«الجنس الناعم» يدخل البرلمان المصري

امرأة تترأس جلسته الإجرائية لأول مرة

مارغريت عازر - د. هبة هجرس - د. آمنة نصير
مارغريت عازر - د. هبة هجرس - د. آمنة نصير
TT

«الجنس الناعم» يدخل البرلمان المصري

مارغريت عازر - د. هبة هجرس - د. آمنة نصير
مارغريت عازر - د. هبة هجرس - د. آمنة نصير

صاحت وهي تركب العربة المكونة من ثلاثة إطارات (التوكتوك): «انتظروني». كانت هذه صيحات السيدة نورا البالغة من العمر 66 سنة، وهي تسعى للمشاركة في المظاهرات العارمة التي أطاحت بحكم الرئيس الأسبق حسني مبارك. وعادت السيدة نفسها للمشاركة في الاحتجاجات الكبرى التي أسقطت حكم الرئيس محمد مرسي. وتجلس نورا اليوم، في ظل النخلة أمام بيتها على آخر ناصية شارع محمود عساف، في ضاحية دار السلام في جنوب القاهرة، وهي تنتظر لكي ترى أول سيدة تترأس الجلسة الإجرائية للبرلمان المصري، وهي النائبة آمنة نصير. وتقول السيدة نصير لـ«الشرق الأوسط»: نعم.. إنني أهدي رئاستي لهذه الجلسة لسيدات مصر اللائي شاركن بقوة منذ ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011 في صناعة هذا الواقع الجديد.

منذ ظهور الحياة النيابية في مصر إلى النور منذ نحو 150 سنة، لم تتمكن المرأة، أو كما يسميها البعض «الجنس الناعم»، من الحصول على كل هذه المقاعد بالانتخاب المباشر من المقترعين إلا اليوم. سيصل عدد النائبات إلى نحو 90، أو أقل قليلا، بعد أن تخرُج قائمة المعينين من جانب رئيس الدولة. يبلغ عدد مقاعد البرلمان 587 مقعدا، هي كالتالي: 120 لمن فازوا بنظام القوائم و440 لمن فازوا بالنظم الفردي، بالإضافة إلى 27 مقعدا يعينهم رئيس الجمهورية وفقا للدستور. تشعر النائبة هبة هجرس، بعد أن فازت، بالسعادة وهي تتحدث لـ«الشرق الأوسط» عن «الإنجاز الكبير الذي حققته المرأة في انتخابات البرلمان».
وتحمل السيدة هجرس درجة الدكتوراه في دراسات الإعاقة وعلم الاجتماع من بريطانيا، وفازت كمرشحة ضمن ائتلاف «في حب مصر». وتقول عن رؤيتها لعمل مجلس النواب القادم، في ظل وجود هذا العدد الكبير من السيدات، إنه «سيؤدي إلى تغير كبير.. السيدات سوف يقمن بنقلة نوعية في مجلس النواب». هذه هي المرة الأولى، منذ بداية تاريخ الحياة النيابية المصرية، التي تحصد فيها السيدات كل هذا العدد من أصوات الناخبين سواء كانوا رجالا أو نساء. حتى في الصعيد (جنوب مصر) الذي يشتهر بالانحياز للرجال، تمكنت بعض السيدات من التغلب على منافسيهن. وتضيف هجرس: «أعرف زميلة تغلبت على تسع مرشحين رجال. هذا مصدر فخر».
ومثلما فعلت في ثورة يناير ومن بعدها في ثورة يونيو (حزيران)، لم تتحرك السيدة نورا بمفردها في الفعاليات الضخمة التي مرت بها البلاد في السنوات الأخيرة. تقف تحت النخلة وتبدأ في جمع جاراتها. أحيانا يستأجرن أكثر من «توكتوك»، وأحيانا يركبن مترو الأنفاق من محطة دار السلام. وفي انتخابات البرلمان كانت في مقدمة زميلاتها في اللجنة الانتخابية الموجودة في مدرسة أحمد عرابي القريبة.
وبعد أيام قليلة ستجلس نورا مع سيدات شارع عساف لتشاهد النائبة نصير وهي تدير جلسة مجلس النواب. وتقول مارغريت عازر، التي فازت في الانتخابات، لـ«الشرق الأوسط»: «هذا أمر غير مسبوق في تاريخ البرلمان.. أرى أن السيدات لديهن إدراك بأن كل القضايا الموجودة في المجتمع هي تخص في نهاية المطاف المرأة باعتبارها نواة الأسرة، سواء في قضية التعليم أو الصحة أو القوانين الاقتصادية. وكما ساهمت في الاستحقاقات السابقة بقوة ستفعل ذلك في البرلمان».
من هذه الأزقة الضيقة، خرجت نورا التي لم تحصل على قسط وافر من التعليم، مع جاراتها، وراء موجات الشبان الذين كانوا في كل مرة يهتفون من أجل التغيير. وتحتفظ بصور لها وهي وسط الحشود في ميدان التحرير. وصور أخرى وهي تقف في طوابير الانتخابات الرئاسية، حيث اختارت الرئيس عبد الفتاح السيسي، وفي الزحام على الاقتراع على الدستور الجديد. وأخيرا وهي تقف أمام لجنة أحمد عرابي الانتخابية. ومن مثل هذه الضواحي الفقيرة جاءت الكثير من النائبات ليشغلن مقاعد البرلمان الجديد. وتقول النائبة هبة هجرس: «هذا شيء يُفرح».
وعن تفسيرها لفوز هذه العدد الكبير من السيدات، تضيف هجرس أن الأمر لا يقتصر فقط على مشاركة المرأة في ثورتي 25 يناير و30 يونيو.. «هناك أكثر من سبب. ما جعل المرأة متحمسة، وما شجعها، في الحقيقة، وما جعلها تنفض الخمول عن كتفيها في انتخابات مجلس النواب، يرجع للثقة التي اكتسبتها. شعرت أنها قادرة على التغيير.. المرأة كانت فاعلة بقوة في الثورتين وفي الانتخابين السابقين. انتخابات الرئاسة والاستفتاء على الدستور. أي في الاستحقاق الأول وفي الاستحقاق الثاني. كانت ناشطة بقوة، وشاركت المرأة بما لا يقل عن 60 في المائة في انتخاب الرئيس والاقتراع على الدستور».
وتعرب هجرس عن اعتقاها في أن «إحساس المرأة بالخطر أعلى من إحساس الرجل. هذا هو السبب الذي جعلها تشارك بقوة في الاستحقاق الأول والثاني ثم المشاركة في الانتخابات». وتشير إلى أن ظهور المرأة لم يكن متيسرا، بشكل مباشر، في استحقاق انتخابات الرئاسة واستحقاق الدستور، في 2014، بحكم طبيعة هذين الاستحقاقين. كانت تكتفي بالوقوف في الصف للإدلاء بصوتها، مقارنة بانتخابات البرلمان هذا العام، والتي أعطتها الفرصة للمشاركة فيها بشكل ظاهر للعيان. في السابق دعمت بصوتها الاختيار ودعمت القرار، لكن هذه المرة كان لديها الفرصة أن تنزل وتشارك بنفسها وتترشح وتفوز».
أجمل شيء في هذه المشاركة التحليل، كما تؤكد النائبة هبة.. «مثلا، هناك امرأة فازت على تسعة رجال. الشعب اختارها ووثق فيها وأعطاها صوته. حدث هذا في ضاحية إمبابة. هل تستطيع أن تتخيل أن يكون في ضاحية شعبية كل هذا الوعي لاختيار امرأة لتمثل الناس في البرلمان. البعض يرى أن هذه المرأة تساوي ألف رجل. فقد كانت إمكاناتها المالية محدودة جدا، ومع ذلك فازت».
النائبة التي فازت في إمبابة هي نشوى حسين هاشم، الشهيرة باسم «نشوى الديب». وتنتمي إلى عائلة متوسطة، ذات أصول صعيدية وبالتحديد من محافظة أسيوط، لكن لها وجود قديم في الضاحية التي تعد من أكثر ضواحي القاهرة الكبرى فقرًا وازدحامًا. ومثل كثيرات من المصريات شاركت الديب في ثورتي يناير ويونيو. ولها نشاط نقابي ومؤلفات من بينها كتاب «الحوار الإسلامي المسيحي عبر التاريخ». وعزّز من مكاسب السيدات في البرلمان الجديد نزولهن بأنفسهن لعقد لقاءات في الشارع مع الناخبين، مثل نشوى، وعدم الاعتماد على الإعلانات والدعاية كما يفعل المرشحون من المقتدرين الآخرين المنافسين لهن.
وفي محافظة الشرقية بشرق الدلتا (شمال البلاد)، فازت المرشحة نوسيلة أبو العمر في دائرة فاقوس بعدما خاضت معركة انتخابية شرسة ليس مع باقي المرشحين الرجال الأغراب فقط، ولكن مع شقيقها أيضًا.. وإجمالا يمكن لمن يرغب في إعادة قراءة الانتخابات وتحليل نتائجها أن يشعر بهذا المتغير في ما يتعلق بمزاج الناخبين الذي أفرز كل هؤلاء النائبات من كل هذه المناطق. أو كما تقول النائبة هجرس: من يحلل الأمر سيشعر بالفخر ليس لفوز المرأة فقط ولكن للطريقة التي جرى بها هذا الفوز، وكيف أن الشعب لديه وعي وكيف أن لديه القدرة على التمييز والثقة في هؤلاء المرشحات. هذا شيء مبهج. وتضيف أن هذا النجاح، بهذا الكم، وبهذا العدد، يحمل دلالات مختلفة، حتى بالنسبة للأماكن التي فازت فيها المرشحات، لا بد من النظر إليها بعين الاعتبار. فقد فازت الكثير منهن في دوائر في الصعيد، وما أدراك ما الصعيد، حيث لا يمكن لأحد أن يتخيل أن الرجال هناك يمكن أن يصوتوا لامرأة. النتيجة مبهرة للمرأة وليست بسيطة.
لكن كيف ترى النائبات الجديدات أنفسهن في عمل مجلس النواب؟
تقول السيدة هجرس: «هذا سيؤدي إلى متغير كبير.. السيدات سوف يقمن بنقلة نوعية في هذا المجلس. سيكون هناك اهتمام أكبر بقضايا المرأة وسيكون هناك اهتمام أكبر بوجهة نظر المرأة في قضايا الدولة. حين تكون رؤيتك لقضية ما من زاوية واحدة، تختلف عن رؤيتك لها من زاويتين. وجهة نظر المرأة ستكون إضافة فاعلة. وحين تكون هناك مناقشات لقضايا تخص المرأة سيكون هناك عدد كبير من النائبات يمكن لهن أن يشاركن بفاعلية في هذه القضايا وطرح وجهة نظرهن والدفاع عنها بشكل أفضل».
ويمكن تصور ما يشبه التكتل النسائي في البرلمان الجديد. ويبدو من المناقشات المبدئية التي جرت في اجتماعات مغلقة على النائبات السيدات فقط، أن التنسيق بينهن ستكون له الأولوية عن التنسيق مع الكيانات أو التيارات السياسية التي ينتمين إليها، إلا أن المتوقع بشكل عام أن يعمل جميع النواب والنائبات من أجل إنجاح جهود الدولة في التغلب على المصاعب الاقتصادية والأمنية التي نتجت عن سنوات الاضطرابات منذ 2011 حتى الآن.
أكبر موقع شغلته المرأة المصرية في البرلمان كان في عهد مبارك حين تولت لعدة دورات موقع وكيل مجلس الشعب، وحلت في بعض الجلسات محل رئيس المجلس في إدارة الجلسة. وكانت أشهر هؤلاء الدكتور آمال عثمان، التي كانت قبل دخولها البرلمان وزيرة للشؤون الاجتماعية والتأمينات. أما أول نائبة منتخبة في البرلمان في عهد ما بعد 1952 فهي النائبة راوية عطية. كان ذلك عام 1957، إلا أنها لم تحظ بشهرة تذكر بسبب قصر مدة البرلمان في تلك المرحلة. وعاشت الحياة البرلمانية في مصر بعد ذلك على أمل أن تتمكن المرأة من شغل عدد مناسب من المقاعد يعكس وجودها وأهميتها في المجتمع.
وجرت محاولات من جانب الدولة لتخصيص مقاعد للنساء مرة بنظام الكوتة (الحصة) ومرة بالتعيين طوال السنوات العشرين الماضية. وبموازاة ذلك ظهرت مجالس شبه رسمية ومنظمات أهلية ولجان حزبية تعمل على إقناع الناخبين باختيار المرأة كمرشحة مثلها مثل الرجل. ومن بين هذه المجالس والمنظمات واللجان، «المجلس القومي للمرأة» الذي كانت ترأسه سوزان مبارك زوجة الرئيس الأسبق مبارك. و«منظمة جبهة المرأة العربية» و«لجنة اتحاد النساء التقدمي»، وغيرها الكثير.
وتدير «المجلس القومي للمرأة»، في الوقت الراهن، وهو مجلس مهم في مصر، السفيرة ميرفت التلاوي. وفي الشهور الماضية ساعد المجلس بالتعاون مع المنظمات الأهلية واللجان الحزبية والنقابات وغيرها، في تسمية المئات من النساء والفتيات اللائي يصلحن لخوض انتخابات البرلمان الأخيرة. ونظم المجلس دورات تدريبية على العمل النيابي والسياسي، بغض النظر عن انتماء المتدربات لهذا الحزب أو ذاك. ويعد المجلس فوز نائبات وردت أسماؤهن في قوائمه منذ البداية، نجاح له أيضًا، رغم تراجع إمكانياته وتعرضه للتهميش خلال فترة حكم الإخوان القصيرة.
سؤال للنائبة هبة: هل ترين نفسك قريبة من تكتل سياسي بعينه تحت قبة البرلمان؟ تجيب بكل ثقة: «أنا في ائتلاف دعم مصر. كنت في تحالف انتخابي هو (في حب مصر). وهذا التحالف جرى حله بعد انتهاء الانتخابات. نحن كمستقلين في البرلمان سنعمل كمستقلين، وهذا لا يمنع من العمل مع ائتلاف دعم مصر أيضًا. وهي مثل كثير من المصريين ترى أن البلاد تمر بمخاطر جمة منذ ثورة يناير حتى اليوم، مرورا بمرحلة حكم الإخوان برئاسة الرئيس الأسبق مرسي». ومن المصطلحات السياسية التي كان يحلو للمصريين استخدامها للتعبير عن ظاهرة العزوف عن المشاركة في الحياة العامة، مصطلح «حزب الكنبة»، والذي يشير إلى الغالبية التي كانت لا تحبذ النزول للشارع للمشاركة في التغيير. لكن المرأة دفعت حزب الكنبة للخروج حين حاول الإخوان الهيمنة على الدولة في 2013.
تقول هجرس: «نحن دخلنا في ثورة في 2011، ثم أصيبت هذه الثورة بالارتباك، وتعرضت للسرقة. ما حدث أننا عدنا مرة أخرى لتصحيح المسار في 2013. هل سمعت عن حزب الكنبة. معظم السيدات هن اللائي جعلن حزب الكنبة ينزل إلى الشارع في ثورة 30 يونيو ضد الإخوان. حملت السيدات الكنبة بالفعل ونزلن بها وجلسن عليها في الشارع، كصرخة منهن لمن لا يحبون المشاركة ولمن يفضلون مشاهدة التطورات وهم جالسون في بيوتهم».
وتضيف قائلة إنه «لا يمكن أن نترك البلد يتعرض للهزات والارتجاجات، ونصمت. لا بد من الاستقرار. كان لا بد للمرأة أن تنزل لتشارك في صناعة هذا الاستقرار. قرون الاستشعار عند المرأة أكثر حساسية من الرجل، لأنها هي التي تحمي الأسرة ومستقبلها، وهذا الذي جعلها تنتفض وتنزل للمشاركة في الاستفتاء على الدستور وفي انتخابات الرئاسة، وأخيرا في انتخابات البرلمان الجديد سواء كمرشحة أو ناخبة».
ويعطي فوز المرأة في انتخابات البرلمان دافعا لها لخوض انتخابات المحليات المقبلة. تقول هجرس: «أعتقد أن انتخابات المحليات المقبلة ستشهد حضورا للسيدات أكبر من السابق. ستكون المرأة فيها أكثر إبهارا. تعلم أن المحليات أكثر الأماكن التي توصم بالفساد، ولا بد للمرأة أن تتدخل لوضح حد لكل هذا. الفساد في المحليات معروف منذ سنوات. وسترى السيدات حين يشاركن في انتخابات المحليات وكيف سيشاركن بقوة في القضاء على هذا الفساد، لأن هذا هو الآفة التي لا بد أن نقتلعها في المرحلة المقبلة».
النائبة مارجريت عازر تدخل البرلمان وهي مزودة بخبرة من العمل السياسي والانتخابي لسنوات كثيرة، خاصة في مناطق شمال القاهرة. وتقول إن مجلس النواب الجديد «مختلف.. فيه جميع المكونات والطوائف والفئات. أعتقد أن هذا سيثري الحياة البرلمانية. يضم عددا كبيرا من النساء، وفيه عدد من الأقباط والشباب.. حتى المصريون بالخارج ممثلون فيه. أعتقد أن الكل سيعمل على تحقيق آمال وطموحات الشعب الذي انتخبه، وخصوصا أن البرلمان لن يكون فيه حزب حاكم ولا أغلبية تستطيع أن تفرض أجندتها على الآخرين كما كان الحال من قبل».
وتعرب عن سعادتها وهي تصر على التذكير بأن «عدد السيدات العضوات في مجلس النواب، واللائي جئن عن طريق الانتخابات، عدد غير مسبوق في تاريخ البرلمان»، مشيرة إلى أن «السيدات يدخلن البرلمان وهن حاضرات الذهن ومعهن الملفات التي تحتاج إلى علاج ونقاش وبحث تحت القبة. عليهن أعباء كثيرة. فبالإضافة إلى الأجندة التشريعية، عليهن محو الموروثات الاجتماعية الموجودة داخل المجتمع المصري، والتي تقول إن السيدة لا تصلح لكل المناصب، وسيكون عليهن أن يثبتن العكس وأن يعملن بجد. ونحن نقوم بالتحضير لهذا الأمر».
وتتوقع السيدة عازر أن يشهد المصريون «دورة برلمانية مختلفة مع النساء، خاصة في شأن طرح موضوعات ومشروعات قوانين هامة جدا للمجتمع ككل. وليس كما يعتقد الكثير من الناس من أن جهودها في البرلمان ستنصب على قضايا المرأة فقط. أرى أن السيدات لديهن إدراك بأن كل القضايا الموجودة في المجتمع هي تخص، في نهاية المطاف، المرأة باعتبارها نواة الأسرة، سواء في قضية التعليم أو الصحة أو القوانين الاقتصادية.. عموما ستجد عملها في مجلس النواب قوي جدا. فكما ساهمت في الاستحقاقات السابقة بقوة ستفعل ذلك في البرلمان».
وتعد الدكتورة آمنة نصير نفسها، باعتبارها أكبر أعضاء مجلس النواب سنا، لرئاسة جلسة الإجراءات وفقا لما ينص عليه الدستور. وتبدأ الجلسة بأداء النواب لليمين الدستورية ثم انتخاب رئيس للبرلمان ووكيلين. والدكتورة نصير مولودة في محافظة أسيوط عام 1948، وهي مفكرة معروفة وأستاذ للفلسفة الإسلامية والعقيدة بجامعة الأزهر، وتشغل أيضًا عضوية المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ولها مؤلفات كثيرة.
وتنظر لرئاستها المقررة لجلسة الإجراءات على أنها «قضاء وقدر». وتقول: «أنا لم أختر يوم مولدي، مثلما لم أختر ترؤس الجلسة الإجرائية للبرلمان. لم أضع بروتوكولا بأن يكون أكبر الأعضاء سنا هو من يرأس الجلسة. لا دخل لي في هذا.. لا اختيار لي ولا فضل. ولذلك أنا في الحقيقة أقول إن ما قدره الله لي، وليس لي فيه أي اختيار أو أي جهد، أهديه للمرأة المصرية».
وعما إذا كانت تشعرين بالرهبة قبل الجلوس على مقعد رئاسة الجلسة الإجرائية، ردت في ثقة: «لا.. أقول لك لماذا، لأنني متمرسة. أعني أنني جلست من قبل على أقوى من هذا، في مؤتمرات دولية في ألمانيا وفي النمسا وفي هولندا، وناقشت رسائل جامعية في كبرى الجامعات الدولية، وكان هناك في بعض الأوقات مناقشة أكثر من رسالة جامعية في وقت واحد.. فالمسألة بالنسبة لي ليست جديدة.. أي ليس فيها رهبة. هذا عمل أمارسه منذ أربعين سنة».
وعن توقعاتها لمستوى عمل المرأة في البرلمان، تقول إنها تتمنى أن يكون عملا مختلفا بهذا العدد الكبير من السيدات.. «أنا جلست مع النائبات الجديدات في عدة اجتماعات ولديهن العزيمة والقوة والتصميم بأنهن لن يتركن هذه الفرصة الذهبية».



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.