«أعشاب ضارة»... بوح الجيل الثاني للحرب الأهلية اللبنانية

ديمة عبد الله تصدر سيرة ذاتية بوجهين

«أعشاب ضارة»... بوح الجيل الثاني للحرب الأهلية اللبنانية
TT

«أعشاب ضارة»... بوح الجيل الثاني للحرب الأهلية اللبنانية

«أعشاب ضارة»... بوح الجيل الثاني للحرب الأهلية اللبنانية

تصر ديمة عبد الله، على أن روايتها «أعشاب ضارة»، التي ترجمت إلى العربية وصدرت مؤخراً عن «دار الآداب»، ليست عن الحرب، وإنما عن علاقتها الاستثنائية بوالدها، وذلك الانصهار بين شخصين، فرقتهما الظروف، وجمعهما الحب والشعر والرسم والإحساس الدائم بالغربة.
لكن القارئ لا يمكنه أن ينسى لحظة واحدة، وهو يقرأ في مائتي صفحة ونيف، أن الكاتبة بروايتها الأولى هذه التي صدرت عام 2020 بالفرنسية، إنما تنفض عن روحها عبئاً ثقيلاً، وتتخفف من ذكريات أليمة، وتحاول بالكلمات أن تغسل بعضاً مما خلفته الحرب الأهلية اللبنانية (1975 - 1992) من كدمات وندوب وتمزقات، ليس فقط على ماضيها وطفولتها، وإنما على عائلتها بأكملها. وإن كانت والدتها لا تظهر في الرواية إلا لماماً، وشقيقها الأصغر كذلك، فهي حكاية عن حبل سري لا ينقطع، وإعجاب لا يخالطه نقد أو احتجاج، يربط طفلة بوالدها، ويبقى ساكناً قلبها ووجودها في غيابه وبعد موته.
هذا الامتزاج بين الاثنين، يتبدى في طبيعة تركيب النص، حيث تروى الابنة الصغيرة حكايتها مع والدها الضخم، المارد، الكبير الهامة، لكننا سرعان ما نعرف أنه هو أيضاً شريك وراوٍ ومحرك للأحداث أيضاً.
تارة تتحدث الكاتبة عن نفسها وعنه وعنهما معاً وعلاقتهما بالعالم الخارجي الذي يرتج ويتزلزل بفعل العنف، وتارة أخرى تجعله يروي على طريقتها ليكمل الحكاية كما يراها بعينيه، أو هكذا توحي لنا. نحن إذن، في حضرة راويين أو صوتين اثنين، يتواليان على سرد قصتهما، الابنة والأب، ليقصا معاً، حكاية حبهما، وتناغمهما، وحوارهما الذي يكون أحياناً على صمته بليغاً ومعبراً. وبتقدم النص ترسم الرواية عبر هاتين الشخصيتين بروفايلاً لكل منهما، بحيث لا ننتهي من القراءة، إلا وقد أصبحنا على معرفة بهذا الأب الضخم الهيئة، رقيق القلب، عاشق النكتة، الشاعر الذي ينكب على الكتابة كل صباح، لا شيء يغير من عاداته طوال عشرين سنة، وهو يرسم حين يحلو له، ولا يتوقف عن الحب والحنو. أما الابنة فنتابعها من صفوفها الأولى في المدرسة، ونواكب تقاعسها المدرسي، وعدم اكتراثها لما يحدث في الصف، ولا لصداقات في المدرسة، مؤثرة الوحدة والعزلة، ونعايش رحيلها عن لبنان وهي في الثانية عشرة، تاركة وراءها شطرها الآخر والدها، ونبقى معها حتى عقدها الثالث وانخراطها في الحياة الباريسية.
يبدو للوهلة الأولى، وكأن لا حرب قاهرة ومجنونة في الأفق، لكن كل حياة الراوية ترسمها فعلياً أحداث الحرب. تتحدث الطفلة عن غصة تخنقها، عن كآبة، حزن، فرط إحساس باللااستقرار مع تغيير المنازل، وتبدل الأسرة، وحزم الشنط، والاكتفاء بالقليل من الأغراض، كي يصبح الترحال أسهل والهرب أقل صعوبة.
إذن اختارت ديمة عبد الله - وهي ابنة الشاعر اللبناني محمد عبد الله الذي رحل عن عالمنا عام 2016 والروائية هدى بركات التي لم تتمكن من إقصاء أثر الحرب عن أي من رواياتها - أن تدشن مسارها الأدبي بعمل عن الحرب، ولو كانت لا تحب ذلك. إذ ليس في «أعشاب ضارة» قتلى، ومصابون، وبيوت مهدمة، وقذائف تطال الأبرياء، وقنابل تنفجر في كل اتجاه، وإنما عائلة تنأى بنفسها عن الخراب، بأن تنتقل من بيت إلى آخر، كي تقي نفسها شروراً لا يد لها بها، ولا تعرف لها من مبرر. وعندما تبلغ الراوية (الطفلة) الثانية عشرة، يتبين للوالد أن ترحيل عائلته أمر لا بد منه، كي يكمل الولدان الصغيران أيامهما وينالا ما يستحقان من حياة.
تبدأ الرواية بالجملة التالية «يد المارد شاسعة، حتى أن إصبعاً واحداً تكفيني. فهو دائماً ما يمد لي إصبعه بدل أن يأخذ بيدي». وبمشهد مؤثر، مجتزأ من حياة عائلة عادية في بيروت عام 1983 تعيش الحرب، حيث يضطر الأهل في أي لحظة خطر للتوجه إلى مدارس أولادهم واصطحابهم إلى البيت، درءاً لتطور أخطر، نرى أنفسنا نتابع خطوات التلميذة الصغيرة ابنة الست سنوات وهي تمسك بإصبع والدها، وتلحق به. الفوضى، الضجيج، الخوف، ليس هذا ما يشغل الطفلة السعيدة بأنها تخرج من المدرسة بصرف النظر عن السبب، بصحبة الرجل القوي الذي «دائماً ما يمد إصبعه بدل أن يأخذ بيدي». من جماليات الرواية لغتها الطفولية التي تستخدمها الراوية؛ بساطة جملتها، وصفها للأب «حين أنظر إلى هذا المارد، أراه جميلاً جداً، أجمل من بقية من جاء من الأهل الآخرين. وأعلم أنه يجب علي أن لا أترك إصبعه فأبقى مركزة انتباهي على اليد».
نتعرف عبر البطلين، إلى عائلة لا تنتمي إلى عصبة أو قضية كالتي يتماهى معها الآخرون من حولهم. ويقول الأب إن ابنته «تعرف الثمن الذي دفعناه أنا وأمها بسبب عدم انتمائنا».
الأحداث قليلة سلسلة لا صخب فيها، وليس هذا هو المهم. فهي ليست قصة بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، بقدر ما هي تتبع لتطور الشخصيتين، وانعكاس الظروف الخارجة عن إرادتيهما على مسارهما، وهو ما تحاول الكاتبة عدم التطرق إليه إلا للضرورة، وبقدر ما يسير حياتها، ويؤثر على عائلتها.
الانتقال إلى باريس والعيش بعيداً عن الأب لا يساعد في شفاء الروح. هي العزلة نفسها في المدرسة، الغربة ذاتها في يومياتها. الانخراط صعب في فرنسا، نسيان اللغة الأم تدريجياً، صعوبة التعاطي مع الأصدقاء باستثناء ساندرين، التي هي أشبه بملاك. لكن ساندرين تموت وتختفي. وتبقى للشابة وهي تكبر، صحبتها مع النباتات، وقد بدأت علاقتها بها مع والدها ونباتاته التي كانت تعيش على الشرفة في بيروت. هذه الصلة النباتية في لبنان تصبح جسراً لعلاقتها بحدائق باريس، ومن ثم إلى تشكيل شرفتها الفرنسية التي هي «أشبه بشرفات العجائز، لأنني أترك فيها كل شيء ينبت من دون تمييز على الإطلاق، من دون أدنى انتقاء، لأن ذكرياتي على غرارهن، كثيرة لا تعد، ولأنني على غرارهن أخشى النسيان».
لا حرب بالمعنى الحربي في «أعشاب ضارة»، لكن الطفلة التي كبرت، تعيش غصة، تمتد على مدى صفحات القصة؛ الكآبة تتحول بمرور الوقت إلى حالة مرضية، انسحاب الفتاة من حياتها العائلية، وبحث والدها عنها، ثم عودتها، وكأنما هي في كل مرة تحاول أن تجد شفاءها، تماماً كما تفعل وهي تكتب روايتها هذه وتصف فيها العلاقة بين الخارج والداخل. في منزلها في باريس، وقد تكومت أغراضها التي نقلتها من منزل إلى آخر، ولم تفتحها بعد. «محتويات صناديقي الغامضة، هي نفسها محتويات دماغي. ففيه كل أنواع الذكريات التي لا طائل منها، فهي بلا رأس ولا ذنب...». حياة كاملة في فرنسا في هذه الصناديق المكدسة وسط الغرفة «جميع الرسائل التي كتبها لي وكل الصور، وحقيبة ظهري الزرقاء... مع نصوص أبحاثي والثياب الجديدة وأوراقي الرسمية، باختصار، ثقل حياة بكاملها منثورة كحبات أرز متنافرة ممزوجة بالشوائب».
«يا ماردي» تخاطب والدها في نهاية الرواية، وتتوجه إليه بكلام طويل ومؤثر، وكأنما تغسل روحها من كل ما تبقى فيها من أسى وحزن وألم، مختتمة بقصيدة له.
هي من الروايات القليلة للجيل الثاني بعد الحرب الأهلية اللبنانية. جيل عاش الحرب، ويظن أنه لم يعشها، وصمته بكوارثها، وربما لا يصدق بأنه لم يتخلص منها. تركت ديمة عبد الله بلدها صغيرة، لكنها لم تنس، نسيت العربية لكنها لا تزال متعلقة بما تبقى منها، هجرت شرفتها البيروتية وأنبتت مثيلاً لها في باريس.
سيرة ذاتية لحياة جوانية تتبدل فيها الروح وتنتقل من حال إلى أخرى، وكأنما حياة واحدة لا تكفي.
وكانت «أعشاب ضارة» قد فازت عند صدورها بالفرنسية عن دار «سابين ويسبيسر» بجائزة «أنفواييه بار لا بوست» التي تكافئ عن الرواية الأولى. وتبلغ الكاتبة اليوم الخامسة والأربعين من عمرها، تخصصت بالآثار، قبل أن تصدر كتابها الأول هذا، بما يشبه إعادة اعتبار لأبوة شاعر ما كان يغادر بيروت الحرب إلا ليعود إليها، وكأنه سمكة لا تعيش خارج محيطها.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

توم أديجيبي: «هذا ليس فيلماً فرنسياً» يحكي معاناتي سينمائياً

واجه المخرج صعوبات إنتاجية لخروج فيلمه إلى النور (الشركة المنتجة)
واجه المخرج صعوبات إنتاجية لخروج فيلمه إلى النور (الشركة المنتجة)
TT

توم أديجيبي: «هذا ليس فيلماً فرنسياً» يحكي معاناتي سينمائياً

واجه المخرج صعوبات إنتاجية لخروج فيلمه إلى النور (الشركة المنتجة)
واجه المخرج صعوبات إنتاجية لخروج فيلمه إلى النور (الشركة المنتجة)

قال المخرج الفرنسي البنيني توم أديجيبي إن فيلمه الوثائقي «هذا ليس فيلماً فرنسياً» وُلد من تجربة شخصية عميقة عاشها في بداية مسيرته ممثلاً. فبعد تخرُّجه، بدأ يتلقى عروضاً تمثيلية متعددة، لكنه سرعان ما لاحظ أن جميع هذه الأدوار تكاد تكون متشابهة؛ إذ إن أغلب الشخصيات التي عُرضت عليه كانت محصورة ضمن إطار واحد يرتبط بالأصول أو بالمظهر الخارجي، وهو ما جعله يشعر بأنه محاصر داخل قالب لا يعبّر عنه. وأضاف توم أديجيبي لـ«الشرق الأوسط» أنه «لم يكن يُنظر إليه بوصفه ممثلاً قادراً على تجسيد شخصيات متنوعة، بل ممثلاً غير أبيض فحسب. وكان هذا التصنيف الضيق مصدر إحباط وغضب بالنسبة إليه، لأنه يتطلع إلى أداء أدوار إنسانية معقَّدة تعكس العمق النفسي للشخصيات، لا مجرد أدوار سطحية تُبنى على الشكل أو الخلفية».

المخرج الفرنسي- البنيني توم أديجيبي (الشركة المنتجة)

وأشار إلى أن «هذا الغضب كان الدافع الأساسي وراء التفكير في المشروع؛ إذ قرر في البداية تقديم فيلم وثائقي يتناول هذه الإشكالية، قبل أن تتطور الفكرة تدريجياً إلى عمل أكثر تعقيداً يمزج بين الوثائقي والخيال، نظراً لاهتمامه باللعب على الحدود بين الحقيقة وإعادة تمثيلها، وهو ما يعكس رؤيته إلى السينما بوصفها مساحة مفتوحة للتجريب».

وأكد أن اختياره لهذا الشكل لم يكن بدافع فني فحسب، بل لأنه يتيح قدراً أكبر من الحرية، موضحاً أنه أراد تقديم فيلم يحمل طابعاً سياسياً، وفي الوقت نفسه يظل ممتعاً وقريباً من الجمهور، عادّاً المزج بين الجدية والسخرية وسيلته لتحقيق هذا التوازن. وأوضح أن «الكوميديا بالنسبة إليه ليست مجرد عنصر ترفيهي، بل أداة للتعبير ومواجهة الواقع، إذ تمثل نوعاً من آليات البقاء في عالم مليء بالتحديات»، مشيراً إلى أنه تعمّد استخدام السخرية وسيلةً لطرح قضايا حساسة دون الوقوع في المباشرة أو الخطابية.

ينطلق «هذا ليس فيلماً فرنسياً»، الذي عُرض للمرة الأولى ضمن فعاليات النسخة الماضية من «مهرجان كوبنهاغن الدولي للأفلام الوثائقية»، من تجربة شخصية حقيقية؛ إذ يتتبع رحلة ممثل شاب يقرر مواجهة الصورة النمطية التي تلاحقه داخل صناعة السينما. فبعد أن يجد نفسه محاصراً في أدوار متشابهة تُفرض عليه بسبب لون بشرته وخلفيته، يختار أن يصنع فيلمه بنفسه، فيبدأ بتوثيق يومياته ممثلاً «غير أبيض»، محاولاً كشف ما يدور خلف الكواليس من تصنيفات جاهزة وأحكام مسبقة.

قدم المخرج جزءاً من معاناته الشخصية في السينما (الشركة المنتجة)

ومع تطور المشروع، يتحوَّل الفيلم إلى تجربة جماعية أكثر تعقيداً، إذ يجمع عدداً من الممثلين غير البيض في منزل بجنوب فرنسا لابتكار عمل مشترك. لكن سرعان ما تتكشف خلافاتهم، وتظهر التوترات والصراعات حول الهوية والتمثيل والسلطة داخل العمل الفني. وبين الوثائقي والخيال، تتداخل الحقيقة مع السخرية، ليقدم تجربة سينمائية غير متوقعة تكشف كيف يمكن لفكرة بسيطة أن تنقلب إلى رحلة مليئة بالتحديات والأسئلة.

يؤكد توم أديجيبي أن التمويل كان أحد أبرز التحديات، لأن صناعة الأفلام اليوم أصبحت أكثر تعقيداً، مع تقليص ميزانيات الثقافة في أوروبا، موضحاً أن هذه الظروف تجعل إنتاج الأفلام، خصوصاً المستقلة منها، مهمة شاقة تتطلب كثيراً من الإصرار.

وأشار إلى أنه تمكن من تنفيذ مشروعه بفضل حصوله على دعم من صندوق الأفلام منخفضة الميزانية في بلجيكا، إذ يعتمد هذا النوع من الدعم بدرجة كبيرة على الثقة في رؤية المخرج. ولفت إلى أنه قدم تصوراً مختصراً للفيلم، فتمت الموافقة عليه، وهو ما منحه الفرصة لتحويل فكرته إلى واقع.

وأوضح أن محدودية الميزانية كان لها تأثير واضح في شكل الفيلم، إذ اعتمد على أسلوب بصري بسيط قريب من الأسلوب الوثائقي، من دون الاعتماد على عناصر إنتاجية مكلفة، وهو ما ساعده في الحفاظ على عفوية العمل، وفي الوقت نفسه شكّل حلاً عملياً لتجاوز القيود المالية.

وأشار إلى أنه تناول، داخل الفيلم، بشكل ساخر، مسألة التمويل؛ فالعلاقة بين صناعة السينما وتحقيق دخل مادي تظل معقدة، لأن كثيراً من المخرجين يواجهون صعوبة في تحقيق التوازن بين الإبداع والاحتياجات المعيشية، وهو ما سعى إلى التعبير عنه داخل العمل.

واجه المخرج صعوبات إنتاجية لخروج فيلمه إلى النور (الشركة المنتجة)

وعن أسلوب التصوير، أوضح أنه كان يفضل العمل بطريقة مرنة، إذ يترك الكاميرا تعمل باستمرار لفترات طويلة من دون توقف، ما أتاح له التقاط لحظات عفوية وغير متوقعة، كما أتاح للممثلين مساحةً للارتجال والتفاعل الطبيعي. وأكد أن عملية التصوير لم تكن تقليدية، بل اعتمدت على الإحساس بطاقة المشهد وحيويته؛ ففي كثير من الأحيان كان يواصل التصوير من دون قطع، وهو ما جعل التجربة أكثر حيوية، لكنه في الوقت نفسه خلق حالةً من الفوضى المنظمة داخل موقع التصوير. وأشار إلى أنه اعتمد بشكل كبير على فريق العمل، خصوصاً مدير التصوير ومهندس الصوت، وكان يمنحهم مساحةً من الحرية، مع تركيزه أساساً على الأداء التمثيلي وتوجيه الممثلين، موضحاً أن هذه الثقة المتبادلة أسهمت في خلق بيئة عمل مختلفة. وعن الممثلين المشاركين في الفيلم، أوضح أنهم لم يكونوا مجرد مؤدين للأدوار، بل شركاء في التجربة، وأسهموا في تطوير الأحداث من خلال تفاعلهم وآرائهم، وكان هذا التفاعل مصدراً للعديد من اللحظات الصادقة داخل الفيلم، حتى وإن أدى أحياناً إلى توترات. وأكد أن هذه التوترات لم تكن سلبية، بل كانت جزءاً من طبيعة العمل، لأنها كشفت عن اختلاف وجهات النظر بين المشاركين، وهو ما عده عنصراً مهماً في تقديم صورة واقعية عن التجربة، نظراً لاعتماد الفيلم بدرجة كبيرة على الواقع.


سيلينا غوميز تتحدث بصراحة عن رحلتها مع «الاضطراب ثنائي القطب»

سيلينا غوميز تحدثت عن نوبات الهوس (رويترز)
سيلينا غوميز تحدثت عن نوبات الهوس (رويترز)
TT

سيلينا غوميز تتحدث بصراحة عن رحلتها مع «الاضطراب ثنائي القطب»

سيلينا غوميز تحدثت عن نوبات الهوس (رويترز)
سيلينا غوميز تحدثت عن نوبات الهوس (رويترز)

في خطوة جديدة تعكس انفتاحها بشأن الصحة النفسية، كشفت النجمة الأميركية سيلينا غوميز عن تجربتها مع «الاضطراب ثنائي القطب»، مسلطة الضوء على الصعوبات الناتجة عن التشخيص الخاطئ، وأهمية الدعم النفسي والعلاج في تحسين جودة الحياة.

وفق تقرير نشرته شبكة «فوكس نيوز»، فقد أعلنت النجمة السابقة في «ديزني»، خلال بث مباشر عبر «إنستغرام» مع مايلي سايرس، إصابتها بهذا الاضطراب عام 2020، ووصفت لاحقاً هذا الاكتشاف بأنه «مريح»، رغم صعوبة الرحلة.

بداية... ما «الاضطراب ثنائي القطب»؟

يُعد «الاضطراب ثنائي القطب» من الاضطرابات النفسية التي تتسم بتقلبات حادة في المزاج ومستويات الطاقة والنشاط؛ مما يؤثر في القدرة على أداء المهام اليومية.

ويشمل ذلك فترات من الارتفاع العاطفي (الهوس أو الهوس الخفيف)، وأخرى من الانخفاض (الاكتئاب).

أبرز الأعراض

تشمل نوباتُ الهوس عادة:

- زيادة النشاط أو الطاقة.

- شعور مفرط بالثقة.

- قلة الحاجة إلى النوم.

- تسارع الكلام والأفكار.

- التشتت بسهولة.

- اتخاذ قرارات غير مدروسة.

أما نوبات الاكتئاب فقد تتضمن:

- الشعور بالحزن أو الفراغ أو اليأس.

- فقدان الاهتمام بالأنشطة.

- تغيّرات في الوزن والشهية.

- اضطرابات النوم.

- الإرهاق وفقدان الطاقة.

- الشعور بالذنب أو انعدام القيمة.

- صعوبة التركيز.

- التفكير في الانتحار.

رحلة التشخيص... طريق معقّدة

وفي حلقة حديثة من بودكاست بعنوان «فريندز كيب سيكريتس (Friends Keep Secrets)»، كشفت غوميز، المشارِكة في تأسيس منصة «واندر مايند (Wondermind)» للصحة النفسية، عن تفاصيل رحلتها مع التشخيص.

وقالت إنها كانت تشعر بأن «هناك شيئاً غير طبيعي»، لكنها تعرّضت لتشخيصات خاطئة في البداية، مضيفة: «كان الناس يفترضون أشياء، وكنت أتنقل بين معالجين كثر».

وأشارت إلى أن التعامل مع الصحة النفسية «أمر معقّد للغاية»، كما أكدت أن الوصول إلى تشخيص دقيق استلزم استشارة «أشخاص كثر»، وشددت على أهمية عدم الاستسلام.

تجربة شخصية مع النوبات

وأوضحت غوميز أنها خضعت للعلاج في 4 مراكز مختلفة، عادّةً أن ذلك ساعدها على فهم حالتها بشكل أفضل.

من جانبه، قال زوجها الموسيقي بيني بلانكو إنها تمر أحياناً بنوبات هوس من دون أن تدرك ذلك فوراً، لافتاً إلى أنها قد لا تتذكر ما حدث خلال تلك النوبات.

وأضاف أن التعامل مع هذه الحالات «دقيق جداً»، إذ لا يُنصح بمواجهة الشخص مباشرة خلال النوبة.

وعي أكبر بالحالة... وتقبّلها

وأكدت غوميز أنها أصبحت أكبر وعياً بإشارات نوبات الهوس، قائلة: «أنا فخورة أيضاً بأن لديّ لحظات هوس... ولا أخجل منها؛ لأنني أصبحت أكتشفها أسرع».

وشددت على أهمية وجود شريك متفهم، قائلة إن ذلك يساعد على التعامل مع الحالة بشكل أفضل.

وأضافت أنها أصبحت تعيش حياتها بـ«حرية أكبر» بعد التشخيص، عادّةً أن فهم حالتها ساعدها على تفسير سلوكياتها السابقة.

رسالة دعم وأمل

ودعت غوميز الآخرين إلى عدم تعريف أنفسهم من خلال التشخيص، قائلة: «أنتم لستم مجرد اسم».

وأكدت أهمية البحث عن المعلومات، والتحدث والاستماع إلى تجارب الآخرين، مشددة على أن «هناك كثيراً من الأمل».

أهمية التشخيص والعلاج

ينصح الأطباء من يعانون هذه الأعراض بطلب المساعدة المهنية؛ إذ يكون التشخيص عبر الفحص الطبي، والتقييمات النفسية، ومتابعة أنماط النوم والمزاج.

كما يساعد التزام العلاج، والحصول على قسط كافٍ من النوم، وتجنب المخدرات والكحول، في الحد من نوبات المرض والسيطرة عليه.


سجن جدة بالخطأ لمدة 5 أشهر بعد اتهامها عبر الذكاء الاصطناعي

أنجيلا ليبس (قسم شرطة فارغو بولاية داكوتا الشمالية في أميركا)
أنجيلا ليبس (قسم شرطة فارغو بولاية داكوتا الشمالية في أميركا)
TT

سجن جدة بالخطأ لمدة 5 أشهر بعد اتهامها عبر الذكاء الاصطناعي

أنجيلا ليبس (قسم شرطة فارغو بولاية داكوتا الشمالية في أميركا)
أنجيلا ليبس (قسم شرطة فارغو بولاية داكوتا الشمالية في أميركا)

حُكم على جدة بالسجن خمسة أشهر بعد أن استخدمت الشرطة، عن طريق الخطأ، تقنية الذكاء الاصطناعي لربطها بعملية احتيال مصرفي في ولاية أميركية لم تزرها قط.

وتم تسليم أنجيلا ليبس من منزلها في ولاية تينيسي إلى مدينة فارغو بولاية داكوتا الشمالية في 14 يوليو (تموز)، بعد أن تم التعرف عليها خطأً بواسطة تقنية التعرف على الوجوه.

لم تركب السيدة ليبس، البالغة من العمر 50 عاماً، طائرة من قبل عندما نُقلت جواً إلى مركز شرطة فارغو، الذي يبعد 1000 ميل تقريبا 1609.34 كيلومتر عن منزلها، وأقرت شرطة ويست فارغو بأنها ارتكبت «بعض الأخطاء»، لكنها لم تقدم اعتذاراً إلى السيدة ليبس.

وقال متحدث باسم الشرطة إنها استخدمت برنامج «Clearview AI»، الذي يبحث في مليارات الصور المجمعة من الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، و«حدد مشتبهاً به محتملاً بملامح مشابهة لأنجيلا ليبس»، حسبما أفادت صحيفة «تلغراف» البريطانية.

في الأول من يوليو، أصدر قاضٍ في ولاية داكوتا الشمالية مذكرة توقيف بحق السيدة ليبس، مع إمكانية تسليمها إلى أي مكان في البلاد.

وبعد قضائها ثلاثة أشهر في سجن بولاية تينيسي، تم تسليمها أخيراً إلى مدينة فارغو.

ووفقاً لصفحة «غو فندمي» التي أُنشئت لمساعدة السيدة ليبس على تجاوز محنتها، كانت في ذلك الوقت «مرعوبة ومنهكة ومذلولة».

وقالت إن رحلتها إلى داكوتا الشمالية كانت «أول مرة أركب فيها طائرة».

وكانت ليبس تواجه تهم السرقة واستخدام هوية أو معلومات شخصية لشخص آخر، لكن في ديسمبر (كانون الأول)، أسقطت المحكمة القضية.

وقال الرئيس السابق لقسم شرطة فارغو ديفيد زيبولسكي بعد تقاعده الأسبوع الماضي، في بيان: «في وقت ما، اشترت وكالتنا الشريكة في ويست فارغو نظاماً خاصاً بها للتعرف على الوجوه بتقنية الذكاء الاصطناعي، دون علمنا على المستوى التنفيذي».

وأضاف: «لم نكن لنسمح باستخدامه، وقد تم حظره منذ ذلك الحين».

جمعت صفحة التبرعات الخاصة بالسيدة ليبس حتى الآن 72 ألف دولار من أصل المبلغ المستهدف البالغ 75 ألف دولار، وذلك للمساعدة في سداد فواتيرها في أثناء فترة احتجازها.