السيرة الذاتية... نشطت في السعودية ولم تجد اهتماماً نقدياً موازياً

باحث مصري يتناول نشأتها وتطورها في الخليج

السيرة الذاتية... نشطت في السعودية ولم تجد اهتماماً نقدياً موازياً
TT

السيرة الذاتية... نشطت في السعودية ولم تجد اهتماماً نقدياً موازياً

السيرة الذاتية... نشطت في السعودية ولم تجد اهتماماً نقدياً موازياً

في كتابه «كهف أفلاطون... السيرة الذاتية في الخليج والهجرة إلى استعارات بديلة» الصادر حديثاً عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» بلبنان، يقدم الباحث المصري الدكتور سمير مندي، قراءة في نصوص سير ذاتية من السعودية والكويت وسلطنة عمان، مبرراً ذلك بأنها دول تراكمت فيها نصوص سير ذاتية، وأصبحت ظاهرة يمكن قراءتها وتقييمها؛ مشيراً إلى أنها لم تجد خطاباً نقدياً يعتد به إلا في المملكة العربية السعودية؛ فهي البلد الوحيد الذي استطاع أن يراكم منجزاً نظرياً موضوعه الأساسي هو السيرة الذاتية دون بقية دول الخليج، وذلك لأنها أول دول الخليج التي بدأت كتابة السيرة الذاتية، وأكثرها إنتاجاً لنصوص ذات مرجعية ذاتية منذ فترة مبكرة من القرن العشرين، بصدور كتاب لأحمد السباعي، بعنوان «أبو زامل»، 1954.
وذكر مندي أنه على الرغم من تسارع وتيرة كتابة السيرة الذاتية في السعودية، فإن ما يقدم من إبداعاتها يسبق النقد بخطوات. فبينما تمكنت نصوصها من التفاوض مع واقعها فخرجت ببدائل مكنتها من تمثيل نفسها، ظل النقد فوق مستوى هذه المفاوضات، يعاين السيرة بمعايير مثالية لا مكان لها في الواقع الجديد. وبدلاً من أن يساعد في فهم وتقريب النصوص للمتلقين، أصبح هو نفسه طرفاً في المعادلة التي تُقصي النصوص وتقمعها، وبالتالي أصبح وضع السيرة الذاتية وضع المحاصر بين المجتمع الذي يرتاب فيها، والنقد الذي يبرر ويسوغ الارتياب.

استعارات بديلة
قسَّم مندي كتابه إلى قسمين، خصص الأول للحديث عن «المشهد السيرذاتي في الخليج» وتضمن فصلين: «أزمة السيرة الذاتية في الخليج بين جناية المجتمع وجناية النقد»، و«بين سفينة البحر وسفينة الصحراء: نشأة وتطور السيرة الذاتية في الخليج». أما القسم الثاني، فكان عنوانه: «الهجرة إلى استعارات بديلة»، وتكون من فصلين؛ جاء الأول بعنوان: «دوافع بديلة بين إرادة الكاتب وإرادة القارئ»، أشار خلاله مندي إلى أولوية الدوافع الاجتماعية لدى كُتاب السيرة على الدوافع الأدبية. وذكر أنها تتنوع بين دوافع عائلية ودوافع وطنية. ثم تحدث عن الغزو العراقي للكويت وأثره في تسارع وتيرة كتابة الذات.
وفي الفصل الذي جاء بعنوان «استعارات بديلة»، تحدث مندي عن الاستراتيجيات التي اعتمدها كُتاب السيرة الذاتية الخليجية، وكيف أنهم استعانوا «بذاكرة الأُخريات بديلاً للذاكرة الشخصية»، وسعوا لكتابة «سيرة الواقع بديلاً عن سيرة الذات». وقد تأرجح الكُتَّاب هناك بين كتابة الحياة والشهادة عليها، فقدموا كتابة تجعل من محاولة تمثيل الذات تحت وطأة ظروف لافظة، محاولة لصنع بديل متميز من المجموع العام، قادر على تحطيم علاقات المجموع العام وإعادة ترتيبها وفق أولويات بديلة للأولويات السائدة، يكون من شأنها الحيلولة دون انزلاق «أنا» المتكلم في نسخ أو تكرار الذات الجماعية المهيمنة، أو الذوبان فيها.
واقترح مندي -وهو يستعرض الكثير من السير الذاتية التي تناولها بالبحث في كتابه- مخرجاً نظرياً لمعضلة السيرة الذاتية في الخليج، وسعى إلى تقديم قراءة للبدائل الاستعارية التي هاجرت إليها النصوص، كما بسط المشهد السيرذاتي بواقعه ونصوصه ومنجزه النقدي، أمام أعين المهتمين المتخصصين وغير المتخصصين الذين ربما لا يزالون يسلمون بأفكار وآراء نمطية حول واقع السيرة الذاتية. وقد أعد في نهاية كتابه جدولاً يضم أهم الأعمال السيرذاتية التي صدرت في دول الخليج كافة.

أزمة السيرة النسائية
يذكر مندي أنه في ظل هيمنة الثقافة التقليدية المحافظة، تشتد وتيرة النفور الاجتماعي إذا ما اتصل الأمر بكتابة امرأة لسيرتها الذاتية. والمحاولات الأولى لبعض الرائدات السعوديات شاهدة على قوة هذا النفور. ومنها محاولة الكاتبة السعودية سلطانة السديري التي سعت خلالها لرسم صورة ذاتية لنفسها، ولقيت الكثير من المقاومة، فقد نشرت سلطانة السديري 6 حلقات من مذكراتها في «المجلة العربية» عام 1988، أطلقت عليها اسم «مذكرات امرأة سعودية»؛ لكنها سرعان ما توقفت على أثر ما يصفه الناقد الدكتور معجب الزهراني ﺑ«أسباب اجتماعية قوية»، تكشف الخلل الكامن في شروط التلقي التي تجهض المغامرة وتكرس الغياب، وتؤجل حضور الذات في مشهد الكتابة والحياة العامة. الشيء نفسه حدث مع فوزية أبو خالد، بعدها بست سنوات، عند نشر ما سمَّته «سيرة ذاتية أدبية لتيار اجتماعي» عام 1994، وقد توقفت بعد نشر 4 حلقات فقط.
ولم يتوقف حضور ذات المرأة المبدعة المتعسر، حسب رأي مندي، عند حدود وجوده في كتابات النساء فقط؛ بل تجاوزه إلى كتابات المبدعين أنفسهم، فلم تنعكس صورة المرأة كما يجب في السير الذاتية للكتاب الذين لم تتوفر لهم الحرية الكافية لاستحضار النساء في سيرهم دون أن يشعروا بالحرج، وهذا ما يفسر تغاضي بعضهم عن ذكر أسماء النساء صراحة، والاكتفاء بذكر كنياتهن فقط، ولا تشكل درجة قرابة المرأة من الكاتب أو طبيعة علاقته بهذه أو تلك فارقاً في هذه الحالة. إذ يخضع تصوير المرأة عموماً لحسابات اجتماعية تتحفظ على ذكر الأم في سياق انتقاد أو لوم، كما لا يوجد متسع للتجارب العاطفية المبكرة. وقد لاحظ الزهراني غياب هذه التجارب عن السير الذاتية السعودية، فالموضوعات المتعلقة بتجارب الحياة العاطفية للذات الكاتبة -وفقاً لوجهة نظره- لا أثر لها.

نظرة المجتمع
وعلى أثر هذه التحديات، انخرط الكُتاب في مفاوضات مع واقعهم بهدف تمرير ما يبدو أنه متعذر قبوله. وقد أعادوا تكييف السيرة الذاتية لتصبح متوائمة مع الظروف الاجتماعية التي يحيون ويكتبون من خلالها، وهكذا كان الخروج من الشخصي وربط السير بموضوعات واهتمامات اجتماعية أو أدبية، مثل «حياة في الإدارة» 2003، و«سيرة شعرية» 1988 للشاعر السعودي غازي القصيبي، هذا فضلاً عن الحديث عن سيرة ذاتية ناقصة، مثل «سين... نحو سيرة ذاتية ناقصة» 2011، للكاتبة الكويتية سعدية مفرح، و«سيرتي الناقصة» 2011، للشاعرة السعودية هدى الدغفق، و«المحاكمة: مقطع من سيرة الواقع» 2000، و«يوميات الصبر والمر: مقطع من سيرة الواقع» 2003، للكاتبة السعودية ليلى العثمان، أو بروزها جزءاً من ذاكرة صاحبها أو صاحبتها، مثل كتاب «سيرة عاطفية: توثيق لذاكرة الإحساس» 2014، للبحرينية فتحية ناصر.
ويخلص مندي إلى أن بعض الكاتبات تخلين عن ذكر نوع ما يكتبن، ربما تجنباً للصدامات، مثلما فعلت ليلى الجهني في كتابها «40 في معنى أن أكبر» 2015، حين أغفلت الإشارة إلى نوع ما تتناوله في الكتاب، وكذلك فعلت أميمة الخميس في «ماضي، مفرد، مذكر» 2011، وهكذا بات التخلي عن تصنيف المكتوب أو وضعه في خانة النوع، استراتيجية تلجأ إليها الكاتبات. وقد لاحظ ذلك الباحث السعودي فرحان الشمري، وقال إن الأمر يزداد تعقيداً في النصوص الإبداعية النسائية التي تعتمد المراوغة والهروب من التصريح عن هوية الجنس الأدبي الذي تنتمي إليه.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«أرتيميس 2» في مدار القمر

كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)
كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)
TT

«أرتيميس 2» في مدار القمر

كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)
كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)

دخل رواد الفضاء الأربعة ضمن مهمة «أرتيميس2» إلى مدار القمر، أمس، في وثبة عملاقة للبشرية، تمكنهم من مشاهدة أجزاء قمرية لم تَرَها عين مجردة لإنسان من قبل.

وقبل أقل من ساعة من التحليق في مدار القمر، كان مقرراً أن يصير رواد الفضاء الأربعة أبعد مَن يصل إلى هناك من البشر، متجاوزين الرقم القياسي للمسافة الأبعد، البالغ 400 ألف و171 كيلومتراً، الذي سجلته المركبة الفضائية «أبولو13» في أبريل (نيسان) 1970. وتوقع مركز التحكم في المهمة أن تتجاوز كبسولة «أوريون» التابعة لـ«أرتيميس2» هذا الرقم القياسي بأكثر من 6600 كيلومتر.

وعلى رأس قائمة أهداف البعثة «حوض أورينتال»، وقد أظهرت صورةٌ أرسلها الطاقم هذه الفوهةَ التي لم تسبق رؤيتها إلا بواسطة كاميرات تدور في مدار حول القمر من دون وجود طاقم، بالإضافة إلى أطراف منطقة القطب الجنوبي، وهي الموقع المفضل لعمليات الهبوط المستقبلية.


أعمال يونسكو ولورنس وداريو فو تجدد دماء المسرح المصري

جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
TT

أعمال يونسكو ولورنس وداريو فو تجدد دماء المسرح المصري

جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)

شهدت الدورة 41 لمهرجان المسرح العالمي الذي تنظمه أكاديمية الفنون المصرية في القاهرة عرض مجموعة مسرحيات مقتبسة من نصوص عالمية، من بينها «الكمامة»، تأليف ألفونسو ساستري، و«موت فوضوي صدفة» لداريو فو، و«قصة الحي الغربي» لأرثر لورنس، و«منظمة آل يونسكو»، عن مسرحية ليوجين يونسكو، و«ليزي أنبل من الجميع»، عن مسرحية لجان بول سارتر. وقد قدّم كل عرض رؤية خاصة أسهمت في إثراء الحالة المسرحية، بما يسهم في تجديد دماء المسرح المصري.

واحتضنت الدورة الجديدة المواهب الشابة لتصبح منصة فاعلة لإطلاق الطاقات الإبداعية؛ إذ تنافست 7 عروض مسرحية قدّمت رؤى فنية متنوعة، عكست وعياً جمالياً متطوراً وقدرة لافتة على الاشتباك مع أدوات المسرح المختلفة، من إخراج وتمثيل وتصميم بصري وموسيقي، وفق بيان لأكاديمية الفنون، الأحد.

وأسفرت نتائج الجوائز عن مشهد تنافسي ثري؛ إذ حصد عرض «آل يونسكو» جوائز في أكثر من فرع، من بينها أفضل بوستر وأفضل دراماتورج، إلى جانب تقاسمه جوائز في مجالَي الملابس والديكور. في حين برز عرض «ماذا لو؟»، محققاً جوائز نوعية شملت الإخراج والتمثيل، إلى جانب حصوله على جائزة أفضل عرض ثانٍ.

ونال شادي نجم جائزة أفضل موسيقى عن «موت فوضوي صدفة»، ومارينا بيرزي أفضل مكياج عن «ليزي أنبل من الجميع»، في حين تُوّج محمد الديب بجائزة أفضل استعراض عن «قصة الحي الغربي»، الذي حصد أيضاً جائزة لجنة التحكيم الخاصة للمخرج مازن نادر.

وفي مجال التمثيل، عكست النتائج بروز جيل جديد من الموهوبين؛ إذ حصلت أمنية حسن على المركز الأول (للبنات)، في حين تصدّر سعيد سلمان جوائز التمثيل (للرجال).

وتقاسم جائزة أفضل مخرج أول كل من ماركو نبيل ومحمد عادل، ونال حسام قشوة جائزة أفضل مخرج ثانٍ عن عرض «الكمامة»، الذي حصد بدوره جائزة لجنة التحكيم الخاصة.

وتُوّج عرض «منظمة آل يونسكو» بجائزة أفضل عرض أول، ليختتم المهرجان بصورة تعكس توازناً بين الجرأة الفكرية والاحترافية الفنية، ويؤكد أن المسرح الجامعي لا يزال قادراً على إنتاج تجارب لافتة ومؤثرة، وفق بيان «الأكاديمية».

جانب من حفل ختام مهرجان المسرح العالمي (أكاديمية الفنون المصرية)

ويرى الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين أن «مهرجان المسرح العالمي الذي أقيم في أكاديمية الفنون قدم أعمالاً عالمية مهمة جداً، وتم الاحتفاء بها بشكل كبير»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الأعمال قُدمت في إطار محدود ضمن المهرجان، لكنها حين تُعرض للجمهور العام لا شك أنها ستجد إقبالاً كبيراً عليها»، وتابع: «أكبر دليل على ذلك أن أعمال ويليام شكسبير الذي يعدّ (أبا الدراما والمسرح)، حين يعاد تقديمها على مسارح الدولة تشهد قبولاً كبيراً».

ويأتي هذا المهرجان في سياق رؤية أكاديمية الفنون التي تستهدف بناء جيل جديد من الفنانين يمتلك أدواته، ويعي دوره، ويكون قادراً على تجديد دماء الحركة المسرحية في مصر، عبر تجارب حقيقية تتجاوز حدود التعلم النظري إلى فضاءات الممارسة والابتكار.

وأكد سعد الدين أن الروايات العالمية حين يعاد إنتاجها بدماء جديدة فهي تجدد دماء المسرح، وأوضح: «لو نُفذت مسرحية (هاملت) أو (ماكبث)، أو غيرهما، سيجذبان جمهوراً كبيراً، رغم تقديمهما قبل 30 أو 40 سنة في مصر، لكن من حق الجمهور الجديد أن يراهما وهو يضمن أنه سيرى في كل منهما عملاً جيداً؛ لما لهما من صدى عالمي، مما يسهم في تجديد دماء المسرح بشكل كبير».


عصر الانفلات... الذكاء الاصطناعي يزاحم عقول البشر

غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
TT

عصر الانفلات... الذكاء الاصطناعي يزاحم عقول البشر

غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)

في ظل ما يتعرض له العالم من تطورات متسارعة في كل المجالات الحيوية في الطبيعة والاقتصاد والسياسة والاجتماع، وحتى في منظومة القيم، يصطدم الواقع البشري بأن لديه قوانين وتشريعات تتطور بوتيرة بطيئة تشبه المشي، في حين يتطور العالم بتقنياته الحديثة بسرعة الضوء.

هذه الفجوة بين نمط الحياة البشري وإيقاع الحياة التكنولوجي المتطور الذي تحكمه عناصر عدة أهمها الذكاء الاصطناعي، هو ما يطرحه الدكتور منصور الجنادي، في كتابه الأحدث «عصر الانفلات... حياتنا اليوم ومستقبل الإنسان» الصادر أخيراً عن دار العين في القاهرة.

على طريقة «أيام الإنسان السبعة»، ينقسم الكتاب إلى سبعة أبواب كل باب يتضمن فصلاً عن توقعات العلم وتطوراته وتقنياته وآلياته المختلفة وتأثيراته على الكرة الأرضية، وفصلاً عن الإنسان وتأثره بهذا التطور العلمي أو التقني أو التكنولوجي. فيما عدا الباب السابع المخصص للإنسان فقط من خلال رصد الأزمات التي تناولها الكتاب وتشريحها لفهم أبعادها المختلفة، والبحث عن حلول وعلاج لها أو طرق لمواجهتها.

الكاتب المتخصص في الفلسفة، وصاحب الإنتاج الفكري والعلمي المعروف ومن بينه كتابه السابق «خرافة العقل» متناولاً مقاربة فلسفية لحياتنا قبل وبعد الذكاء الاصطناعي، يعتمد في كتابه الأحدث على علوم المستقبل، فهو لا يطلق الافتراضات أو الأفكار على علاتها وإنما بالدلائل والحجج والبراهين المختلفة، مشفقاً على القارئ من البرودة والملل الذي تسربه الأرقام الإحصائية والأبحاث العلمية الجافة منزوعة الروح، ليقدم لنا رؤية تنطلق من تجربة شخصية أو ما يمكن اعتباره سيرة ذاتية لشخص نشأ في قرية مصرية، لا تفرق عاداتها وتقاليدها كثيراً عن حياة المصريين القدماء، ثم انتقل إلى القاهرة ليواجه كل ما تخبئه المدينة من زخم يخطف الأنفاس، ثم يتعلم فن الباليه، ثم يقرر الهجرة إلى الخارج ويكرس وقته لدراسة الفلسفة وعلم النفس ثم العمل مع شركات عابرة للقارات، ثم العودة بكل خبرات السنين الطويلة لكتابة هذه التجربة الثرية من منظور عام يتصل بالوجود البشري وليس شخصه المفرد.

يأتي ترتيب أبواب الكتاب ليقدم لنا رؤية علمية للواقع الذي نعيشه من خلال عناصر بعينها هي الأكثر حضوراً وتأثيراً في حياتنا مثل الطبيعة، وتشير توقعات العلم فيها إلى «اغترابنا في كرتنا الأرضية»، بينما يتمثل حضور الإنسان في البحث عن وسائل للحياة مع الأرض لا فوقها، بمعنى مصالحة الطبيعة والاستفادة منها والتعايش معها بتوازن دقيق.

وفي الفصل التالي عن «العلم والتكنولوجيا»، تأتي توقعات العلم تحت عنوان «عندما يصنع العلم صانعه»؛ في إشارة إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي بدأت تسيطر على الكثير من المجالات ومرشحة للتغول والتمدد لمساحات أوسع، في المقابل يظهر الإنسان الهجين الحائر بين وجوده البشري وبين الابتكارات الحديثة والبدائل التكنولوجية.

وفي باب الاقتصاد تتحدث توقعات العلم عن التحول من الرأسمالية إلى الذهنوية، فنحن أمام اقتصاد جديد يعتمد على تقنيات وتكنولوجيا المعلومات بالدرجة الأولى، ليجد الإنسان نفسه أمام عمل بلا زمن وهوية بلا مكان.

وفي باب عن الهجرة يتحدث المؤلف عن التحول من غريزة الترحال التي كان يتمتع بها الإنسان في الماضي إلى الهجرة المبرمجة، ومن ثم تصبح النتيجة أننا جميعاً مهاجرون، حتى لو لم نتحرك من أماكننا.

ويخصص الكاتب باباً للسياسة والمجتمع يتوقع فيه العلم مستقبل الحرية والسلطة، ويتحول فيه الإنسان من المجتمع إلى الذات الناقدة. كما يتناول الباب السادس القيم والهوية، ويتوقع العلم الانتقال من هوية الزمان والمكان إلى «ملف البيانات»، بمعنى أن الوجود البشري سيتم تكثيفه أو تركيزه في ملفات للبيانات تحدد الهويات والقيم، لتنتهي صلاحية البوصلة القيمة لأفكار الهوية والقيم التي كان يحفظ بها الإنسان في الماضي.

ويكرس الكاتب الفصل السابع والأخير لمستقبل الإنسان، من خلال التحديات التي تواجه ومدى سيطرته على حياته وعلى مظاهر الطبيعة وانتفاء فكرة أنه مركز الكون، ثم أدوات التأقلم أو ما يسميه الكاتب «الحكمة 2.0» أو تكنولوجيا البقاء، وصولاً إلى المستقبل أو المصير المنتظر للإنسان في مواجهة تقنيات العصر الحديث، بكل ما تحمله من التباسات ذهنية وفكرية وفلسفية واغترابات روحية ونفسية قد تؤثر على مستقبل البشر بطريقة أو بأخرى إذا لم يتم فهمها بطريقة صحيحة والتعايش معها، داعياً القارئ في نهاية كتابه إلى كتابة «سيرة مستقبلية» لتوقعاته في ظل التغيرات المتواترة التي يمر بها العالم.