متانة القوة العضلية مؤشر مهم لتقييم الحالة الصحية

العضلات السليمة تدعم العظام وتحمي المفاصل وتحسن التوازن

متانة القوة العضلية مؤشر مهم لتقييم الحالة الصحية
TT

متانة القوة العضلية مؤشر مهم لتقييم الحالة الصحية

متانة القوة العضلية مؤشر مهم لتقييم الحالة الصحية

الحفاظ على كتلة عضلات الجسم وتقويتها، ليس فقط من أولويات السلوكيات الصحية في فترات العشرينات والثلاثينات من العمر، التي يمتد تأثيرها إلى مراحل متقدمة من العمر، بل يجدر الاهتمام به بدءاً من مراحل الطفولة والمراهقة. وتهتم الأوساط الطبية بشأن الكتلة العضلية في الجسم، ودورها الحيوي في جوانب عدة من صحة الإنسان.

- متانة عضلية
سبب هذا الاهتمام الطبي أن الكتلة العضلية الخالية من الدهون من أفضل مكونات الجسم لحرق الدهون الزائدة والتحكم في الوزن. والعضلات الصحية تدعم تقوية العظام، وتحمي المفاصل، وتسهم بشكل محوري في تحسين التوازن، وتقليل احتمالات سهولة التعثر والسقوط.
ووفق التوضيح الطبي؛ فإن صحة العضلات تشمل سلامة تكوينها التشريحي، وكفاءة قدرات أدائها وظائفها، ونشاط ارتباطها بالجهاز العصبي، وتواصل تغذيتها عبر الأوعية الدموية.
والأساس أن ما لا تستخدمه؛ لا محالة ستفقده. والعضلات في حال عدم الاهتمام باستخدامها وتدريبها، فإن كتلتها تتلاشى. وهذه النتيجة السلبية تحدث في أي فترة من العمر، وليس فقط مع تقدم العمر. وبالتالي لا يفقد المرء فقط قدرات متانته العضلية في مناطق الجسم المختلفة، بل ستزيد نسبة الشحوم فيه مع مرور الوقت.
وضمن دراسة حديثة لباحثين إيطاليين، نشرت في عدد يناير (كانون الثاني) الماضي من مجلة «مراجعات أبحاث الشيخوخة (Ageing Research Reviews)»، أفاد باحثون من جامعتي بادوفا وبافيا في شمال إيطاليا بأن «الخمول البدني عامل خطر رئيسي للأمراض المزمنة. ويتمثل أحد الجوانب الرئيسية للخمول البدني في فقدان كتلة العضلات وقوتها».
والواقع أن امتلاك المرء مستوى عالياً من «المتانة العضلية (Muscle Durability)» في جسمه، أحد المؤشرات المهمة في تقييم المستوى الصحي لديه. وفي جسم أحدنا نحو 650 عضلة، تشكل ما بين 40 و50 في المائة من مقدار وزن الجسم. وبتوفر المتانة العضلية يتمكّن المرء من الحركة النشطة اعتماداً على النفس، ويتمكن من حفظ توازن هيكل الجسم (حال السكون وحال الحركة)، ودعم المفاصل والعمود الفقري، الذي يضمن الوقاية من التعثر والسقوط، بكل تداعيات ذلك.
وتلعب المتانة العضلية دوراً رئيسياً في ضمان صحة القلب، وكفاءة عمل الرئتين. كما أن المتانة العضلية أعظم محدد لمستوى نشاط عمليات الأيض الكيميائية الحيوية في الجسم، والمكان الرئيسي لحرق السعرات الحرارية، وبالتالي ضبط وزن الجسم. وبتوفر المتانة العضلية تتدني مستويات مقاومة مفعول الإنسولين في الجسم، وبالتالي ضبطٌ أفضل لسكر الغلوكوز في الدم.
ومقدار حجم الكتلة العضلية هو الأرضية التي تُبنى عليها «المتانة العضلية» في الجسم. وعلى هذه الأرضية تتشكل مكونات «المتانة العضلية» لدى المرء، والتي تشمل 3 عناصر؛ هي:
- «الشدّة العضلية (Muscle Strength)»: وهي القدرة على بذل أقصى قدر من الانقباض في العضلة، للتغلب على المقاومة. وتُقاس بوحدة «النيوتن».
- «القدرة العضلية (Muscle Power)»: وهي القدرة على تحقيق انقباض العضلة بأقصى طاقة، وفي أقصر فترة زمنية. وتُقاس بوحدة «الواط».
- «التحمّل العضلي (Muscle Endurance)»: وهو القدرة على تكرار انقباض العضلات (دون الوصول إلى الحد الأقصى لقوة الانقباض)، والحفاظ على قدرة تكرار القيام بذلك خلال فترة زمنية معينة أو لفترة طويلة.
ولكل نوع من تلك العناصر تمارين رياضية خاصة به، كما يعتمد تمرين كل واحدة منها على عوامل مختلفة.

- أنواع الألياف العضلية
ومن ناحية البنية التشريحية، تعتمد المتانة العضلية بشكل كبير على نوعية الألياف العضلية الموجودة داخل العضلات. وثمة 7 أنواع من الألياف العضلية جرى التعرّف عليها حتى اليوم، لكن أهمها 3 أنواع؛ هي:
> «النوع 1» من الألياف العضلية (Type 1): تمتاز الألياف العضلية من هذا النوع بأنها رفيعة، وبطيئة الانقباض، وضعيفة القوة، ولكنها في الوقت نفسه قادرة على الصمود في أداء عملها، دون أن يعتريها الإنهاك لفترات طويلة؛ أي إنها مُقاومة للإرهاق بدرجة عالية. وهي تحتاج الأكسجين بشراهة متواصلة، وأيضاً سكر الغلوكوز، كي تنتج الطاقة اللازمة لعملها. ولذا فهي مُحاطة بشعيرات دموية كثيرة، ويصل إليها الدم بغزارة. وهذه المميزات تجعلها أليافاً عضلية فعّالة جداً لأداء التمارين لفترات طويلة دون تعب سريع. مثل السباحة وركوب الدراجات والجري لمسافات طويلة؛ أي تمارين «إيروبيك (Aerobic)» الهوائية. ولأنها تعمل لفترات طويلة دون إجهاد سريع، فهذا يجعلها مفيدة في الحفاظ المستمر على توازن الجسم أثناء الوقوف أو الجلوس، وتثبيت العظام والمفاصل، وتوسع القفص الصدري أثناء التنفس، والقيام بالحركات الصغيرة اليومية.
> «النوع 2 إيه» من الألياف العضلية (Type 2 A): وهي متوسطة السُمك، وسريعة الانقباض، وذات قوة انقباض عالية نسبياً، ولا يعتريها الإنهاك بسهولة. وفي بدايات عملها تحتاج الأكسجين وسكر الغلوكوز بدرجة وكمية متوسطة كي تنتج الطاقة لتبدأ في العمل. ثم تلجأ إلى إنتاج الطاقة دون استخدام الأكسجين، وحينئذ يعتريها التعب سريعاً. وبالنظر إلى هذه المميزات، فهي تنتج قوة أكبر من تلك التي تنتجها ألياف «النوع1»، ولكن لفترات أقصر منها. وهي أيضاً، كما سيأتي، تنتج قوة أقل ولفترة أطول، مقارنة بألياف «النوع 2 بي».
> «النوع 2 بي» من الألياف العضلية (Type 2 B): وهي سميكة، وسريعة جداً في الانقباض، وذات قوة عالية جداً، ولكن يعتريها الإنهاك بسرعة. ولا تحتاج الأكسجين كي تعمل بكفاءة تامة، ولا تحيط بها شبكة غزيرة من الشعيرات الدموية. وبهذه المميزات، تعدّ أقوى الألياف العضلية من دون شك، فهي تنتج أكبر قدر من القوة وتكون أسرع في الوصول إلى ذروة قوتها. ومع ذلك؛ فهي قابلة للإرهاق بسهولة، وهذا يعني أن هذا المستوى العالي من القوة لا يمكن أن يستمر طويلاً. ونظراً إلى قدرتها على إنتاج كميات كبيرة من القوة وبسرعة كبيرة، فإن هذه الألياف تلعب دوراً حيوياً في الأنشطة القائمة على الطاقة السريعة، مثل الركض في سباقات المائة متر والقفز ورفع الأثقال.
ونادراً ما تحتوي العضلات نوعاً واحداً فقط من الألياف؛ بل إن جميع عضلات الجسم تحتوي مزيجاً من أنواع الألياف العضلية. ولكن غالباً ما يكون ثمة اختلاف في نسبتها بين العضلات في مناطق الجسم المختلفة. فعلى سبيل المثال، فإن عضلة النعلة (عضلة داخلية تقع خلف عضلة ربلة أو بطة الساق الخلفية) مكونة بنسبة 80 في المائة من ألياف «النوع الأول».
كما تلعب الجينات الوراثية للشخص دوراً مهماً في اختلاف توفر نوعيات الألياف العضلية. ولذا؛ فإن بعض الناس لديهم استعداد وراثي لتمارين السرعة في المسافات القصيرة، وآخرين أفضل وراثياً لسباقات الماراثون الطويلة.

- ممارسة تمارين التحمّل العضلي... تغيرات إيجابية في الجسم
> بناء قدرة «التحمّل العضلي» يعني تنمية القدرة على الحفاظ لفترة طويلة على معدل عمل العضلة بقوة متوسطة، دون إصابتها بالإنهاك والتعب. وذلك بممارسة تمارين إيروبيك الهوائية (كما في الجري والسباحة).
ويتأثر تدريب التحمّل إلى حد كبير بالعوامل الفسيولوجية، مثل كفاءة أنظمة إنتاج الطاقة في الخلايا العضلية والجسم في العموم، وقدرة الجسم على توفير الأكسجين للعضلات واستخدامه إلى حد أقصى، ومدى تراكم مركبات «اللاكتات (Lactate)» الحمضية.
والنتيجة التقليدية لإتقان أداء هذه التمارين لفترة طويلة، هو تطوير القدرة على توصيل الأكسجين بشكل أفضل إلى العضلات، وتنشيط القدرة على تحمّل تحريك العضلات لفترة أطول وبقوة متوسطة، وليس الحصول على عضلات أكبر وأقوى.
وللتوضيح، فإنه، وعلى مستوى العضلات الهيكلية نفسها، مع التمرين تحدث زيادة في التكوّن الحيوي لـ«الميتوكوندريا (Mitochondrion جزء إنتاج الطاقة في الخلية)»، وكثافة تغذية الشعيرات الدموية للعضلة، وزيادة قدرة الجسم على نقل واستخدام الأكسجين لتوليد الطاقة، وضبط تفاقم تكوين مركبات «اللاكتات» الحامضية وكفاءة سرعة التخلص منها. وبالتالي يتأخر ظهور إجهاد وتعب العضلات في أثناء أداء التمارين الهوائية المطولة. وللتوضيح؛ فإن تراكم هذه المركبات الحامضية يُنهك العضلة ويعوق قدرتها على الاستمرار في العمل، وينتج الشعور بالألم فيها.
وعلى مستوى القلب والأوعية الدموية، تؤدي التمارين الرياضية الهوائية إلى زيادة ضخ الدم من القلب إلى أرجاء الجسم، وزيادة سعة القلب لاستقبال الدم الآتي من الجسم، وزيادة قدرة الشرايين التاجية على تغذية عضلة القلب بالدم، وزيادة قدرات عموم الشرايين على دفع الدم وتوصيله إلى أرجاء الجسم المختلفة، وتدني مقاومتها وإعاقتها تدفق الدم (أي منع حدوث ارتفاع مزمن في ضغط الدم).
وتجدر ملاحظة أن قدرة المرء على أداء التحمّل (الجري والسباحة) بأقصى قدرة له، تبلغ ذروتها ببلوغ ما بين 35 و40 سنة، ثم تحدث انخفاضات تدريجية طفيفة بعد ذلك، تتفاوت من شخص لآخر، وصولاً إلى ما فوق 65 سنة من العمر. وهذا التدني المتدرج يحدث وفق تأثير عوامل عدة. وأهم العوامل تلك (ذات الصلة بتجاوز الأربعين من العمر) تناقص قدرة العضلات على استهلاك الأكسجين لإنتاج الطاقة (VO2 Max) ضعف كفاءة الميتوكوندريا داخل الخلايا العضلية)، وسهولة تكوين وتراكم مركبات «اللاكتات» الحامضية داخل العضلات، وتدني قدرة تنقية العضلات منه.

- تمارين القوة والشدة وتأثيراتها على مكونات الألياف العضلية
> تُرفع كفاءة «المتانة العضلية» من خلال ممارسة «تمارين الشدّة العضلية (Strength Training)» و«تمارين القدرة العضلية (Power Training)».
وتهدف «تمارين الشدّة العضلية» إلى زيادة قدرة التغلب على المقاومة التي تواجهها العضلة، كي تنقبض بأقصى طاقة لها، مثل دفع أو حمل شيء ما؛ أي عبر التركّز على رفع قدرة تحريك أكبر قدر ممكن من الوزن، وهو ما يتطلب إنتاج الطاقة اللازمة بأقصى قدر. والتمرين لبلوغ ذلك يتطلب تكرار القيام بتلك التمارين.
وفي المقابل؛ تهدف «تمارين القدرة العضلية (Power Training)» إلى زيادة قدرة التغلب على المقاومة في أقصر فترة زمنية. وهو ما يتطلب إنتاج الطاقة اللازمة بأقصى قدر، وأيضاً في أقصر وقت ممكن.
وتشير الدلائل العلمية إلى أن مقدار ونوع التمارين الرياضية التي يمارسها المرء، لهما تأثير على مكونات أنواع الألياف العضلية لديه، وعلى التواصل العصبي مع العضلة، وعلى تغذية العضلة بالدم، وعلى قدرات العضلة على إنتاج الطاقة... وغيرها من الجوانب المتعلقة بعمل العضلة.
وتمارين «الشدة» وتمارين «القدرة» تؤدي إلى زيادة قوة انقباض الألياف من «النوع الثاني بي»، عبر تحسين قدرة إنتاج الطاقة بسرعة فيها، وعبر زيادة مكونات الألياف من المركبات البروتينية الأساسية.
وبشكل خاص، تمارين «القدرة» تنشط التواصل العصبي مع العضلة، لجعلها تنشط أقوى (Stronger Activation)، لتنقبض بكامل قدرتها وبطريقة أسهل؛ أي تنشيط العوامل العصبية ذات الصلة بتفاعل استجابة العضلة لإنتاج قوة انقباض العضلة.
أما تمارين «الشدّة» فتزيد من تنشيط أكبر قدر ممكن من الألياف المتوفرة في العضلة لتعمل بتوافق أقوى (Stronger Synchronization)؛ أي زيادة حجم العضلات عبر إعطاء مزيد من التكوين الصحي للألياف العضلية وإعادة ترتيبها بتوافق وانسجام تشريحي.
ومن الناحية الصحية للمرء، يفيد أطباء «مايو كلينك» بالقول: «تساعدك تمارين القوة على:
- زيادة كثافة العظام وتقويتها وتقليل مخاطر الإصابة بهشاشة العظام.
- التحكم في الوزن أو إنقاصه، عبر زيادة معدل حرق مزيد من السعرات الحرارية.
- تحسين جودة الحياة، وتعزيز قدرات أداء الأنشطة اليومية، وحماية المفاصل من الإصابة، وتحسين التوازن. ومن شأن ذلك أن يساعدك في الحفاظ على استقلاليتك عندما تتقدم في العمر.
- ضبط الحالات المزمنة وأعراضها، مثل التهاب المفاصل، وآلام الظهر، والسِمنة، وأمراض القلب، والاكتئاب، ومرض السكري.
- المساعدة في تحسين مهارات التفكير والتعلم».

- إستشاري في الباطنية


مقالات ذات صلة

9 أطعمة يمكن تناولها بدلاً من مكملات البروبيوتيك

صحتك تناول الزبادي يومياً قد يساعد في تعزيز الصحة (أ.ف.ب)

9 أطعمة يمكن تناولها بدلاً من مكملات البروبيوتيك

تعدّ البروبيوتيك بكتيريا حية نافعة، تعرف غالباً باسم «البكتيريا الجيدة»، فهي تساعد على تعزيز توازن ميكروبيوم الأمعاء، وقد تكون لها فوائد صحية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك تحتوي الكينوا على نسبة عالية من الألياف مما يساعد على خفض الكوليسترول الضار إضافة إلى احتوائها على مركبات مضادة للأكسدة تقلّل الالتهابات بالجسم (بيكسباي)

لماذا يجب أن تجعل الكينوا جزءاً من نظامك الغذائي اليومي؟

تُعدّ الكينوا من الحبوب الكاملة الغنية بالعناصر الغذائية، وقد أظهرت دراسات حديثة أن تناولها بانتظام يمكن أن يسهم في خفض ضغط الدم وتعزيز صحة القلب.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك دراسات تحذر من «متلازمة العيد المعوية»

دراسات تحذر من «متلازمة العيد المعوية»

مع إشراقة صباح اليوم الأول من شهر شوال، معلنةً بداية عيد الفطر المبارك، تشهد حياة ملايين المسلمين تحولاً سريعاً في أنماطها.

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)
صحتك المراهقون المصابون بنقص الانتباه وفرط النشاط أكثر عُرضة للقلق والاكتئاب

المراهقون المصابون بنقص الانتباه وفرط النشاط أكثر عُرضة للقلق والاكتئاب

ربطت دراسة حديثة، بين أعراض اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط (ADHD) وزيادة احتمالية ظهور أعراض لكثير من الاضطرابات النفسية مع مرور الوقت.

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك قياس ضغط الدم المتنقل على مدار 24 ساعة... وسيلة تشخيصية لا غنى عنها

قياس ضغط الدم المتنقل على مدار 24 ساعة... وسيلة تشخيصية لا غنى عنها

باعتباره واحداً من أكثر الأمراض انتشاراً في العالم، ولعلاقته اللصيقة بالقلب والشرايين، فإن ارتفاع ضغط الدم قد برز بالفعل كأحد الأسباب الرئيسية للوفيات

د. حسن محمد صندقجي (الرياض)

9 أطعمة يمكن تناولها بدلاً من مكملات البروبيوتيك

تناول الزبادي يومياً قد يساعد في تعزيز الصحة (أ.ف.ب)
تناول الزبادي يومياً قد يساعد في تعزيز الصحة (أ.ف.ب)
TT

9 أطعمة يمكن تناولها بدلاً من مكملات البروبيوتيك

تناول الزبادي يومياً قد يساعد في تعزيز الصحة (أ.ف.ب)
تناول الزبادي يومياً قد يساعد في تعزيز الصحة (أ.ف.ب)

تعدّ البروبيوتيك بكتيريا حية نافعة، تعرف غالباً باسم «البكتيريا الجيدة»، فهي تساعد على تعزيز توازن ميكروبيوم الأمعاء، وقد تكون لها فوائد صحية، مثل دعم عملية الهضم. تشمل المصادر الغذائية الشائعة للبروبيوتيك: الزبادي، وبعض منتجات الألبان، ومخلل الملفوف والكيمتشي والتيمبه والمخللات والكمبوتشا.

كيمتشي

الكيمتشي هو طعام كوري مخمر يصنع من خضراوات متنوعة (عادة الملفوف) والتوابل. بالإضافة إلى احتوائه على البروبيوتيك. يعدّ الكيمتشي أيضاً مصدراً جيداً للألياف الغذائية والمعادن والفيتامينات، بما في ذلك فيتامين «أ» و«ب»، وفقاً لموقع «فيري ويل هيلث».

وجدت بعض الدراسات علاقة بين المركبات البيولوجية في الكيمتشي وانخفاض خطر الإجهاد التأكسدي، وأمراض القلب، ومتلازمة التمثيل الغذائي، وبعض أنواع السرطان.

يمكن أن يحتوي الكيمتشي على نسبة عالية من الملح، لذا تناوله باعتدال.

ميسو

الميسو هو توابل يابانية مخمرة تستخدم بشكل أساسي في حساء الميسو. له نكهة لذيذة ورائحة طيبة. يصنع معجون الميسو من فول الصويا المخمر والملح والكوجي (نوع من الفطريات).

يحتوي الميسو على البروبيوتيك، بالإضافة إلى البروتين والألياف ومجموعة من الفيتامينات والمعادن. يمكن للميسو أن يضيف نكهة مالحة إلى الحساء والصلصات، ولكن يجب تناوله باعتدال بسبب محتواه العالي من الملح.

الزبادي

الزبادي هو أحد المصادر الرئيسية للبروبيوتيك. يصنع الزبادي عن طريق تخمير الحليب ببكتيريا البروبيوتيك. وهو أيضاً مصدر جيد للعناصر الغذائية، بما في ذلك البروتين والكالسيوم وفيتامين «ب 12» والبوتاسيوم والمغنيسيوم.

مخلل الملفوف (ساوركراوت)

مخلل الملفوف هو طبق ألماني شهير يصنع من الملفوف المخمر والملح. يعتبر مخلل الملفوف مصدراً للألياف والمعادن وفيتامين «ج» وفيتامين «ك».

الكفير غني بالبروتين والكالسيوم (بكسباي)

الكفير

الكفير هو مشروب شبيه بالزبادي، لاذع وحامض المذاق، يُصنع عن طريق تخمير الحليب بحبوب الكفير. قد يساعد الكفير في عملية الهضم، ويساهم في صحة العظام، ويساعد في تقليل الالتهابات.

على الرغم من أنه يصنع عادة بالحليب، فإنه يمكن تحضيره ببدائل خالية من الألبان، مثل: حليب جوز الهند، أو ماء جوز الهند، أو حليب الأرز. الكفير أقل كثافة من الزبادي ويمكن تناوله مشروباً.

تشير دراسات إلى أن الكمبوتشا قد تُحسّن حساسية الجسم للأنسولين ما قد يساهم في ضبط مستويات السكر في الدم (بيكسباي)

الكمبوتشا

الكمبوتشا هو مشروب مخمر، حمضي قليلاً. يصنع عن طريق تخمير الشاي المحلى بالكائنات الحية الدقيقة البروبيوتيك. يحتوي الكمبوتشا على كمية مماثلة من الكافيين للمشروبات الأخرى المصنوعة من الشاي. له طعم لاذع، ولكن بعض المنتجات تحتوي على سكر مضاف.

التيمبه

التيمبه هو قرص أو فطيرة مصنوعة من فول الصويا المخمر. وهو أكثر صلابة من التوفو. قد يباع التيمبه مطبوخاً مسبقاً أو يحتاج إلى الطهي.

يُضاف فيتامين «ب 12» أثناء عملية التخمير، وهو الذي يدعم وظيفة الأعصاب وتكوين خلايا الدم الحمراء.

للتيمبه نكهة تشبه الجوز، وهو غني بالبروتين. غالباً ما يستخدم بديلاً للحوم.

سيدة مصرية تضع قطعاً من جبن القريش المصنع حديثاً (أ.ف.ب)

أنواع معينة من الجبن

تحتوي بعض أنواع الجبن على البروبيوتيك، وعادة ما تكون أنواع الجبن التي تم تعتيقها ولكن دون تعريضها للحرارة بعد ذلك، مثل؛ الشيدر والجبن السويسري والجودة والبروفولوني والغرويير والإيدام والجبن القريش.

يجب تناول الجبن باعتدال لأنه غالباً ما يحتوي على نسبة عالية من الدهون المشبعة والسعرات الحرارية والصوديوم. تشمل منتجات الألبان الأخرى التي قد تحتوي على البروبيوتيك: القشدة الحامضة واللبن.

المخللات

يزعم خبراء الصحة أن تناول المخللات قبل وجبة غنية بالكربوهيدرات يمكن أن يساعد في منع ارتفاع سكر الدم (بيكسباي)

المخللات المصنوعة عن طريق تخمير الخيار في ماء مملح قد تحتوي على البروبيوتيك. المخللات التي تُصنع بالخل لا تحتوي على فوائد البروبيوتيك، لأن الخل يقتل البكتيريا.

ماذا تفعل البروبيوتيك؟

تساعد البروبيوتيك في تحقيق توازن البكتيريا في الأمعاء. يساعد توازن ميكروبيوم الأمعاء بشكل صحيح في دعم عملية الهضم، ومنع الكائنات الضارة التي يمكن أن تسبب الالتهابات، ودعم صحة المناعة، ومساعدة الجسم على امتصاص العناصر الغذائية من الطعام.


الكينوا... الحبوب السحرية لصحة القلب وخفض ضغط الدم

تحتوي الكينوا على نسبة عالية من الألياف مما يساعد على خفض الكوليسترول الضار إضافة إلى احتوائها على مركبات مضادة للأكسدة تقلّل الالتهابات بالجسم (بيكسباي)
تحتوي الكينوا على نسبة عالية من الألياف مما يساعد على خفض الكوليسترول الضار إضافة إلى احتوائها على مركبات مضادة للأكسدة تقلّل الالتهابات بالجسم (بيكسباي)
TT

الكينوا... الحبوب السحرية لصحة القلب وخفض ضغط الدم

تحتوي الكينوا على نسبة عالية من الألياف مما يساعد على خفض الكوليسترول الضار إضافة إلى احتوائها على مركبات مضادة للأكسدة تقلّل الالتهابات بالجسم (بيكسباي)
تحتوي الكينوا على نسبة عالية من الألياف مما يساعد على خفض الكوليسترول الضار إضافة إلى احتوائها على مركبات مضادة للأكسدة تقلّل الالتهابات بالجسم (بيكسباي)

تُعدّ الكينوا من الحبوب الكاملة الغنية بالعناصر الغذائية، وقد أظهرت دراسات حديثة أن تناولها بانتظام يمكن أن يسهم في خفض ضغط الدم وتعزيز صحة القلب بشكل عام. ويرتبط ذلك بتركيبتها الفريدة التي تجمع بين الألياف، والمعادن، ومضادات الأكسدة، وفق موقع «فيري ويل هيلث».

تحتوي الكينوا على نسبة عالية من الألياف، ما يساعد على خفض الكوليسترول الضار، إضافة إلى احتوائها على مركبات مضادة للأكسدة تقلّل الالتهابات في الجسم. كما تبيّن أن استهلاك منتجات تحتوي على الكينوا يومياً لفترة زمنية محددة قد يؤدي إلى انخفاض ملحوظ، وإن كان معتدلاً، في ضغط الدم.

وتكمن أهمية الكينوا أيضاً في غناها بعناصر مثل المغنسيوم والبوتاسيوم اللذين يساعدان على استرخاء الأوعية الدموية وتنظيم توازن السوائل بالجسم، ما ينعكس إيجاباً على ضغط الدم. كما تسهم الدهون غير المشبعة والبروتينات الموجودة فيها في دعم صحة القلب والتحكم في الوزن.

خفض الدهون

إلى جانب تأثيرها على ضغط الدم، تساعد الكينوا في تقليل مستويات الكوليسترول الكلي، وخفض نسبة الدهون بالجسم، وتحسين مستويات الإنسولين، فضلاً عن الحد من التوتر التأكسدي.

ويمكن إدخال الكينوا بسهولة في النظام الغذائي، إذ تُطهى خلال نحو 15 دقيقة، ويمكن إضافتها إلى السَّلطات، والحساء، وأطباق الإفطار، أو استخدامها بديلاً صحياً للأرز.

في المقابل، يبقى الحفاظ على ضغط دم صحي مرتبطاً أيضاً بنمط حياة متوازن يشمل نظاماً غذائياً صحياً، وممارسة الرياضة بانتظام، والحصول على نوم كافٍ، وتجنب التدخين.


دراسات تحذر من «متلازمة العيد المعوية»

دراسات تحذر من «متلازمة العيد المعوية»
TT

دراسات تحذر من «متلازمة العيد المعوية»

دراسات تحذر من «متلازمة العيد المعوية»

مع إشراقة صباح اليوم الأول من شهر شوال، معلنةً بداية عيد الفطر المبارك، تشهد حياة ملايين المسلمين تحولاً سريعاً في أنماطها، منتقلة من إيقاع الصيام المنتظم إلى نمط الاحتفال الاجتماعي والغذائي الذي يميز أيام العيد.

وبعد شهر كامل من الصيام الذي فرض إيقاعاً غذائياً محدداً يقوم على وجبتين رئيسيتين وتنظيم دقيق لمواعيد الطعام، تنتقل الموائد فجأة إلى تنوع واسع من الأطباق التقليدية ومختلف أنواع الحلويات في خضم أجواء الفرح واللقاءات العائلية والزيارات الاجتماعية التي تميز أيام العيد، ويجد الجسم نفسه أمام تحول مفاجئ في نمط التغذية بعد 30 يوماً من التكيف الفسيولوجي مع الصيام.

لقد شكّل شهر رمضان، من الناحية الصحية، تجربة فسيولوجية فريدة أعادت ضبط عدد من وظائف الجسم الحيوية. فالصيام لا يقتصر على الامتناع عن الطعام لساعات محددة، بل يرافقه تغير في أنماط إفراز الهرمونات المنظمة للشهية، وتحسن نسبي في كفاءة عمليات الأيض، إضافة إلى إعادة تنظيم العلاقة بين النوم وتوقيت تناول الغذاء. وتشير دراسات فسيولوجية عديدة إلى أن الصيام المتقطع، الذي يشبه إلى حد كبير نمط الصيام في رمضان، قد يسهم في تحسين حساسية الإنسولين وتنظيم التوازن الطاقي في الجسم.

ومع حلول صباح العيد، يبرز تساؤل صحي مهم: كيف يمكن الحفاظ على هذه المكاسب الصحية التي تحققت خلال شهر الصيام، دون أن تتلاشى سريعاً تحت تأثير الإفراط الغذائي الذي قد يرافق الاحتفال بالعيد؟

إن العيد، رغم ما يحمله من معانٍ روحية واجتماعية عميقة، يمثل في الوقت ذاته لحظة انتقالية دقيقة في نمط الحياة، ومرحلة اختبار لقدرة الإنسان على تحقيق توازن واعٍ بين متعة الاحتفال ومتطلبات الصحة. وهو توازن يسمح بتمديد الفوائد الصحية التي وفرها شهر رمضان، لتتحول من تجربة مؤقتة إلى نمط سلوكي أكثر استدامة في الحياة اليومية.

متلازمة العيد المعوية

• «صدمة أيضية». خلال شهر رمضان، تتكيف المعدة والأمعاء مع فترات راحة طويلة، ما يؤدي إلى خفض إفراز الإنزيمات الهاضمة وتباطؤ حركة الأمعاء بشكل طبيعي. ومع صبيحة يوم العيد، نجد أنفسنا أمام «صدمة أيضية»، حيث يواجه الجهاز الهضمي طوفاناً من السكريات بسبب النمط الغذائي المكثف الذي يعتمد بشكل كبير على السكريات والدهون المشبعة مثل الحلويات الشرقية.

وتشير دراسة سابقة نُشرت عام 2020 في «مجلة التغذية والأيض» (Journal of Nutrition and Metabolism)، إلى أن العودة المفاجئة لتناول كميات كبيرة من الكربوهيدرات المكررة والدهون بعد فترة الصيام المتقطع، قد تسبب اضطراباً حاداً في مستويات السكر بالدم واستجابة الإنسولين، ما يؤدي إلى الشعور بالخمول والتخمة، وفي بعض الحالات متلازمة العيد المعوية.

إن الحرية في الأكل التي نشعر بها في العيد هي في الواقع ضغط كيميائي حيوي على الكبد والبنكرياس. لذلك، فإن النصيحة الطبية الأهم ليست الحرمان؛ بل العودة التدريجية المتوازنة إلى نمط الطعام المعتاد. ويجب أن تبدأ العودة إلى نظام الوجبات الثلاث بوجبات صغيرة موزعة، لإعطاء فرصة للجهاز الهضمي لاستعادة نشاطه الإنزيمي.

ويؤكد تقرير صادر عن المكتب الإقليمي لشرق المتوسط لمنظمة الصحة العالمية (2022) حول التغذية في المناسبات، أن استهلاك الألياف في أول أيام العيد يعد صمام أمان لتنظيم امتصاص السكر، ومنع حالات الإمساك أو التلبك المعوي الناتجة عن التغيير المفاجئ في مواعيد الوجبات.

• صحة الأطفال في العيد. بالنسبة للأطفال، فإن العيد مرادف للحلويات والسكريات المفرطة، وهو ما قد يؤدي إلى اضطرابات معوية ونوبات من فرط الحركة يعقبها خمول مفاجئ. تشير توصيات الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال (2023)، إلى أن الاستهلاك المفرط للسكر المضاف في فترات قصيرة - كما يحدث في العيد - لا يؤثر فقط على صحة الأسنان والجهاز الهضمي؛ بل يمتد أثره ليشمل اضطرابات النوم والمزاج لدى الطفل.

إن دورنا بوصفنا إعلاماً صحياً هو توجيه الوالدين نحو الضيافة الذكية المعتمدة على موازنة الفرح مع فوضى السكريات؛ مثل تقديم الفواكه المجففة أو المكسرات بوصفها بدائل جزئية للحلويات المصنعة، مع الحفاظ على ترطيب الجسم بالماء بدلاً من العصائر المحلاة.

• كبار السن في العيد. يمثل العيد لكبار السن مناسبة اجتماعية غامرة، لكنها قد تحمل مخاطر صحية خفية. فالتغيير المفاجئ في مواعيد الأدوية ونوعية الطعام الغني بالأملاح والدهون، قد يؤديان لارتفاع حاد في ضغط الدم أو مستويات «اليوريك أسيد».

وحسب بحث منشور في «Journal of Geriatric Medicine» (2021)، فإن كبار السن أكثر عرضة للجفاف واضطراب الأملاح عند الانتقال من نظام الصيام إلى نمط العيد المزدحم. لذا، من الضروري مراقبة مستويات السكر والضغط لديهم بانتظام خلال أيام العيد، وضمان حصولهم على فترات راحة كافية بين الزيارات العائلية لتجنب الإجهاد الاحتفالي.

الذكاء الاصطناعي والتكيف مع التغيير

• الذكاء الاصطناعي في خدمة الصحة بالأعياد. في عصر التحول الرقمي، لم يعد التعامل مع الصحة العامة في الأعياد تقليدياً؛ فالذكاء الاصطناعي (AI) يمثل عيناً تكنولوجية قادرة على رصد أنماط العيد والتنبؤ بالمخاطر الصحية الجماعية.

ووفقاً لدراسة منشورة في «NPJ Digital Medicine» (2024)، يتم استخدام خوارزميات التعلم الآلي لتحليل البيانات الضخمة الناتجة عن محركات البحث ووسائل التواصل الاجتماعي لرصد بوادر تفشي النزلات المعوية أو الأزمات القلبية المرتبطة بالإجهاد الغذائي خلال العطلات الكبرى.

علاوة على ذلك، توفر التطبيقات المدعومة بالذكاء الاصطناعي الآن، مدربين صحيين افتراضيين يمكنهم مساعدة الأفراد في العيد على إعادة جدولة مواعيد أدويتهم ونومهم بناءً على تغير نمط حياتهم المفاجئ. ويعكس هذا التكامل بين التكنولوجيا والوعي الصحي، اتجاهاً متزايداً نحو تعزيز الوقاية الصحية خلال المواسم والعطلات.

• العودة إلى إيقاع النوم الطبيعي. لا يقتصر التغيير خلال شهر رمضان على الطعام فقط؛ بل يشمل أيضاً نمط النوم واليقظة. فكثير من المسلمين يغيرون جدول نومهم خلال رمضان، حيث يمتد السهر إلى ساعات متأخرة من الليل، ويستيقظون لتناول وجبة السحور قبل الفجر.

وقد يؤدي هذا التغير إلى اضطراب مؤقت في الساعة البيولوجية (Circadian Rhythm) للجسم، وهي النظام الداخلي الذي ينظم دورات النوم والاستيقاظ، فيؤثر بشكل مباشر في هرمونات الجوع (الغريلين) والشبع (اللبتين)، وهو ما يفسر سبب الشعور بجوع متكرر في أيام العيد الأولى.

وتشير أبحاث في مجال طب النوم نشرت في «Nature and Science of Sleep» (2021)، إلى أن العودة المفاجئة إلى جدول نوم مختلف قد تسبب شعوراً بالتعب أو صعوبة في التركيز خلال الأيام الأولى بعد رمضان، لذلك ينصح الخبراء بإعادة تنظيم النوم تدريجياً خلال أيام العيد.

ومن الوسائل المفيدة لتحقيق ذلك:

- النوم في ساعات الليل المبكرة قدر الإمكان.

- تقليل السهر الطويل بعد انتهاء رمضان.

- التعرض للضوء الطبيعي في ساعات الصباح.

- تجنب المنبهات مثل القهوة في وقت متأخر من الليل.

وقد أظهرت دراسات نشرت في مجلة «Sleep Medicine Reviews» أن انتظام النوم يلعب دوراً مهماً في تنظيم الهرمونات المرتبطة بالشهية والتمثيل الغذائي، كما ينعكس إيجابياً على الصحة النفسية والقدرة الذهنية.

تحقيق الانتقال الصحي الآمن من انضباط الصيام إلى حرية العيد

العيد فرحة اجتماعية وصحة نفسية

اجتماعياً، يمثل العيد ذروة «التفاعل الإنساني»، وهو أمر له انعكاسات صحية نفسية عميقة. فبعد شهر غلب عليه الطابع الروحاني والتأمل الفردي، يأتي العيد ليعيد دمج الفرد في نسيجه الاجتماعي.

وتؤكد دراسات في «Positive Psychology Program» (2023) أن صلة الرحم والتواصل المباشر في الأعياد يسهمان في إفراز هرمون «الأوكسيتوسين» المعروف بهرمون الحب والارتباط، والذي يعمل مضاداً طبيعياً للقلق والاكتئاب.

وإلى جانب الفوائد الجسدية، يحمل عيد الفطر أهمية كبيرة للصحة النفسية والاجتماعية أيضاً. فالزيارات العائلية والتواصل مع الأقارب والأصدقاء يعززان الشعور بالانتماء والدعم الاجتماعي، وهما عاملان مهمان للصحة النفسية. وتشير دراسات في علم الصحة العامة إلى أن العلاقات الاجتماعية القوية ترتبط بانخفاض معدلات التوتر وتحسن جودة الحياة بشكل عام.

ومن جانب آخر، لا بد أن ندرك أن لغة «المنع» في العيد لغة غير فعالة، والتوجيه الناجح هو الذي يمنحنا «أدوات التمكين»، فتعزيز مفهوم الأكل الواعي (Mindful Eating) خلال زيارات العيد يتيح للشخص الاستمتاع بالضيافة دون الإضرار بلياقته.

وحسب دراسة في «Harvard Health Publishing» (2019)، فإن التباطؤ في مضغ الطعام والاستمتاع بمذاقه يرسل إشارات شبع أسرع إلى الدماغ، مما يقلل الاستهلاك الحراري بنسبة تصل إلى 20 في المائة.

ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى عيد الفطر ليس فقط بوصفه مناسبة للاحتفال؛ بل أيضاً بوصفه فرصة لتعزيز التوازن بين الصحة الجسدية والنفسية والاجتماعية.

وأخيراً، ها هو عيد الفطر المبارك يطل علينا بوصفه جسر عبور من ضفة «الانضباط الصارم» التي ميزت شهر رمضان المبارك بجدول التغذية المحدد وساعات النوم المبرمجة، إلى ضفة «الحرية الغذائية والاجتماعية المطلقة» التي تميز طقس العيد.

وهذا الانتقال الفجائي، رغم ما يحمله من بهجة، فإنه يضع الجسد والعقل أمام «صدمة تكيفية» كبرى تتطلب قدراً من الوعي الصحي. لذلك ينبغي ألا ننظر إلى العيد باعتباره مجرد مناسبة دينية واجتماعية؛ بل أيضاً مرحلة انتقالية تتطلب إدارة ذكية متوازنة للتحولات البيولوجية والنفسية، حتى لا تضيع المكاسب الصحية التي تحققت خلال شهر الصيام.

إن العيدَ هو مكافأة للصائم، وحرية الإنسان في الطعام والشراب والنوم هي جزء من رمزية الفرح. غير أن المنظور الطبي والاجتماعي الشامل يذكرنا بأن الحرية المنضبطة هي الأرقى، وأن الانتقال السلس من رمضان إلى ما بعده يتطلب وعياً بأن الجسد أمانة، وأن الفرح الحقيقي لا يكتمل باعتلال الصحة.

• استشاري طب المجتمع