عفراء وعروة بن حزام: عناقهما المستحيل نابت عنه شجرتان ملتفّتان على قبرين

ما لم يفسده التشبيب بالمرأة المعشوقة أفسده الفقر والطمع والنكث بالعهود

عفراء وعروة بن حزام في رسمة متخلية ومتداولة
عفراء وعروة بن حزام في رسمة متخلية ومتداولة
TT

عفراء وعروة بن حزام: عناقهما المستحيل نابت عنه شجرتان ملتفّتان على قبرين

عفراء وعروة بن حزام في رسمة متخلية ومتداولة
عفراء وعروة بن حزام في رسمة متخلية ومتداولة

لا تختلف قصة الحب المأساوية التي جمعت بين عروة بن حزام وابنة عمه عفراء بنت عقال، عن عشرات القصص المماثلة التي نسبها الرواة إلى شعراء بني عذرة، سواء من حيث رابطة الدم التي تجمع بين العاشقَين المنتميين إلى القبيلة نفسها، أو من حيث التفريق بينهما بذرائع مختلفة وما يستتبع ذلك من مكابدات جسدية ونفسية مضنية، وصولاً إلى النهايات المفجعة للعلاقة، التي يصل مسارها التصاعدي في ذراه الأخيرة إلى تصدع الجسد واختلاط العقل وصولاً إلى الموت.
وفي تفاصيل القصة أن عروة لم يكن يتجاوز الرابعة من عمره حين توفي أبوه حزام، فكفله عمه عقال بن مهاصر. وحيث كان عروة وعفراء يقضيان معظم أوقاتهما معاً، فقد ألِف كلّ منهما صاحبه، بما جعل عقالاً يقول لعروة «أبشرْ فإن عفراء ستكون امرأتك». وحين أدرك كل منهما سن البلوغ وفاتح عروة عمه بأمر زواجه، أجابه الأخير بأنه لا يمانع في الأمر، شرط أن يوفر لابنته الحياة الكريمة التي تحتاج إليها.
وإذ سُرّ عروة مما سمعه، انطلق لتوِّه إلى بلاد فارس طالباً المساعدة من ابن عم له شديد الثراء، فأمدّه الأخير بما يحتاج إليه من المال والإبل وكل ما يلزمه لدفع مهر عفراء. لكنّ الرياح في أثناء غيابه كانت تهبّ عكس ما يشتهي، إذ عمد عمه إلى تزويج ابنته من رجل أُمويّ ثريّ اسمه أثالة بن مالك، وبتحريض من زوجته التي خاطبته بالقول: «أنت لا تعرف ما إذا كان عروة حياً أو ميتاً، وهل ينقلب عليك بخير أم لا، فتكون قد حرمتَ ابنتك خيراً حاضراً ورزقاً سنيّاً». ولم يكد أثالة يعقد قرانه على عفراء، حتى ترك منازل بني عذرة عائداً إلى مكان إقامته في الشام.
ويذهب الأصفهاني في «الأغاني» إلى أن عقالاً عمد، تلافياً للحرج من ابن أخيه، إلى ترميم أحد القبور الدارسة، مدّعياً أن ابنته قضت نحبها بفعل مرض مفاجئ، وأنها ووريت الثرى في ذلك المكان. وبعد أيامٍ من تردد عروة باكياً إلى القبر المزعوم، أشفقت عليه إحدى النساء وأطلعته على الحقيقة، فقصد الشام للتوّ، وراح يسأل عن منزل أثالة حتى اهتدى إليه، فأكرمه الزوج وأنزله في بيته أياماً عدة. ثم أقنع إحدى الجواري بأن توصل خاتمه إلى عفراء، التي عرفته فور رؤية الخاتم وأبلغت زوجها بأن ضيفه الزائر ليس سوى عروة بن حزام نفسه.
وإذ يستوقفنا بالتأكيد السلوك المترفع لزوج عفراء الذي غادر منزله تاركاً زوجته وعروة يتبادلان الأحاديث بحرية تامة، إلا أن طلب أثالة من أحد خدمه التلصص على العاشقَين الوالهين وإخباره بما يقولانه ويفعلانه في غيابه، كان يشير في الوقت ذاته إلى دهائه ومكره، حيث أراد أن يمتحن وفاء زوجته من جهة، ويتثبت مما يشاع عن عفة العذريين وشهامتهم الأخلاقية من جهة أخرى. ولا شك في أن ما نقله الخادم لسيده من تشاكي الطرفين ألم الفراق، وامتناعهما عمّا سوى ذلك، هو أمر يسهل تصديقه، ليس لأنه يتواءم مع قيم العذريين المثالية فحسب، بل لأن الطرفين ليسا من السذاجة ليغفلا احتمال لجوء الزوج إلى تكليف من يتلصص عليهما ويضعه في صورة ما يقومان به.
ومع ذلك فإذا أمكننا تصديق العرض الذي قدمه أثالة لعروة، بالبقاء في منزله المدة التي يشاء، فإن ما يصعب تصديقه في رواية الأصفهاني هو قول الزوج لضيفه: «لقد عرفت خبرك وأنك إن رحلت تلفت، فلئن شئت لأفارقنّها ولأنزلنّ عنها»، ومن ثم شكْر عروة له، وقوله بأن الطمع في عفراء كان آفته الكبرى، وأنه قد حمل نفسه على اليأس الذي يُسْلي. فهل يمكن للزوج مهما بلغت شهامته، أن يتنازل عن زوجته لعاشقها المتيم، أم أنه كان يريد الإمعان في اختبار عروة، حتى إذا قبل العرض، كاشفه بوقاحته وطرده من منزله؟
وإذا كان الزوج صادقاً في عرضه، من ناحية أخرى، فهل إن رفض العرض من عروة، أمر عائد إلى الشهامة وحدها، أم هو وليد نزعة العذريين المتأصلة إلى تعذيب الذات وقهرها، وما وصفه علم النفس الحديث بالنزعة المازوشية؟
قد تكون الإجابة عن هذه التساؤلات مزيجاً من الفرضيتين الأخيرتين، ولكن الرواة يُجمعون على التردي المتسارع لأحوال عروة بعد مغادرته منزل حبيبته، ويضيف بعضهم أنه كان كلما أُصيب بالإغماء أُلقي على وجهه خمارٌ لعفراء كانت قد أهدته إياه فاستردّ وعيه. وإذ التقى في طريقه ابن مكحول المعروف بعرّاف اليمامة، ظن الأخير أن به شيئاً من المس، فنظم عروة في ذلك:
وما بي من سقْمٍ ولا طيف جُنّة
ولكن عمي الحمْيري كذوبُ
عشيّة لا خلفي مكرٌّ ولا الهوى
أمامي ولا يهوى هواي غريبُ
ومع عودة عروة إلى منزل أمه وأخواته، حاولن ردعه عمّا يفعله بنفسه فلم يرتدع، بل «كان يأتي حياض الماء التي كانت إبل عفراء ترِدُها، فيلصق صدره بها، فيقال له: مهلاً أنت قاتل نفسك، فلا يقبل حتى يُشرف على التلف». وقد تكون القصيدة التي نظَمَها في أثناء تلاشيه، واحدة من أعذب قصائد العذريين وأكثرهم تعبيراً عن آلام الحب ومكابداته، ومن أبياتها قوله:
تحملتُ من عفراء ما ليس لي به
ولا للجبال الراسيات يدانِ
كأن قطاة عُلّقت بجناحها
على كبدي من شدة الخفقانِ
جعلتُ لعرّاف اليمامة حكْمهُ
وعرّاف نجدٍ إن هما شفياني
فقالا نعم نشفي من الداء كلّهِ
وقاما مع العُوّاد يبتدران
فما تركا من رقْية يعلمانها
ولا شربة إلا وقد سقياني
فقالا يمين الله والله ما لنا
بما ضُمّنت منك الضلوع يدانِ
أناسية عفراء ذكري بعدما
جعلتُ لها ذكْراً بكل مكانِ
وتتعدد الروايات حول موت عروة، فيذكر ابن أبي عتيق أنه بينما كان يمر بأرض بني عذرة، رأى امرأة تحمل شاباً ملتحياً لا يُحمل مثله في العادة، وحين استفسر منها عن خطْبه أجابته بأنه عروة بن حزام، عاشق عفراء. وإذ سأله الراوي عن حالته، قرأ عليه الشاب أبياتاً من قصيدته النونية، حتى إذا ابتعدا قليلاً سمع الرجل صيحة عظيمة وذهب ليستطلع الأمر، فأخبرته المرأة بأن عروة قد فارق الحياة.
ويروي عروة بن الزبير أنه أراد أن يقف على أحوال ابن حزام فوجده في بيت منفرد خارج وادي القرى، وحوله أمه وخالته وأخوات له وقفن باهتات كالتماثيل، فقال له: أأنت صاحب عفراء؟ قال: بلى، وأنشد أبياتاً له فيها، ثم أسلم الروح. أما مصير عفراء فلم يختلف كثيراً عن مصائر نظيراتها من نساء بني عذرة، حيث يروي صاحب «مصارع العشاق» أنها وقد بلغها نبأ موت عروة، طلبت من زوجها أن يأذن لها بالخروج مع النسوة الأخريات ليرثينه ويبكين عليه. وحين أذِن لها أخذت تندبه وتقول:
ألا أيها الركْب المحبون ويحَكُمْ
بحقٍّ نعيتمْ عروة بن حزامِ؟
فلا هنئ الفتيانُ بعدك غارة
ولا رجعوا من غيبة بسلامِ
ولكي تستقيم الرواية ويبلغ الحب نهايته العادلة، يتابع السراج قائلاً بأن عفراء ظلت تردد هذه الأبيات حتى ماتت، وتم دفنها إلى جانب عروة. ولأن قصص الحب تحتاج لكي تكتمل إلى بعض «التوابل» الأسطورية، يروي معاذ بن يحيى الصنعاني أنه في طريقه إلى صنعاء شاهد قبرين متلاصقين، قيل له إنهما قبرا عروة وعفراء، ورأى «شجرتين اثنتين لم يُعرف لهما شبيه في تلك الأنحاء، وقد خرجتا من القبر والتفّت كل واحدة منهما بصاحبتها، حتى راح الناس يقولون: تآلفا في الحياة وفي الممات». أما ما نسبه الرواة إلى الخليفة معاوية بن أبي سفيان من أنه قال حين بلغه الخبر «لو علمتُ بشأن هذين العاشقين العفيفين لجمعت بينهما»، فقد نسبوا ما يشبهه إلى قادة ونافذين آخرين، حيث كان الشعور بالذنب هو الوجه الآخر للمحظورات القاتلة، وحيث صحوة الضمير الجمعي لا تتحقق، إذا تحققت، إلا بثمن باهظ وبعد فوات الأوان.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
TT

كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)

يميل كثيرون إلى الإفراط في التفكير والتشكيك في قراراتهم، والانشغال بأسوأ السيناريوهات المحتملة، وهو ما قد يستهلك طاقتهم ويبطئ أداءهم ويجعل الاستمتاع بالحياة أكثر صعوبة. لكن الحفاظ على صحة الدماغ لا يتطلب بالضرورة تغييرات جذرية أو استغلال كل دقيقة من اليوم، بل يمكن تحقيقه من خلال تعديلات بسيطة في أسلوب التفكير والسلوك اليومي.

يرى أليكس كورب، عالم الأعصاب وأستاذ بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، أن تحسين أداء الدماغ يبدأ بتجنّب بعض العادات الشائعة التي تستنزف الطاقة الذهنية. وبعد أكثر من 20 عاماً من البحث في علم الأعصاب، يؤكد أن التغييرات الصغيرة قد تُحدث فرقاً كبيراً في تعزيز التركيز والشعور بالهدوء ومقاومة الإرهاق، حسب ما أورده في تقرير نشرته شبكة «سي إن بي سي».

وفيما يلي أبرز 6 أمور ينصح كورب بتجنّبها للحفاظ على قوة الدماغ وصحته:

1. تجاهل القلق

يُنظر إلى القلق غالباً بوصفه أمراً سلبياً، لكن كورب يعتبره بمثابة «نظام إنذار» يصدر إشارات من الجهاز الحوفي- مركز العواطف في الدماغ- لينبّهك إلى ما هو مهم. تجاهل هذا الشعور قد يجعلك غير قادر على التمييز بين المواقف التي تتطلب استجابة فورية وتلك التي لا تستدعي القلق. لذلك، من الأفضل التوقف لحظة عند الشعور بالقلق، ومحاولة فهم مصدره، وطرح سؤال بسيط: ماذا يخبرني هذا الشعور عن أهمية هذا الموقف؟ هذا الوعي يساعد على التعامل معه بفعالية بدلاً من الانفعال أو التجمّد.

2. الاعتماد على النقد الذاتي بوصفه وسيلةً للتحفيز

في حالات الضغط، يفرز الدماغ مواد كيميائية مثل الدوبامين والنورأدرينالين، ما يعزز التركيز مؤقتاً. لكن هذا النوع من التحفيز يأتي على حساب مواد أخرى مرتبطة بالسعادة، مثل السيروتونين والأوكسيتوسين والإندورفين. لذلك، فإن الاعتماد على النقد الذاتي قد يمنح دفعة قصيرة المدى، لكنه يؤدي في النهاية إلى استنزاف الطاقة والشعور بالإرهاق. وعند الشعور بالإحباط، يُنصح بتحويل التركيز من النتائج السلبية إلى الأهداف الإيجابية التي تسعى لتحقيقها.

3. الهوس بتتبع جودة النوم

قد يبدو تتبع النوم باستخدام الأجهزة الذكية مفيداً، لكنه قد يتحول إلى مصدر إضافي للقلق، خصوصاً عندما تنشغل ببيانات لا يمكنك التحكم بها مباشرة. بدلاً من ذلك، يُفضّل التركيز على العادات التي تدعم نوماً جيداً، مثل التعرض لضوء الشمس صباحاً، والحفاظ على مواعيد نوم منتظمة، وممارسة الرياضة، واتباع روتين مسائي هادئ يساعد على خفض مستويات التوتر.

4. تعدد المهام عند الحاجة إلى تركيز عميق

قد يعطي التنقل بين المهام المختلفة شعوراً زائفاً بالإنتاجية، نتيجة دفعات صغيرة من الدوبامين. لكن في الواقع، يؤدي ذلك إلى إرهاق قشرة الفص الجبهي، المسؤولة عن اتخاذ القرارات وحل المشكلات. هذا الإرهاق قد ينعكس في صورة أخطاء متكررة وإجهاد ذهني. لذا، عند الحاجة إلى التركيز، يُفضّل تقسيم العمل إلى فترات زمنية قصيرة، والتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

5. تجاهل المشاعر بحجة التفاؤل الدائم

رغم أهمية التفكير الإيجابي، فإن تجاهل المشاعر السلبية أو إنكارها قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فمحاولة فرض التفاؤل قد تعيق القدرة على التعامل مع الواقع. الأفضل هو الاعتراف بالمشاعر وتسميتها بوضوح، إذ يساعد ذلك على تخفيف الضغط عن اللوزة الدماغية، ويمنح الدماغ فرصة لاستعادة توازنه والتعامل مع الموقف بوعي أكبر.

6. ربط القيمة الذاتية بالإنتاجية فقط

يرتكب كثيرون خطأ ربط قيمتهم الذاتية بمدى إنتاجيتهم أو إنجازاتهم، ما يؤدي إلى ارتفاع مستويات التوتر والإرهاق على المدى الطويل. ويشير كورب إلى أن هذا النمط قد يمنح دفعات مؤقتة من التحفيز، لكنه يستنزف الطاقة النفسية مع الوقت. لذلك، من المهم تذكير النفس بأن القيمة الذاتية لا تقتصر على الإنجاز، وأن بذل الجهد بحد ذاته أمر كافٍ.


من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
TT

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)

في لحظةٍ تستعيد فيها «جدة التاريخية» دورَها حاضنةً للحكايات، بدأت «سينما البلد» مشروعها من الأزقة القديمة، لا بوصفها فعالية عابرة، بل بصفتها تصوّراً مختلفاً للسينما في السعودية.

مشروع ينطلق من الذاكرة، ويتجه بخطى مدروسة نحو مدن المملكة، جاعلاً أولى محطاته خارج جدة في منطقة الباحة، حيث لا توجد حتى الآن دور عرض سينمائي.

البداية من «البلد»... حيث السينما ذاكرة مكان

اختارت «سينما البلد» أن تبدأ من المكان الأشد ارتباطاً بالهوية البصرية والثقافية، لتعيد تعريف تجربة المشاهدة خارج القاعات التجارية. هنا، لم تكن الشاشة وحدها هي البطل، بل الأزقة نفسها، التي تحولت فضاءً سردياً يشارك في الحكاية.

«سينما البلد» في نسختها الأولى بجدة التاريخية (سينما البلد)

يوضح لـ«الشرق الأوسط» مؤسس «سينما البلد»، المخرج عبد الله سحرتي، أن المشروع جاء لسد فجوة واضحة في المشهد المحلي، حيث «طغت السينما التجارية داخل المجمعات، وغابت السينما الفنية المستقلة التي تخلق حالة ثقافية وتمنح مساحة للأعمال المختلفة». بهذا الوعي، انطلقت النسخة الأولى، واضعة الأساس لتجربة لا تشاهَد فقط، بل تُعاش.

«سينما البلد» في نسختها الثانية على سطح «متحف طارق عبد الحكيم» (سينما البلد)

من الأزقة إلى السماء... تجربة «الكادر السينمائي»

في النسخة الثانية، تطورت الفكرة بصرياً ومفاهيمياً، وانتقلت العروض إلى سطح «متحف طارق عبد الحكيم»، حيث صُممت التجربة ليصبح المشاهد داخل «كادر سينمائي حي».

هنا، تتداخل العمارة الحجازية مع السماء المفتوحة والصوت المحيط، ليجد الجمهور نفسه جزءاً من المشهد، لا مجرد متلقٍ له... تجربة نقلت العلاقة بالفيلم من الاستهلاك إلى التفاعل، ومن المشاهدة إلى المعايشة.

«سينما البلد» في الباحة تستعد لبدء أعمالها داخل «بلجرشي مول» (سينما البلد)

الباحة... أول اختبار للتوسع خارج المدن الكبرى

بعد تثبيت حضورها في جدة، تتجه «سينما البلد» إلى الباحة، وتحديداً في «بلجرشي مول»، لتكون أول دار سينما في المنطقة. الخطوة تحمل دلالة تتجاوز الجغرافيا؛ فهي تعكس تحولاً في خريطة العرض السينمائي، التي لم تعد حكراً على المدن الكبرى.

فالباحة، بما تمتلكه من خصوصية ثقافية وجمالية، تكشف عن جمهور «متعطش لتجربة سينمائية حقيقية»، خصوصاً أن المشروع يحظى بدعم لافت من الجهات الحكومية؛ مما ساهم في تسهيل انطلاق هذه التجربة النوعية.

أرقام السوق... بين النمو التجاري والحاجة إلى البديل

يأتي هذا التوسع في وقت يشهد فيه قطاع السينما السعودي نمواً متسارعاً. ووفق «تقرير شباك التذاكر السعودي 2025»، فقد بلغ إجمالي الإيرادات نحو 920.8 مليون ريال، مع بيع 18.8 مليون تذكرة، عبر 603 شاشات، في 62 دار عرض، موزعة على 10 مناطق، بمتوسط سعر تذكرة يبلغ نحو 49 ريالاً.

كما سجلت الأفلام السعودية حضوراً متنامياً، بإيرادات بلغت 122.6 مليون ريال من خلال 11 فيلماً، مع بيع 2.8 مليون تذكرة.

وتُظهر بيانات «التقرير» هيمنة الأفلام التجارية ذات طابع الأكشن والكوميديا على الحصة الكبرى من الإيرادات، في حين تستحوذ «التصنيفات العمرية الأعلى (R18)» على النسبة الكبرى من السوق؛ مما يعكس طبيعة التوجه العام للجمهور.

في هذا السياق، تبدو «سينما البلد» خياراً موازياً لا ينافس السوق التجارية بقدر ما يكملها، عبر تقديم مساحة للأفلام المستقلة التي قد لا تجد طريقها إلى هذه الأرقام الكبيرة.

«سينما بوتيك»... حين تصبح التجربة أهم من العدد

تحافظ «سينما البلد» على نموذجها الخاص، من خلال قاعة لا تتجاوز 35 مقعداً، في ما يُعرف بـ«سينما بوتيك»... خيار يضع جودة التجربة في مواجهة اتساع القاعات. في هذه المساحة الصغيرة، يصبح الفيلم تجربة شخصية، ويُفتح المجال للنقاشات والورشات؛ مما يعزز فكرة «المجتمع السينمائي» بدلاً من جمهور عابر.

ومع انتقال المشروع إلى الباحة، يرتفع عدد العروض اليومية إلى 6 عروض، مقارنة بعرضين فقط في جدة، في مؤشر واضح على حجم الطلب المتوقع.

ولا يتوقف المشروع عند العرض، بل يمتد إلى الجانب التعليمي، عبر ورشات عمل وليالٍ مختصة تستهدف صناع الأفلام السعوديين، مع توفير منصة دائمة لعرض الإنتاج المحلي.

يصف سحرتي هذا الأثر بأنه «منح الأمل والفرصة»، حيث أصبح لدى صانع الفيلم المحلي نافذة تعرض عمله بعيداً عن شروط السوق التجارية.

مشروع يتنقل... وسينما تعود إلى معناها الأول

من «البلد» إلى الباحة، تتشكل ملامح مشروع يسعى إلى التنقل بين مدن المملكة، حاملاً معه نموذجاً سينمائياً مختلفاً، يربط الفيلم بالمكان، ويعيد للجمهور دوراً أكبر فاعلية في التجربة.

وفي ظل أرقام سوق تتسع يوماً بعد يوم، يبدو أن الرهان لم يعد فقط على عدد الشاشات، بل على نوعية التجربة نفسها... تلك التي بدأت من الأزقة، وتستعد إلى أن تصل إلى كل مدينة تبحث عمّن تشبهها.


«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
TT

«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)

نظمت مصر بطولتين رياضيتين للترويج لمقاصدها السياحية عبر السياحة الرياضية، في إطار تعزيز تنافسية المقصد السياحي المصري، والترويج للمنتجات السياحية المتنوعة التي يتمتع بها، وقامت وزارة السياحة والآثار، ممثلة في الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، برعاية بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026، وهي إحدى جولات سلسلة كأس العالم المعتمدة من الاتحاد الدولي للألعاب المائية (World Aquatics)، إلى جانب بطولة كأس مصر للفروسية 2026، وذلك بمنطقة سوما باي بمحافظة البحر الأحمر.

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، رعاية الوزارة لهذه الفعاليات، تأتي في إطار استراتيجية الوزارة لتنويع المنتج السياحي المصري تحت شعار «مصر... تنوع لا يُضاهى»، مؤكداً، في بيان للوزارة، الأربعاء، «أهمية السياحة الرياضية، لما لها من قدرة على جذب أنماط جديدة من السائحين، فضلاً عن إبراز المقاصد السياحية المصرية بوصفها وجهات قادرة على استضافة كبرى الفعاليات الدولية».

تنظيم بطولة للفروسية في البحر الأحمر (وزارة السياحة والآثار)

وأطلقت مصر سابقاً حملة بعنوان «مصر... تنوع لا يضاهى» للترويج للأنماط السياحية المتنوعة في مصر بين السياحة الثقافية والشاطئية والرياضية والترفيهية والعلاجية وسياحة المؤتمرات والسفاري، وغيرها من الأنماط المتنوعة.

وأكد الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، الدكتور أحمد يوسف، أن رعاية الهيئة لهذه البطولات تأتي في إطار حرصها على دعم الفعاليات الرياضية والسياحية التي تسهم في الترويج للمقصد السياحي المصري، وتعزيز الحركة السياحية الوافدة، خصوصاً في ظل ما تمتلكه مصر من مقومات متنوعة تؤهلها لاستضافة كبرى الفعاليات الدولية والإقليمية.

وأكد أن تنظيم هذه البطولات بإحدى أبرز الوجهات السياحية المصرية، يبعث برسالة واضحة للعالم عن أمن واستقرار المقصد المصري، وقدرته على تنظيم الفعاليات الدولية باحترافية عالية.

وأُقيمت بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026 بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وشارك بها هذا العام 30 اتحاداً وطنياً من خمس قارات، بإجمالي 124 رياضياً، وأُقيمت مباريات البطولة للعام الرابع على التوالي في مارينا سوما باي المطلة على ساحل البحر الأحمر، حيث تضمن البرنامج الرياضي سباق 10 كيلومترات للرجال والسيدات، إلى جانب سباق التتابع المختلط للفرق.

بطولة الفروسية شهدت مسابقات عدة (وزارة السياحة والآثار)

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم، أن «السياحة الرياضية نمط سياحي ينمو بطريقة مطردة على مستوى العالم، وهي مهمة لمصر في هذا التوقيت؛ لأنها ليست بطولات فقط، وإنما هي صناعة سياحية متكاملة تتضمن معدل إنفاق مرتفعاً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «بطولات مثل السباحة أو الفروسية تجذب عدداً كبيراً من اللاعبين والفرق من دول مختلفة، بالإضافة إلى الأجهزة الفنية والتنظيمية والجمهور والإعلام المرافق لهم لتغطية الأحداث. كل هذا يؤكد أن هناك حركة طيران نشطة ونسبة إشغال عالية في الفنادق أو الوحدات السياحية، ونسب إنفاق مرتفعة على المطاعم والخدمات المختلفة والزيارات الخاصة بالمعالم السياحية، خصوصاً في شرم الشيخ والغردقة والمناطق السياحية بالبحر الأحمر التي تمتلك بنية سياحية قوية، وتتمتع بمناخ معتدل على مدار العام».

وأوضح كارم أن «السائح الرياضي عادة ما تكون نسبة إنفاقه مرتفعة؛ فهو يقيم قبل البطولة وفي أثنائها وبعدها، واختيار السباحة والفروسية في هذا التوقيت يؤكد أن مصر من الدول القوية جداً، وأنها ضمن المنافسة على جذب السياحة الرياضية على مستوى العالم».

وتعد بطولة كأس مصر للفروسية 2026، التي أقيمت بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وبالشراكة مع الاتحاد المصري للفروسية، من أبرز البطولات الوطنية المعتمدة في هذا المجال، حسب بيان الوزارة؛ إذ شارك بها نخبة من أفضل الفرسان والأندية المصرية، وفق معايير تنظيمية ومهنية تتماشى مع اشتراطات الاتحاد المصري للفروسية.

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي، وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج، وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وتطمح مصر إلى اجتذاب 30 مليون سائح لزيارتها سنوياً بحلول عام 2031.