«بنسيون فؤاد».. أوحى لمحفوظ بـ«ميرامار» ويستقطب الزائرين كمعلم سياحي

«بنسيون فؤاد».. أوحى لمحفوظ بـ«ميرامار» ويستقطب الزائرين كمعلم سياحي

شيّده معماري إيطالي عام 1928 وشادية وإسماعيل ياسين وعمر الشريف من أشهر نزلائه
الثلاثاء - 24 شهر ربيع الأول 1437 هـ - 05 يناير 2016 مـ
واجهة العقار الشهير «فينيسيا الصغيرة» - الحارس عم سيد أمام المصعد الأثري - مدخل العقار ببوابته الشاهقة
الإسكندرية: داليا عاصم
بنسيون «ميرامار» في الحقيقة هو بنسيون أو لوكاندة «فؤاد».. و«ماريانا» اليونانية كانت «كلارا» اليونانية، التي أوحت لأديب نوبل نجيب محفوظ بروايته «ميرامار» التي نشرت عام 1967، وتحولت لفيلم سينمائي لعبت بطولته الفنانة القديرة شادية، وأخرجه كمال الشيخ عام 1969، وأضحى من أهم 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية.
تقع عمارة «ميرامار» التي تخطف الأنظار ببهائها في موقع متميز على كورنيش الإسكندرية بجوار مطعم ومقهى أثينيوس الشهير بمحطة الرمل حيث كان محفوظ يتردد لارتشاف القهوة، وهي عمارة رقم «1» ومدون على لوحها التأسيسية «فينيسيا الصغيرة» (little Venice)، كما أطلق عليها منذ إنشائها عام 1928، صممها المعماري الإيطالي المصري جياكومو أليسندرو لوريا G.A.Loria، عام 1926 لتصبح تحفة معمارية تتحدي الزمن تعرفها من زخارفها وطرازها المعماري القوطي ذي الطابع الفينيسي البديع، فهي مطعمة من أعلاها بقطع الموزاييك الإيطالي الملونة باهرة الجمال، لذا فمنذ تأسيسها وحتى الآن تعتبر أحد معالم الإسكندرية المميزة والتي لا يضاهي جمالها على كورنيش المدينة جمال آخر، ويحرص الرائح والغادي من المارة على كورنيش الإسكندرية على التقاط صور قوتوغرافية لها، وقد فازت بجائزة أفضل الواجهات المعمارية عام 1929، وظلت لسنوات طويلة تحتل كروت البوستال والبطاقات التذكارية لمدينة الإسكندر.
تعكس عمارة «فينيسيا الصغيرة» روح الإسكندرية الكوزموبوليتانية التي كانت يوما من الأيام موطنا لأكثر من 55 جنسية، اختلطوا وعاشوا معا وحرص المعماري لوريا المولود بمدينة المنصورة المصرية، على المزج بين طراز الآرت ديكو والطراز الإسلامي المستوحى من القاهرة الفاطمية، وقد ترك بصمته المعمارية المبتكرة في أرجاء منطقة محطة الرمل بالإسكندرية، حيث قام ببناء عمارة «النقلي» العقار التوأم لمبنى بنسيون فؤاد والمطلة على شريط الترام وميدان محطة الرمل، وفندق «سيسل» الشهير المطل على الكورنيش، وعقار بنك مصر.
وصفها محفوظ بدقة في روايته: «العمارة الضخمة الشاهقة تطالعك كوجه قديم، يستقر في ذاكرتك فأنت تعرفه ولكنه إلى لاشيء في لامبالاة فلا يعرفك.. وأطلت بجماع بنيانها على اللسان المغروس في البحر الأبيض، يجلل جنباته النخيل..». (ميرامار، ص7).
قبل انتشار الفنادق كانت البنسيونات سيدة المشهد، وكان ازدهار المدينة التجاري والثقافي له دور في انتشار البنسيونات في جميع شوارع الإسكندرية تقريبا. ينفرد البنسيون بإطلالة بانورامية على الميناء الشرقي العريق وكورنيش المدينة الخالد وقلب المدينة النابض «محطة الرمل». كما تطل واجهته الشرقية الجانبية على «كافيه دي لابيه» الذي كان حتى وقت قريب ماسح الأحذية فيه يتحدث الفرنسية بطلاقة.
وجسد نجيب محفوظ افتتانه بالإسكندرية ومقاهيها ومعالمها ذات الطابع اليوناني والأوروبي المحيطة بعقار «فينيسيا الصغيرة» على لسان عامر وجدي، بطل روايته «ميرامار»: «زرت بحنان أثينيوس وبسترودس وأنطونيادس، جلست وقتا في بهو ويندسور وسيسل، ملتقى الباشاوات والساسة الأجانب في الزمن القديم وخير محل لالتقاط الأخبار ومتابعة الأحداث، فلم أر إلا قلة من الأجانب شرقيين وغربيين». (ميرامار، ص24)
توجهت لمدخل عقار «ميرامار» ببوابته الشاهقة التي تحفها الزخارف والأعمدة اليونانية ذات التيجان كمبنى كاتدرائية رومانية عتيقة بسقف شاهق مزخرف برؤوس الأسود والثريات الأثرية تتدلى من عليائها مضيفة فخامة ملكية على العقار. استقبلني بحفاوة عم سيد حارس العقار، الذي على الفور يجيبك: «أيوه هي دي عمارة (ميرامار) بس البنسيون اسمه (فؤاد)». يصطحبني للمصعد الحديدي العتيق الطراز حيث يقع بالطابق الثاني من المبنى الرائع «بنسيون فؤاد»، ودفعني فضولي للسؤال عما إذا كان سكان العقار من اليونانيين والإيطاليين السكندرية لا يزالون مقيمين به؟ إلا أن عم سيد قال إنه يعمل هنا منذ 6 سنوات فقط، لكنه يعلم أن آخر يونانية كانت تقيم في شقتها قبل عامين، ولا أحد يعلم هل ستعود أم لا؟ أما باقي الجنسيات التي كانت تقطن العقار فأغلبهم هاجر مع التأميم، وأن العقار تحول من عقار سكني إلى عقار إداري حيث تشغله عيادات الأطباء ومكاتب شركات الملاحة والنقل البحري والاستيراد والتصدير.
وفي بهو البنسيون تستقبلك مدام جيهان، مالكة الفندق الحالية، ببشاشة وترحاب بوجهها الذي يبدو مألوفا لك منذ الوهلة الأولى، فهي سيدة مصرية في أواسط العمر، غاية في اللطف والتلقائية تشعرك بأنها أحد أفراد عائلتك، ويبدو أنها لم تمل أبدا من سرد حكاية البنسيون وقصة فيلم «ميرامار» ونجيب محفوظ، وروت لـ«الشرق الأوسط»:
«ورثت البنسيون عن جدتي التي اشترت هذا الفندق سنة 1956، من سيدة يونانية تدعى كلارا، هي التي أوحت لنجيب محفوظ بشخصية ماريانا، وأعرف أن كلارا كانت قد ورثته عن أمها التي سمت البنسيون على اسم الملك فؤاد، لكن لا نعلم اسم البنسيون اليوناني الأصلي الذي تأسس منذ إنشاء العقار. وفي الستينات تم تصوير فيلم (ميرامار) هنا وأقام فريق عمل الفيلم بغرف البنسيون. لم أكن قد ولدت بعد، ووقت تصوير فيلم (ميرامار) كان عمر شقيقتي عامين، وللأسف لم نحتفظ بصور أثناء وجود أبطال الفيلم هنا، الفيلم كله تم تصويره في مدخل الفندق والمصعد، لكن التصوير الداخلي كان بالقاهرة».
أثناء تجولنا في أرجاء البنسيون تروي: «كان أبطال الفيلم مقيمين هنا في البنسيون، وكانت الفنانة شادية لها غرفة مخصصة لها لتبديل ملابس شخصية زهرة في الفيلم، لم نجدد في شكل البنسيون إلا بعض الديكورات والتجديدات الداخلية، ويتكون من 12 غرفة و3 أجنحة، وحافظنا على 3 غرف بالطراز القديم، وباقي الغرف تم تجديدها لتلائم طبيعة الحياة العصرية، بالطبع ممنوع تغيير أي شيء في العقار كله لأنه يعد مبنى تراثيا».
تبتسم مدام جيهان قائلة: «يوميا يأتي إلى أناس من جميع الجنسيات أغلبهم من العرب، وبعض الأجانب يريدون تصوير العقار والبنسيون لطرازه المعماري المميز، ويسأل العرب والمصريون عن تصوير فيلم (ميرامار) هذا بالطبع إلى جانب طلبة كلية الهندسة والمعماريين من مختلف دول العالم الذين يدرسون التفاصيل المعمارية بالمبنى».
وعن أشهر نزلاء البنسيون، تتذكر مدام جيهان: «تردد على الفندق أبطال فيلم ميرامار يوسف شعبان وعبد المنعم إبراهيم، وفرقة نجيب الريحاني: الفنان حسن فايق وماري منيب وإسماعيل ياسين، كانوا نزلاء دائمين وكانوا يصطحبون والدي لحضور الحفلات المسرحية الصيفية في الإسكندرية، وكان يروي لنا أن وجودهم كان دائما يشع بالبهجة وكانوا يطلقون الضحكات والنكات إلا أنه لم يكن يتذكر الكثير من التفاصيل لصغر عمره في ذاك الوقت». وتتذكر: «أقام هنا أيضا الفنان عمر الشريف منذ نحو 7 سنوات حيث تم تصوير مسلسل (حنان وحنين)، وفيلم (صباحو كدب) لأحمد آدم، ومشاهد كثيرة تم تصويرها في أرجاء البنسيون». وتشير «أحوال البنسيون لم تعد كما كانت في الماضي، وكان النزلاء من المشاهير والمثقفين أما الآن ولغلاء أسعار الغرف الفندقية السياحية فانحصر نزلاء الفندق في فئة الطلاب القادمين من خارج الإسكندرية لحضور دورات أو مؤتمرات، أو عائلات من الطبقة المتوسطة التي ترغب في التصييف وقضاء وقت ممتع بالمدينة بسعر مناسب، أو بعض الكتاب والأدباء الذين يحبون الإقامة في غرفة على البحر مباشرة بتكلفة بسيطة».
أجواء أسرية يكفلها البنسيون أو اللوكاندة تختلف عن أجواء الفنادق الفاخرة ذات النجوم، وتحمل جدران البنسيون حكايات كثيرة تشكل جزءا من التاريخ الشفهي للمدينة والذي لم يتم توثيقه، ورغم بساطتها وضآلة إمكانياتها مقارنة بالفنادق، فإنه لن يقدر قيمة «البنسيون» سوى عشاق الإسكندرية ويودها المنعش وكونها «مدينة ذكريات» تعيش في مخيلة محبيها وقراء الروايات التي خلدتها، فلا تزال جدران تلك البنسيونات تحمل نفحات منها، فقد كتب محفوظ على لسان ماريانا في ميرامار: «إن البنسيونات لم تؤمم بأي حال».

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة