«الجنس الناعم» يدخل البرلمان المصري

امرأة تترأس جلسته الإجرائية لأول مرة

مارغريت عازر - د. هبة هجرس - د. آمنة نصير
مارغريت عازر - د. هبة هجرس - د. آمنة نصير
TT

«الجنس الناعم» يدخل البرلمان المصري

مارغريت عازر - د. هبة هجرس - د. آمنة نصير
مارغريت عازر - د. هبة هجرس - د. آمنة نصير

صاحت وهي تركب العربة المكونة من ثلاثة إطارات (التوكتوك): «انتظروني». كانت هذه صيحات السيدة نورا البالغة من العمر 66 سنة، وهي تسعى للمشاركة في المظاهرات العارمة التي أطاحت بحكم الرئيس الأسبق حسني مبارك. وعادت السيدة نفسها للمشاركة في الاحتجاجات الكبرى التي أسقطت حكم الرئيس محمد مرسي. وتجلس نورا اليوم، في ظل النخلة أمام بيتها على آخر ناصية شارع محمود عساف، في ضاحية دار السلام في جنوب القاهرة، وهي تنتظر لكي ترى أول سيدة تترأس الجلسة الإجرائية للبرلمان المصري، وهي النائبة آمنة نصير. وتقول السيدة نصير لـ«الشرق الأوسط»: نعم.. إنني أهدي رئاستي لهذه الجلسة لسيدات مصر اللائي شاركن بقوة منذ ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011 في صناعة هذا الواقع الجديد.

منذ ظهور الحياة النيابية في مصر إلى النور منذ نحو 150 سنة، لم تتمكن المرأة، أو كما يسميها البعض «الجنس الناعم»، من الحصول على كل هذه المقاعد بالانتخاب المباشر من المقترعين إلا اليوم. سيصل عدد النائبات إلى نحو 90، أو أقل قليلا، بعد أن تخرُج قائمة المعينين من جانب رئيس الدولة. يبلغ عدد مقاعد البرلمان 587 مقعدا، هي كالتالي: 120 لمن فازوا بنظام القوائم و440 لمن فازوا بالنظم الفردي، بالإضافة إلى 27 مقعدا يعينهم رئيس الجمهورية وفقا للدستور. تشعر النائبة هبة هجرس، بعد أن فازت، بالسعادة وهي تتحدث لـ«الشرق الأوسط» عن «الإنجاز الكبير الذي حققته المرأة في انتخابات البرلمان».
وتحمل السيدة هجرس درجة الدكتوراه في دراسات الإعاقة وعلم الاجتماع من بريطانيا، وفازت كمرشحة ضمن ائتلاف «في حب مصر». وتقول عن رؤيتها لعمل مجلس النواب القادم، في ظل وجود هذا العدد الكبير من السيدات، إنه «سيؤدي إلى تغير كبير.. السيدات سوف يقمن بنقلة نوعية في مجلس النواب». هذه هي المرة الأولى، منذ بداية تاريخ الحياة النيابية المصرية، التي تحصد فيها السيدات كل هذا العدد من أصوات الناخبين سواء كانوا رجالا أو نساء. حتى في الصعيد (جنوب مصر) الذي يشتهر بالانحياز للرجال، تمكنت بعض السيدات من التغلب على منافسيهن. وتضيف هجرس: «أعرف زميلة تغلبت على تسع مرشحين رجال. هذا مصدر فخر».
ومثلما فعلت في ثورة يناير ومن بعدها في ثورة يونيو (حزيران)، لم تتحرك السيدة نورا بمفردها في الفعاليات الضخمة التي مرت بها البلاد في السنوات الأخيرة. تقف تحت النخلة وتبدأ في جمع جاراتها. أحيانا يستأجرن أكثر من «توكتوك»، وأحيانا يركبن مترو الأنفاق من محطة دار السلام. وفي انتخابات البرلمان كانت في مقدمة زميلاتها في اللجنة الانتخابية الموجودة في مدرسة أحمد عرابي القريبة.
وبعد أيام قليلة ستجلس نورا مع سيدات شارع عساف لتشاهد النائبة نصير وهي تدير جلسة مجلس النواب. وتقول مارغريت عازر، التي فازت في الانتخابات، لـ«الشرق الأوسط»: «هذا أمر غير مسبوق في تاريخ البرلمان.. أرى أن السيدات لديهن إدراك بأن كل القضايا الموجودة في المجتمع هي تخص في نهاية المطاف المرأة باعتبارها نواة الأسرة، سواء في قضية التعليم أو الصحة أو القوانين الاقتصادية. وكما ساهمت في الاستحقاقات السابقة بقوة ستفعل ذلك في البرلمان».
من هذه الأزقة الضيقة، خرجت نورا التي لم تحصل على قسط وافر من التعليم، مع جاراتها، وراء موجات الشبان الذين كانوا في كل مرة يهتفون من أجل التغيير. وتحتفظ بصور لها وهي وسط الحشود في ميدان التحرير. وصور أخرى وهي تقف في طوابير الانتخابات الرئاسية، حيث اختارت الرئيس عبد الفتاح السيسي، وفي الزحام على الاقتراع على الدستور الجديد. وأخيرا وهي تقف أمام لجنة أحمد عرابي الانتخابية. ومن مثل هذه الضواحي الفقيرة جاءت الكثير من النائبات ليشغلن مقاعد البرلمان الجديد. وتقول النائبة هبة هجرس: «هذا شيء يُفرح».
وعن تفسيرها لفوز هذه العدد الكبير من السيدات، تضيف هجرس أن الأمر لا يقتصر فقط على مشاركة المرأة في ثورتي 25 يناير و30 يونيو.. «هناك أكثر من سبب. ما جعل المرأة متحمسة، وما شجعها، في الحقيقة، وما جعلها تنفض الخمول عن كتفيها في انتخابات مجلس النواب، يرجع للثقة التي اكتسبتها. شعرت أنها قادرة على التغيير.. المرأة كانت فاعلة بقوة في الثورتين وفي الانتخابين السابقين. انتخابات الرئاسة والاستفتاء على الدستور. أي في الاستحقاق الأول وفي الاستحقاق الثاني. كانت ناشطة بقوة، وشاركت المرأة بما لا يقل عن 60 في المائة في انتخاب الرئيس والاقتراع على الدستور».
وتعرب هجرس عن اعتقاها في أن «إحساس المرأة بالخطر أعلى من إحساس الرجل. هذا هو السبب الذي جعلها تشارك بقوة في الاستحقاق الأول والثاني ثم المشاركة في الانتخابات». وتشير إلى أن ظهور المرأة لم يكن متيسرا، بشكل مباشر، في استحقاق انتخابات الرئاسة واستحقاق الدستور، في 2014، بحكم طبيعة هذين الاستحقاقين. كانت تكتفي بالوقوف في الصف للإدلاء بصوتها، مقارنة بانتخابات البرلمان هذا العام، والتي أعطتها الفرصة للمشاركة فيها بشكل ظاهر للعيان. في السابق دعمت بصوتها الاختيار ودعمت القرار، لكن هذه المرة كان لديها الفرصة أن تنزل وتشارك بنفسها وتترشح وتفوز».
أجمل شيء في هذه المشاركة التحليل، كما تؤكد النائبة هبة.. «مثلا، هناك امرأة فازت على تسعة رجال. الشعب اختارها ووثق فيها وأعطاها صوته. حدث هذا في ضاحية إمبابة. هل تستطيع أن تتخيل أن يكون في ضاحية شعبية كل هذا الوعي لاختيار امرأة لتمثل الناس في البرلمان. البعض يرى أن هذه المرأة تساوي ألف رجل. فقد كانت إمكاناتها المالية محدودة جدا، ومع ذلك فازت».
النائبة التي فازت في إمبابة هي نشوى حسين هاشم، الشهيرة باسم «نشوى الديب». وتنتمي إلى عائلة متوسطة، ذات أصول صعيدية وبالتحديد من محافظة أسيوط، لكن لها وجود قديم في الضاحية التي تعد من أكثر ضواحي القاهرة الكبرى فقرًا وازدحامًا. ومثل كثيرات من المصريات شاركت الديب في ثورتي يناير ويونيو. ولها نشاط نقابي ومؤلفات من بينها كتاب «الحوار الإسلامي المسيحي عبر التاريخ». وعزّز من مكاسب السيدات في البرلمان الجديد نزولهن بأنفسهن لعقد لقاءات في الشارع مع الناخبين، مثل نشوى، وعدم الاعتماد على الإعلانات والدعاية كما يفعل المرشحون من المقتدرين الآخرين المنافسين لهن.
وفي محافظة الشرقية بشرق الدلتا (شمال البلاد)، فازت المرشحة نوسيلة أبو العمر في دائرة فاقوس بعدما خاضت معركة انتخابية شرسة ليس مع باقي المرشحين الرجال الأغراب فقط، ولكن مع شقيقها أيضًا.. وإجمالا يمكن لمن يرغب في إعادة قراءة الانتخابات وتحليل نتائجها أن يشعر بهذا المتغير في ما يتعلق بمزاج الناخبين الذي أفرز كل هؤلاء النائبات من كل هذه المناطق. أو كما تقول النائبة هجرس: من يحلل الأمر سيشعر بالفخر ليس لفوز المرأة فقط ولكن للطريقة التي جرى بها هذا الفوز، وكيف أن الشعب لديه وعي وكيف أن لديه القدرة على التمييز والثقة في هؤلاء المرشحات. هذا شيء مبهج. وتضيف أن هذا النجاح، بهذا الكم، وبهذا العدد، يحمل دلالات مختلفة، حتى بالنسبة للأماكن التي فازت فيها المرشحات، لا بد من النظر إليها بعين الاعتبار. فقد فازت الكثير منهن في دوائر في الصعيد، وما أدراك ما الصعيد، حيث لا يمكن لأحد أن يتخيل أن الرجال هناك يمكن أن يصوتوا لامرأة. النتيجة مبهرة للمرأة وليست بسيطة.
لكن كيف ترى النائبات الجديدات أنفسهن في عمل مجلس النواب؟
تقول السيدة هجرس: «هذا سيؤدي إلى متغير كبير.. السيدات سوف يقمن بنقلة نوعية في هذا المجلس. سيكون هناك اهتمام أكبر بقضايا المرأة وسيكون هناك اهتمام أكبر بوجهة نظر المرأة في قضايا الدولة. حين تكون رؤيتك لقضية ما من زاوية واحدة، تختلف عن رؤيتك لها من زاويتين. وجهة نظر المرأة ستكون إضافة فاعلة. وحين تكون هناك مناقشات لقضايا تخص المرأة سيكون هناك عدد كبير من النائبات يمكن لهن أن يشاركن بفاعلية في هذه القضايا وطرح وجهة نظرهن والدفاع عنها بشكل أفضل».
ويمكن تصور ما يشبه التكتل النسائي في البرلمان الجديد. ويبدو من المناقشات المبدئية التي جرت في اجتماعات مغلقة على النائبات السيدات فقط، أن التنسيق بينهن ستكون له الأولوية عن التنسيق مع الكيانات أو التيارات السياسية التي ينتمين إليها، إلا أن المتوقع بشكل عام أن يعمل جميع النواب والنائبات من أجل إنجاح جهود الدولة في التغلب على المصاعب الاقتصادية والأمنية التي نتجت عن سنوات الاضطرابات منذ 2011 حتى الآن.
أكبر موقع شغلته المرأة المصرية في البرلمان كان في عهد مبارك حين تولت لعدة دورات موقع وكيل مجلس الشعب، وحلت في بعض الجلسات محل رئيس المجلس في إدارة الجلسة. وكانت أشهر هؤلاء الدكتور آمال عثمان، التي كانت قبل دخولها البرلمان وزيرة للشؤون الاجتماعية والتأمينات. أما أول نائبة منتخبة في البرلمان في عهد ما بعد 1952 فهي النائبة راوية عطية. كان ذلك عام 1957، إلا أنها لم تحظ بشهرة تذكر بسبب قصر مدة البرلمان في تلك المرحلة. وعاشت الحياة البرلمانية في مصر بعد ذلك على أمل أن تتمكن المرأة من شغل عدد مناسب من المقاعد يعكس وجودها وأهميتها في المجتمع.
وجرت محاولات من جانب الدولة لتخصيص مقاعد للنساء مرة بنظام الكوتة (الحصة) ومرة بالتعيين طوال السنوات العشرين الماضية. وبموازاة ذلك ظهرت مجالس شبه رسمية ومنظمات أهلية ولجان حزبية تعمل على إقناع الناخبين باختيار المرأة كمرشحة مثلها مثل الرجل. ومن بين هذه المجالس والمنظمات واللجان، «المجلس القومي للمرأة» الذي كانت ترأسه سوزان مبارك زوجة الرئيس الأسبق مبارك. و«منظمة جبهة المرأة العربية» و«لجنة اتحاد النساء التقدمي»، وغيرها الكثير.
وتدير «المجلس القومي للمرأة»، في الوقت الراهن، وهو مجلس مهم في مصر، السفيرة ميرفت التلاوي. وفي الشهور الماضية ساعد المجلس بالتعاون مع المنظمات الأهلية واللجان الحزبية والنقابات وغيرها، في تسمية المئات من النساء والفتيات اللائي يصلحن لخوض انتخابات البرلمان الأخيرة. ونظم المجلس دورات تدريبية على العمل النيابي والسياسي، بغض النظر عن انتماء المتدربات لهذا الحزب أو ذاك. ويعد المجلس فوز نائبات وردت أسماؤهن في قوائمه منذ البداية، نجاح له أيضًا، رغم تراجع إمكانياته وتعرضه للتهميش خلال فترة حكم الإخوان القصيرة.
سؤال للنائبة هبة: هل ترين نفسك قريبة من تكتل سياسي بعينه تحت قبة البرلمان؟ تجيب بكل ثقة: «أنا في ائتلاف دعم مصر. كنت في تحالف انتخابي هو (في حب مصر). وهذا التحالف جرى حله بعد انتهاء الانتخابات. نحن كمستقلين في البرلمان سنعمل كمستقلين، وهذا لا يمنع من العمل مع ائتلاف دعم مصر أيضًا. وهي مثل كثير من المصريين ترى أن البلاد تمر بمخاطر جمة منذ ثورة يناير حتى اليوم، مرورا بمرحلة حكم الإخوان برئاسة الرئيس الأسبق مرسي». ومن المصطلحات السياسية التي كان يحلو للمصريين استخدامها للتعبير عن ظاهرة العزوف عن المشاركة في الحياة العامة، مصطلح «حزب الكنبة»، والذي يشير إلى الغالبية التي كانت لا تحبذ النزول للشارع للمشاركة في التغيير. لكن المرأة دفعت حزب الكنبة للخروج حين حاول الإخوان الهيمنة على الدولة في 2013.
تقول هجرس: «نحن دخلنا في ثورة في 2011، ثم أصيبت هذه الثورة بالارتباك، وتعرضت للسرقة. ما حدث أننا عدنا مرة أخرى لتصحيح المسار في 2013. هل سمعت عن حزب الكنبة. معظم السيدات هن اللائي جعلن حزب الكنبة ينزل إلى الشارع في ثورة 30 يونيو ضد الإخوان. حملت السيدات الكنبة بالفعل ونزلن بها وجلسن عليها في الشارع، كصرخة منهن لمن لا يحبون المشاركة ولمن يفضلون مشاهدة التطورات وهم جالسون في بيوتهم».
وتضيف قائلة إنه «لا يمكن أن نترك البلد يتعرض للهزات والارتجاجات، ونصمت. لا بد من الاستقرار. كان لا بد للمرأة أن تنزل لتشارك في صناعة هذا الاستقرار. قرون الاستشعار عند المرأة أكثر حساسية من الرجل، لأنها هي التي تحمي الأسرة ومستقبلها، وهذا الذي جعلها تنتفض وتنزل للمشاركة في الاستفتاء على الدستور وفي انتخابات الرئاسة، وأخيرا في انتخابات البرلمان الجديد سواء كمرشحة أو ناخبة».
ويعطي فوز المرأة في انتخابات البرلمان دافعا لها لخوض انتخابات المحليات المقبلة. تقول هجرس: «أعتقد أن انتخابات المحليات المقبلة ستشهد حضورا للسيدات أكبر من السابق. ستكون المرأة فيها أكثر إبهارا. تعلم أن المحليات أكثر الأماكن التي توصم بالفساد، ولا بد للمرأة أن تتدخل لوضح حد لكل هذا. الفساد في المحليات معروف منذ سنوات. وسترى السيدات حين يشاركن في انتخابات المحليات وكيف سيشاركن بقوة في القضاء على هذا الفساد، لأن هذا هو الآفة التي لا بد أن نقتلعها في المرحلة المقبلة».
النائبة مارجريت عازر تدخل البرلمان وهي مزودة بخبرة من العمل السياسي والانتخابي لسنوات كثيرة، خاصة في مناطق شمال القاهرة. وتقول إن مجلس النواب الجديد «مختلف.. فيه جميع المكونات والطوائف والفئات. أعتقد أن هذا سيثري الحياة البرلمانية. يضم عددا كبيرا من النساء، وفيه عدد من الأقباط والشباب.. حتى المصريون بالخارج ممثلون فيه. أعتقد أن الكل سيعمل على تحقيق آمال وطموحات الشعب الذي انتخبه، وخصوصا أن البرلمان لن يكون فيه حزب حاكم ولا أغلبية تستطيع أن تفرض أجندتها على الآخرين كما كان الحال من قبل».
وتعرب عن سعادتها وهي تصر على التذكير بأن «عدد السيدات العضوات في مجلس النواب، واللائي جئن عن طريق الانتخابات، عدد غير مسبوق في تاريخ البرلمان»، مشيرة إلى أن «السيدات يدخلن البرلمان وهن حاضرات الذهن ومعهن الملفات التي تحتاج إلى علاج ونقاش وبحث تحت القبة. عليهن أعباء كثيرة. فبالإضافة إلى الأجندة التشريعية، عليهن محو الموروثات الاجتماعية الموجودة داخل المجتمع المصري، والتي تقول إن السيدة لا تصلح لكل المناصب، وسيكون عليهن أن يثبتن العكس وأن يعملن بجد. ونحن نقوم بالتحضير لهذا الأمر».
وتتوقع السيدة عازر أن يشهد المصريون «دورة برلمانية مختلفة مع النساء، خاصة في شأن طرح موضوعات ومشروعات قوانين هامة جدا للمجتمع ككل. وليس كما يعتقد الكثير من الناس من أن جهودها في البرلمان ستنصب على قضايا المرأة فقط. أرى أن السيدات لديهن إدراك بأن كل القضايا الموجودة في المجتمع هي تخص، في نهاية المطاف، المرأة باعتبارها نواة الأسرة، سواء في قضية التعليم أو الصحة أو القوانين الاقتصادية.. عموما ستجد عملها في مجلس النواب قوي جدا. فكما ساهمت في الاستحقاقات السابقة بقوة ستفعل ذلك في البرلمان».
وتعد الدكتورة آمنة نصير نفسها، باعتبارها أكبر أعضاء مجلس النواب سنا، لرئاسة جلسة الإجراءات وفقا لما ينص عليه الدستور. وتبدأ الجلسة بأداء النواب لليمين الدستورية ثم انتخاب رئيس للبرلمان ووكيلين. والدكتورة نصير مولودة في محافظة أسيوط عام 1948، وهي مفكرة معروفة وأستاذ للفلسفة الإسلامية والعقيدة بجامعة الأزهر، وتشغل أيضًا عضوية المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ولها مؤلفات كثيرة.
وتنظر لرئاستها المقررة لجلسة الإجراءات على أنها «قضاء وقدر». وتقول: «أنا لم أختر يوم مولدي، مثلما لم أختر ترؤس الجلسة الإجرائية للبرلمان. لم أضع بروتوكولا بأن يكون أكبر الأعضاء سنا هو من يرأس الجلسة. لا دخل لي في هذا.. لا اختيار لي ولا فضل. ولذلك أنا في الحقيقة أقول إن ما قدره الله لي، وليس لي فيه أي اختيار أو أي جهد، أهديه للمرأة المصرية».
وعما إذا كانت تشعرين بالرهبة قبل الجلوس على مقعد رئاسة الجلسة الإجرائية، ردت في ثقة: «لا.. أقول لك لماذا، لأنني متمرسة. أعني أنني جلست من قبل على أقوى من هذا، في مؤتمرات دولية في ألمانيا وفي النمسا وفي هولندا، وناقشت رسائل جامعية في كبرى الجامعات الدولية، وكان هناك في بعض الأوقات مناقشة أكثر من رسالة جامعية في وقت واحد.. فالمسألة بالنسبة لي ليست جديدة.. أي ليس فيها رهبة. هذا عمل أمارسه منذ أربعين سنة».
وعن توقعاتها لمستوى عمل المرأة في البرلمان، تقول إنها تتمنى أن يكون عملا مختلفا بهذا العدد الكبير من السيدات.. «أنا جلست مع النائبات الجديدات في عدة اجتماعات ولديهن العزيمة والقوة والتصميم بأنهن لن يتركن هذه الفرصة الذهبية».



كيف تبدّلت قواعد الاشتباك بين إسرائيل و«حزب الله»؟

صورة ارشيفية لمركبات تابعة لقوات الـ"يونيفيل" قرب موقع للاحتلال الإسرائيلي بمنطقة كفرشوبا في أقصى جنوب شرقي لبنان (آ ف ب)
صورة ارشيفية لمركبات تابعة لقوات الـ"يونيفيل" قرب موقع للاحتلال الإسرائيلي بمنطقة كفرشوبا في أقصى جنوب شرقي لبنان (آ ف ب)
TT

كيف تبدّلت قواعد الاشتباك بين إسرائيل و«حزب الله»؟

صورة ارشيفية لمركبات تابعة لقوات الـ"يونيفيل" قرب موقع للاحتلال الإسرائيلي بمنطقة كفرشوبا في أقصى جنوب شرقي لبنان (آ ف ب)
صورة ارشيفية لمركبات تابعة لقوات الـ"يونيفيل" قرب موقع للاحتلال الإسرائيلي بمنطقة كفرشوبا في أقصى جنوب شرقي لبنان (آ ف ب)

شهدت الحدود اللبنانية - الإسرائيلية خلال العقدين الماضيين تحوّلاً جذرياً في طبيعة المواجهة بين إسرائيل و«حزب الله». فما أفرزته حرب يوليو (تموز) 2006 من «قواعد اشتباك» غير مكتوبة نجحت في ضبط إيقاع الصراع طوال نحو 17 سنةً، يبدو أنه انهار مع الحرب الأخيرة، التي أعادت رسم البيئة العملياتية على الجبهة الجنوبية، وفرضت معادلات جديدة تقوم على المنطقة العازلة، والسيطرة بالنار، والضربات الاستباقية، وحرية العمل العسكري الإسرائيلي. وبين حربين تفصل بينهما 20 سنة، لا تقتصر المقارنة على تطوّر الأسلحة أو تبدّل موازين القوى، بل تمتد إلى العقيدة العسكرية التي حكمت الصراع. ففي حين قامت قواعد ما بعد عام 2006 على الردع المتبادل ورفع كلفة الحرب على الطرفين، أفرزت «حرب 2026» نموذجاً مختلفاً، تسعى إسرائيل من خلاله إلى تعطيل قدرات «حزب الله» قبل استخدامها، مستفيدة من التفوّق الاستخباراتي والتكنولوجي، ومن الانتقال من رد الفعل إلى المبادرة العسكرية.

لا يقتصر التحوّل في الوضع العسكري بين لبنان وإسرائيل على الأدوات العسكرية، بل يشمل أيضاً فلسفة إدارة الصراع؛ إذ بعدما كان الهدف الأساسي خلال السنوات التي أعقبت «حرب 2006» منع انزلاق الجبهة إلى مواجهة واسعة، أصبحت المواجهة اليوم تُدار وفق قواعد مختلفة تقوم على المبادرة والضربات الاستباقية، ومحاولة فرض الوقائع الميدانية قبل أن تتحول إلى تهديد.

قواعد 2006... كيف وُلدت؟

لفهم طبيعة التحول الذي شهدته الجبهة الجنوبية، يرى اللواء الركن المتقاعد الدكتور عبد الرحمن شحيتلي أن العودة إلى حرب يوليو (تموز) 2006 وحدها لا تكفي؛ لأن جذور قواعد الاشتباك تعود إلى تفاهم أبريل (نيسان) 1996 الذي أعقب عملية «عناقيد الغضب». قال شحيتلي لـ«الشرق الأوسط» شارحاً إن «الاستهداف كان يقتصر على العسكريين، وإذا جرى استهداف المدنيين من أحد الطرفين كان يُقابَل باستهداف مماثل للمدنيين من الطرف الآخر».

وأردف أن هذه القواعد «تكرّست بصورة أوضح بعد حرب 2006؛ إذ أصبحت عمليات (حزب الله) العسكرية محصورة بالمناطق المحتلة، ولا سيما مزارع شبعا، بينما كان الرد على عمليات الاغتيال الإسرائيلية يجري غالباً ضمن هذا الإطار، بما يمنع الانزلاق إلى حرب شاملة».

شحيتلي أوضح أيضاً «أن مرحلة ما بعد حرب 2006 لم تكن مرحلة سلام، بل مرحلة إدارة دقيقة للصراع. فالحزب التزم بما نص عليه القرار 1701 لناحية سحب أسلحته الثقيلة والصاروخية من جنوب الليطاني، فيما بدأ الطرفان، الإسرائيلي و(حزب الله)، مباشرة التحضير للمواجهة التالية».

وتابع: «إسرائيل كانت تتحضر للحرب المقبلة، وكذلك الحزب، وكان كل طرف يراقب تحركات الآخر. الإسرائيليون كانوا يتحدثون عن إنشاء تحصينات أو رصد أعمال ميدانية للحزب، فيما كان لبنان يعتبر أن كل ما يجري داخل أراضيه يدخل ضمن الإجراءات الدفاعية ولا يبرر أي تدخل إسرائيلي». ومن ثم «خلال تلك المرحلة، تشكلت منظومة ردع غير معلنة، قوامها أن أي تصعيد واسع سيقود إلى رد واسع، وهو ما أفرز معادلات مثل (بيروت مقابل تل أبيب) و«الضاحية مقابل حيفا). ولم تكن هذه المعادلات تعني تكافؤاً في القدرات العسكرية، بقدر ما كانت تعكس تكافؤاً في كلفة الحرب؛ إذ امتلك كل طرف القدرة على إلحاق أضرار يصعب على الطرف الآخر تحملها سياسياً وعسكرياً».

وهنا يلفت اللواء شحيتلي إلى أن «قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) لعبت خلال تلك المرحلة دوراً محورياً في منع التصعيد... وأي حادث ميداني، مهما كان محدوداً، كان يُعالج عبر قنوات الارتباط بين الجيش اللبناني و(اليونيفيل) والجيش الإسرائيلي، مع تدخلات أميركية حالت دون تحول الحوادث الموضعية إلى حرب واسعة». ويستطرد، من ثم، ليشير إلى أن هذه المنظومة بقيت تحكم الحدود لسنوات طويلة، إلى أن بدأت تتآكل تدريجياً مع تبدل البيئة الإقليمية والعسكرية، قبل أن تصل إلى نقطة الانهيار مع الحرب الأخيرة، التي لم تغيّر حجم العمليات العسكرية فقط، بل غيّرت أيضاً طبيعة قواعد الاشتباك التي استقرت منذ عام 2006.

لماذا انهارت قواعد الاشتباك التي كرّستها حرب 2006؟

إذا كانت قواعد الاشتباك التي أرستها حرب يوليو (تموز) 2006 قد نجحت في ضبط المواجهة على مدى سنوات طويلة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ما الذي أدى إلى انهيارها؟

العميد الركن المتقاعد بهاء حلّال قال، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، إن الإجابة لا ترتبط بنتيجة الحرب الأخيرة وحدها، بل بمجموعة تحوّلات استراتيجية وعسكرية تراكمت تدريجياً، قبل أن تبلغ ذروتها مع الحرب التي أعقبت السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والتي أفرزت بيئة عملياتية تختلف جذرياً عن تلك التي سادت بعد عام 2006.

وبحسب حلّال: «حرب 2006 أفرزت منظومة ردع متبادل استندت إلى أربعة مرتكزات أساسية، هي: الردع المتبادل، ومعادلة بيروت مقابل تل أبيب، ومعادلة الضاحية مقابل حيفا، إضافة إلى احترام نسبي للقرار 1701 الذي أبقى الحدود البرية مستقرة نسبياً رغم الخروقات الجوية الإسرائيلية».

وأوضح أن «معادلة بيروت مقابل تل أبيب كرّست توازناً يقوم على أن أي استهداف واسع للعاصمة اللبنانية قد يقابله استهداف للعمق الإسرائيلي، بما فيه تل أبيب، فيما قامت معادلة الضاحية مقابل حيفا على أن أي تدمير واسع للضاحية الجنوبية سيُقابل باستهداف المدن الإسرائيلية الكبرى، وفي مقدمها حيفا، الأمر الذي رفع كلفة أي تصعيد وجعل الطرفين أكثر حذراً في استخدام القوة».

ثم شرح أن «إسرائيل كانت تمتلك التفوق الجوي والاستخباراتي، فيما امتلك (حزب الله) قدرة صاروخية قادرة على ضرب العمق الإسرائيلي، ما جعل كلفة الحرب مرتفعة على الطرفين، ورسّخ معادلات ردع حالت دون اندلاع مواجهة واسعة لسنوات».

لبنان: 5 قواعد رئيسة تحكم البيئة العملياتية التي نشأت بعد الحرب الأخيرة

ووفق حلال، هذه المنظومة لم تسقط بفعل عامل واحد، بل نتيجة «خمسة متغيرات استراتيجية رئيسة، هي: تغير البيئة الإقليمية بعد هجوم السابع من أكتوبر، ودخول الجبهة اللبنانية في حرب استنزاف طويلة، واتساع استخدام المسيّرات الدقيقة، والتطوّر غير المسبوق في القدرات الاستخباراتية الإسرائيلية، إضافة إلى تراجع فاعلية الردع التقليدي مع استمرار العمليات العسكرية لفترات طويلة».

واستطرد مشدداً على أن «هذه المتغيرات لم تبدّل شكل العمليات العسكرية فقط، بل غيّرت أيضاً فلسفة إدارة الصراع. فبدلاً من أن يكون الردع المتبادل هو الآلية الأساسية لمنع الحرب، أصبحت الأولوية لدى إسرائيل تتمثّل في منع تشكل التهديد أصلاً، من خلال المراقبة المستمرة، والاستهداف المسبق، وحرمان الخصم من إعادة بناء قدراته».

وهنا حدّد حلّال خمس قواعد رئيسة تحكم البيئة العملياتية التي نشأت بعد الحرب الأخيرة؛ إذ قال إن «القاعدة الأولى تتمثل في إنشاء منطقة عازلة بالنار، بحيث لم تعد إسرائيل تعتمد فقط على وجود قواتها على الحدود، بل على الاستطلاع الدائم والمسيّرات والضربات الجوية والاغتيالات لمنع إعادة بناء البنية العسكرية، وهكذا أصبحت المنطقة العازلة منطقة نارية أكثر منها منطقة احتلال».

أما القاعدة الثانية، وفق حلاّل، فهي «توسيع حرية العمل الإسرائيلي داخل لبنان بهدف منع تراكم القدرات العسكرية قبل استخدامها... أي الانتقال من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي».

وأما القاعدة الثالثة «فتقوم على السيطرة بالنار عبر الاستطلاع المستمر ثم اكتشاف الأهداف واستهدافها فوراً، بما يعني الانتقال من الردع إلى الهيمنة العملياتية بالنار». ثم استأنف كلامه ليقول إن «القاعدة الرابعة تقوم على الضربات الاستباقية؛ إذ لم يعد العمل العسكري ينتظر وقوع التهديد، بل أصبح التهديد المحتمل مبرراً كافياً لتنفيذ الضربة. وأخيراً... تتمثل القاعدة الخامسة في اعتماد ردود موضعية وتكتيكية محدودة واحتواء سريع للتصعيد، بدلاً من الردود الاستراتيجية الواسعة التي كانت سائدة بعد حرب 2006».وهكذا، يعتبر حلّال أن التحول العملياتي الأبرز يتمثل في انتقال مركز الثقل «من توازن القوة إلى توازن المعلومات، حيث أصبحت الاستخبارات وسرعة كشف الأهداف العامل الحاسم، كما انتقلت المبادرة العملياتية بدرجة أكبر إلى الطرف القادر على فرض إيقاع الاشتباك من خلال الضربات الاستباقية والسيطرة على المجال الجوي»، ويؤكد أن «الردع لم يعد قائماً فقط على التهديد بتدمير المدن، بل بات يعتمد بصورة متزايدة على تعطيل القدرات العسكرية للطرف المقابل قبل استخدامها، وهو ما يقترب من مفهوم الردع بالحرمان إلى جانب الردع بالعقاب».

ومن هنا، فإن الفارق الجوهري، بحسب العميد والمحلل العسكري اللبناني، بين مرحلتي 2006 و2026، يتمثل في أن قواعد الاشتباك السابقة كانت تهدف إلى منع الحرب عبر رفع كلفتها على الطرفين، بينما تقوم القواعد الحالية على إدارة التصعيد بصورة مستمرة، وفرض السيطرة بالنار، والمحافظة على حرية العمل العسكري، مع السعي إلى منع الخصم من استعادة قدراته قبل أن تتحول إلى تهديد فعلي.

من الردع المتبادل إلى قواعد جديدة

في صعيد موازٍ، إذا كان انهيار قواعد الاشتباك التي كرستها حرب يوليو 2006 يفسّر التحوّل الذي شهدته الجبهة اللبنانية - الإسرائيلية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما القواعد التي تحكم المواجهة اليوم؟

عن هذا السؤال، أجاب العميد الركن المتقاعد فادي داود بـ«أن الحرب الأخيرة لم تبدّل قواعد الاشتباك فحسب، بل غيّرت طبيعة الحرب نفسها، بعدما انتقلت إسرائيل من سياسة تقوم على الردع المتبادل إلى استراتيجية تهدف إلى فرض قواعدها الميدانية مستندة إلى تفوقها العسكري والتكنولوجي».

وأضاف داود في حوار مع «الشرق الأوسط» أن «قواعد الاشتباك التي سادت بين إسرائيل و(حزب الله) بعد حرب يوليو 2006 لم تعد قائمة... والمواجهة دخلت عام 2026 مرحلة مختلفة كلياً، تقوم على تفوّق عسكري إسرائيلي يسمح بفرض قواعد ميدانية جديدة، بعدما كانت العلاقة سابقاً تستند إلى ردع متبادل يفرض قيوداً على الطرفين». وتابع أن معادلة عام 2006 كانت تقوم على مبدأ «بيروت مقابل تل أبيب»، بحيث كان أي استهداف إسرائيلي للبنان يقابله استهداف من «حزب الله» للعمق الإسرائيلي، ما أوجد مستوى من الردع المتبادل؛ إذ امتلك الحزب منظومة صاروخية قادرة على تهديد شمال إسرائيل، فيما كانت إسرائيل تتردد في تنفيذ اجتياحات برية واسعة خشية الاستنزاف والخسائر. غير أن هذه المعادلة تبدلت جذرياً؛ إذ لم تعد قواعد اللعبة قائمة على تفاهم غير مباشر بين طرفين يمتلك كل منهما القدرة على إيلام الآخر، «بل باتت إسرائيل تفرض قواعد الاشتباك مستندة إلى تفوقها العسكري الكاسح، في حين يسعى الطرف المقابل إلى تجنب الانهيار الكامل والمحافظة على ما تبقى من قدراته».

تحولات رئيسة

وبالنسبة للتحوّلات، فثمة خمسة تحولات، حسب رأي داود، هي:

1 - الانتقال من الردع المتبادل إلى السيطرة بالنار؛ إذ إن إسرائيل لم تعد بحاجة إلى احتلال المناطق ميدانياً لإخضاعها، بل تعتمد بصورة متزايدة على القوة النارية، ولا سيما سلاح الجو، لتدمير المواقع وفرض السيطرة عليها من دون وجود بري دائم.

2 - انتهاء مرحلة اللاحرب واللاسلم التي استمرت سنوات بعد حرب 2006، لتحل محلها مرحلة تقوم على الضربات الاستباقية في العمق، بحيث أصبحت إسرائيل تعتمد سياسة المبادرة العسكرية المستمرة بدلاً من الاكتفاء بالرد على الهجمات، وتسعى إلى تعطيل مصادر التهديد قبل أن تتحول إلى خطر مباشر.

3 - الانتقال من المواجهة التقليدية المتكافئة نسبياً إلى الحرب غير المتماثلة... ذلك أن الاشتباكات في السابق كانت تقوم على عمليات خاصة متبادلة، سواء عبر تسلل مجموعات أو تنفيذ عمليات محدودة على جانبي الحدود، أما اليوم فقد تغيرت طبيعة القتال، وباتت الطائرات المسيّرة، والقدرات التكنولوجية، والضربات الدقيقة، تشكل أدوات المواجهة الرئيسة، بما يعكس انتقال الحرب إلى نمط مختلف تحكمه التكنولوجيا أكثر مما تحكمه الكثافة العددية للقوات.

4 - تبدّل مفهوم الردع لدى «حزب الله»؛ إذ انتقل من الردع المسبق الذي كان يقوم على التهديد برد فوري يمنع إسرائيل من الإقدام على الهجوم، إلى ردع استنزافي مؤجل، حيث لم يعد الرد المباشر والفوري هو القاعدة، بل بات يعتمد على استنزاف الخصم مع مرور الوقت، بدلاً من الرد العسكري المتزامن مع الضربة الإسرائيلية.

5 - تغيّر مفهوم وقف إطلاق النار نفسه. فبعد حرب 2006 كان وقف النار يعني عملياً توقف العمليات العسكرية، أما اليوم فأصبح وقف إطلاق النار إطاراً سياسياً أكثر منه واقعاً ميدانياً؛ إذ تستمر العمليات العسكرية والضربات الإسرائيلية رغم وجود تفاهمات أو اتفاقات سياسية، وهو ما يعكس اختلافاً جذرياً في طبيعة إدارة الصراع مقارنة بما كان سائداً بعد عام 2006».

ختاماً، بحسب داود، «هذه التحولات مجتمعة تعكس انتقالاً من مرحلة كانت تقوم على توازن الردع وفرض القيود المتبادلة، إلى مرحلة باتت إسرائيل فيها تسعى إلى فرض قواعدها العملياتية عبر السيطرة بالنار، والضربات الاستباقية، والتفوّق في مجالات الاستخبارات والاستطلاع، بما يجعل إدارة الصراع مختلفة جذرياً عن تلك التي عرفتها الجبهة اللبنانية طوال السنوات التي أعقبت حرب يوليو 2006».


جيمس تالاريكو... يأمل في إنهاء إبعاد «ديمقراطيي» تكساس عن مجلس الشيوخ

جيمس تالاريكو
جيمس تالاريكو
TT

جيمس تالاريكو... يأمل في إنهاء إبعاد «ديمقراطيي» تكساس عن مجلس الشيوخ

جيمس تالاريكو
جيمس تالاريكو

في ولاية تكساس الأميركية، حيث يمكن لصورة السياسي وهو يأكل اللحم المشوي أن تصبح بياناً انتخابياً، وجد جيمس تالاريكو نفسه مضطراً إلى تأكيد أنه ليس نباتياً. إذ قال ساخراً في تجمع بمدينة سان أنطونيو إن الجمهوريين وصفوه بأشياء كثيرة، «حتى إنهم قالوا إنني نباتي، وهذه كلمات قتال في تكساس». لم تكن النكتة تفصيلاً عابراً؛ فالمرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ يواجه حملة تتهمه بالضعف و«قلة الرجولة»، وتلاحق جسده وحالته الاجتماعية وعقيدته قبل برنامجه. إلا أنه لا يرد بأسلوب راعي البقر الذي يريد خصومه جرّه إليه، بل بحكاية أبيه الذي كان يجزّ عشب جارته الأرملة من دون طلب منها، ليقول إن «العظمة ليست في الإخضاع والإهانة، بل في خدمة الآخرين». هذه المواجهة تختصر الرهان كله.

يسعى جيمس تالاريكو، النائب المحلي البالغ 37 سنة والمدرّس السابق وطالب اللاهوت المشيخي، لينتزع تعريفات الرجولة والإيمان والشعبوية من حركة «ماغا» الجمهورية المتشددة يميناً، ويعيد تقديم الديمقراطيين حزباً للعمل والأسرة لا حزباً للمواعظ الثقافية.

والواقع، أنه إذا نجح تالاريكو في إلحاق الهزيمة بمنافسه المدعي العام الجمهوري كين باكستون، سيصبح أول ديمقراطي تنتخبه تكساس لمجلس الشيوخ منذ لويد بنتسن - الوزير السابق - عام 1988، وسيقلب تحديداً مقعداً ظلّ جمهورياً منذ فوز جون تاور التاريخي عام 1961. ولكن، على الرغم من ذلك، فإن عليه أن يثبت أن القصص التي صنعت نجوميته كفيلة بتحريك ولاية أعطت الرئيس دونالد ترمب تقدّماً بنحو 14 نقطة عام 2024.

سيرة تُروى كعظة

يقدم تالاريكو نفسه بصفته «تكساسياً من الجيل الثامن»، بيد مركز قصته ليس نسباً عريقاً، بل غرفة متواضعة في فندق. فوفق روايته الانتخابية، غادرت أمه، وهي ابنة واعظ من مدينة لاريدو، أباه المدمن والعنيف عندما كان جيمس رضيعاً، وانتقلت به إلى الفندق الذي كانت تعمل فيه.

يومذاك، لم يكن في شقتهما مكان لغرفة طفل، فوضعت سريره في خزانة وزيّنتها بالصور والألعاب.

هذه الحكاية تمنحه لغة سياسية عن الحب الذي «لا يتسامح مع الإساءة»، وتربط حديثه عن الأجر والسكن والرعاية الصحية بخبرة عائلية لا ببيانات مستشارين.

درس تالاريكو العلوم السياسية في جامعة تكساس - أوستن، ثم نال شهادة الماجستير في سياسات التعليم من جامعة هارفارد، وبينهما درّس اللغة لطلاب الصف السادس في حي مكسيكي - أميركي فقير بسان أنطونيو.

عام 2018 طرق متطوِّعو حملته الانتخابية 95 ألف باب، وسار هو على امتداد دائرته، وقلب مقعداً كان ترمب قد فاز به قبل سنتين بنحو ألفي صوت، ليصبح أصغر أعضاء مجلس نواب تكساس. ولكن أثناء ذلك المشي، أصابه دوار قاده إلى المستشفى وإلى تشخيص إصابته بالسكري؛ وبعد انتخابه شارك في تمرير قانون خصص سقفاً مقداره 25 دولاراً للمدفوعات الشخصية للإنسولين.

هنا تتصل الإصابة الشخصية مباشرة بفكرته عن السياسة: تحويل جرح فردي إلى قانون.

لم يكن تالاريكو مجرد خطيب معارض داخل مجلس يهيمن عليه الجمهوريون. إذ عمل معهم لتمرير تشريعات تتصل بالمدارس والأدوية ورعاية الأطفال والإسكان، واشتهر في الوقت نفسه باستجواب أصحاب مشاريع عرض «الوصايا العشر» في الصفوف وحظر كتب المكتبات.

وبعد انسحاب ديمقراطيي الولاية إلى واشنطن عام 2021 لمنع سَن قانون انتخابي، عاد خائباً من عجز قيادة الحزب الوطنية عن إقرار حماية اتحادية للتصويت. وسقط ذات ليلة على درج نصب لنكولن وكسر إبهامه، ثم قرّر، كما روى لصحيفة الـ«نيويوركر»، أن يدخل مدرسة لاهوت كي يوازن إغراء القوة ببوصلة أخلاقية.

يسار... ولكن بلكنة تكساسية

الدين عند جيمس تالاريكو ليس زينة انتخابية ولا محاولة خجولة لمجاراة اليمين الإنجيلي، بل هو الوعاء الذي يضع فيه مشروعاً تقدّمياً. ثم إنه يصف «القومية المسيحية» بأنها تحويل للمسيح إلى أداة سلطة، ويقول إن الإيمان يقوده إلى ديمقراطية متعددة الأعراق والأديان. وحقاً، جعلته مقاطع مواجهاته في المجلس ووعظه ضد توظيف الدين، نجماً رقمياً يتابعه الملايين، وقادته إلى برنامج جو روغان، مقدم «البودكاست» المحافظ الشهير، الذي بقي في الربع الثاني من 2026 الأكثر استماعاً أسبوعياً في الولايات المتحدة. وللعلم، قال له روغان في نهاية حواره الطويل: «عليك أن تترشح للرئاسة».

لكن «الواعظ التقدمي» سياسي عملي أيضاً. وجوهر رسالته أن الانقسام الحقيقي ليس بين اليسار واليمين، بل بين القمة والقاع. ويضيف: «المليارديرات يريدون أن ينشغل الناس ببعضهم كي لا ينظروا إليهم».

ثم إن تالاريكو يعرض برنامجاً تفصيلياً لزيادة ضرائب الأثرياء والشركات، ورفع الحد الأدنى الاتحادي للأجور إلى 15 دولاراً، ومنع شركات وول ستريت من شراء المنازل والتلاعب بالإيجارات، ويعمل لخفض تكلفة الدواء، وإلغاء رسوم ترمب الجمركية. كذلك، يرفض أموال «لجان العمل السياسي» (اللوبيات) المرتبطة بالشركات، ويعِد بحزمة لمكافحة الفساد وحظر تداول أعضاء الكونغرس للأسهم وإعادة رسم الدوائر بواسطة لجان مستقلة.

وحتى الحدود، التي يعدّها ترمب والجمهوريون إحدى أهم القضايا لاستقطاب الناخبين، يصوغها تالاريكو باستعارة تكساسية؛ إذ يقول: «يجب أن تكون شرفة أمامية عليها بساط ترحيب وقفل في الباب»، مع تشديد التصدي للعصابات والمهرّبين، مع اتباع مسارات قانونية للمهاجرين وتسوية أوضاع المقيمين منذ زمن.

الدين عند تالاريكو ليس زينة انتخابية ولا محاولة خجولة لمجاراة

اليمين الإنجيلي... بل هو الوعاء الذي يضع فيه مشروعاً تقدّمياً

ضد الانعزال والحروب

وفي السياسة الخارجية يرفض تالاريكو الانعزال والحروب غير الضرورية، ويدعم الدفاع عن أوكرانيا، ويقرّ «بحق إسرائيل في حماية شعبها»، لكنه يرفض قصف المدنيين والتجويع والعقاب الجماعي في غزة واستخدام المال الأميركي لإيذائهم. بذا يحاول الإجابة عن أزمة الحزب الديمقراطي... ليس بالهروب من الدين والحدود والأمن، بل بإعادة تعريف هذه القضايا أخلاقياً واقتصادياً.

في المقابل، نقطة ضعفه أن اللغة التي تمنحه التميز قد تبدو أكاديمية أو متكلفة، حسب «بوليتيكو». فقد اعترف بأن قوله عام 2021 إن «الله غير ثنائي» كان استفزازياً و«محرجاً»، موضحاً أن قصده أن الله يتجاوز التصنيفات البشرية. والحال، أن بعض خطاباته المحفوظة بإتقان تبدو مصنوعة، كما أن وعده «بشفاء» الاستقطاب يمكن أن يصطدم بعصر يكافئ الغضب أكثر مما يكافئ المصالحة.

«الرجولة» ساحة قتال

باكستون والجمهوريون يرون في هذه الثغرة مدخلاً واسعاً، فيسمونه «توفو تالاريكو» و«لو-تي تالاريكو»، في إشارة سلبية إلى رجولته، ويستحضرون قوله عن جنس الله ودفاعه السابق عن حقوق المتحوّلين. ويلمّحون إلى أن نحول جسمه وبقاءه عازباً «دليلان» على الضعف، في حين روّج بعض أنصارهم ادعاءات كاذبة بأنه مثلي أو متحوّل. وأنتجت لجنة محافظة شريطاً بالذكاء الاصطناعي يصوّره في هيئة جولي أندروز، بطلة فيلم «صوت الموسيقى»، وهي تغني عن إعطاء الهرمونات للأطفال، مع أن حملته تؤكد أنه يعارض رعاية تأكيد النوع للقاصرين.

بالطبع، الهدف أكبر من السخرية الشخصية. فقد انتقل شبان لاتينيون وسود إلى اليمين بانتخابات 2024، وبات كثير منهم يربط الجمهوريين بالاستقلال المالي وتكوين الأسرة، والديمقراطيين بصراعات الهوية. وأظهر استطلاع لمركز «ثيرد واي» (الطريق الثالث) أن 49 في المائة من الرجال يرون تالاريكو يسارياً جداً. وفي تكساس، حيث للرجل القوي مكانة ثقافية خاصة، يريد الجمهوريون تحويل الانتخاب من استفتاء على فساد باكستون وتكلفة المعيشة إلى اختبار لهوية تالاريكو.

لكن رد الأخير لم يكن التجاهل. فقد بات يأكل الشواء أمام الكاميرات، وقدّم رسائل معلنة خلال مباريات كأس العالم ونهائيات كرة السلة، وهو يسعى إلى تكرار ظهوره الناجح مع روغان، ويتحدى باكستون إلى مناظرات متلفزة «رجلاً لرجل». وحين سماه خصمه «تالافريكو»، فإنه طبع اللقب على قمصان وباعها. لكنه يرفض أن يقلد استعراض ترمب؛ فتعريفه لـ«الرجل الحقيقي» هو من يكون صادقاً ويحمي أسرته ويخدم جيرانه، أما الضعيف فهو من يخدم نفسه.

باكستون... أفضل فرصة وأخطر فخ

من جهة ثانية، لم يختر الديمقراطيون خصم تالاريكو، لكنهم حصلوا على المرشح الذي تمنّونه. فقد أطاح باكستون السيناتور المخضرم جون كورنين في جولة الإعادة الجمهورية بنسبة تقارب 64 في المائة، بعد تأييد متأخر من ترمب، في انتصار لجناح يعتبر القتال ضد اليسار أهم من التسويات. غير أن الرجل الذي يقدم نفسه «محارباً محافظاً» يحمل سجلاً ثقيلاً: أحاله مجلس نواب تكساس ذو الغالبية الجمهورية عام 2023 إلى محاكمة برلمانية باتهامات إساءة المنصب والرشوة، قبل أن يبرئه مجلس الشيوخ؛ وأُسقطت اتهامات احتيال بالأوراق المالية بعد اتفاق تضمن نحو 300 ألف دولار تعويضاً من دون إقرار بالذنب، كما امتنع القضاء الاتحادي عن توجيه اتهامات إليه. ثم طلبت زوجته الطلاق «لأسباب إنجيلية».

وبالفعل، أثبت باكستون ثلاث مرات أنه قادر على الفوز على مستوى الولاية رغم الفضائح، وأن أنصاره يرون التحقيقات دليلاً على أنه مقاتل مضطهد لا سبباً لإسقاطه. وهذه هي خطورة بناء حملة تالاريكو كلها على فساد الخصم. لكن الفارق هذه المرة هو المال والبيئة الوطنية. فقد أفادت صحيفة «تكساس تريبيون» بأن حملة تالاريكو جمعت منذ مطلع 2025 نحو 72 مليون دولار، مقابل 16.8 مليون لباكستون، وأنها أنهت يونيو (حزيران) بأكثر من ثلاثة أضعاف سيولته.

مع ذلك، تمنح الاستطلاعات تالاريكو أملاً... لا ضماناً. ولقد وضعه مسح «تكساس بابليك أوبينيون ريسيرتش» في يوليو (تموز) متقدماً 45 إلى 40 في المائة، ومسح جامعة تكساس الجنوبية المنشور في 4 أغسطس (آب) متقدماً 47 إلى 45، وكلا الفارقين ضمن هامش الخطأ أو قريب منه.

كذلك، ما زالت النشرة السياسية المستقلة «كوك بوليتيكال ريبورت»، المتخصصة في تحليل الانتخابات، تصنّف السباق بأنه «يميل للجمهوريين». فالاستطلاع كان محطة وجاء بعد إنفاق تالاريكو التلفزيوني الكبير وقبل اكتمال اتحاد الجمهوريين، وليس إلغاءً لثلاثة عقود من الهزائم الديمقراطية.

مرشح أمام أزمة حزبين

كما سبق، اختار الناخبون الجمهوريون باكستون، المدعوم من ترمب، على حساب كورنين الذي عدّته قيادات في الحزب أكثر قدرة على خوض الانتخابات العامة، في حين ركزت حملة باكستون على قضايا النوع الاجتماعي بالتزامن مع تصاعد قلق الناخبين من أسعار الطاقة وتداعيات الحرب مع إيران.

ولكن استطلاع «رويترز/إبسوس» مطلع أغسطس بيّن تراجع شعبية ترمب إلى 35 في المائة، وتقدم الديمقراطيين للمرة الأولى منذ نحو عقد بنقطة واحدة فقط في الثقة بإدارة الاقتصاد؛ أي أن أفضلية الجمهوريين تآكلت، لا أن الناخب اقتنع تماماً بالبديل.

في أي حال، الديمقراطيون أكثر شعبية في الصحة والتعليم والإجهاض، لكنهم فقدوا لغة الرجال والطبقة العاملة، وضعفت قاعدتهم الريفية، وما عادوا ضامنين ولاء ناخبيهم السود. إذ هزم تالاريكو، منافسته جاسمين كروكيت في تمهيدية مشحونة عرقياً، ويدعي 77 في المائة من الناخبين السود في تكساس أن الحزب يأخذهم أمراً مسلماً به، وإن كان استطلاع حديث قد وجد أن 79 في المائة منهم معه مقابل 12 لباكستون.ختاماً، الديمقراطيون يحتاجون إلى كسب أربعة مقاعد صافية لاستعادة مجلس الشيوخ؛ وتكساس يمكن أن تكون طريقاً إلى الغالبية، لكنها قبل ذلك اختبار لما إذا كان تالاريكو قصة وطنية جميلة أم بداية اصطفاف سياسي جديد.


كيف تحولت تكساس جمهورية... وأين تتركز قوة الحزبين؟

السناتور جون تاور (غيتي)
السناتور جون تاور (غيتي)
TT

كيف تحولت تكساس جمهورية... وأين تتركز قوة الحزبين؟

السناتور جون تاور (غيتي)
السناتور جون تاور (غيتي)

كانت تكساس في الماضي، مثل معظم الجنوب، معقلاً حصيناً للحزب الديمقراطي. وفي حينه جمع الحزب محافظين وليبراليين تحت سقف واحد.

لكن الانشقاق الحديث بدأ عام 1961، عندما فاز الجمهوري جون تاور في انتخابات خاصة لمجلس الشيوخ، أول جمهوري تنتخبه الولاية على مستوى عام منذ حقبة إعادة الإعمار. ومع انتقال البيض المحافظين والإنجيليين وأصحاب الأعمال تدريجياً إلى الجمهوريين، وتسارع الاستقطاب حول الحقوق المدنية والضرائب والطاقة، حافظت تكساس لمدة ثلاثة عقود على سيناتور من كل حزب، قبل أن يكتمل التحوّل.

لويد بنتسن كان آخر ديمقراطي ينتخب لمجلس الشيوخ عام 1988، وكان بوب كروغر آخر ديمقراطي يشغل مقعداً فيه بالتعيين خمسة أشهر عام 1993. كذلك فاز ديمقراطيون بمناصب الولاية للمرة الأخيرة عام 1994، ثم اكتسح الجمهوريون المناصب التنفيذية في 1998. ومنذ ذلك الحين عزّزت قبضتهم الضواحي المحافظة، وصناعة النفط والغاز، والكنائس الإنجيلية، والريف الشاسع في شرق وغرب وشمال تكساس. ولا تزال المقاطعات الريفية تمنحهم هوامش قد تتجاوز 70 نقطة، فيما أظهرت دراسة أكاديمية أن أكثر من ربع المقاطعات الريفية كان بلا رئيس محلي ديمقراطي عام 2022، مقابل وجود رئيس محلي جمهوري في كل منها.

السناتور لويد بنتسن (وزارة الخزانة الأميركية)

قوة الديمقراطيين تتركّز في قلب المدن الكبرى: مقاطعة هاريس حول هيوستن، ودالاس، وترافيس حول أوستن عاصمة الولاية، وبيكسار حول سان أنطونيو، وإل باسو، إضافة إلى هايز وبعض الضواحي المتنوعة مثل فورت بيند. لكن الفوز بهذه الجزر لا يكفي إذا لم يرفعوا المشاركة ويقلّصوا خسائر الضواحي والريف.

عام 2024، فاز ترمب بالولاية بنحو 14 نقطة، واستعاد مقاطعة تارانت، وتقدم بقوة في وادي ريو غراندي؛ حتى مقاطعة ستار على الحدود مع المكسيك ذات الغالبية اللاتينية الساحقة صوتت جمهورياً للمرة الأولى منذ أكثر من قرن.

لذا، ليست تكساس «زرقاء مؤجلة» بفعل الديموغرافيا وحدها. إنها ولاية شابة ومتنوعة ومنخفضة المشاركة، لكن اللاتينيين والآسيويين والوافدين لا يصوّتون ككتلة واحدة. لهذا فطريق تالاريكو يمرّ بهوامش ضخمة في المدن، واستعادة اللاتينيين في الجنوب، واجتذاب المستقلين في الضواحي، وتقليص الانهيار الريفي. وتلك عملية تنظيمية، لا معجزة حسابية.