«آلة الفوضى»... كيف تؤثر وسائل التواصل الاجتماعي على سلوكنا وبالعكس؟

كتاب يكشف مخاطر التدخل اللوغاريتمي في الشؤون الإنسانية

«آلة الفوضى»... كيف تؤثر وسائل التواصل الاجتماعي على سلوكنا وبالعكس؟
TT

«آلة الفوضى»... كيف تؤثر وسائل التواصل الاجتماعي على سلوكنا وبالعكس؟

«آلة الفوضى»... كيف تؤثر وسائل التواصل الاجتماعي على سلوكنا وبالعكس؟

في كتابه الموثوق والعاصف عن تأثيرات وسائل التواصل الاجتماعي، المعنون بـ«آلة الفوضى»، يستحضر ماكس فيشر على الدوام فيلم ستانلي كوبريك الرائع: «2001: رحلة فضائية»، من إنتاج عام 1968. وفيه يقتل الكومبيوتر الفائق بكل هدوء رواد الفضاء على متن سفينة متجهة إلى كوكب المشتري. وتتأرجح جماليات الفيلم القاسية والغامضة بصورة مثالية ما بين المدينتين الفاضلة والبائسة، وقصة عن محاولة إصلاح التكنولوجيا الضالة التي خرجت عن السيطرة. ينتقل الافتتاح السينمائي لكتاب فيشر من القاعات المبهرة بمقر «فيسبوك» إلى مشهد للأرض من مرتفعات تأملية؛ فنحن نرى «طغاة بعيدين وحروباً واضطرابات»، ونشهد أعمال شغب مفاجئة، وجماعة متطرفة جديدة، واعتقاداً واسع الانتشار عن وجود مؤامرة غريبة.
والطريقة التي يربط بها الكتاب بين هذه النقاط مقنعة تماماً، ولا بد أن تقضي على أي شكوك حول أهمية التدخل اللوغاريتمي في الشؤون الإنسانية.
يقدم فيشر، الصحافي الذي كان قد نشر تقارير عن العنف المروّع في ميانمار وسريلانكا، روايات مباشرة من كل جانب من الصراع العالمي، مُركزاً جهوده على الدور الذي تلعبه منصات «فيسبوك» و«واتساب» و«يوتيوب»، في إثارة الكراهية «التي تصل إلى مستوى الإبادة الجماعية». وإلى جانب وصفه للوحشية الممزقة للأعصاب، يعرض فيشر بالتفصيل المعلومات المضللة الشائعة التي تغذيها، والاتهامات المبتكرة، غالباً ضد الأقليات، بالتجسس والقتل والاغتصاب والولع الجنسي بالأطفال. لكنه حريص على عدم افتراض العلاقة السببية، حيث يمكن أن يكون هناك مجرد ارتباط. ويسبر الكتاب غور مسألة ما إذا كانت خصائص معينة من وسائل التواصل الاجتماعي مسؤولة حقاً عن إثارة الخوف والغضب الجماهيري. إن الاتسام بالغضب الأخلاقي هو واحد من المشاعر الرئيسية التي يرى فيشر أنها تُستغل بشدة من قبل لوغاريتمات ابتكرتها «غوغل» (على «يوتيوب»)، و«ميتا» (على «فيسبوك» و«إنستاغرام» و«واتساب»)، التي اكتشفت قدرتها على جني الأرباح من هذه المشاعر، عبر جعل اللوغاريتمات تعزز التحزب المفرط؛ فالانقسام يقود إلى المشاركة، التي بدورها تعزز إيرادات الإعلانات. ويسهب فيشر في تفحص تطور التقانات السلوكية التي تقود إلى التلاعب بالآخرين بطبيعتها أو عن قصد، وهذا ما ينكره بالطبع أصحاب هذه الشركات.
لكن هذا الإنكار لا يصمد أمام النيات المعلنة لمؤسسي الشركات. لقد كتب مارك زوكربيرغ، في 2017، مقالاً زعم فيه أن صناعة التكنولوجيا سوف تكون مسؤولة عن «الخطوة التالية» التي تتخذها البشرية؛ إذ إن «فيسبوك» سيوفر «البنية الأساسية الاجتماعية» لمرحلة جديدة من العلاقات البشرية.
وأعرب مؤسس شركتي «باي بال» و«بالانتر»، بيتر ثييل، في 2009، عن ميوله المناهضة للديمقراطية بشكل واضح، قائلاً إن المجتمع لا يمكن أن يوكل إلى «العروض الغامضة غير المدروسة»؛ فهو وأقرانه في «مجتمع وادي السليكون»، كما يكتب فيشر، يرون المجتمع «مجموعة من المشاكل الهندسية في انتظار الحل».
قصة هؤلاء الأشخاص الكبار هي قصة الغطرسة والجهل. يتتبع فيشر مسار الثقافة التكنولوجية التي انبثقوا منها، من فضيحة «غيمرغيت» (بشأن حملة مضايقات مثيرة للجدل تركزت حول قضايا، مثل التحيز الجنسي والتقدمية في ثقافة ألعاب الفيديو)، إلى بعض المنتديات الأكثر سُمية على منصات «فورتشان» و«ريديت»، حيث حصل متطرفو «العزوبة غير الطوعية» والنازيون الجدد، من بين آخرين، على أولى إشارات القوة، وشكلوا حركة اليمين المتطرف.
وفي ثقافة تتسم بقدر عظيم من التسامح تجاه التبسيط الفج، فإن أصحاب المليارات من أسياد التكنولوجيا غارقون في أكثر الخرافات المبتذلة المتداولة عن العبقرية. وكما يقول بيتر ثييل: «الرجل الأبيض المتعصب يُظهر عدم أهلية اجتماعية أشبه بمتلازمة (أسبرجر) التي غالباً ما ترتبط في الثقافة الشعبية (على حساب الفهم الحقيقي لظاهرة التوحد) بمواهب شبيهة بملكات العلماء الأفذاذ (متلازمة أسبرجر هي من اضطرابات طيف التوحد، ويتسم المصابون بها بصعوبات جمة في التفاعل الاجتماعي مع الآخرين، على حساب أي فهم حقيقي لطيف التوحد). لكن الأساطير تحجب إخفاقات عميقة.
في المشهد الافتتاحي للكتاب، عندما يدخل فيشر إلى ملعب «فيسبوك»، «المصنوع من الصلب والزجاج»، فإنه يحمل وثائق مسربة تبين سياسات المنصة فيما يتصل بحرية التعبير. ليست هناك قائمة منظمة أو شاملة، بل مجرد عروض منفصلة من تصميم «باور - بوينت»، وجداول بيانات بصيغة «إكسيل»، وردود متفرقة على مسائل جيوسياسية معقدة، وكتيبات إرشادية مستندة إلى مصادر خارجية مع قواعد متناقضة. هذا ما يُزودون به المشرفين على «فيسبوك». ويقول فيشر إن أحد الأسرار الكبرى في مجال التكنولوجيا هو: «لا أحد يعرف تماماً كيفية عمل اللوغاريتمات الحاكمة لوسائل التواصل الاجتماعي». ولا يعول فيشر كثيراً على حقيقة أن هذا المزيج من الغطرسة والجهل موجود بالفعل في العلوم السلوكية التي استغلَّتها المنصات بتهور.
وهو يذكر وجهة نظر زوكربيرغ الساذجة بشكل مذهل: «هناك قانون رياضي أساسي ضمني غير مُعلن للعلاقات الاجتماعية الإنسانية يحكم التوازن بين (من يهتم بنا) و(بماذا نهتم) جميعاً».
في سعي فيشر الدقيق لفهم كيف أن وسائل التواصل الاجتماعي قد «أعادت توجيه عقولنا»، أجرى مقابلات مع العديد من علماء النفس حول دراساتهم الأكاديمية، واكتشف معطيات سوف تُبهر القراء. لكنه لا يتعامل بريبة مع المقدمات النهائية للعلوم التي خلقت التأثيرات الخبيثة لوسائل التواصل الاجتماعي، وتقدم نفسها كحل محتمل لها. ما دام علم النفس قائماً كعلم تطبيقي، فإنه يخدم غرضين: التطبيقات الطبية للأمراض النفسية، والتطبيقات العسكرية في مجال العمليات النفسية.
لكن علماء النفس تبنوا، على نحو متزايد، دور المهندسين الاجتماعيين. ويستغل علم النفس الاجتماعي أشكالاً من اللاعقلانية يمكن التنبؤ بها، من أجل «دفع» الأشخاص صوب اتجاهات معينة، سواء على الإنترنت، أو في العمل، أو في السياسات العامة. يركز علم النفس الإيجابي على الرفاهة والمرونة، بهدف علاج العلل الاجتماعية المتصوَّرة، عبر تعزيز مواطن القوة والفضائل. وتعامل كلا فرعي علم النفس مع البشر باعتبارهم مكونات يمكن التلاعب بها في المجتمعات. ولقد أُجريت أهم الدراسات حول تأثيرات وسائل التواصل الاجتماعي في هذه المجالات. لكن الآليات السببية الأساسية لا تزال غامضة.
إن قوانين السلوك البشري كثيراً ما تكون ذات طبيعة تخمينية، وهي مستمَدّة من فرضيات لا يمكن إثباتها، ويعكس طرح فيشر هذا الأمر تحديداً. القصص الهادفة لإظهار أن الأخلاق هي دافع غريزي تطور في المجتمعات البشرية البدائية، التي ترتبط بـ«المسارات العصبية» المعروفة، قد تبدو في بعض الأحيان غير واقعية على نحو كبير. كما أنها تترك العديد من الأسئلة السببية المهمة بلا حل. في ميانمار، حيث أسفرت مؤامرات وسائل التواصل الاجتماعي عن دعم حملة الجيش القاسية ضد طائفة الروهينغا، يُقر فيشر بأنه «لا يمكن لأي لوغاريتمات أن تولد أو تؤجج الكراهية بهذا القدر العدمي». هناك بالطبع حقائق على أرض الواقع تحدد تأثير اللوغاريتمات، ومدى استعداد البيئة المحلية لقبول المعلومات المضللة، ومدى انفجار الانقسامات داخلياً. وهذا يسلط الضوء على نقطة مهمة: يستخدم الملايين من الناس وسائل التواصل الاجتماعي من دون الخضوع لنظريات المؤامرة، أو السماح للغضب الأخلاقي بالتصاعد إلى مستوى أعمال العنف. بعبارة أخرى، لا يمكن اختزال الأحكام الإنسانية والأخلاق البشرية في دوافع غريزية يسهل التلاعب بها وتوجيهها. ومن ثم، نحتاج إلى أن نسأل ليس فقط ما الذي يجعل بعض الناس عُرضة للتلاعب، وإنما أيضاً ما الذي يحمي الآخرين من التوجيهات الذهنية، حتى في الحياة المشبعة بوسائل التواصل الاجتماعي. من المفترض للإجابة أن تشتمل على التعليم، ثم تمتد الإجابة من مهارات التفكير النقدي الفردية إلى الجودة الإجمالية لبيئة المعلومات. لكن هذا النوع من الفهم لن يكون مُرضياً لأولئك الذين يريدون تغيير الجنس البشري بمفردهم.
في نهاية فيلم «2001: رحلة فضائية»، تركنا ستانلي كوبريك مع صورة غريبة وغامضة لمخلوق متوهج أشبه بالجنين يطفو فوق سطح الأرض. ويقول البروفسور مارتن سيليغمان، مؤسس علم النفس الإيجابي، في خطاب ألقاه عام 1999 إن هذه الصورة كانت تطارده دائماً، وتقوده إلى الاعتقاد بأنه لديه مهمة: «كانت هذه المهمة، ولا تزال، أن نبني معاً علم النفس الإيجابي». الدرس المستفاد من كتاب فيشر هو أننا بالتأكيد لا نحتاج إلى المزيد من «الإلهام السماوي» لمشاريع طموحة في التحول البشري. بل يتعين علينا، بدلاً من ذلك، أن نجعل الأفراد في المجتمعات يقاومون مثل هذه الجهود. لدينا الوسائل لتنفيذ ذلك إن كانت الإرادة السياسية قوية بما فيه الكفاية، وإذا لم يكن نظامنا السياسي قد دمرته «آلة الفوضى».
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
TT

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)

لقيت امرأة تبلغ 58 عاماً حتفها بعدما هاجمها دبّ في جنوب شرقي بولندا، اليوم الخميس، حسب ما صرح المسؤول الإعلامي في مركز إدارة الإطفاء الحكومية في سانوك لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح بافل غيبا أن بلاغاً ورد إلى إدارة الإطفاء «أشار إلى مهاجمة دب امرأة في قرية بلونا».

وقد قدم البلاغ ابن المرأة. وأُرسلت ثلاث فرق إغاثة وشرطة إلى مكان الحادث، لكنهم «لم يقدموا الإسعافات الأولية نظراً لخطورة إصابات المرأة». وتأخر وصولهم بسبب «وعورة التضاريس وعدم توافر معلومات دقيقة عن الموقع». وعند وصولهم أعلن المسعفون وفاة المرأة في مكان الحادث، وفق بافل.

يبلغ عدد الدببة البنية في بولندا نحو 100 دب، 80 في المائة منها في منطقة بيشتشادي الجبلية حيث وقع الهجوم الخميس، وفقاً لبيانات الحكومة البولندية لعام 2024.

لكن تبقى الهجمات المميتة قليلة جداً إذ يعود آخرها إلى عام 2014، حسب وسائل إعلام محلية.


«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، في دورته العاشرة، صورة المرأة في السينما العربية. كما احتفى، ضمن الكتاب الصادر بهذه المناسبة بعنوان «عدسة ومرآة»، بتألق صانعات السينما في السعودية، في مجالات متعددة تشمل الإخراج، والتمثيل، وكتابة السيناريو.

وأبرز الكتاب السنوي الصادر عن المهرجان، ضمن تقرير «صورة المرأة في السينما العربية»، من إعداد الناقدة الفنية المصرية أمنية عادل، أدوارَ عدد من صانعات السينما السعوديات، عبر دراسة للناقدة السعودية نور هشام السيف. وقدّمت الدراسة رؤية بانورامية تُفكِّك الإنتاج السينمائي السعودي لعام 2025، سواء من خلال أفلام لمخرجات مثل «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، أو عبر أدوار البطولة النسائية في أفلام مثل «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، و«جرس إنذار 2» للمخرج عبد الله بامجبور.

ويطرح التقرير تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي تؤديها النساء في صناعة السينما السعودية، مشيراً إلى تباين القيم السينمائية بين الأصالة والتجريب.

ولفت التقرير إلى أن السينما السعودية، منذ نشأتها وحتى السنوات الأخيرة، بعد أن استعادت الصناعة عافيتها، وأصبحت قائمة بذاتها، شهدت بروز عدد من الأسماء المهمة لصانعات الأفلام، من بينهن هيفاء المنصور، ووعد كامل، وهناء العمير، وضياء يوسف، وهند الفهاد، وغيرهن. كما تطرّق إلى البدايات الأولى التي اتسمت بمحاولات إنتاجية متواضعة، وصولاً إلى ما تقدّمه الأصوات النسائية الجديدة اليوم، مدعومة بمؤسسات متعددة، وحاصدة احتفاءً محلياً ودولياً، إلى جانب ترسيخ حضور الفنانة السعودية عبر مشاركاتها في الفعاليات، والمهرجانات العالمية.

فيلم «هجرة» يعرض ضمن «مهرجان أسوان» (إدارة المهرجان)

وتناول التقرير تجربة المخرجة السعودية هيفاء المنصور، منذ انطلاقتها بفيلم «وجدة» (2012)، مروراً بفيلم «المرشحة المثالية» (2019)، ووصولاً إلى فيلم «المجهولة» (2025) الذي ينتمي إلى السرد البوليسي. كما توقّف عند تجربة الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والكاتبة السعودية شهد أمين «هجرة»، والمعروض ضمن فعاليات «مهرجان أسوان»، موضحاً أن الفيلم، الذي يتناول رحلة حج ضمن دائرة نسائية تقودها الجدة «ستي»، يمثّل مفترق طرق في السينما السعودية، من خلال صورة بصرية متقنة، وفرق إنتاج محترفة، وتوظيف تقنيات على مستوى عالمي.

وفيما يخص فيلم «مسألة حياة أو موت»، الذي عُرض في الدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، أشار التقرير إلى أنه ينتمي إلى الكوميديا الرومانسية ذات الطابع السوداوي الفانتازي، وهو من إخراج أنس باطهف، وتأليف وبطولة سارة طيبة، والتي برز اسمها خلال السنوات الأخيرة بوصفها كاتبة وممثلة سعودية.

كما يأتي فيلم «جرس إنذار 2 – الحفرة» بوصفه دراما تشويقية مدرسية موجّهة إلى فئة الشباب، من إخراج عبد الله بامجبور، وسيناريو مريم الهاجري، وهيفاء السيد. وقد سبق للهاجري العمل في الدراما التلفزيونية الخليجية، ما يعكس توجّهاً نحو إضفاء حسّ أنثوي على العمل، مع الحفاظ على إيقاع يتناسب مع جمهور المنصة التي يُعرض عليها الفيلم.

وشهد المهرجان، في دورته العاشرة، مشاركة 65 فيلماً من 34 دولة، إلى جانب تنظيم عدد من الفعاليات التي ناقشت صناعة الأفلام، وعلاقة الفن بقضايا المجتمع، لا سيما قضايا المرأة. كما كرّم المهرجان عدداً من نجمات الفن والعمل العام.


إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.