من التاريخ: الحرب البريطانية ـ الأميركية 1812

من التاريخ: الحرب البريطانية ـ الأميركية 1812

السبت - 29 رجب 1437 هـ - 07 مايو 2016 مـ
الرئيس جيمس ماديسون

شهد عام 1812 اندلاع واحدة من أغرب الحروب في التاريخ الحديث هي «الحرب البريطانية الأميركية». ولقد اندلعت في وقت كانت أوروبا غارقة في الحروب النابليونية المتتالية، بعدما سيطرت فرنسا على مساحات شاسعة من القارة، وكانت تعد لغزو روسيا، ووسط هذا الجهد العسكري وجّهت بريطانيا جيوشها إلى أميركا الشمالية مرة أخرى بعد حرب استقلال الولايات المتحدة.
وواقع الأمر أن بريطانيا لم تكن الدولة التي أعلنت هذه الحرب بل كان وراء الإعلان الكونغرس الأميركي عندما صوت مجلس الشيوخ لصالح الحرب بغالبية 19 صوتًا مقابل 13 عارضوها. وفي مجلس النواب جاءت النتيجة أيضًا بالغالبية 79 صوتًا مقابل 49. وعلى الرغم من ذلك، فإن السلوك البريطاني كان السبب الرئيسي وراء إعلان الأميركيين الحرب، وذلك بسبب إقدام بريطانيا على تفتيش السفن التجارية الأميركية المتوجهة إلى فرنسا، وفرض رسوم جمركية على البضائع الخاصة بها، فضلاً عن تحرشات ممتدة مع البحرية الأميركية انتهت في إحدى المرات بضرب فرقاطة أميركية وقتل ثلاثة من طاقمها، والقبض على عدد من المجندين البريطانيين الهاربين من التجنيد.
استمر هذا السلوك البريطاني المتغطرس المُغطى بدوافع حربية ضد فرنسا، وهو ما أدخل الدولتين في حرب ممتدة استمرت قرابة السنتين.
من الثابت أن الرئيس الأميركي (يومذاك) جيمس ماديسون، الذي يعد من أبرز المشاركين في كتابة الدستور الأميركي، لم يكن راضيًا عن هذه فكرة الحرب لأنه كان يرى أن الدولة الأميركية ما زالت فتية وتفتقر إلى القدرات العسكرية لمواجهة أقوى الجيوش العالمية، ناهيك بأن جيشها النظامي لم يكن مستعدًا للحرب.
غير أن الضغوط من النخبة الحاكمة كانت قوية ومدفوعة بفكرة التوسّع شمالاً في كندا البريطانية ونحو الغرب على حساب السكان الأصليين (الهنود الحمر)، الذين كانت بريطانيا تدعمهم بالسلاح. وهو ما دفع الرئيس المغلوب على أمره إلى توجيه رسالة إلى الكونغرس يدق فيها طبول الحرب التي لم تكن بلاده قادرة عليها في حقيقة الأمر.
أما الجانب البريطاني فقد كان جهده العسكري منصبًا على القارة الأوروبية، ومع ذلك استطاع أن يحشد الجيش تلو الآخر لمحاربة الولايات المتحدة، خصوصا أن مرارة الهزيمة العسكرية إبان «حرب الاستقلال الأميركي» كانت لا تزال عالقة في الأذهان والوجدان على حد سواء. ولذا، رأت لندن أن هذه فرصة سانحة لها للاستيلاء على أجزاء من الولايات المتحدة ومحاصرتها عبر تحالف قوي مع قبائل السكان الأصليين، الذين بدأوا ينظمون صفوفهم تحت قيادة قائدهم الفذ تيكومسي، زعيم قبائل الشاووني، فيما يشبه الكونفدرالية الهندية المنظمة. وكانت فرص الانتصار وأطماع المكسب وراء توجيه الجهد العسكري البريطاني المكثف نحو الولايات المتحدة.
وكما كان الرئيس ماديسون يتوقع، بدا الجيش الأميركي لبعض الوقت عاجزًا عن تحقيق النصر. وبدأ ذلك واضحًا من خلال الحملات الثلاث التي أقرها لانتزاع كندا من أيدي البريطانيين الذين لم يجلوا عنها بعد «حرب الاستقلال»، إذ انتهت الحملات الثلاث بالفشل التام بسبب القيادة العسكرية الهزيلة وسوء خطوط التموين والاتصالات المتقطعة. أيضًا كان الجهد الحربي للهنود الحمر حاسمًا في ترجيح كفة البريطانيين، وهكذا حققت القوات البريطانية انتصارات حاسمة معظمها بفضل قيادتها العسكرية الرشيدة ممثلة بالجنرال إيزاك بروك Brock، ولكن بروك سرعان ما قُتل في آخر المعارك (معركة كوينزتون هايتس)، وباتت القوات البريطانية تعاني أيضًا من فقر القيادات كنظيرتها الأميركية تمامًا، لا سيما أن كبار الجنرالات البريطانيين كانوا يحاربون مع القائد الكبير آرثر ويلينغتون في القارة الأوروبية ضد فرنسا.
رغم الهزائم الأميركية المتتالية، فإن الأميركيين توجهوا نحو المعارك البحرية في البحيرات الكبرى التي تفصل بين كندا والولايات المتحدة خاصة بحيرة إري Erie، حيث استطاعت البحرية الأميركية أن تهزم الأسطول البريطاني المرابط هناك، وهو ما أتاح لها إنشاء خطوط تموين وضخ مستمر للقوات من البحيرات، فاضطر البريطانيون للانسحاب نحو الشمال. هذا القرار أدى ذلك لخلافات بين تيكومسي والقيادة البريطانية، إذ أصر الأول على الصمود ومواجهة القوات الأميركية التالية، بينما رفض البريطانيون هذا الطرح من الأساس، وتركوه ليواجه مصيره وحده. وبالنتيجة قتل القائد الهندي الأحمر وتفتت وحدة تحالفه القتالي، وخسر البريطانيون حليفًا قويًا كان قادرًا على إدارة دفة الحرب لصالحهم.
مع هذا فشلت القوات الأميركية تباعًا في الاستيلاء على مدينتي مونتريال وكيبيك الكنديتين بسبب ضعفها وانقساماتها. ولكن في المقابل، لم تكن بريطانيا قادرة على الدفع بثقلها الحربي لحسم هذه الحرب بسبب انشغالها بالجبهة الأوروبية. وهذا ما وفر للأميركيين فرصة تجهيز جيشهم بصورة أفضل تحت قيادات شابة.
في هذه الأثناء، ظل الرئيس الأميركي محتاطًا من خطورة انتهاء الحرب الأوروبية الوشيكة بعد هزيمة الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت، لأن هذا كان سيعني تفرغ بريطانيا لمحاربة الولايات المتحدة. ولذا وافق على بدء مفاوضات مع لندن، تأجلت بعض الشيء بسبب غطرسة البريطانيين وشعورهم بضرورة تعزيز وجودهم العسكري في أميركا من أجل السيطرة على المفاوضات وتوجيه مسارها لصالحهم. وهنا أسهمت الانتصارات المحدودة للبحرية الأميركية على نظيرتها البريطانية في تقوية عزيمة الأميركيين للمواجهات المقبلة.
بعدها دفعت لندن حملة تلو أخرى، ونقلت الحرب من البحار وكندا إلى قلب الولايات المتحدة، وشنت حملة عسكرية قوية في الشرق الأميركي استطاعت احتلال العاصمة واشنطن، وأحرقتها تمامًا في مشهد مأسوي لم يتكرّر في تاريخ الولايات المتحدة. وعندها اضطرت الحكومة الأميركية للانسحاب معيدة إلى الأذهان انسحاب الكونغرس من فيلادلفيا إبان «حروب الاستقلال» ضد العدو نفسه. وهكذا بدأت الولايات المتحدة تواجه تعقيدات كثيرة، وهي انحسار قوتها العسكرية وتمركزها في الشمال مع انهيار العاصمة، فضلاً عن حالة اقتصادية متردية لوجود البحرية البريطانية قبالة السواحل الأميركية الشرقية ومحاصرتها للبلاد. أما العامل الأهم فكان بداية ظهور توجه خاصة في الولايات الشمالية الشرقية التي كانت ضد الحرب - يطالب بالانسحاب من الاتحاد الأميركي.
وهنا لعب القدر دوره من خلال معركتين حربيتين فاصلتين غيرتا مجرى الحرب: الأولى عندما استطاعت البحرية الأميركية المرابطة في خليج بلاتسبورغ (في بحيرة شامبلان بشمال ولاية نيويورك) صد الهجوم البحري البريطاني الذي كان كفيلاً بفتح باب التموين والإمداد للجيوش المتتالية لغزو الولايات المتحدة من الشرق. والثانية كانت حول حصن ماكهنري في مدينة بولتيمور، إذ صمد هذا الحصن البحري أمام الهجمات البريطانية المتتالية، فأوقف أي تقدم بريطاني ودفع البريطانيين للانسحاب من هذه المنطقة بحريًا، وأنهى إمكانية التموين والإمدادات لقواتهم تمامًا.
وتزامن مع ذلك تحرك سريع من قبل الولايات المتحدة لتعزيز وجودها العسكري لمواجهة القوات البريطانية، بما جعل في استطاعتها أن وقف أي تقدم بريطاني نحو الغرب. وكانت آخر المحاولات البريطانية الجادة محاولة غزو الجنوب الأميركي من نيو أورليانز (ولاية لويزيانا)، عندما بعثت بحملة قوامها أكثر من خمسة آلاف جندي، لكن واشنطن أرسلت على الفور قائدًا شرسًا - تولى الرئاسة الأميركية بعد ذلك - هو الجنرال آندرو جاكسون، الذي أفلح بتنظيم الصفوف وحشد الجيش اللازم من الميليشيات المختلفة من الهنود والعبيد والمواطنين، واستطاع صد المحاولة البريطانية لعبور نهر الميسيسيبي، وألحق هزيمة ساحقة بالبريطانيين.
كانت نتيجة هذه التحركات العسكرية موافقة بريطانيا على إنهاء الحرب، متخلية عن الشروط التي كانت وضعتها في مطلع المفاوضات بالاستيلاء على الشمال الشرقي الأميركي وإقامة دولة الهنود الحمر في الغرب، ووقعت «اتفاقية غنت» بين الدولتين لتعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل اندلاع الحرب وتضع نهاية لهذه الحرب الغريبة.
مشهد هذه الحرب يعيد إلى الأذهان خطورة الاندفاع نحو إعلان حرب لا تستطيع الدولة التي تعلنها الانتصار فيها إلا بشق الأنفس، ولكن هذه الحرب كانت في واقع الأمر السبب الرئيسي الذي دفع الساسة الأميركيين للعمل على إنشاء جيش نظامي قوي وأسطول بحري قادر على حماية الدولة بشكل منظم، وهي العقيدة السياسية التي لم تحد عنها الولايات المتحدة حتى اليوم. كذلك أوضحت هذه الحرب خطورة الاعتماد على قادة مفلسين عسكريًا، كما عُدت تقويضًا للأطروحة السياسية الدائرة في الأوساط الأكاديمية التي تزعم أن «الديمقراطيات لا تحارب بعضها»، فهذا مثال على أن الديمقراطيات تحارب بعضها لو أن السياسة الدولية تخرجها من نمط التحالف الذي شاهدناه في القرن العشرين.
ورغم سعي الجميع لمحاولة نسيان هذه الحرب غير الضرورية والغريبة فالطريف فيها أنها شهدت كتابة النشيد الوطني الأميركي على أيدي أحد الصحافيين الأميركيين أثناء متابعته معركة فورت ماكهنري، إذ كتب قصيدة تقرر تلحينها لتصبح النشيد الوطني الأميركي، الذي ينتهي بكلمات «أرض الأحرار وموطن الشجعان».


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة