«صحافة التوقعات» خدمة جماهيرية تطل في المواسم

نشطت خلال الانتخابات و«كوفيد ـ 19»... وعزّزت وجودها داخل غرف الأخبار

مذيع قناة «سي بي إس» الأميركية يجلس أمام كومبيوتر يونيفاك عام 1952
مذيع قناة «سي بي إس» الأميركية يجلس أمام كومبيوتر يونيفاك عام 1952
TT

«صحافة التوقعات» خدمة جماهيرية تطل في المواسم

مذيع قناة «سي بي إس» الأميركية يجلس أمام كومبيوتر يونيفاك عام 1952
مذيع قناة «سي بي إس» الأميركية يجلس أمام كومبيوتر يونيفاك عام 1952

«يبدو أن الآلة تثور على العناصر البشرية»... كان هذا ما قاله مذيع قناة «سي بي إس» الأميركية عام 1952، عندما ظهر على الشاشة أمام جهاز كومبيوتر ضخم يدعى «يونيفاك» استخدمته المحطة للتنبؤ بنتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية، فيما أصبح يعرف اليوم بـ«صحافة التوقعات» أو «الصحافة التنبؤية»، والتي ما زالت تجد مكاناً لها داخل غرف الأخبار بعد مرور 70 سنة على استخدام «يونيفاك».
تُعرف صحافة التوقعات بأنها «دمج المعلومات التي تتضمن تنبؤات بالأحوال المستقبلية، في عملية إنتاج التقارير الصحافية، باستخدام تكنولوجيا تحليل البيانات، وغيرها من الأدوات». وعلى مدار السنوات الماضية استخدمت في عدة مجالات منها السياسة، والرياضة، والأرصاد الجوية، والعلوم أيضاً. وفي الآونة الأخيرة عززت جائحة «كوفيد - 19» وجودها داخل «غرف الأخبار» للإجابة على تساؤلات الجمهور بشأن المدى الزمني المتوقع لاستمرار الجائحة، وعدد الوفيات المتوقع، وغيرها. وبالمناسبة، عادة ما تُقدم صحافة التوقعات بشكل تفاعلي عبر صور ورسوم بيانية تقربها من الجمهور.
في دراسة نشرتها كلية الصحافة بجامعة كولومبيا الأميركية خلال أبريل (نيسان) الماضي، ذكر الباحث نيكولاس دياكوبولوس أنه «سواء كان الأمر يتعلق بمن سيفوز في الانتخابات المقبلة، أو كيف ستنتشر الجائحة الشهر المقبل، أو ما نخطط لتناوله على الغداء، فإن البشر مهووسون معرفياً بالتفكير في المستقبل». وأردف أن «صحافة التوقعات هي نوع من صحافة البيانات (المُعطيات)، التي تركز على توليد تنبؤات قائمة على الأدلة يمكن أن تساعد في سد حاجة هذا الجمهور».
ووفقاً للدراسة التي أجراها دياكوبولوس فإن «السياسة تستحوذ على الجزء الأكبر من هذه الخدمة بنسبة 40 في المائة، خاصة ما يتعلق بالانتخابات، تليها الصحة والعلوم بنسبة 39 في المائة، وهي تتألف في الغالب من تنبؤات متعلقة بفيروس (كوفيد - 19). ثم الرياضة بنسبة 11 في المائة، والقضايا الاجتماعية الأخرى بنسبة 6 في المائة». وتابع أن «صحافة التوقعات يمكن أن تقدم قيمة صحافية في عدة نواحٍ عبر تقديم معلومات تسهم في التفكيرين النقدي والتفسيري للأحداث».


- تأثير على المصداقية
من ناحية أخرى، رغم وجود صحافة التوقعات داخل غرف الأخبار منذ أكثر من نصف قرن، يعتبر بعض خبراء الإعلام تقديم هذه الخدمة ليس بالضرورة من مهام الصحافي. وهنا توضح د. أروى الكعلي، أستاذة الإعلام في معهد الصحافة وعلوم الأخبار بتونس لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معها أن «مهمة الصحافة الأساسية تتعلق بطرح المسائل المرتبطة بالحاضر، والماضي، وهذا لا يخل بفكرة أن التوقعات يمكن أن تشمل أموراً لا نعرفها حدثت أمس، أو اليوم. لكن المقصود هنا هو أن عمل الصحافي عادة يتعلق بنقل ما يعرف أنه حدث لا ما يتوقع أنه قد حدث».
وفق الكعلي ينطوي التوقع على «مخاطرة»، وتضرب مثلاً بواقعة كانت صحيفة تونسية معروفة طرفاً فيها، إذ نشرت تقريراً تضمن توقّعات إحصائية بشأن إعداد وفيات «كوفيد - 19» خلال الأشهر القليلة الأولى من الجائحة، ولكن بعد مرور سنتين على الجائحة لم تصل أعداد الوفيات إلى الرقم الذي تحدثت عنه الصحيفة في ذلك الوقت، بل - كما تقول الباحثة التونسية - يبيّن الواقع أن الأرقام الحالية بعد معاناة المواطنين من الجائحة ومتحوراتها ما زالت بعيدة جداً عن الرقم الذي توقعته الصحيفة.
يوين ماكاسكيل، الصحافي البريطاني الاستقصائي ومراسل جريدة «الغارديان» البريطانية السابق، الذي يعمل حالياً موجهاً للمتدرّبين في مؤسسة «رويترز» للصحافة يؤيد رأي الكعلي. إذ يرى أن «الدور التقليدي الذي يتدرب عليه الصحافي هو كيفية متابعة ما حدث، أو ما يحدث الآن، وليس التنبؤ بالمستقبل. بيد أن الصحافي يقع دائماً تحت ضغط محاولة توقع الأحداث، وذلك نتيجة لشعور الناس بأن لديهم معرفة داخلية بالأحداث وتطوّراتها». ويضيف ماكاسكيل لـ«الشرق الأوسط» قائلاً إنه «أياً كانت الضغوط يجب على الصحافي مقاومة الانغماس في التوقعات، وإن كان من الممكن لكتّاب الرأي والمعلقين أن يفعلوا ذلك. إن إحدى القواعد الأولى التي على الصحافي تعلمها تحاشي إصدار تنبؤات». ويستطرد أن «نشر التوقعات يؤثر على مصداقية وسائل الإعلام».
حسب ماكاسكيل: «ليس هناك أي فائدة تعود على الصحافي من محاولته التكهّن بما سيحدث، فكثيرون من الصحافيين في الولايات المتحدة الأميركية لم يتوقعوا فوز الرئيس السابق دونالد ترمب عام 2016، وفي بريطانيا أيضاً لم يتوقّع معظم الصحافيين أن يصوّت البريطانيون لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي عام 2016».

- مواسم صحافة التوقعات
في أي حال لصحافة التوقّعات مواسم، حين تعجّ وسائل الإعلام، مقروءة ومسموعة ومرئية وإلكترونية، مع بداية كل عام، بسيلٍ من التقارير والبرامج التي تتحدث عن توقعات العام الجديد. وهي طبعاً تزدهر في فترات الانتخابات، عبر مقالات تحليلية وإحصائية ورسوم بيانية تحاول التنبؤ بنتيجة الانتخابات ونسب الإقبال على التصويت. ولقد كانت جائحة «كوفيد - 19» واحدة من الأسباب التي دفعت الصحافة بشكل أكبر تجاه التوقعات، باعتبارها قصة «ضخمة وغامضة»، ولّدت العديد من الأسئلة لدى الجمهور من قبيل إلى متى ستستمر؟ وهنا يقول ماكاسكيل: «في هذه الحالات من الممكن للصحافي أن يقتبس آراء وتنبؤات المتخصصين، من أطباء وأكاديميين، وباحثين، ومسؤولين، شريطة ألا ينجرف هو بنفسه للإدلاء بتوقعاته».
ورغم تفضيلها لبقاء الصحافية في نطاق ما هو كائن لا ما يمكن أن يكون، تؤكد الكعلي أن «التعامل مع التوقعات أصبح أمراً واقعاً يصعب تجنبه، في ظل ما نشهده من تطور على مستوى حضور وحجم البيانات، مصحوباً بتطور تقنيات الذكاء الصناعي في غرف الأخبار». وهي ترى أن «ثمة مجالات تفرض التوقّعات نفسها عليها بالضرورة، كالنتائج الأولية للانتخابات، التي يسارع الصحافيون إلى إعلانها، إلى جانب نتائج استطلاعات الرأي التي تتناول نيات التصويت».

- معضلات أخلاقية
من جهة أخرى، تخلق صحافة التوقعات معضلات أخلاقية، حول كيفية استقبال الجمهور لها، فعلى سبيل المثال، كانت التوقعات في الانتخابات الأميركية لعام 2016، لصالح المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون، وربما يكون ذلك قد دفع بعض مؤيديها لعدم التوجه لصناديق الاقتراع ظناً منهم أن النتيجة محسومة لصالحهم، وأن تصويتهم لن يحدث فارقاً كبيراً. وحقاُ، رأت دراسة نشرتها جامعة شيكاغو عام 2020. أن «توقعات الانتخابات قد تدفع المصوتين للإحجام عن الذهاب لصناديق الاقتراح حسب الطريقة التي تقدم بها». وهو ما يتطلب من الصحافيين تقدير حجم التأثير الذي يمكن أن تتسبب به توقعاتهم.
ويضع ماكاسكيل شروطاً يجب على الصحافي اتباعها إذا ما كان مضطراً للكتابة عن حدث مستقبلي، من بينها جمع وتقديم عدة خيارات واحتمالات، وتفادي الاعتماد على رؤية واحدة. ويوضح: «يمكن للصحافي الاحتفاظ بمصداقيته وقيمه المهنية عبر تقديم أكبر عدد من الاحتمالات، وترك الساحة للجمهور ليعمل عقله. الصحافة الحرة والمستقلة صحافة تعددية تقدم مجموعة واسعة من وجهات النظر، لا وجهة نظر واحدة. ثم إن الجمهور سيتذكر الأخطاء التي وقع فيها الصحافي، أو الصحيفة، عند محاولة تنبؤه بالمستقبل، لكنه لن تسعفه ذاكرته بنفس القدر لو صدقت توقعات الصحافي».
بدورها تشدد الكعلي على أنه «في كل الحالات ومهما كان السياق الذي تأتي فيه هذه التوقعات، يجب توخي حذر مضاعف في التعامل معها، بالتزامن مع تدريب الصحافيين على التعامل مع هذا النوع من البيانات»، وتضيف أن «التوقعات يمكن أن تكون غير دقيقة، أو غير موثوقة، الأمر الذي يفتح الباب أمام نمط جديد من التضليل في الأخبار والمعلومات، يتطلب بدروه مهارات جديدة في التدقيق والتحري... إذ يصعب على الوحدات الصحافية المتخصصة في تدقيق المعلومات الجزم فيما إذا كان أمر ما سيحدث أم لا. وسيكون عليها أن تتمرس أكثر في التدقيق في منهجية التوصل إلى هذه التوقعات، وهو ما يتطلب الاستثمار في مهارات مهنية جديدة». وتختتم: «مهما كانت التوقعات سليمة، فهي لن تكون أبداً دقيقة بنسبة 100 في المائة، الأمر الذي يستدعي مهارات خاصة عند التعامل مع مواضيع من هذا النوع، لضمان معرفة الجمهور بحدودها ودقتها». وهنا يوصي دياكوبولوس - في بحثه - «بالتأكد من دقة المعلومات قبل نشرها، وإجراء دراسات لتقييم تأثيرها على الجمهور».
في نهاية المطاف، أياً كانت التحذيرات والمخاطر، فهذا لن يحد من وجود صحافة التوقعات في «غرف الأخبار»، خاصة أن البعض يراها «مستقبل» المهنة. ولقد تحدث إتش أو مايكوت، رئيس وحدة التكنولوجيا في صحيفة «تكساس تريبيون»، في مقال نشره معهد «نيمان لاب»، التابع لجامعة هارفارد الأميركية في إطار توقعات عام 2016. عن «أهمية صحافة التوقعات في منح الجمهور مؤشرات حول ما يمكن أن يحدث، وتمكينهم من توقع الأحداث قبل وقوعها»، مشيراً إلى أن «المستقبل لصحافة التوقعات التي ستمكن الصحافي من أن يكتب اليوم عناوين القصص الخبرية التي ستحدث في الغد».


مقالات ذات صلة

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

إعلام زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي.

إيمان مبروك (القاهرة)
إعلام جلسة حوارية على هامش إطلاق «مدونة السلوك» الإعلامي في سوريا (وزارة الإعلام)

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

جاء إطلاق «مدونة السلوك» المهني في ظل حالة من الفوضى، وتأخر صدور قانون ناظم للعمل الإعلامي، وعدم تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد.

سعاد جرَوس (دمشق)
يوميات الشرق تُكرّم «جوائز List» مجموعة تجارب استثنائية تُعيد تعريف معايير التميّز والرفاهية في العالم العربي (SRMG)

مجلة «List» تطلق النسخة الأولى من جوائزها

أطلقت مجلة «List»، النسخة الأولى من جوائزها، بالشراكة مع علامة «ريتشارد ميل»، التي تحتفي بالإبداع والتميّز بمجالات السفر والرفاهية والثقافة وفنون الطهي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
إعلام ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟


زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)
TT

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي، ما يشير إلى أن جزءاً معتبراً من جمهور المنصة «بات أكثر تقبلاً لفكرة الدفع مقابل الخدمات». ويرى مراقبون أن «هذا التحول قد يمثل فرصة لصُناع الأخبار، إذ نجحوا في تقديم محتوى يُغازل أسلوب المنصة واحتياجات جمهورها، بما يفتح المجال أمام نماذج إيراد تتجاوز الاعتماد التقليدي على الإعلانات».

كانت شركة «سناب» الأميركية، المالكة لتطبيق «سناب تشات» قد أشارت إلى أن أعمالها في مجال الإيرادات المباشرة حققت معدل إيراد سنوي قدره مليار دولار، حسب ما ورد في تقرير نشرته «رويترز» أخيراً. وأرجعت السبب إلى النمو المتسارع لخدمة الاشتراك المدفوع، وذلك في إطار مساعي الشركة لتنويع مصادر دخلها بعيداً عن الإعلانات. وتصنّف خدمة «الاشتراكات المدفوعة» من تطبيق «سناب تشات» أنها من أسرع خدمات الاشتراك الاستهلاكي نمواً عالمياً منذ إطلاقها أواخر 2022، مع نمو في عدد المشتركين كل ربع سنة، وفقاً لإفادة صدرت من الشركة.

خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن الفرصة سانحة الآن لخدمات إخبارية «مستحدثة» تلبي احتياجات جمهور التطبيق الذي لا يمانع الدفع مقابل الحصول على خدمات معتبرة.

إذ قال محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي، إن ما نشهده لا يعكس استعداداً للدفع مقابل الأخبار بصورتها التقليدية، بقدر ما يعكس استعداداً للدفع مقابل «تجربة رقمية مبتكرة». وأوضح أن «نجاح الاشتراكات في سناب تشات قائم على تقديم ميزات لها طابع شخصي وحصري، يعزّز شعور المستخدم بالانتماء والتميز، بالإضافة إلى تسعير منخفض يشجع على الدفع كعادة يومية».

وأردف عاطف أن «الجمهور الشاب لا ينظر إلى الأخبار كمنتج مدفوع، بل كخدمة متاحة دائماً، لكنه مستعد للدفع عندما يشعر أن الخدمة تضيف قيمة لحياته أو تسهل تفاعله مع العالم الرقمي». ويشير إلى أن الشباب العربي تحديداً بات هاضماً لثقافة الدفع مقابل خدمات رقمية.

وتابع أنه لا يمانع حضور «سناب تشات» كجزء من منظومة الإيرادات الخاصة بمؤسسات الأخبار، لكنه استدرك فقال: «لا يمكن أن يلعب سناب تشات دور منصة نشر تقليدية، بل قد يكون قناة توزيع واستحواذ على جمهور جديد لا يصل إلى المواقع الإخبارية عادة». ومن ثم، اقترح نماذج لاستغلال أدوات «سناب تشات»، قائلاً: «لدى التطبيق أدوات مثل سناب ماب Snap Map وديسكفر Discover التي تعد فرصاً للأخبار عبر تقديم سرد بصري سريع ومبتكر يشرح الأحداث بلغة مبسطة تتناسب مع سلوك المستخدمين داخل المنصة».

وأضاف: «الجمهور هناك لا يبحث عن الخبر العاجل، بل يفضل محتوى يفسر ويحلل ما يحدث بشكل يسهل الاندماج في يومه، وهذا يفتح فرصة واسعة للمؤسسات الإعلامية لتقديم محتوى تفسيري وتفاعلي، يمزج بين المتعة والسرعة والمعرفة».

وكان الرئيس التنفيذي لشركة «سناب»، إيفان شبيغل، قد أعلن أن «سناب» ستطلق ميزة اشتراك جديدة تتيح لصناع المحتوى تحقيق دخل متكرّر مباشرة من أكثر متابعيهم ولاءً، على أن يبدأ اختبارها في 23 فبراير (شباط) الحالي عبر مجموعة محدودة من منشئي المحتوى في الولايات المتحدة، وفق ما أوردت «رويترز» أخيراً.

أما مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، فيرى أن «الأخبار لا تزال غير حاضرة على سناب تشات... وهناك عدة أسباب لغيابها عن هذه المنصة الترفيهية، أبرزها أن الفئة العمرية الكبرى المستخدمة للتطبيق هي فئة عمرية صغيرة، إذ يشكل عمر ما بين 13 إلى 25 سنة نحو 60 في المائة من المستخدمين، وهذه الفئة إجمالاً ليس لديها اهتمام بمتابعة الأخبار العالمية أو حتى المحلية».

وأردف: «وسبب آخر هو أن غالبية المحتوى على المنصة على طريقة المؤثرين، أي يوميات مشاهير، وليست محتوى خبرياً حتى وإن كانت على طريقة صناع المحتوى، ومن ثم تغيير هذه الاهتمامات لدى جمهور سناب تشات يحتاج لأفكار شديدة الابتكار».

وأشار كيالي إلى أن «صُناع الأخبار يواجهون ميول المنصة نفسها، التي ليست لديها توجهات لدعم المحتوى الإخباري، وأظن أن المشكلة بشكل أساسي بسبب تعقيدات التعاون ومشاركة الأرباح مع الناشرين». وعدّ حضور منصات الأخبار مرهوناً بنوعية الأخبار الملاءمة لجمهور المنصة، وكذلك القوالب، و«يمكن للمؤسسات الإخبارية أن تكون موجودة من خلال الأخبار الخفيفة المتعلقة بالمشاهير أو الموضة والجمال، ومن خلال قوالب تناسب المنصة وجمهورها».


استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.