«كأنها معي»... عندما تتداخل قيم الثورة مع قيم الحب

رواية لعلي خيون حققت معادلة فنية وسردية وحياتية صعبة

«كأنها معي»... عندما تتداخل قيم الثورة مع قيم الحب
TT

«كأنها معي»... عندما تتداخل قيم الثورة مع قيم الحب

«كأنها معي»... عندما تتداخل قيم الثورة مع قيم الحب

في حوارها مع المكتبي «خليل المنهل» قالت «أماني الياسين» وهي تقدم له كتابها «غنى القلوب»:
«كتابي حجرٌ جريءٌ أردت أن ألقيه في بِركة ساكنة، لكي تتحرك». (ص 11)
ومثلما أرادت بطلة الرواية أماني الياسين أن تحرك ماء البِركة الساكنة من خلال إلقاء حجرها هذا، كذلك فعل الروائي عندما ألقى هو الآخر حجراً أكبر في روايته «كأنها معي» - دار «أهوار» - ربما ليحرك سكون بحيرة الفعل الروائي. وهذا الحجر، من الناحية السردية يتمثل في زيارة أماني الياسين للمكتبي خليل المنهل، والتي كانت بمثابة الحافز «البروبي» والبنية الإطارية التي ولدت لاحقاً، كل الأحداث والتفاصيل والوقائع التي شهدتها الرواية، فهذا اللقاء كان الشرارة التي حرّكت الماء في البحيرة الساكنة وأشعلت النار في كومة القش المتيبس، حيث ظل المكتبي خليل المنهل هو السارد الرئيسي أو ذات المؤلف الثانية الممسكة بكل خيوط اللعبة السردية. وبذا يشكل اللقاء بين أماني الياسين وخليل المنهل نقطة شروع الحدث الروائي، حيث نبدأ بالتعرف إلى بطلة الرواية أماني الياسين، وهي كما يقول «ابنة بغداد الأبية، ذات اليسر والعافية». (ص 5)، وهي فضلاً عن ذلك تحمل شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية، وصاحبة مؤلفات أكاديمية مرموقة تدرس في كلية العلوم والسياسة، التي ترأس أحد أقسامها. ونكتشف من خلال استرسال المكتبي خليل المنهل، أنها مُطلقة من التاجر المعروف طلال طوبان الشدهان، مع أنها ما زالت تحمل خاتم زواجها. ويشعر المكتبي خليل المنهل بلهفة للاطلاع على أسرار كتابها المختلف، الذي دفعته له للنشر، واختلافه عن كتبها الأكاديمية الأخرى؛ لأنه كما حدس عن تجربة شخصية مرت بها. وهكذا يخصص الروائي الفصل الثاني لمخطوطة «غنى القلوب» لأماني الياسين؛ مما يجعل الرواية ذات طبيعة ميتاسردية؛ لأنها انطوت على قصة داخل قصة، كما أن أماني قالت: إنها ترى الإنسان موقفاً، وهذا ما سعت إليه في الكتابة. (ص 16).
سنلاحظ عند القراءة، أن هذا النص في الواقع نص روائي ينتمي إلى رواية السيرة الذاتية الأنثوية، تحديداً Autobiography (الأوتوبيوغرافية)، وبذا نجد أنفسنا وجهاً لوجه مع مخطوطة الدكتورة (أماني الياسين) التي شغلت الفصل الثاني بكامله، واحتلت سبعين صفحة، أي بما يعادل ثلث المتن الروائي.
تستهل أماني الياسين مخطوطتها بسرد ذاتي (أوتوبيوغرافي) مبأر عبر توظيف ضمير المتكلم (أنا):
«أنفقت عمري في توفير قناعات صعبة لنفسي، كي تستمر الحياة على أصولها». (ص 15).
وتكشف أماني الياسين في مخطوطتها عن تجربتها الحياتية، وبشكل خاص العاطفية منها، والتي تعرفت فيها إلى شخصية «خالد الغانم» الذي كان يجلس يومياً على مقعد في حديقة عامة تطل على شباكها، ليقتنص لحظة مشاهدتها:
«واجهتني تلك الأفكار الصعبة مبكراً عندما لاحظت تعلق ذلك الشاب الشديد بي، فقد كان يتبعني كل يوم من المدرسة إلى البيت، ثم يجلس ويقرأ، وهو ينتظر إطلالتي من الشباك العلوي». (ص 18).
وعلى الرغم من كل المعوقات التي تقف بين أماني وهذا الشاب العاشق فقد نما الحب، متحدياً المعوقات الاجتماعية والطبقية، فهي تنتمي إلى أسرة غنية، بينما هو ينتمي إلى أسرة فقيرة أو تحت خط الفقر، وقد اعترفت أماني بأن أباها «رفض ذلك بسبب التفاوت الطبقي». (ص 66).
إلا أن قصة حب رومانسي جارف راحت تشدهما حتى نهاية الرواية. ويدخل العاشق خالد الغانم على خط السرد من خلال سلسلة من الرسائل المتبادلة بينهما، تقوم بنقلها الخادمة حليمة، ويعلن خالد الغانم، أنه إنما يفعل هنا ما سبق وأن فعله الشاب «فيرتر» بطل الكاتب الألماني غوته في روايته «آلام فيرتر»، عندما خلّد قصة حبه لحبيبته شارلوت من خلال سلسلة من الرسائل الموجهة إلى حبيبته.
ويبدو أن هذه الفوارق الاجتماعية والطبقية بين أماني وخالد كانت حافزاً كبيراً لهما للتفوق وتأكيد الذات. إذْ اجتهد خالد حتى حصل على الدكتوراه، وبدورها استطاعت أماني أن تستثمر نفيها إلى بيروت لتكون تحت رقابة أبيها وزوجته اللبنانية، فأكملت دراستها العليا، وحصلت على الدكتوراه في القانون. وشاءت المصادفات أن يلتقي الحبيبان في معرض القاهرة للكتاب، وهو يوقّع كتابه الجديد «كأنها معي»، في إشارة تناص واضحة لعنوان الرواية، لطابور من القراء حوله. وقد علقت إحدى القارئات على الكتاب، وكأنها تلخص قصة الحب العذري هذا بين الحبيبين:
«إنها رسائل حب كُتبت لحبيبة بعيدة، لم تطلع عليها، إنها فكرة جديدة في منتهى الرومانسية، والمؤلف يقول: إنها قصة حقيقية، وقعت له». (ص 64).
وتبلغ عملية تحدي الحبيبين للمعوقات، باشتراكهما في انتفاضة تشرين؛ إذْ تُشاهد أماني الياسين في شاشات التلفزيون، وهي تتصدر المظاهرات الجماهيرية الغاضبة في ساحة التحرير، كما ينضم خالد الغانم إلى المتظاهرين، حيث نجده يتحدث لقرائه عن كتابه «كأنها معي» في إشارة واضحة تناصية أخرى لعنوان الرواية،:
«انظر، إنه خالد مرزوق الغانم، يشارك في التجمع الشعبي، ويتحدث لقرائه عن كتابه (كأنها معي) الذي يضم رسائل أدبية ذات طابع فلسفي لحبيبته أماني». (ص 229).
وبهذه اللمسة الوطنية الثورية تنتهي الرواية، حيث يتحول الحب الصادق إلى نسغ يروي عروق الثورة والانتفاضة التشرينية، وتندمج قيم الثورة مع قيم الحب في وحدة موضوعية وإنسانية خالدة؛ مما يجعل الرواية تحلق بجناحين هما جناح الحب، وجناح الثورة. أن هذه النهاية المفتوحة دعوة مفتوحة للتأويل والتأمل والمساءلة في قيم الحياة والحب والثورة والجمال معاً.
ومثلما حرك المؤلف بحيرته السردية الساكنة بهذا الحجر الكبير نراه لا يظل حبيس حبكة واحدة، هي حبكة الحب العذري بين الحبيبين، وأسير مكان واحد فقط هو بغداد. بل يتحرك داخل العراق وخارجه، فنرى أماني في بيروت كما نرى خالد في القاهرة، وبذا يتسع الفضاء المكاني والزماني للرواية، كما تنزل الرواية إلى الأعماق السفلى للمجتمع من خلال زيارة أماني إلى المنطقة الشعبية الفقيرة التي كان يقيم فيها خالد الغانم وأسرته، وكذلك من خلال شراء المكتبي خليل المنهل مكتبة أماني الياسين ونقلها إلى مخزن قريب من شارع المتنبي، لكنه يكتشف، بعد فترة قصيرة أن هذه الكتب قد سُرقت من المكتبة، ووجد بدلاً منها عائلة فقيرة قد استقرت في المخزن. وقد اكتشف خليل المنهل أن سارق الكتب شخص معروف بـ«المسلول»، وأن هذه العائلة الفقيرة التي تضم الأب راضي الراضي وزوجته رضية وأطفالهما، هي التي سكنت في هذا المخزن الخاوي، مضطرة، ونجد المكتبي خليل وهو يتساءل عن مصير كتبه:
«اسمع أخي، ببساط متناهية، أنا خليل فرحان المنهل، بائع في شارع المتنبي. هذا المخزن وضعت فيه آخر مكتبة اشتريتها من عائلة أستاذة جامعية... وأنا أسألك أين الكتب؟» (ص 109).
ويقودنا هذا اللقاء بين المكتبي خليل المنهل والرجل الذي احتل مخزنه، والذي يحمل اسم راضي الراضي إلى عالم الفقراء، والمشردين، الذين يجدون أنفسهم فجأة بلا مأوى، بعد أن طُردوا من بيوتهم التي هدمت لكي يُشيّد بدلاً عنها (مول) كبير، فاضطروا إلى البحث عن مأوى بديل من خلال قيامهم بالتجاوز على ممتلكات الآخرين.
ونكتشف أن هذا العالم مليء بالصدق والأمانة والبراءة، وأن خالد الغانم كان يعطف على راضي الراضي، بل ودعاه إلى الذهاب إلى ساحة التحرير للمشاركة في انتفاضة تشرين والمطالبة بحقوقه الضائعة:
«أيعرف خالد الغانم أنكم هنا؟
- أرسل لنا من يخبرنا بضرورة الخروج للمطالبة بحقوقنا في ساحة التحرير». (ص 112).
كما ناول راضي الراضي المكتبي خليل المنهل ورقة بخط أمينة الياسين كان قد عثر عليها في أحد كتبها:
«أحب الفقراء بسبب خالد الغانم. كان فقير الحال، غني النفس، ثري الروح، مثقفاً، وراهنت على أن الفقراء كلهم، في جوهرهم مثل خالد». (ص 113).
وهكذا فقد خرجت الرواية من حبكة الحب الرومانسي إلى عالم المسحوقين، وقيمهم التي لا تختلف عن قيم عالم الأثرياء وأبناء الطبقات الغنية. وبذا؛ فقد منح هذا التناول بعداً اجتماعياً وإنسانياً أرضياً، وربما وطنياً عندما التحمت هموم جميع المواطنين والوطنيين في الحرص على حرية الوطن وسعادته تحت راية انتفاضة تشرين في ساحة التحرير، وفي كل ساحات العراق المنتفضة تحت شعار «أريد وطن».
لقد اشتغل الروائي بذكاء ومهارة في نسج خيوط تجربته الروائية من خلال تعالق الخطابات واللغات والحبكات المختلفة لتشكل في النهاية تجربة إنسانية شفافة ورقيقة، مظهرها الخارجي الحب الرومانسي الجارف الذي ربط بين حبيبين فرقت بينهما الفوارق الاجتماعية والطبقية، لكن جوهرها الحقيقي، هذا اللقاء الإنساني العظيم بين الحب والوطن وقضية الحرية، فأصبحت الرواية نشيدا للحب ونشيدا للوطن في آن واحد، وبذا فقد حلقت الرواية بجناحين، جناح الحب الرومانسي العذري، وجناح الواقع الاجتماعي المطالب بتحقيق العدالة الاجتماعية والحرية والمتمثل بانتفاضة تشرين الجماهيرية، فحققت معادلة فنية وسردية وحياتية صعبة، جعلت منها رواية تضج بالحياة والأمل والحب والجمال.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

دواء لعلاج الأطفال المصابين بالتقزم يثير جدلاً أخلاقياً

يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
TT

دواء لعلاج الأطفال المصابين بالتقزم يثير جدلاً أخلاقياً

يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)

أثار دواءٌ يُساعد الأطفال المصابين بالنوع الأكثر شيوعاً من التقزم على زيادة طولهم جدلاً أخلاقياً واسعاً. ففي حين يأمل الآباء أن يُسهم هذا الدواء، إلى جانب زيادة الطول، في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة، يخشى المنتقدون أن يُوحي علاجٌ يركز على زيادة الطول بأنَّ التقزم حالةٌ تستدعي العلاج.

ويُستخدم دواء «فوسوريتيد»، الذي يُباع تحت اسم «فوكسزوغو»، لعلاج الأطفال المصابين بالودانة، وهي حالة وراثية تُعيق نمو العظام. وقد تمت الموافقة عليه في أوروبا عام 2021، وهو مُصرّحٌ به الآن للأطفال من عمر أربعة أشهر، في وقت لا تزال عظامهم في طور النمو.

وتُشير التجارب السريرية إلى أن «فوسوريتيد» يُسرِّع النمو. لكن يبقى من غير المؤكد ما إذا كان بإمكانه الوقاية من مضاعفات طبية خطيرة أو تحسين جودة الحياة على المدى الطويل.

ويثير هذا الأمر تساؤلات صعبة حول معايير العلاج الناجح، ومدى حقّ الأشخاص المصابين بالتقزم الغضروفي في تحديد نتائجه.

وأصبحت الأدلة على أن دواء «فوسوريتيد» يزيد النمو راسخة. ويأمل الآباء أن يُسهم العلاج أيضاً في الحدّ من بعض المضاعفات الطبية المرتبطة بالتقزم الغضروفي. وتُظهر نتائج تجربة أُجريت في عام 2026 مؤشرات أولية على أن العلاج المبكر بـ«فوسوريتيد» قد يُحسِّن نمو العمود الفقري. كما وجدت دراسة أخرى انخفاضاً في معدلات بعض المضاعفات بين الأطفال في تجارب «فوسوريتيد» مقارنة بالبيانات المنشورة عن الأشخاص الذين لم يتلقوا الدواء. هذه النتائج واعدة، لكنها لا تُثبت بعد ما إذا كان العلاج سيمنع المضاعفات الخطيرة طوال الحياة. تابعت دراسة العمود الفقري الأطفال لمدة عام واحد فقط، وشملت أعداداً قليلة نسبياً.

ووفق مقال مشترك لكل من إيرين بريتشارد، المحاضرة الأولى في دراسات الإعاقة بجامعة ليفربول هوب الإنجليزية، وسامانثا ليلي، مدرّسة الصحة والتنمية الاجتماعية بجامعة ديكين الأسترالية، نُشر، الأربعاء، على موقع «كونفيرزيشين»، تُصعّب الدراسات الصغيرة تحديد ما إذا كانت الاختلافات تعكس تأثيرات علاجية حقيقية، خصوصاً فيما يتعلق بالمضاعفات النادرة.

ووفق المقال، توجد أيضاً أسباب تدعو إلى الحذر عند افتراض أن بدء العلاج مبكراً جداً سيمنع حدوث مضاعفات خطيرة.

أظهرت الأبحاث التي أُجريت على أشخاص مصابين بالتقزم الغضروفي أنهم قد يواجهون صعوبات تتعلق بالصحة والوظائف البدنية، إلى جانب الحواجز الاجتماعية المرتبطة بالعيش في عالم مصمم وفقاً لأجسام متوسطة الطول.

وكما أوضحت الباحثتان، فإن تجربة تلقي العلاج تستحق اهتماماً خاصاً أيضاً. يتطلب دواء «فوسوريتيد» حقناً يومية طوال سنوات النمو. ووجدت دراسة أُجريت على سبع عائلات لأطفال تتراوح أعمارهم بين سنتين وأربع سنوات أن الحقن قد تُسبب الخوف والألم والضيق لدى الأطفال.

ووفق المقال، تكتسب هذه التساؤلات أهمية خاصة بالنظر إلى تاريخ العلاجات التي تهدف إلى زيادة الطول. على سبيل المثال، لا تزال جراحة إطالة الأطراف مثيرة للجدل. فقد وجدت مراجعة منهجية أُجريت عام 2026 أنها قد تُحقق زيادات كبيرة في طول الأطراف، ولكنها تتطلب علاجاً طويل الأمد وتنطوي على مخاطر عالية لحدوث مضاعفات.

ويُولد نحو 80 في المائة من المصابين بالتقزم الغضروفي لآباء ذوي طول متوسط. وهذا ما يجعل تجارب البالغين المصابين بهذه الحالة ذات قيمة، خاصة عند تفكير العائلات في العلاج. ويتخذ الآباء عادةً قرارات بالموافقة على الرعاية الصحية لأطفالهم الصغار جداً. وهم في حاجة إلى معلومات واضحة تُفرِّق بين الفوائد المؤكدة والنتائج المرجوة أو غير المؤكدة.

لذا؛ يتجاوز النقاش الأخلاقي حول «فوسوريتيد» مجرد مسألة ما إذا كان الدواء يزيد من طول الأطفال، ليشمل أيضاً الفوائد الصحية التي تم إثباتها، وكيف يؤثر العلاج على الأطفال يومياً، ومن له الحق في تحديد مدى نجاحه.


«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
TT

«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

يستقر «الزار» في المرويات الشعبية كأحد الطقوس العلاجية المرتبطة بالغناء والموسيقى وربما التعاويذ القديمة، لكن تظل سمات «الزار» متفردة بأدواتها من الدفوف والبخور وحلقات الرقص المتصاعدة لتشكل طابعاً خاصاً في بيئات معينة. ومع تقلص حضور هذه الظاهرة، تسعى أبحاث علمية مصرية لتوثيقها ضمن قوائم التراث الثقافي العالمي غير المادي بمنظمة «اليونيسكو».

في هذا الإطار، عرضت الدكتورة دينا سليمان، المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا» بحثاً بعنوان «الأصول الأثرية لطقوس الأداء الموسيقي الاستشفائي واستمراريتها الثقافية» ضمن مؤتمر عقده المجلس الأعلى للثقافة في مصر تحت عنوان «التراث الثقافي غير المادي إلى الأمام... الفرص والتحديات» بمناسبة اليوم العالمي للتراث.

وربط البحث بين طقوس «الزار» في الثقافة الشعبية الحديثة وامتداد ممارساته أو الأشكال الشبيهة به في الطقوس الاستشفائية والعلاجية بمصر القديمة، داعية في نهاية بحثها إلى توثيق النظم الإيقاعية والشفهية لفرائق «الزار» بمصر، وتسجيلها ضمن قاعدة بيانات التراث غير المادي. وضم هذا العنصر «الزار» الذي يمثل جزءاً من الممارسات والطقوس الشعبية لقائمة الصون العاجل للتراث غير المادي بـ«اليونيسكو».

جانب من الطقوس المصرية القديمة (البحث المقدم بمؤتمر التراث اللامادي)

وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «دراسة (الزار) المعاصر في ضوء الممارسات الطقسية في مصر القديمة تفتح مجالاً مهماً لفهم جذور بعض المعتقدات الشعبية وتحولاتها عبر الزمن. فالمجتمع المصري القديم عرف طقوساً ارتبطت بالموسيقى والإيقاع والرقص والإنشاد، ولم تكن هذه العناصر مجرد وسائل للتعبير الفني، بل شاركت في سياقات دينية واحتفالية متعددة، ارتبط بعضها بعبادة الآلهة وبالتصورات المتعلقة بالحماية والتطهير والتعامل مع القوى غير المرئية».

وتتابع: «تأتي الإلهة حتحور في مقدمة الشخصيات الدينية التي تستحق التوقف عندها في هذا السياق؛ فقد ارتبطت بالموسيقى والرقص والدفوف والاحتفالات، وظهرت في مناظر ونصوص تعكس حضور هذه العناصر في الممارسات الدينية المصرية القديمة. ومن هنا يمكن طرح تساؤلات حول أوجه التشابه بين بعض هذه الممارسات وبين (الزار)، الذي تتداخل فيه الإيقاعات المتكررة والرقص الجماعي والغناء وأداء طقوس ذات دلالات اعتقادية، في إطار التعامل مع ما يُعتقد أنه تأثير للأرواح أو القوى غير المرئية».

ورصدت الباحثة أوجه التشابه بين الطقوس المصرية القديمة والمظاهر الطقسية لـ«الزار» الحديث دون أن تقطع بالتطابق بينهما ولكن لفتح الباب لمعرفة الامتدادات التاريخية لهذه الفكرة وتأثيراتها وتمثلاتها المعاصرة.

د. دينا سليمان صاحبة البحث عن «الزار» وأصوله المصرية القديمة (الشرق الأوسط)

وقالت إن «مفهوم التطهير والحماية من القوى المؤذية أو استرضائها يمثل جانباً مهماً في دراسة المعتقدات القديمة والطقوس الشعبية، فقد عرفت مصر القديمة منظومة متنوعة من الممارسات الوقائية، شملت التعاويذ والتمائم والطقوس المرتبطة بالحماية من الأخطار، وهو ما يعكس أهمية التعامل مع العالم غير المرئي في التصورات الدينية آنذاك. أما (الزار)، فتتباين تفسيراته وممارساته بحسب البيئات والتقاليد المحلية، ولذلك ينبغي دراسة عناصره في سياقها الخاص، دون افتراض تطابقها مع الطقوس المصرية القديمة».

وتوضح أن أهمية هذا الموضوع تكمن في ضرورة التمييز بين التشابه في الأداء الطقسي والاستمرارية التاريخية الفعلية. ومن ثم، «فإن البحث في العلاقة بين طقوس مصر القديمة و(الزار) لا يقتصر على المقارنة الشكلية، بل يسعى إلى فهم كيفية تشكل الممارسات الطقسية وتغير وظائفها ودلالاتها عبر العصور»، على حد تعبيرها.

مجموعة آلات فرق «الزار» التراثية بمصر (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

وتؤكد أن قراءة «الزار» من منظور الآثار وتاريخ الأديان تمنحنا فرصة لفهم جانب من الموروث الشعبي المصري، وتطرح أسئلة مهمة حول الذاكرة الثقافية وإعادة إنتاج المعتقدات والممارسات. كما تؤكد أن دراسة الحضارة المصرية القديمة لا تقتصر على المعابد والمقابر والنصوص الدينية، بل تمتد إلى تحليل الطقوس والسلوكيات الإنسانية التي ارتبطت بالمعتقد، مع الالتزام بالفصل بين ما تثبته الأدلة ولا يزال في نطاق الفرضيات البحثية.

ونجحت مصر في سنوات سابقة في تسجيل 11 عنصراً ضمن قوائم «اليونيسكو» للتراث غير المادي، من بينها «السيرة الهلالية» و«الاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر» و«الحناء» و«الخط العربي»، وغيرها من العناصر.


مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
TT

مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

بعد سنوات من الإهمال أوصلته لحالة من التدهور كادت تؤدي إلى ضياعه وتهدمه تماماً عاد مدفن الإمام ابن حجر العسقلاني، الموجود في «قرافة الإمام الشافعي»، صاحب المصنفات الكثيرة وأشهرها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، للظهور بحلة تليق به بعد ترميمه.

وكان قد وصف الباحث في شؤون القرافة والمدافن الإسلامية، إبراهيم طايع، تلك الأيادي التي قامت بالترميم بأنها «خبيرة وجديرة بالتصدي لمقابر تراثية أخرى للعديد من الأئمة والمحدثين وكبار العلماء والشخصيات البارزة في التاريخ الإسلامي»، مثل «مقبرة الإمام العز بن عبد السلام» التي لا تبعد خطوات من مدفن ابن حجر العسقلاني.

وقال طايع لـ«الشرق الأوسط» إن حالة المدفن قبل خمس سنوات كانت لا تليق بشيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني، ويضيف: «كنا عندما نذهب لزيارته نراه في وضع متردٍّ. ظهر المدفن بمرور الزمن واستمرار الإهمال بلا أبواب بعد اختفائها، ودون نوافذ، كما تهالكت الجدران والسقف، وكان يمكن أن تضيع معالم المقبرة لولا بقاء الشاهد والتركيبة الحجرية المكتوب عليها اسمه، والعمامة الحمراء التي تقلدها كشيخ للإسلام، والتي تشير إلى مكانته في عصره».

وكانت الجدران المتهالكة حسب قول طايع «لا تشير إلى مقبرة شخصية بقيمة ابن حجر العسقلاني؛ فلم يكن هناك شيء يشير له من الخارج سوى كلمات مكتوبة بخط أزرق وضعها أحدهم على الحائط الخارجي للتعريف به، وكان السقف الموجود من عروق الخشب المتهالكة، وظل الحال هكذا حتى قام مجموعة من الطلبة الدارسين في الأزهر التابعين لبعض دول شرق آسيا بتنظيفه وترميمه وأعادوا له بعضاً من رونقه، وظل الأمر على حاله حتى كانت منحة معهد الدراسات الكلاسيكية بالمملكة المتحدة، بإشراف وزارة الأوقاف، وتمت إعادة بنائه وترميمه بمعرفة خبير الترميم الدكتور إسماعيل أنور الحسيني، لكن المؤسف أن المرممين طمسوا اسم الخطاط الذي كتب شاهد تعريف مقبرة الشيخ».

مدفن ابن حجر العسقلاني قبل الترميم (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

ولفت طايع إلى أن الزخارف التي اعتمدها المرممون جاءت مناسبة لزمن ابن حجر العسقلاني، في العصر المملوكي، وجاءت على درجة عالية من الإتقان، وقد استخدم المرممون في تنفيذها مواد بألوان قادرة على مقاومة المطر وعوامل الزمن، وهو ما منح المدفن نوعاً من البهاء وأعاده لما كان عليه حين تُوفي الإمام قبل 6 قرون، ويضيف: «لا يساوي مدفن ابن حجر العسقلاني في مظهره بعد ترميمه سوى قبة الإمام الشافعي؛ فقد تصدى لها خبراء على مستوى لائق أتقنوا مراحل الترميم، ما جعل ظهور القبة والمدفن في النهاية بما يليق بالمكانة الكبيرة للإمامين الراحلين».

وُلد الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني بمدينة الفسطاط زمن المماليك، سنة 773 هـجرية، وتُوفي في ذي القعدة سنة 852 هـجرية، وخلال حياته تولى مشيخة الحديث وتدريس الفقه بأماكن من الديار المصرية، وتولى نيابة القضاء بمصر مدة، ثم أعرض عنها، وفوّض إليه الملك المؤيد القضاء بالمملكة الشامية، فأصر على الامتناع، وفي عام 827 هـجرية فوّض إليه الملك الأشرف برسباي القضاء بالقاهرة وما معها، فأصبح قاضي القضاة الشافعية بالديار المصرية، واستمر حتى عام 852 هجرية. كما تولى الإشراف على مكتبة المدرسة المحمودية، والإفتاء لمدة 41 عاماً. وخطب في عدة أماكن بالقاهرة وخارجها، من بينها الجامع الأزهر وجامع عمرو بن العاص والقلعة. ويعد ابن حجر العسقلاني، حسب ما ذكرته دار الإفتاء المصرية على صفحتها الرسمية، من المكثرين في التصنيف، حتى إنه يصعب حصر جميع مؤلفاته، وذكر السخاوي ما يزيد على 270 عنواناً لمؤلفاته، وكان أولها «المائة العشارية» الذي ألّفه سنة 796 هـجرية وعمره ثلاث وعشرون سنة، وأشهرها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، ثم توالت بعد ذلك كتبه التي منها «إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة»، و«لسان الميزان»، و«الإصابة في تمييز الصحابة»، و«رفع الإصر عن قضاة مصر»، و«بلوغ المرام من أدلة الأحكام».