إحالة المرشد وقيادات إخوانية إلى المحكمة في قضية اعتصام «رابعة» المسلح

الأزهر يصدر بيان «المحروسة» ردًا على افتراءات بيان «مصر الكنانة»

أبو العلا ماضي رئيس حزب الوسط أخلي سبيله بضمان محل إقامته («الشرق الأوسط»)
أبو العلا ماضي رئيس حزب الوسط أخلي سبيله بضمان محل إقامته («الشرق الأوسط»)
TT

إحالة المرشد وقيادات إخوانية إلى المحكمة في قضية اعتصام «رابعة» المسلح

أبو العلا ماضي رئيس حزب الوسط أخلي سبيله بضمان محل إقامته («الشرق الأوسط»)
أبو العلا ماضي رئيس حزب الوسط أخلي سبيله بضمان محل إقامته («الشرق الأوسط»)

قبل يومين من حلول الذكرى الثانية لأحداث ميدان «رابعة العدوية» بحي مدينة نصر شمال شرقي العاصمة المصرية القاهرة، والتي تحل يوم الرابع عشر من أغسطس (آب) الحالي، قررت النيابة العامة إحالة محمد بديع، المرشد العام لجماعة الإخوان الإرهابية، وعدد من قيادات وأعضاء جماعته، إلى محكمة جنايات القاهرة، في قضية الاعتصام المسلح بميدان «رابعة العدوية» في صيف عام 2013. فيما أصدر الأزهر اليوم بيان «المحروسة»، ردا على بيان التنظيمات الإرهابية الذي سمي ببيان «مصر الكنانة». وأكد علماء الأزهر في البيان أن حكام مصر الحاليين لم يقتلوا أحدا، وإنما القتلة هم الذين غرروا بالمتظاهرين والمعتصمين من أتباعهم وأفتوهم وحللوا لهم الخروج المسلح على الجيش والشرطة والشعب.
إلى ذلك، أكد مصدر أمني بوزارة الداخلية المصرية أن قطاع مصلحة السجون تلقى إخطارا بإخلاء سبيل أبو العلا ماضي، رئيس حزب الوسط (المقرب من جماعة الإخوان)؛ وذلك بعد أن قضت محكمة جنايات الجيزة أمس بقبول الاستئناف على استمرار حبس ماضي في قضية «أحداث بين السرايات» عام 2013، وقررت إخلاء سبيله بضمان محل إقامته.
بينما قدم ائتلاف «دعم صندوق تحيا مصر»، المؤيد للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بلاغا للنائب العام ضد القيادي الإخواني والمرشح الرئاسي السابق عبد المنعم أبو الفتوح؛ يتهمه بنشر حزبه (مصر القوية) بيانا تحريضيا يستهدف زعزعة الاستقرار الداخلي، ومحاولة تشويه جهاز الشرطة، وحشد الرأي العام الداخلي والخارجي ضد الحكومة المصرية؛ من خلال نشر أخبار كاذبة تناولها البيان، كما جاء في البلاغ.
ويأتي ذلك البلاغ على خلفية البيان الذي أصدره حزب مصر القوية، بشأن واقعة وفاة عصام دربالة، رئيس مجلس شورى «الجماعة الإسلامية»، في سجن العقرب، وما تضمنه من اتهامات للحكومة بالتسبب في وفاته؛ حسبما جاء في نص البلاغ الذي قدمه الائتلاف.
وفي ما يتعلق بإحالة قادة الجماعة إلى الجنايات مجددا، أسندت النيابة العامة إلى المتهمين في قضية «اعتصام رابعة المسلح» أنهم خلال الفترة من 21 يونيو (حزيران) 2013 وحتى 14 أغسطس من العام ذاته، ارتكبوا جرائم تدبير تجمهر مسلح والاشتراك فيه بميدان رابعة العدوية (ميدان هشام بركات حاليا)، وقطع الطرق، وتقييد حرية الناس في التنقل، والقتل العمد مع سبق الإصرار للمواطنين وقوات الشرطة المكلفة بفض تجمهرهم، والشروع في القتل العمد، وتعمد تعطيل سير وسائل النقل.
بينما تضمنت قائمة الاتهامات المسندة إلى المتهمين ارتكابهم لجرائم احتلال وتخريب المباني والأملاك العامة والخاصة والكابلات الكهربائية بالقوة، وتنفيذا لأغراض إرهابية بقصد الإخلال بالنظام العام وتعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر، وتكدير السكينة العامة، ومقاومة السلطات العامة، وإرهاب جموع الشعب المصري، وحيازة وإحراز المفرقعات والأسلحة النارية والذخائر التي لا يجوز الترخيص بحيازتها أو إحرازها، والأسلحة البيضاء والأدوات التي تستعمل في الاعتداء على الأشخاص.
وكانت تحقيقات النيابة العامة كشفت، من خلال شهادات العديد من قاطني محيط التجمهر المسلح ومسؤولي أجهزة الدولة وقوات الشرطة، أن المتهمين من جماعة الإخوان الإرهابية نظموا ذلك الاعتصام المسلح وسيروا منه مسيرات مسلحة لأماكن عدة هاجمت المواطنين الآمنين في أحداث مروعة، وقطعوا الطرق ووضعوا المتاريس وفتشوا سكان العقارات الكائنة بمحيط تجمهرهم، وقبضوا على بعض المواطنين واحتجزوهم داخل خيام وغرف أعدوها، وعذبوهم بدنيا، وحازوا وأحرزوا أسلحة نارية وذخائر استخدموها في مقاومة قوات الشرطة القائمة على فض تجمهرهم. ولم يتضمن بيان النيابة العامة عدد وأسماء بقية المتهمين مع بديع.
وقال مصدر قضائي لموقع «الأهرام» الإلكتروني (الحكومي) إن القضية تضم أكثر من 20 متهما من بينهم خيرت الشاطر نائب بديع، وعدد من قيادات الجماعة أبرزهم محمد البلتاجي وعصام العريان وأسعد الشيخة وعصام الحداد. وأضاف أن عددا من «الإسلاميين» من خارج الجماعة أحيلوا للمحاكمة في القضية، من بينهم عصام سلطان القيادي بحزب الوسط، وعاصم عبد الماجد القيادي بـ«الجماعة الإسلامية»، والداعية السلفي الشيخ محمد عبد المقصود.
كما نقل الموقع عن المصدر قوله إن النيابة استبعدت مرسي من قائمة الاتهام رغم التحقيق معه في القضية من قبل. وكان مرسي قد عوقب بالإعدام في يونيو الماضي في قضية تتصل باقتحام سجون عقب أحداث ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 التي أطاحت بالرئيس الأسبق حسني مبارك، وهذا الحكم قابل للطعن.
وفضت قوات الأمن اعتصام جماعة الإخوان ومؤيديها في ميدان رابعة العدوية بحي مدينة نصر في شمال شرق القاهرة يوم 14 أغسطس 2013 بالقوة، مما أسفر عن مقتل مئات المعتصمين وثمانية من قوات الأمن.
وصدر بحق مرشد الجماعة محمد بديع أكثر من حكم بالإعدام والسجن المؤبد لمدة 25 عاما في قضايا مختلفة تتصل في أغلبها بالاحتجاجات وأعمال العنف التي اندلعت في أعقاب يوليو (تموز) 2013، وجميع هذه الأحكام قابلة للطعن.
في سياق متصل، أكد علماء الأزهر أن «حكام مصر الحاليين لم يقتلوا أحدًا، وإنما القتلة هم الذين غرروا بالمتظاهرين والمعتصمين من أتباعهم وأفتوهم وحللوا لهم الخروج المسلح على الجيش والشرطة والشعب، كما أن حكام مصر لم ينقلبوا على نظام الحكم بل الشعب هو الذي ثار وخرج بجميع فئاته ليطالب بعزل حُكمٍ فَشَل في إدارة مصر».
وأكد علماء الأزهر، في بيان «المحروسة» الذي أصدره الأزهر اليوم وحصلت «الشرق ألأوسط» على نسخة منه، والذي جاء ردا على بيان التنظيمات الإرهابية الذي سمي ببيان «مصر الكنانة»، إن «نظام الحكم الذي عزله شعبه هو الذي ناصر أعداء الأُمَّة وحكَمَ مصر عامًا كاملاً لم يجاهر فيه بموقف عدائي واحد تجاه أعداء مصر والمتربصين بها». وأكد البيان أن موقف شيخ الأزهر إنما جاء استجابة لإرادة شعبية هادرة من ملايين المصريين الذين احتشدوا في ميادين القاهرة والمحافظات والقرى، يطالبون برحيل هذا النظام وإزاحة كابوسه عن صدور المصريين. وأدان بيان المحروسة بيان التنظيمات وما اشتمل عليه من اجتراء على الدين وافتراء على شريعة الإسلام وتزييف للحقائق.
ووصف بيان المحروسة الادعاء بأن حكام مصر فصلوا مئات القضاة وأساتذة الجامعات والأئمة والخطباء بأنه محض افتراء، لأن «مَن عُزل مِن القضاة هم الذين تركوا منصة القضاء، واستبدلوا بها منصات الجماعة وسياساتها الخاصة التي لا تعبر عن مصالح الشعب، وهم الذين هدموا مبادئ استقلال القضاء، وخرجوا على تقاليده، وأصدروا البيانات السياسية التي تخل بأمن الوطن واستقراره».
وشدد بيان علماء الأزهر على أن «الدعوة لمقاومة المسؤولين والجيش والشرطة دعوة ساقطة لا أساس لها من دين أو شرع أو حكم فقهي صحيح، ويؤكد الأزهر على أن الحكم الشرعي الصحيح هو أنه يجب على جميع أفراد الشعب المصري الوقوف صفًا واحدًا خلف هؤلاء الحكام ومساندتهم ومعاونتهم في القيام بواجبهم تجاه حماية الدين والوطن والمواطنين من كيد الكائدين وتأويلات المنحرفين والجاهلين».
وحول البيانات المضللة، التي تنسب لحكام مصر معاداة المقاومة الفلسطينية وتدمير سيناء، أكد علماء الأزهر أن «قائل هذا الكلام لا يقيم وزنًا لا للحقيقة ولا للواقع، فالكل يعلم أن قادة مصر هم الذين قادوا المصالحات والمفاوضات من أجل وحدة فلسطين سنين عديدة، ولا تزال مصر حتى هذه اللحظة هي التي تعمل من أجل وحدة الشعب الفلسطيني».
وتساءل علماء الأزهر «هل نسي هؤلاء أن قادة فصائل المقاومة كانوا ضيوفًا دائمين على القاهرة للتباحث حول إيجاد مخرج لهم من هذا الوضع الحرج؟ وماذا فعل نظام المعزول طوال عام كامل لفلسطين؟ وهل أطلق صيحة واحدة جادة لصالح القضية الفلسطينية؟». وأكد العلماء أن الذي يجمع عليه المراقبون المختصون هو أن «القضية الفلسطينية دخلت في غيبوبة من الشعارات الجوفاء في ظل هذا النظام الذي تسكبون دموع التماسيح على زواله».
وحول ما يردده الواهمون من أن الرئيس المعزول هو الرئيس الشرعي، تساءل بيان الأزهر «كيف تجاهل هؤلاء الذين يصفون أنفسهم بالعلم والعقل إرادة عشرات الملايين التي خرجت في 30 يونيو وليس لها من مطلب غير تغيير نظام الحكم ورحيل الحاكم؟.. فكيف يتصور عاقل تجاهل إرادة الملايين وقهرهم على استبقاء حكم مرفوض من جماهير الشعب الثائر، سقطت شرعيته وتزعزعت أركانه واستنفد كل أغراضه؟!».
وأدان بيان الأزهر «الكيانات التي أعدت ما سمي ببيان الكنانة»، ووصفها بأنها «كيانات وهمية لا وجود لها إلا في خيال هؤلاء الموتورين الذين تغلي قلوبهم وأكبادهم من كراهية لمصر وأهلها، والذين يسعون بشتى الطرق إلى بث الفتنة وإشاعة الفرقة بين أبناء مصر».
كما حذر «بيان المحروسة» المصريين شبابًا وشيوخًا رجالاً ونساءً من «كيد هذه الجماعات الإرهابية الباغية، ومن تدبير أعضائها الذين ينعمون بالعيش في فنادق فاخرة، بينما يدفعون البسطاء والفقراء والمغرر بهم من الشباب المصري إلى التهلكة والانتحار والقتل». وطالب البيان أتباع هذه الجماعات الباغية بأنْ «يثوبوا إلى رشدهم ويرجعوا إلى الحق والصواب، وألا ينخدعوا بما يبثه هؤلاء الخوارج من فتاوى هدَّامة يغلفونها بنصوص شرعية يوردونها في غير محلها، وعلى أتباعهم أن يكونوا على يقين من أن شيوخهم الذين يبيحون لهم القتل والتفجير والتكفير إنهم يحرفون الكلم عن مواضعه ويلبّسون على الناس بالباطل».



محللون: «باب المندب» يختبر حدود المصالحة السعودية - الإيرانية

بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
TT

محللون: «باب المندب» يختبر حدود المصالحة السعودية - الإيرانية

بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)

بعد أكثر من ثلاثة أعوام على توقيع الاتفاق السعودي-الإيراني برعاية صينية، تقف المصالحة بين الرياض وطهران أمام أحد أصعب اختباراتها، مع تصاعد الاتهامات لإيران بدعم أذرع مسلحة في اليمن والعراق استهدفت السعودية، وتحرك الحوثيين باتجاه مضيق باب المندب، بما يحمله ذلك من تهديد لأمن المملكة والملاحة في البحر الأحمر.

تحرك إيران عبر الحوثيين قرب مضيق باب المندب «يمثّل اختباراً جدياً للاتفاق السعودي-الإيراني» حسب محللين (واس)

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدرين عسكريين تابعين للحوثيين، أن خبراء من «الحرس الثوري» الإيراني زاروا منطقة باب المندب وميناء ومطار المخا ومعسكر جبل النار شرق المدينة، وأشرفوا على أعمال حفر أنفاق في التلال الجبلية المطلة على المخا ومضيق باب المندب، وبحثوا تركيب رادارات قرب المخا وداخل جزيرة زقر في جنوب البحر الأحمر.

ويرى محللون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» أن التطورات الأخيرة لا تختبر التزام طهران بتعهداتها فحسب، وإنما تضع صدقية الدور الصيني على المحك أيضاً؛ إذ لم تعد المسألة متعلقة باستمرار العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران، بل بقدرة الاتفاق على كبح مصادر التهديد غير المباشر، ومنع توظيف الجماعات المسلحة للضغط على دول المنطقة.

وكانت الرياض وطهران قد وقّعتا اتفاقاً في بكين برعاية صينية لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعد قطيعة نحو سبع سنوات.

«باب المندب».. اختبار جدي للاتفاق

يوضح رئيس مركز الخليج للأبحاث، الدكتور عبد العزيز بن صقر، أن اتفاق بكين الموقع في مارس (آذار) 2023 قام على ثلاثة مكونات رئيسية: استعادة العلاقات الدبلوماسية بعد سبع سنوات من القطيعة، وإعادة تفعيل اتفاقيات التعاون الثنائي، ثم احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهو المكون «الأهم والأكثر حساسية».

إحدى الناقلات التجارية في أثناء مرورها بمضيق باب المندب الاستراتيجي قبالة السواحل اليمنية (أ.ف.ب)

ويقول بن صقر، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إن التحرك الإيراني عبر الحوثيين قرب مضيق باب المندب «يمثل اختباراً جدياً للاتفاق السعودي-الإيراني؛ لكونه يخالف نصوصه وروحه التي قامت على بناء الثقة»، مضيفاً أن التعهدات لا ينبغي أن تقتصر على الممارسات الإيرانية المباشرة، وإنما تشمل كذلك سلوك الجماعات المرتبطة بـ«الحرس الثوري».

ويتابع: «لا معنى لأي اتفاق مع إيران لا يشمل ممارسات أذرعها الإقليمية المهددة للأمن الإقليمي والدولي»، معتبراً أن دعم الحوثيين أو تحريضهم على تهديد أمن المملكة «خرق فاضح» للتعهد باحترام السيادة وعدم التدخل.

بينما يرى الباحث والمستشار في الشؤون الصينية والآسيوية، عبد العزيز الشعباني، أن التحركات الإيرانية قرب مضيق باب المندب تختبر اتفاق بكين، لكنها لا تعني انهياره؛ إذ صُمم أساساً لإعادة العلاقات وفتح قنوات الحوار، لا لإنهاء التنافس بين الرياض وطهران أو إقامة شراكة استراتيجية بينهما.

سياسة الوكلاء

بدوره، يرى المحلل السياسي السعودي، الدكتور خالد الهباس، أن سياسة الميليشيات تمثل إحدى أهم أدوات طهران لتوسيع نفوذها الإقليمي، وأن «الحرس الثوري» يتولى دعم هذه الجماعات وتدريبها وتنظيمها، بما يمكّنها من أداء أدوار تخدم الأهداف الإيرانية عند الحاجة.

ويضع الهبّاس التحركات الحوثية الأخيرة، وقبلها نشاط الفصائل الموالية لإيران في العراق، ضمن سياق الضغوط العسكرية والاقتصادية المتزايدة على طهران، ومحاولتها فتح ساحات ضغط بديلة. ويشير إلى أن التحرك باتجاه مضيق باب المندب قد يتيح تهديد الملاحة ورفع أسعار الطاقة وإرباك سلاسل الإمداد.

الميليشيات تمثل إحدى أهم أدوات طهران لتوسيع نفوذها الإقليمي (إ.ب.أ)

ويحذّر الدكتور خالد من التعويل على تعهدات الحوثيين بعدم استهداف السفن، قائلاً إن تجارب البحر الأحمر منذ أواخر 2023 أثبتت عكس ذلك، ومشدداً على أن حماية الملاحة «مسؤولية دولية لا تقع على عاتق المملكة وحدها»، نظراً إلى الأهمية العالمية لهذا الممر.

وحسب الهبّاس، فإن السعودية، رغم تمسكها بحل الخلافات سلمياً وإبقاء نافذة الدبلوماسية مفتوحة، تملك حق الدفاع عن نفسها وفق المادة «51» من ميثاق الأمم المتحدة، كما يحق لها «مطالبة إيران بالالتزام ببنود الاتفاق، ومراجعته في ضوء مدى وفائها بتعهداتها».

هل انتهى زمن الاختبار؟

أما أستاذ القانون والعلاقات الدولية في جامعة إسطنبول، الدكتور سمير صالحة، فيذهب إلى موقف أكثر تشدداً، قائلاً: «لقد تجاوزنا مسألة اختبار التفاهمات؛ فمن الواضح أن الجانب الإيراني خرج عن روحها، وبدأ سياسة إقليمية مغايرة لما تعهد به».

ويضيف أن السؤال الجوهري لم يعد متعلقاً فقط بما إذا كانت طهران ملتزمة أم لا، بل بمن يسلّح الحوثيين ويدربهم ويوجه عملياتهم. ويتابع: «التهديدات تبدو حوثية في العلن، لكنها في صلب الموضوع إيرانية»، معتبراً أن تحريك الأذرع في اليمن والعراق ولبنان يعكس أولوية إيرانية لم تتغير رغم استعادة العلاقات مع الرياض.

وفي تقدير صالحة، فإن السعودية لن تبني خياراتها على انتظار تحرك صيني وحده، بل ستواصل البحث في بدائل استراتيجية تضمن أمنها، بالتوازي مع إبقاء المسار الدبلوماسي قائماً، وهو ما بدأت به فعلاً خلال الأشهر الأخيرة، على حد تعبيره.

بكين.. فتح الطريق لا يكفي!

يجمع المحللون على أن الصين تملك أدوات تأثير واسعة على إيران، بحكم ثقل علاقاتهما الاقتصادية والسياسية والعسكرية، لكنها مطالبة بالانتقال من موقع الراعي الرمزي للاتفاق إلى دور أكثر حسماً في مراقبة تنفيذه.

ويقول بن صقر إن بكين «قادرة على التحقق من السلوكيات الإيرانية المخالفة للاتفاق»، لكنها تميل إلى الغموض وعدم الحسم عندما لا تمس الأزمات أمنها القومي مباشرة، لذلك فإن المطلوب اليوم آلية واضحة للتحقق من التزام طهران وكبح أذرعها.

أما صالحة فيرى أن الصين تواجه اختياراً دقيقاً بين الاكتفاء بحماية علاقتها مع إيران، أو الدفاع عن مصالحها الأوسع مع دول الخليج وعن طرق التجارة التي تمر عبر البحر الأحمر، مضيفاً: «هذا اختبار لإيران في الدرجة الأولى، لكنه اختبار لبكين في الدرجة الثانية».

وأضاف «بكين أمام وضع صعب وحرج ودقيق، هناك مؤشرات إيجابية في مواقفها ورسائل سياسية تجاه إيران في الآونة الأخيرة، لكن المراهنة على أن طهران ستقبل وتُصغي لما تقوله بكين مسألة صعبة».

ولفت الدكتور سمير إلى أن «بكين نجحت في فتح الطريق أمام اختبار جديد في العلاقات السعودية-الإيرانية، لكن عليها أن تذهب اليوم إلى أبعد من ذلك إذا كانت راغبة في حماية مصالحها وعلاقاتها مع دول الخليج».

من جانبه، يعتقد الشعباني أن بكين تميل إلى الدبلوماسية وعدم التدخل المباشر، ولا يُتوقع أن تنحاز إلى طرف بصورة حاسمة. وخلص إلى أن مستقبل الاتفاق يتوقف على قدرة الصين على إبقاء الحوار مفتوحاً واحتواء الأزمات، مع احتفاظ السعودية بحقها في حماية أمنها ومصالحها عبر قدراتها وشراكاتها الإقليمية.


استماتة حوثية تتكسر على جبال غرب تعز وشرق باب المندب

جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
TT

استماتة حوثية تتكسر على جبال غرب تعز وشرق باب المندب

جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)

تواجه الجماعة الحوثية مقاومة ضارية في الجبهات الممتدة بين غربي محافظة تعز وشمال محافظة لحج، حيث تدور معارك عنيفة على المرتفعات المطلة على باب المندب، بالتزامن مع استمرار المواجهات في جنوب مأرب، وسط تقارير ميدانية عن خسائر كبيرة في صفوف الجماعة المتحالفة مع إيران خلال محاولات التقدم الأخيرة.

وتتركز المعارك الأشد في جبهتي الوازعية، وكهبوب، والمناطق المتصلة بمديرية المضاربة ورأس العارة، في وقت أعلنت فيه القوات الحكومية صد هجمات حوثية، واستعادة مواقع جبلية، بينما تحدثت مصادر ميدانية عن سقوط عشرات المهاجمين خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية.

وأعلنت قوات العمالقة الجنوبية، الاثنين، تدمير خمس مركبات تابعة للحوثيين في جبهة كهبوب المحاذية لمضيق باب المندب، وقالت إن جميع من كانوا على متنها قتلوا. وأوضحت أن بين المركبات المستهدفة سيارة كانت تقل قيادياً حوثياً، وأخرى تحمل سلاحاً مضاداً للطيران عيار 23 مليمتراً.

ونشر المركز الإعلامي لألوية العمالقة مقطع فيديو قال إنه يوثق استهداف المركبات، واشتعال النيران فيها.

وفي الجبهة نفسها، أعلنت قوات درع الوطن أن اللواء الثالث في الفرقة الأولى تصدى لهجوم حوثي على مواقعه، مشيرة إلى وقوع خسائر في صفوف المهاجمين، والعتاد، وإسقاط طائرة مسيرة انتحارية أثناء محاولتها استهداف مواقع القوات.

كما أعلنت دائرة الإعلام في قوات درع الوطن إسقاط مسيرة حوثية أخرى خلال تحليقها في أجواء كهبوب، بالتزامن مع استمرار انتشار القوات، ورفع جاهزيتها في المنطقة.

وتكتسب كهبوب أهمية عسكرية بسبب موقعها المحاذي لباب المندب، فيما تشير المعلومات الميدانية إلى أن المواجهات تتركز على سلسلة من المرتفعات، والمواقع الواقعة بين جنوب شرقي الوازعية، وشمال المضاربة ورأس العارة، وبمشاركة قوات العمالقة، ودرع الوطن، ومقاتلين من قبائل الصبيحة.

غرب تعز

في غربي تعز تدور معارك مستمرة، حيث يضغط الحوثيون للتوغل من الوازعية شرقاً باتجاه مديرية الشمايتين وسط أنباء عن كانت تحدثت، الأحد، بتقدمهم باتجاه مديرية الشمايتين، وسيطرتهم على قرية شريرة، مع توغل باتجاه جبل المرزام قرب منطقة الغيل، وباتجاه قرية بني عمر.

وفي المقابل، قالت المصادر إن القوات الحوثية تراجعت من جبل العجرم بعد محاولتها السيطرة عليه، كما أخفقت في الوصول إلى جبل جرداد إثر التصدي لمحاولات التسلل، بينما أفادت معلومات أخرى بسيطرة القوات الحكومية على جبل نعمان.

مواكب تشييع حوثية بشكل يومي لقتلى الجماعة في الجبهات (أ.ف.ب)

وتحدثت مصادر ميدانية، فجر الاثنين، عن استمرار المواجهات، مشيرة إلى إحباط هجمات حوثية، وإحراق مدرعات وآليات تابعة للجماعة. كما تحدثت المصادر عن سقوط أعداد كبيرة من الحوثيين بين قتيل وجريح.

وفي حين لم تصدر على الفور أي تعليقات رسمية من قبل القوات الحكومية عن تفاصيل المواجهات، ومسرح العمليات الدائرة، انطلقت في مدينة التربة، الاثنين، قافلة دعم وإسناد للجبهات الحكومية في جرداد، وراسن، والعلقمة في الوازعية، في مؤشر على استمرار التعبئة المحلية لمساندة القوات التي تخوض المعارك في ريف تعز الغربي.

جبهة مأرب

بالتوازي مع معارك تعز ولحج، شهد جنوب مأرب اشتباكات وقصفاً مدفعياً متبادلاً بين القوات الحكومية والحوثيين، خصوصاً في حريب، وعقبة ملعاء، ومحيط أم ريش، من دون تسجيل تغيير مستقر في خطوط السيطرة، وفق المعلومات المتاحة.

وقالت القوات الحكومية إنها استهدفت تجمعات وتعزيزات وتحصينات حوثية في ملعاء، وأم ريش، ودمرت مرابض مدفعية باستخدام راجمات الصواريخ، بينما شاركت مدفعية محور بيحان في قصف مواقع للجماعة، وأعطبت سلاحاً مضاداً للطيران عيار 23 مليمتراً.

كما أعلنت القوات الحكومية تنفيذ ضربات جوية ومسيرة ضد عناصر وآليات وتحصينات حوثية في عدد من الجبهات، بما في ذلك محافظتا مأرب، والبيضاء.

قائد المنطقة العسكرية الثالثة في الجيش اليمني منصور ثوابة (إعلام عسكري)

وقال قائد المنطقة العسكرية الثالثة، اللواء الركن منصور بن عبد الله ثوابة، إن القوات الحكومية تصدت لهجمات حوثية سابقة جنوب مأرب، متحدثاً عن سقوط عشرات من عناصر الجماعة بين قتيل وجريح وأسير. كما قال إن أعداداً من جثث المقاتلين بقيت في مناطق المواجهات.

وأضاف ثوابة أن القوات الحكومية تعمل ضمن غرفة عمليات مشتركة، وبقيادة موحدة، مشيداً بالتنسيق بين القوات البرية والجوية، وبالدعم الذي يقدمه التحالف الداعم لليمن بقيادة السعودية.

وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه المخاوف اليمنية من انعكاسات سيطرة الحوثيين على مناطق ومواقع استراتيجية واسعة في الساحل الغربي، وفي باب المندب. وقال عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني ومحافظ مأرب، سلطان العرادة، خلال اتصال مرئي مع السفيرة البريطانية لدى اليمن عبدة شريف، إن التطورات العسكرية الأخيرة تمثل تهديداً لأمن الملاحة الدولية، وأمن المنطقة.


فتور شعبي يعرقل حملات التجنيد الحوثية

عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
TT

فتور شعبي يعرقل حملات التجنيد الحوثية

عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)

تواجه الجماعة الحوثية صعوبات متزايدة في استقطاب مقاتلين جدد بمحافظتي صنعاء وريمة، وسط تراجع التجاوب الشعبي والقبلي مع حملات التعبئة التي كثفتها الجماعة خلال الأيام الأخيرة، في محاولة لتعويض خسائرها البشرية في جبهات القتال.

وقالت مصادر محلية وقبلية لـ«الشرق الأوسط» إن الجماعة دفعت بمشرفين ومسؤولين ووجهاء قبليين لتنفيذ حملات تجنيد في قرى ومناطق متفرقة بمحافظتي صنعاء وريمة، مستهدفة الشبان والمدنيين، وصولاً إلى طلاب المدارس، بهدف رفد صفوفها بعناصر جديدة.

وشملت التحركات قرى وعزلاً في مديريتي خولان الطيال ونهم بريف صنعاء، إلى جانب مديريات الجبين ومزهر وكسمة وبلاد الطعام في ريمة، غير أن هذه الحملات واجهت، وفق المصادر، إحجاماً شعبياً حدّ من قدرتها على تحقيق أهدافها.

قيادي حوثي يزور إحدى المدارس في ريمة لتجنيد الطلبة (فيسبوك)

وتأتي هذه التحركات، بحسب المصادر، في إطار توجيهات صادرة عن زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، ضمن مساعٍ لتوسيع عمليات الاستقطاب والتجنيد في مناطق سيطرتها، وتعويض الخسائر التي لحقت بمقاتليها في عدد من جبهات القتال، بينها تعز والجوف والبيضاء ومأرب والضالع.

إحجام قبلي

في ريف صنعاء، كشفت مصادر قبلية عن تعثر مساعٍٍ حوثية لتجنيد العشرات من أبناء مديريتي خولان الطيال ونهم، بعد أن دفعت الجماعة بوجهاء قبليين للمشاركة في عمليات التحشيد واستقطاب مقاتلين وإلحاقهم بجبهاتها.

وأوضحت المصادر أن تلك المساعي قوبلت بإحجام وتجاهل من جانب عدد كبير من الأسر، مشيرة إلى شكاوى من لجوء بعض المشرفين الميدانيين إلى اقتياد شبان من المدارس والطرقات وإلحاقهم بمعسكرات تدريب، تمهيداً لإرسالهم إلى الجبهات من دون علم أسرهم.

وفي محافظة ريمة، وتحديداً في مديرية الجبين، مركز المحافظة، تحدثت مصادر محلية عن تعثر حملات حوثية لحشد مجندين جدد في عدد من الأحياء والمناطق، مشيرة إلى امتداد حالة الرفض إلى قرى وعزل في مديريات أخرى.

قيادات حوثية في ريمة أثناء نزولهم الميداني لغرض الحشد والتعبئة إلى الجبهات (فيسبوك)

ومع تعثر عمليات التعبئة في أوساط السكان، اتجهت الجماعة، وفق المصادر، إلى استهداف المدارس الحكومية في محاولة لاستقطاب طلاب وتجنيدهم.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن القيادي هشام الشرفي، المكنى «أبو علي البكالي»، والمعين مسؤولاً للتعبئة في مديرية الزاهر بالمحافظة، نفذ عدداً من الزيارات الميدانية إلى مدارس بهدف حشد الطلاب واستقطابهم.

وأضافت أن هذه التحركات قوبلت برفض من جانب عدد من الطلاب وأسرهم ومعلميهم، وسط مخاوف من تحويل المؤسسات التعليمية إلى ساحات للتعبئة العسكرية.

استقطاب الطلاب

يقول عاملون في القطاع التربوي في ريمة إن تكثيف أنشطة التجنيد الحوثية داخل المدارس أثار مخاوف متزايدة بين المعلمين وأولياء الأمور، معتبرين أن هذه الممارسات تتجاوز الدور التعليمي للمؤسسات التعليمية وتمتد إلى استقطاب الطلاب وإلحاقهم بجبهات القتال.

وأضاف العاملون أن سكان المحافظة، إلى جانب سكان مناطق أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين، يسعون إلى توفير بيئة آمنة وتعليم مستقر لأبنائهم، ولا يرغبون في الزج بهم في الأعمال القتالية.

وفي سياق متصل، أفاد مصدر محلي مطلع بأن جماعة الحوثيين استدعت، قبل فترة، أكثر من 30 شخصاً من أبناء مديرية كسمة في ريمة لحضور اجتماع وصفته بأنه «مهم» في باحة إحدى المؤسسات الحكومية، قبل أن تبقي عليهم في مكان غير معلوم.

صور حوثيين من ريمة أعلنت الجماعة مقتلهم (فيسبوك)

وبحسب المصدر، لا يزال مصير هؤلاء الأشخاص مجهولاً حتى الآن، مرجحاً أن تكون الجماعة قد اقتادتهم قسراً إلى جبهات القتال من دون إبلاغ أسرهم.

وتُعد محافظتا ريف صنعاء وريمة من المناطق التي تعتمد عليها جماعة الحوثيين في عمليات التعبئة والحشد، غير أن المصادر المحلية تشير إلى تراجع ملحوظ في تجاوب السكان مع حملات التجنيد الأخيرة، في ظل رفض اجتماعي متزايد لمحاولات استقطاب أبنائهم وإلحاقهم بجبهات القتال.)