مرسيدس بارشا وغارسيا ماركيز: العزلة هي قدر الإنسان والحب خلاصه الوحيد

أغرم بها في مطالع الصبا وظلا متلازمين إلى ما بعد الموت

مرسيدس بارشا وغارسيا ماركيز
مرسيدس بارشا وغارسيا ماركيز
TT

مرسيدس بارشا وغارسيا ماركيز: العزلة هي قدر الإنسان والحب خلاصه الوحيد

مرسيدس بارشا وغارسيا ماركيز
مرسيدس بارشا وغارسيا ماركيز

إذا كانت الواقعية السحرية هي العبارة النمطية التي لازمت اسم غابرييل غارسيا ماركيز، وتجربته الروائية الفريدة منذ عقود، فإن صاحب «خريف البطريرك»، كان يرى أن «العزلة» دون سواها هي الكلمة السحرية التي يمكن بواسطتها الولوج إلى دهاليز عالمه السردي وأنفاقه المتشعبة. ومع أن ماركيز لا ينفي بشكل مطلق تداخل الواقعي والسحري في رواياته، إلا أنه يذهب بالمقابل إلى القول بأن ثمة أساساً واقعياً لكل ما نعته الكثيرون بالسحري والخارق وغير المألوف في كتاباته. ولكي يزيل لدى قرائه أي شعور بالحيرة واللبس، يقول ماركيز بأن الحياة اليومية في أميركا اللاتينية تقدم عشرات الشواهد على واقعية حكاياته، حيث شاهد رحالة أميركي شمالي، في مغامرة استكشافية لأعماق الأمازون، ساقية فرعية تجري في وسطها مياه تغلي. كما حدث في الأرجنتين أن رياحاً قطبية عاتية اقتلعت سيركاً كاملاً، وطارت به بعيداً عن مكانه الأصلي. كما أن المرأة التي دفعتها رياح مماثلة إلى الطيران مع ملاءاتها المنشورة على حبل الغسيل، هي الخلفية الواقعية لحكاية ريميديوس الجميلة التي جعلها الكاتب تطير نحو السماء.
على أن ماركيز الذي يرى، في حواره المطول مع صديقه بيلينو ميندوزا، أن الكاتب لا يكتب في حياته سوى عمل واحد، وأن الأعمال الأخرى ليست سوى تنويعات متفرقة على ذلك العمل، يقول لمحاوره إن الكتاب الأساسي الذي تتمحور حوله أعماله بمجملها هو «كتاب العزلة»، ليتابع موضحاً بأن هذه الظاهرة لا تنحصر بعمله الأشهر «مائة عام من العزلة» فحسب، بل تتعداه إلى بطل «الأوراق الذابلة» الذي يعيش ويموت بمفرده. وكذلك بطل «ليس للكولونيل من يكاتبه» الذي ينتظر مع زوجته وديكه معاشاً تقاعدياً لن يصله أبداً. وهو الوضع نفسه في «الساعة الرديئة» و«خريف البطريرك».
«ولكن ما هو مصدر الشعور بالعزلة عند آل بوينديا؟»، يسأل ميندوزا، ماركيز، في معرض حديثه عن العقيد أوريليانو، بطل الرواية التي أهدت كاتبها جائزة نوبل للآداب عام 1982، والتي صرح ماريو فارغاس يوسا قبل أيام بأنه لا يغار من ماركيز نفسه، بل من رائعته الروائية «مائة عام من العزلة».
«لأنهم يفتقرون إلى الحب»، يجيب ماركيز، ثم يستدرك قائلاً بأن أوريليانو، ذا ذنَب الخنزير، كان الوحيد الذي أنجب عن حب خلال قرن كامل، في حين أن الآخرين كانوا يختنقون بعزلتهم وخوائهم الروحي. بالإضافة إلى ذلك يسهب مؤسس الواقعية السحرية في الحديث عن العلاقة العاطفية الآهلة بالمصاعب، التي جمعت بين أبيه غابرييل إيليخو، وبين أمه لويسا التي مانع والدها في تزويجها من عامل التلغراف المولع بالنساء، قبل أن يفلح الأخير، عن طريق القصائد الشعرية والعزف على الكمان والرسائل التلغرافية، في الاقتران بالفتاة الجميلة، لينجبا بعد ذلك أحد عشر ابناً وابنة، أكبرهم الطفل الذي سيبهر العالم بأسلوبه الروائي الأخاذ، والذي يعترف فيما بعد بأنه استوحى من المغامرة العاطفية المؤثرة لأمه وأبيه، رائعته الروائية الأخرى «الحب في زمن الكوليرا».
إلا أن المتابعين الكثر لأعمال ماركيز، والمتعطشين للاطلاع على سيرته الشخصية وخفايا حياته، لن يجدوا في مذكراته الصادرة عام 2002 في جزأين اثنين، ما يرضي فضولهم للوقوف على حياته العاطفية ومغامراته المختلفة مع النساء. وبدلاً من ذلك يطلعنا المؤلف على كتابه الأثيرين، وعلى انخراطه يافعاً في العمل الصحافي، حيث تنقل بين «اليونيفيرسال» و«هيرالدو» و«السبيكتادور»، وعلى أعماله الأولى التي كلفه نشرها الكثير من المشقات والتعديلات المتواصلة. ولعل أطرف ما يرويه الكاتب الكولومبي المعروف بأسلوبه الساخر، هو ما رواه عن استرداده لمخطوطة له، كانت قد سُرقت مع أغراض أخرى تخصه، ليتبين أن اللص الذي أعادها، قام بتصحيح ثلاثة أخطاء إملائية كان ماركيز قد ارتكبها أثناء الكتابة. كما يُطلعنا على ما كابده في سنوات شبابه من فقر مدقع، أوصله إلى حدود التسول، بعد إغلاق الصحيفة التي كان يعمل مراسلاً لها في باريس، من قبل الديكتاتور الكولومبي روخاس بينيلا.
أما فيما يخص علاقته بالمرأة، فيقر ماركيز بأن النساء وحدهن يمنحنه الشعور بالأمان، ليضيف قائلاً: «في كل لحظة من لحظات حياتي، كان ثمة امرأة تقودني من يدي في ظلمة الواقع، الذي تعرفه النساء أكثر من الرجال، ويتخطينه بسهولة أكبر وضَوءٍ أقل». وحيث يظهر التباين واضحاً بين تصريحات ماركيز النظرية، وبين تحفظه اللافت في الكشف عن تفاصيل غرامياته ونزواته المشبوبة، فإن الكاتب نفسه يعترف بهذا الوضع «الفصامي»، ويعزوه إلى تربيته الكاثوليكية المحافظة، وإلى الأعراف والتقاليد التي كان قد كرسها المجتمع البورجوازي في فترة شبابه.
كما يعترف ماركيز في مذكراته بأن المرأة الوحيدة الذي شغف طيلة حياته بها هي مرسيدس بارشا. فمنذ لقائه بها طفلة على مقاعد الدراسة، أدرك أنها ستكون دون غيرها من نساء الأرض، حبيبته وزوجته ورفيقة دربه. وحيث لم تأبه الفتاة اليانعة لعرض الزواج الذي قدمه لها في لقائهما الأول، فقد راح يوطد علاقته بوالدها الصيدلاني الليبرالي، الذي بات أحد الأعضاء الدائمين في حانة «الرجل الثالث» التي كان يرتادها البحارة ومجدفو السفن في ذلك الزمن. ومع أن الابنة التي كانت تزاول دراستها في مدينة مديين، لم تكن تزور أسرتها إلا في أعياد الميلاد، فإن ماركيز كان يملك من الجلَد والشغف، ما يجعلاه قادراً على أن ينتظر عودتها النهائية إلى «بيت الطاعة» الزوجي، لعشرة أعوام كاملة، بما يجعل من قصته معها نوعاً من أوديسة مقلوبة، تلعب مرسيدس فيه دور عوليس السادر في مغامراته، فيما يتحول ماركيز إلى بنيلوب المنتظِرة، التي لم تفت من عزيمتها الوحدة والانتظار وتقادُم السنين.
«لقد كانت مرِحة ولطيفة في تعاملها معي على الدوام، ولكنها تمتلك موهبة مشعوذ في التملص من الأسئلة والإجابات، وعدم الالتزام بأي شيء محدد. وكان عليّ أن أتقبل ذلك على أنه استراتيجية أكثر رحمة من عدم المبالاة أو الصد»، يقول ماركيز في مذكراته. ورغم أنها أخبرته حين دعاها إلى الرقص في إحدى الحانات، بأن والدها يعتقد بإصرار بأن الأمير الجدير بالزواج منها لم يولد بعد، فقد بدا أنها بدأت تميل إليه، قبل أن تلتحق مرة أخرى بدير للراهبات، جاعلة من الرسائل المتبادلة بينهما الوسيلة الأنجع لإبقاء العلاقة في حالة التوهج. أما ماركيز فيعترف من جهته بأن رسالة مقتضبة وصلته من مرسيدس تقول فيها «لقد قتلوا كايتانو»، وهو طبيب معروف وعاشق بارع وصديق للطرفين، كانت كافية بالنسبة له للشروع في كتابة روايته الشهيرة «قصة موت معلن».
كان على ماركيز أن ينتظر عام 1958 لكي تتكلل بالزواج علاقته بمرسيدس، ذات الأصول المصرية - اللبنانية، التي تُظهرها بوضوح عظامها العريضة وعيناها البنيتان الواسعتان وسحنتها السمراء. وفي حوار لاحق مع مجلة كولومبية تقول مرسيدس، «جدي كان مصرياً خالصاً. كان يغني لي باللغة العربية، ويرتدي القطنيات البيضاء ويضع على رأسه قبعة من القش». أما ماركيز من جهته فيرى في مرسيدس «الشخصية الأكثر استحقاقاً للتقدير من كل الذين عرفهم في حياته».
ولم تمض سنة واحدة على ارتباطهما، حتى رُزق الزوجان بابنهما الأول رودريغو، الذي سيصبح مخرجاً سينمائياً في وقت لاحق. وبعده بثلاث سنوات سيُرزقان بابنهما الثاني غونتالو الذي سيعمل فيما بعد مصمماً غرافيكياً في العاصمة المكسيكية، التي اختارها الأب مكاناً لإقامته، نائياً بنفسه وبعائلته في تلك المرحلة، عن الصراع الحاد مع سلطات بلاده القمعية. ومع ذلك فإن ماركيز كان يغتنم الفرص جميعها ليشيد بالدور الإيجابي الذي لعبته زوجته في مسيرته الشخصية والأدبية، معترفاً بأنه من دون تعاونها وصبرها على العوز، وحسن إدارتها لشؤون العائلة، لما كان لمسيرته الأدبية أن تؤتي ثمارها، أو لحياته القلقة أن تعرف الاستقرار.
ولم تكتف مرسيدس، في ظل شهرة زوجها الواسعة، بتقبل التزايد المطرد لعدد معجباته، بل كانت تذهب، وفق روايته، أبعد من ذلك، فتساعده على التقرب من المرأة التي ينجذب إليها، وعلى تهيئة الفرصة المؤاتية للقاء بها إذا شاء. وقد تكون الصداقة الوثيقة التي جمعت بين ماركيز وشاكيرا، التي تشاء المصادفات أن تكون هي الأخرى من أصل لبناني، الشاهد الإضافي على كبح زوجته لمشاعر الغيرة، آخذة بعين الاعتبار بأن ما تتحمله في هذا الصدد، هو الثمن الذي لا بد من دفعه لمنع علاقتهما الشائكة من الانهيار. والواقع أن الصداقة الفريدة التي جمعت بين المغنية الفاتنة والكاتب العبقري الذي يكبرها بخمسين عاماً، هو نوع من لقاء رمزي بين قمتي كولومبيا الشاهقتين، كما بين المرأة التي اعتبرها ماركيز «النموذج الأمثل لقوة أرضية تعمل في خدمة السحر»، والرجل الذي اعتبرته من ناحيتها «الفيلسوف الكبير والمايسترو الأمهر للكلمات».
إلا أن الصورة التي رسمها صاحب «الجنرال في متاهته» لنفسه، والتي أظهرته على امتداد العقود الخمسة التي جمعته بمرسيدس، بمظهر الزوج الوفي و«المتبتل» في حبه ووفائه، ما لبثت أن تعرضت للاهتزاز بُعيد رحيل زوجته بقليل. فقد تبين وفق التقرير الذي نشرته صحيفة «اليونيفرسال»، بأن لماركيز ابنة غير معروفة، كانت قد أنجبتها له من خارج إطار الزواج عشيقته المكسيكية الجميلة سوسانا كاتو، التي تصغره بثلاثة وثلاثين عاماً. والفتاة التي أطلق عليها والدها اسم أنديرا، تيمناً بزعيمة الهند الراحلة التي كانت إحدى قارئاته المثابرات، ما زالت تعمل في حقل إنتاج الأفلام، دون أن تحمل كنية والدها البيولوجي. وقد أوضح غوستافو تاتيس، الصحافي الذي نشر الخبر موثقاً بالأدلة، بأنه لم يقدم على إفشاء هذا الخبر الصادم احتراماً لمشاعر مرسيدس التي رحلت عن هذا العالم عام 2020، أي بعد رحيل زوجها بسنوات ست.
والأرجح أن علاقة ماركيز بالصحافية الحسناء لم تكن لتخفى على امرأة حاذقة وبالغة الذكاء كمرسيدس بارشا، ولكنها اختارت التعالي على جراحها، لا حماية لعقدهما العائلي من الانفراط فحسب، بل لأنها كانت تملك من الأنفة والكبرياء ما يحملها في الوقت نفسه، على القفز فوق جراحها العاطفية الشخصية.
ولعل أكثر ما يؤكد هذا «التعالي»، هو الحوار الأخير الذي أجراه الزوجان عام 2013، أي قبل عام واحد من رحيل ماركيز، مع هيكتور فليسيانو، ونشر لاحقاً في كتاب مستقل بالإسبانية عنوانه «الصحافي غابو». فحين سأل فليسيانو ماركيز عن رأيه بجمال زوجته، أجاب «جمال مرسيدس شرقي وساحر، وعيناي لم تر امرأة غيرها طوال أعوام الزواج». أما مرسيدس، الرصينة والمتحفظة، فقد أجابت عن سؤال يتعلق بمشاعرها إزاء الكاتب الشاب المتقدم لخطبتها آنذاك، بأن تمتمت باقتضاب بالغ «لا شيء!». لكن هذه الإجابة الصادمة لم تكن تعكس الحقيقة التي تخبئها الزوجة في أعماقها إزاء الرجل العبقري الذي منحته كل ما تملكه من صلابة وقدرة على العطاء. والأدل على ذلك هو أنها اختارت في وصيتها الأخيرة أن يتم حرق جثمانها، وأن يذرى جزء من رمادها بين كولومبيا والمكسيك، تماماً كما أوصى زوجها المثقل بالأمراض قبيل رحيله. وهي إذ اختارت أن يدفن رمادها المتبقي إلى جوار رماد ماركيز، فلكي تكمل من خلال الموت، ما ظلا يتقاسمانه، عبر ستة وخمسين عاماً، من مشاعر الحب والألفة والتكامل الخلاق.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

رحلة شاب سعودي من مسابقة «إثراء» للابتكار إلى معرض «آيسف» الدولي للعلوم

الطالب تميم مع فريقه (إثراء)
الطالب تميم مع فريقه (إثراء)
TT

رحلة شاب سعودي من مسابقة «إثراء» للابتكار إلى معرض «آيسف» الدولي للعلوم

الطالب تميم مع فريقه (إثراء)
الطالب تميم مع فريقه (إثراء)

تمكن تميم خان وهو شاب سعودي من الانضمام إلى المنتخب السعودي للعلوم والهندسة، والمشاركة في معرض «آيسف» الدولي للعلوم والهندسة في شهر مايو (أيار) المقبل، وهي المسابقة التي تعد كبرى المسابقات العلمية على مستوى العالم، وتقام سنوياً في الولايات المتحدة الأميركية.

بدأ تميم مشواره إلى منصات الابتكار العالمية، عبر المشاركة في «سباق STEM السعودية» الذي ينظّمه سنوياً مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء) «مبادرة أرامكو السعودية»، حيث تتحول المنافسة من مجرد سباق إلى مساحة أوسع لاختبار الأفكار وصقل المواهب، وتبرز حكايات متعددة، يجمعها مسار واحد؛ الشغف الذي يقود إلى ما هو أبعد من خط النهاية.

ويُنظر إلى تجربة تميم خان بوصفها نموذجاً آخر للتحول الذي تصنعه هذه المنافسات، فبعد مشاركته مديراً لفريق «سيف» في «سباق STEM السعودية»، استطاع تميم أن يحوِّل تجربته إلى محطة مفصلية في مسيرته، أهَّلته لتمثيل المملكة في معرض «آيسف» الدولي للعلوم والهندسة.

ولم يكتفِ تميم في تجربته داخل البرنامج بالمشاركة، بل امتد إلى العمل المباشر مع القسم الهندسي للفريق، حيث تعلّم استخدام البرامج المتخصصة والمعدات المرتبطة بتصميم وتصنيع السيارات المصغرة، هذا الاحتكاك العملي أتاح له فهماً عميقاً لمكونات المركبة وآليات بنائها، وعزز مع الوقت ذاته شغفه بمجال الهندسة.

ومع توليه إدارة الفريق، خاض تميم تجربة متكاملة جمعت بين إدارة المشاريع وتنظيم الوقت والتنسيق مع الرعاة، إلى جانب متابعة الجوانب الفنية، ومع كل مرحلة تطورت قدرته في اتخاذ القرار والعمل تحت الضغط، وتحويل التحديات إلى خطوات منظمة نحو الإنجاز، وقد انعكس ذلك بشكل مباشر على مسيرته العلمية، حيث أسهمت هذه المهارات في توسيع مداركه وتهيئته لخوض تجارب علمية على مستوى دولي.

التوأمان يتوسطان جميع الفرق المشاركة في الجبيل (إثراء)

توأمان في المنافسة

وعلى بعد أمتار من مسار تميم، يبرز مشهد مختلف يحمل بعداً إنسانياً لافتاً؛ التوأمان «البراء وإبراهيم» اللذان تقاسما كل شيء تقريباً منذ الصغر، اختارا أن يكونا في السباق على طرفي خطٍّ واحد، كلُّ منهما ضمن فريق مختلف، يتنافسان على المضمار ذاته.

ولم تكن المنافسة بينهما مجرد تحدٍّ علمي هندسي، بل كانت اختباراً لشيء أعمق. ففي نهائيات السباق تأهَّل فريق البراء للتقدم، فيما خرج فريق توأمه إبراهيم من المنافسة، لكن الأخير لم يتراجع إلى المقاعد، بل كان داخل إطار الصورة يشجع أخاه نحو خط النهاية.

التوأم الفائز براء أفغاني يتوسط فريقه (إثراء)

يُذكر أن «سباق STEM السعودية» الذي ينظّمه مركز «إثراء» منذ عام 2021، يحاكي تصميمه بيئة فرق «فورمولا 1»، حيث يصنع المشاركون سيارات سباق مصغرة، ويديرون ملفاتها التسويقية والمالية والإعلامية، مما يخلق تجربة تعليمية متكاملة تجمع بين الهندسة والقيادة والعمل المؤسسي، كما يعزز البرنامج مهارات التواصل والعمل الجماعي والقدرة على المنافسة في المسابقات المحلية والدولية والتفاعل مع فرق من مختلف العالم.

Your Premium trial has ended


شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
TT

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)

عادت المطربة المصرية شيرين عبد الوهاب للأضواء مرة أخرى، بعد إعلان الملحن والموزع عزيز الشافعي عن قرب إصدار أغنية جديدة لها بعنوان «عايزة أشتكي»، ما حظي باهتمام لافت على صفحات «سوشيالية»، وتصدر «الترند» على «غوغل» في مصر، الأحد، وعَدّه بعض المتابعين والنقاد خطوة من شيرين لتجاوز أزمات تعرضت لها في الفترة الأخيرة، تسببت في غيابها عن الساحة الغنائية.

ونشر الملحن عزيز الشافعي مقطع فيديو تظهر فيه شيرين خلال تصوير أغنية جديدة تقول كلماتها «عايزة أشتكي... أشكي»، وقال في الفيديو إنه يعرف أنها أوحشت جمهورها كثيراً، وهي أيضاً تشتاق إليهم، معلناً عن عودتها قريباً بعد فترة غياب شغلت كل محبيها.

وتعرضت شيرين عبد الوهاب للعديد من الأزمات والقضايا والمحاضر المتبادلة بينها والملحن والمطرب حسام حبيب بعد ارتباطهما وانفصالهما أكثر من مرة، كما شهدت أزمات أخرى حول حقوق استغلال صفحاتها «السوشيالية» وفي علاقتها بأخيها وأسرتها، وتعرضت لأزمة صحية بعد جدل أثير حول حفل قدمته في المغرب، واتهمها الجمهور باستخدام «البلاي باك» على خلاف المتوقع منها.

شيرين عبد الوهاب (إنستغرام)

وغابت شيرين عن الساحة الفنية والغنائية لفترة طويلة، إلى أن ظهرت في مارس (آذار) الماضي عبر فيديو متداول على «السوشيال ميديا» بصحبة ابنتها هنا وهما يغنيان في حالة من البهجة والمرح، إلى أن ظهرت أخيراً في مقطع الفيديو الذي نشره عزيز الشافعي من كواليس التسجيل، معلناً عن عودتها للساحة الغنائية.

ويرى الناقد الموسيقي المصري، محمود فوزي السيد، أن محبي وجمهور شيرين يتمنى عودتها بشكل نهائي للساحة الغنائية وتجاوز كل أزماتها، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «للأسف رفاهية الفرص الجديدة لم تعد متاحة بشكل كبير بالنسبة لشيرين، خصوصاً أنها حظيت بفرص للعودة من قبل ولم تستثمرها بالشكل المنشود».

وتابع: «نتمنى رجوعها طبعاً لأنها صوت مهم جداً على ساحتي الغناء المصرية والعربية، ونتمنى أن يكون هذا قرار العودة النهائية بألبوم كامل، وأن يكون فريق العمل معها من ملحنين وشعراء وموزعين ومهندسي صوت على قدر المسؤولية؛ لأنها مسؤولية كبيرة عودة شيرين، ويجب أن تكون أعمالها القادمة مناسبة لقيمتها الفنية وموهبتها واشتياق الجمهور لها، وليست مجرد أعمال لملء الألبوم».

ووصف السيد صوت شيرين بأنه «يتميز بالأصالة الشديدة، ومن ثم حين تعود يجب أن تعود بكامل لياقتها الصوتية، لأنها صوت مميز جداً، وهذا التميز يجب أن يظل العلامة المميزة لصوتها وأدائها».

من كواليس الأغنية الجديدة (صفحة عزيز الشافعي على فيسبوك)

وقدمت شيرين العديد من الألبومات الغنائية والأغاني الفردية على مدى مشورها كما أحيت عشرات الحفلات في مصر والخارج، وكان أول ألبوماتها المفردة «جرح تاني» الذي صدر عام 2003، ثم توالت أعمالها مثل «آه يا ليل» و«بتوحشني» و«أنا كثير» و«حبيت»، وكانت أحدث أغنياتها بعنوان «باتمنى أنساك».

ويصف الناقد الموسيقي المصري، أحمد السماحي، الاهتمام بعودة شيرين بأنها «قد يكون مفتعلاً من صفحات مؤثرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «شيرين بقدر محبة جمهورها لها فهو غاضب منها، وربما كان الاهتمام بإعلان عزيز الشافعي قرب عودة شيرين؛ لأن الشافعي واحد من فرسان الساحة الغنائية حالياً، والجميع يهتم بما يعلن عنه».

وتابع السماحي: «أرجو أن تبعد شيرين أزماتها الأسرية والشخصية عن الإعلام والمجال العام، كما تفعل الكثير من المطربات، فهناك العديد من الأسرار في حياة النجوم ونجمات الغناء لا نعرف عنها شيئاً، لأنهم تمكنوا من بناء حائط صد وخط أحمر يفصل بين حياتهم الفنية وحياتهم الشخصية وأتمنى أن تتمكن شيرين من رسم هذا الخط الأحمر لحياتها الشخصية والأسرية، وتبتعد عن الصخب والجدل الذي يحيط بوجودها وتترك المساحة لصوتها فقط وأغنياتها؛ أقول ذلك بحكم محبتي لصوتها ومتابعتي لها منذ بداياتها، وأعرف مدى طيبتها وعفويتها».

وأشار السماحي إلى أن حضور شيرين حالياً في وجدان محبيها وجمهورها يعود إلى «عذوبة وجمال صوتها، واختياراتها الغنائية الموفقة، فهي من المطربات القليلات في مصر والوطن العربي اللائي يجيدن اختيار أغانيهن، لذلك حظيت بمكانة ما في قلب الجمهور العربي، لكن هذا المكان أصبح عرضة للتراجع بسبب الخلط بين الحياة الشخصية وبين المشوار الفني»؛ على حد تعبيره.


العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
TT

العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)

في سباق عالمي محتدم على استقطاب كبرى الإنتاجات السينمائية، تدخل العلا المشهد بثقل مختلف، لا يعتمد فقط على سحر الموقع، بل على «مشروع متكامل» يعيد تشكيل مفهوم صناعة الفيلم في المنطقة. فمن صحرائها التي احتضنت عبر التاريخ حضارات متعاقبة، تنطلق اليوم رؤية حديثة يقودها «فيلم العلا»، ليضع المملكة في موقع تنافسي جديد، ليس بوصفها محطة تصوير عابرة، بل وجهة إنتاج سينمائي متكاملة تسعى إلى ترسيخ حضورها في قلب الصناعة العالمية.

وفي مؤشر واضح على تصاعد حضورها الدولي، جاءت العلا مؤخراً ضمن القائمة النهائية لـ«جوائز الإنتاج العالمية 2026»، في فئة «مدينة الأفلام»، وهي من أبرز الجوائز المهنية التي تُنظم سنوياً بالتزامن مع «مهرجان كان السينمائي». ومن المقرر أن تُعلن النتائج في 18 مايو (أيار) 2026 خلال حفل رسمي بمدينة كان الفرنسية، حيث تتنافس العلا مع وجهات إنتاج عالمية، في سباق يعكس مكانتها المتنامية في صناعة السينما الدولية.

هذا الترشيح لا يُقرأ على أنه إنجاز رمزي فحسب، بل أيضاً بوصفه دليلاً على انتقال «فيلم العلا» من مشروع محلي ناشئ إلى لاعب حاضر في مشهد الإنتاج العالمي، مدعوماً ببنية تحتية متطورة ومواقع تصوير استثنائية.

من موقع تصوير إلى مركز إنتاج عالمي

لم يعد الرهان على جمال الطبيعة وحده كافياً، فالعلا، كما يؤكد لـ«الشرق الأوسط» المدير التنفيذي المكلف بالإنابة «فيلم العلا»، زيد شاكر، «تتحرك بخطى مدروسة نحو بناء منظومة إنتاج متكاملة، قادرة على استقطاب المشروعات العالمية وتوطينها في الوقت ذاته». ويشير إلى أن البنية التحتية التي يجري تطويرها ليست مجرد إضافة تقنية، «بل هي أيضاً عنصر حاسم في هذا التحول»، موضحاً أن الهدف هو الانتقال بالعلا «من موقع تصوير مميز إلى مركز إنتاج سينمائي متكامل يستقطب كبرى المشروعات العالمية».

خلال تصوير عدد من الأعمال العالمية، لم تكن الطبيعة وحدها هي العامل الجاذب، بل تكاملها مع بنية إنتاجية متقدمة. ويؤكد شاكر أن العلا تمتلك مزيجاً فريداً من «الصحارى والجبال والتكوينات الصخرية والمواقع الأثرية»؛ مما يمنحها قدرة استثنائية على تمثيل بيئات متعددة على الشاشة، دون الحاجة إلى التنقل بين مواقع مختلفة. لكن الأهم، وفقه، هو «ما وراء الكاميرا: استوديوهات مجهزة، ومرافق إنتاج، ودعم لوجيستي، وخدمات متكاملة... تتيح تنفيذ المشروعات السينمائية الكبرى بكفاءة عالية».

بين العالمية والمحلية

أحد أبرز رهانات «فيلم العلا» تمثل في تحقيق توازن مستدام بين استقطاب الإنتاجات العالمية، وبناء كوادر وطنية قادرة على قيادة الصناعة مستقبلاً. وفي هذا السياق، يوضح شاكر أن «الجهود تتركز على برامج تدريبية وشراكات تعليمية دولية، إلى جانب حوافز إنتاجية تنافسية لدعم المشروعات المحلية والعالمية، بما يسهم في نقل المعرفة وتوطينها».

قبل وصولهم إلى العلا، يحمل كثير من صناع الأفلام تصورات مسبقة عن تحديات التصوير في المنطقة، لكن هذه الصورة تتغير سريعاً بمجرد بدء العمل. ويشير شاكر إلى أن «الشركاء الدوليين يفاجأون بمستوى الجاهزية، وسلاسة الإجراءات، والدعم اللوجيستي المتكامل؛ مما يعزز ثقتهم ويشجعهم على العودة بمشروعات جديدة».

الجغرافيا بوصفها عاملاً إبداعياً... لا مجرد خلفية

ليست العلا مجرد موقع بصري جذاب، بل بيئة سردية تؤثر في طبيعة الأعمال التي تنتَج فيها. ويؤكد شاكر أن «الخصائص الجغرافية والتاريخية للمنطقة تلعب دوراً مباشراً في اختيار المشروعات؛ لما توفره من تنوع بصري وسردي يفتح آفاقاً واسعة أمام صناع الأفلام». ورغم البعد الاقتصادي الواضح، فإن «فيلم العلا» يحمل بعداً ثقافياً استراتيجياً، فالمشروع، وفق شاكر، «يسهم في إعادة تشكيل الصورة السينمائية للمملكة عالمياً، ويعزز حضورها مصدراً للقصص، وليس فقط موقعَ تصوير».

وعند تلخيص التجربة، تبدو الرسالة واضحة: العلا ليست مجرد موقع تصوير، بل بيئة متكاملة لصناعة القصص، ففي وقت تتنافس فيه الوجهات العالمية على جذب الإنتاجات، تقدم العلا نموذجاً مختلفاً، يجمع بين المكان، والبنية، والرؤية، ليؤسس لصناعة سينمائية واعدة، تتجاوز حدود الجغرافيا نحو فضاء أوسع من التأثير والحضور.