المنطقة الشمالية الشرقية للشهر الثاني على التوالي لأقصى حد في 3 سنوات بنحو 49 نقطة، بينما شهدت ميدلاندز الشرقية بنحو 55.7 وشرق إنجلترا بنحو 55 نقطة، وسجلتا نموا بشكل أسرع وكان الأداء الأفضل عموما في إنجلترا.

ويعلل داعمو الخروج بضرورته نظرا لخطورة الهجرة على المجتمع البريطاني، إلا أن جوناثان بورتس، كبير الاقتصاديين السابق في مكتب رئيس الوزراء، قال معلقا إن بريطانيا تستقبل صافي هجرة بنحو 323 ألف مواطن من دول الاتحاد الأوروبي والحاملين لجنسيات الدول الأعضاء، وستنخفض بنحو مائة ألف مواطن فقط، وسيؤدي هذا الخفض إلى زيادة ضريبة الدخل بنحو اثنين في المائة للحفاظ على توازن الميزانية، موضحا أن افتقاد بريطانيا لسهولة التنقل الحر في الاتحاد في حال خروجها، لا تعني سوى انخفاض طفيف في الهجرة.

وتوجه رجل الأعمال البريطاني آرون بناكس إلى الولايات المتحدة متحدثا للشعب الأميركي حول قضية الخروج في معهد كاتو، مركز أبحاث بالعاصمة واشنطن والمخصص للحرية الفردية، قائلا إن الاتحاد الأوروبي يمثل البيروقراطية البطيئة التي تقوض من السيادة البريطانية، مضيفا أن تدفق المهاجرين من دول الاتحاد الأخرى محبط لأجور الطبقة العاملة البريطانية، إلا أن الحضور المكون من 12 خبيرا سياسيا واقتصاديا لم يتعاطفوا مع «مستر بريكست» (السيد خروج) كما أطلق البعض على بناكس، كونه المؤسس المشارك لحملة الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي.

«صرخات» أطلسية

وعلى صعيد آخر، حذر أول من أمس خمسة من وزراء حلف شمال الأطلسي و13 وزير خارجية ودفاع وأمن أميركي سابقين، من أن انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يضعف كلا من بريطانيا والكتلة الموحدة، وحثوا على دعم البقاء ضمن الاتحاد الأوروبي، لمساهمة نفوذ بريطانيا والاتحاد والناتو في الحفاظ على الاستقرار في عدة مناطق. في حين اعترف وزير الخزانة جورج أوزبورن أن استفتاء الشهر القادم قد دفع الشركات إلى تأجيل الاستثمار في المملكة المتحدة، لكنه قال إن المال سيعود؛ «طالما» سيصوت الناس على البقاء في الكتلة الموحدة. وأظهرت «ماركيت للأبحاث» الأسبوع الماضي انخفاض بمؤشر مديري المشتريات إلى 52.3 نقطة في أبريل، من 53.7 نقطة، إلى أدنى مستوى له منذ فبراير 2013، ليقل عن متوسط توقعات سابقة كانت في حدود 53.5 نقطة.

وقالت وزارة البيئة والغذاء والشؤون الزراعية في بيان أول من أمس إن صادرات المملكة المتحدة من المشروبات الكحولية، وهي أحد أبرز الصادرات الوطنية، معرضة للخطر في حال الخروج البريطاني بأكثر من مليار جنيه إسترليني (1.4 مليار دولار) وهو ما يمثل نحو 37 في المائة من حجم المبيعات، ويعد «السكوتش ويسكي» من المنتجات البريطانية التي تصدر للكتلة الموحدة الأوروبية.

وفي استطلاع لـ«رويترز» لآراء الاقتصاديين، أشارت النتائج إلى تأخر ارتفاع الفائدة بنحو 25 نقطة أساس حتى الربع الأول من عام 2017.

وانخفضت توقعات رويترز لنمو الاقتصاد البريطاني إلى واحد في المائة في 2017 من 1.25 في المائة، و1.5 في المائة في عام 2018 من 1.75 في المائة، وأشار الاستطلاع إلى خطر «الانفصال» على الاقتصاد، كونه أكبر التهديدات للنمو في المملكة المتحدة.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة