اكتشاف قطران البحر الميت في مومياوات مصرية

مومياوات أجريت عليها الدراسة (دورية التصوير بالرنين المغناطيسي)
مومياوات أجريت عليها الدراسة (دورية التصوير بالرنين المغناطيسي)
TT

اكتشاف قطران البحر الميت في مومياوات مصرية

مومياوات أجريت عليها الدراسة (دورية التصوير بالرنين المغناطيسي)
مومياوات أجريت عليها الدراسة (دورية التصوير بالرنين المغناطيسي)

اهتمت أبحاث عدة أجريت على المومياوات المصرية القديمة بمعرفة تركيب الطلاء الأسود المستخدم مع المومياوات. ووجدت هذه الأبحاث أن مركب «الفاناديل بورفيرين»، مكون أساسي في تكوين هذا الطلاء، لكن دراسة فرنسية أجراها باحثون من جامعتي باريس للعلوم والآداب وليل ومتحف اللوفر، توصلت إلى ما هو أبعد، وحددت نوعين من هذه المركبات توجدان في قطران البحر الميت، كان لهما أيضاً وجود في الطلاء الأسود للمومياوات.
وخلال الدراسة التي تم نشر نسختها المبدئية قبل أيام على موقع دورية «التصوير بالرنين المغناطيسي»، تمهيداً لإصدارها في العدد المطبوع، استخدم الباحثون تقنيات الرنين المزدوج النووي للإلكترون (ENDOR)، والتحليل الطيفي للارتباط الفرعي عالي الدقة (HYSCORE)، لكشف أسرار الطلاء الأسود في المومياوات البشرية والحيوانية التي تمت دراستها، والموجودة في متحف اللوفر، وتنتمي لعصور مختلفة، بداية من الفترة المتأخرة إلى العصر اليوناني الروماني.
ووجد الباحثون أن الطلاء الأسود يتكون من خليط معقد وغير متجانس من الراتنجات الصنوبرية (الصمغ المستخرج من أشجار الصنوبر) والشمع والدهون والزيت، مع كميات متغيرة من «البيتومين الطبيعي»، الذي يحتوي بدوره على آثار لمركب «الفاناديل بورفيرين».
وقال الباحثون إنه يوجد أربعة أنواع من «الفاناديل بورفيرين»، وتوجد ثلاثة أنواع منها وهي «VO - P1» و«VO - P2» و«VO - P3» في القطران الطبيعي من البحر الميت، ويوجد اثنان من الثلاثة وهما «VO - P1» و«VO - P2»، في الطلاء الأسود للمومياوات.
وذهب الباحثون إلى أنه قد يكون عدم وجود النوع الثالث من «الفاناديل بورفيرين» (VO - P3) الموجود في قطران البحر الميت بالمومياوات، لأنه تم استبداله بمركب آخر وهو «VO - P4»، بسبب تحوله أثناء تحضير المادة السوداء للتحنيط. وقالوا إن التحليلات أظهرت أن «البيتومين» والمواد الطبيعية الأخرى مختلطة بشكل وثيق في هذه الطلاءات السوداء، وأن أحجام القطران في محتوى «البيتومين» بالمومياوات لا تتجاوز بضعة نانومترات.


مقالات ذات صلة

القبض على لص سرق آثاراً مصرية لا تقدر بثمن من متحف أسترالي

يوميات الشرق عدد من المضبوطات التي عُثر عليها وفقاً لما أعلنته الشرطة الأسترالية (الموقع الرسمي لشرطة كوينزلاند)

القبض على لص سرق آثاراً مصرية لا تقدر بثمن من متحف أسترالي

ألقت شرطة كوينزلاند القبض على رجل متهم بتدبير عملية سطو جريئة على تحف مصرية لا تقدر بثمن من متحف في أستراليا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون زاهي حواس (صفحته على «فيسبوك»)

زاهي حواس: الإعلان عن كشف أثري كبير داخل هرم خوفو العام المقبل

كشف عالم المصريات الدكتور زاهي حواس، إن مصر ستعلن العام المقبل عن كشف أثري كبير داخل هرم خوفو العام المقبل.

«الشرق الأوسط» (الشارقة)
يوميات الشرق البهو العظيم للمتحف المصري الكبير (تصوير: عبد الفتاح فرج)

المتحف المصري الكبير يفيض بالزائرين... ويوقف بيع تذاكره

أعلنت وزارة السياحة والآثار تنظيم دخول المتحف وحجز التذاكر بطريقة جديدة بعد الإقبال الكبير الذي شهده المتحف من الزائرين، الجمعة.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق ظهور صورة حسين عبد الرسول خلال افتتاح المتحف المصري الكبير أمس بعد استعراض قصته p-circle

كيف اكتشف طفل مصري مقبرة «الفرعون الذهبي» بالصدفة؟

بين أضواء حفل المتحف المصري الكبير، عادت إلى الأذهان قصة الطفل المصري حسين عبد الرسول، الذي كان أول مَن لمح مدخل المقبرة الأسطورية عام 1922.

يسرا سلامة (القاهرة)
يوميات الشرق سياح على الدرج العظيم بالمتحف المصري الكبير (أ.ب)

ما الذي يجعل «المتحف المصري الكبير» مميزاً؟

يضم المتحف المصري الكبير الذي يُفتتح رسمياً اليوم في القاهرة، أبرز القطع الأثرية من عصر الفراعنة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي. وهو يخاطب العقل والوجدان والحواس صاهراً إياها في سبيكة واحدة محملة بالدلالات والإيحاءات.

لكن الكتاب الذي نتوقف عنده هنا يطرح سؤالاً؛ هل الشعر مقصور على الأفكار العالية والعواطف السامية واللغة الجليلة؟ ويجيب؛ إن فيه مكاناً للثقافة الشعبية والمصطلح العامي ضارباً أمثلة لذلك من الشعر الإنجليزي في مختلف عصوره.

إنه كتاب «مهنة سامية»، أو «رسالة سامية»، أو «من أين تحصل على أفكارك؟» (A High Calling? Or: where do you get your ideas from?) من تأليف جون غريننغ (John Greening) وقد صدرت منه طبعة ورقية الغلاف عن دار النشر «مطبعة رينارد» (Renard Pressing) في 224 صفحة.

نحن هنا نبحر مع المؤلف في عوالم شعرية شتى، قديماً وحديثاً، مع الإشارة إلى الروابط بين فن الشعر وفن الموسيقى. فقد كان المؤلف مولعاً بالموسيقى الكلاسيكية، خاصة أعمال المؤلف الموسيقي الفنلندي جان سيبليوس صاحب القصيد السيمفوني «فنلنديا» (1900). ويقول غريننغ عن سيبليوس: «لقد كان سعيداً بأن ينتج منمنمات شعبية (أعمالاً صغيرة) إلى جانب روائعه المتميزة بالقوة والحدة والكثافة». ويخصص نصف الفصل المعنون «العبقرية» للحديث عن موسيقيين.

ويلخص غريننغ وجهة نظره في قوله: «تستطيع العبقريات الحقة أن تتغنى علواً وسفلاً». ويضرب مثلاً لذلك شكسبير الذي جمع بين الجدّ والهزل، والفكر العميق والتهريج الرخيص: «لقد كانت عظمته تتجلى أكثر ما تتجلى حين بدأ؛ العالي والواطئ يندمجان لديه، كما في شخصية الملك لير ومهرجه».

ففي مأساة «الملك لير» (1605 - 1604) نجد أن الملك العجوز، وقد دبّ إليه الخرف، يرتكب غلطة مأسوية حين يتنازل عن عرشه وكل سلطاته لابنتيه جونريل وريجان، غافلاً عما تنطوي عليه نفساهما من شرّ وقسوة، ويحرم من الميراث ابنته الصغرى كورديليا، وهى البارة بأبيها حقاً، لأنها أبت أن تجامله بمعسول القول كما فعلت أختاها المنافقتان. وتنتهى المسرحية بمصرع كورديليا والبهلول (مضحك الملك أو مهرج البلاط) فينطق لير بهذه الكلمات:

«ومضحكي المسكين قد شنق. ليس، ليس، ليس من حياة؟

لِمَ تكون للكلاب والجواد والفأر حياة

وأنت بلا أنفاس البتة؟ لن تفيق مرة أخرى.

هيهات هيهات هيهات هيهات هيهات

أرجوكم حلّوا هذا الزر. شكراً يا سيدي».

ت. س. إليوت

إن اللغة في هذه الانفجارة الانفعالية لغة بسيطة تخلو من أي صور شعرية بعيدة المنال. فهي تعبير تلقائي، في لحظة صادمة، لا يلجأ إلى التفنن والإغراب. الحيوانات المذكورة هنا (الكلب والجواد والفأر) كلها حيوانات مألوفة وليست كالحيوانات الأسطورية (عنقاء مغرب أو طائر الرخ أو الجواد بجاسوس الذي يطير أو القنطور الذي يجمع بين رأس رجل وبدن جواد). ويتكرر حرف النفي ذو المقطع الواحد (no). كما تتكرر كلمة «هيهات» (never) 5 مرات وهى من أشيع الكلمات في الحديث اليومي.

مثل آخر يضربه المؤلف هو شعر ت. س. إليوت في قصيدته «الأرض الخراب» (1922)، خاصة الحركة الثانية المعنونة «مباراة شطرنج». فمسرح القصيدة هنا مشرب من المشارب الرخيصة (pubs) التي تعج بها مدينة لندن وغيرها من المدن والبلدات والقرى البريطانية. إن المتكلم يتحدث إلى امرأة تدعى ليل، سرّح زوجها من الجيش، وهو الآن بصدد العودة إلى بيته. وينصحها المتكلم بأن تعنى بمظهرها، وأن تركب «طقم أسنان» جديداً حتى تحلو في عيني زوجها الذي قضى 4 أعوام في الخدمة العسكرية، وهو الآن يتطلع إلى قضاء وقت ممتع. ويحذرها المتكلم أنها إن لم توفر لزوجها هذا الوقت فسيبحث عن امرأة غيرها تلبي حاجاته. والمصطلح اللفظي الذي يستخدمه إليوت هنا، بعكس سبحاته الشعرية العالية في مواضع أخرى من القصيدة، مصطلح عامي دارج يعكس بيئة متواضعة وحظاً ضئيلاً من التعليم. ونجد إشارات إلى ظواهر من الحياة المعاصرة كأقراص منع الحمل، وما يمكن أن يكون لها من أثر في صحة المرأة:

«قالت هي تلك الأقراص التي تناولتها لأجهض طفلي

(كانت أماً لخمسة أطفال وقد كادت تموت يوم ولادة جورج الصغير)

وقد زعم الصيدلي أني لن ألبث أن أعود إلى حالتي الطبيعية

ولكنى ما عدت قط كما كنت».

يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة وفكرة قويتين، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية

مثال ثالث للشعر الذي يدنو من لغة الحياة اليومية هو و. هـ. أودن، الذي يصفه المؤلف بأنه «يذكرنا بالمجال المتاح أمام شاعر ذي عبقرية». ففي قصيدته المسماة «سأحصل على وظيفة» (1932) نقرأ:

«سأحصل على وظيفة في مصنع

سأعيش مع الأولاد العمال

سألاعبهم لعبة لوحة السهام في المشرب العام

سأشاركهم أحزانهم وأفراحهم

ولن أعيش في عالم ولى زمنه».

ويؤكد غريننغ أن الشعر يمكن أن يجد جمهوراً مهما جاء مخالفاً للتصورات التقليدية بما يجب أن يكون عليه من سمو وجلال: «يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة إنسانية قوية أو يعبر عن فكرة مستحوذة على الأذهان، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية».

ومسيرة الشعر منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى يومنا هذا (عندنا كما عند غيرنا) تشهد بصواب نظرة غريننغ (وهو ذاته شاعر إلى جوار كونه ناقداً). فنحن حين نقرأ قصائد شاعر معاصر كالشاعر اليوناني يانيس رتسوس مثلاً (ترجم رفعت سلام قصائده إلى العربية) نجده يستوحي مفردات الحياة اليومية وينأى عن أي إغراب. وكذلك الشأن مع محمد الماغوط في قصائد نثره، كما أوضح دانيل بيهار في كتابه «الشعراء السوريون وحداثة اللغة المحكية»، أو صلاح عبد الصبور الذي يحدثنا أنه رتق نعله وشرب شاياً في الطريق ولعب دور نرد أو دورين، أو أحمد عبد المعطي حجازي الذي يتحدث بصوت بائع ليمون: «العشرون بقرش - بالقرش الواحد عشرون». ويبلغ هذا الاستخدام للغة الحياة اليومية أبعد نقطة له في شعر العامية المنحدر من ابن عروس إلى فؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، مروراً ببيرم التونسي. إن البساطة ليست نقيض العمق. وفي الشعر مكان لكل تنوعات الخبرة الإنسانية من أعلاها إلى أدناها.


«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور
TT

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023» والملقب بـ«شيخ المترجمين العرب» نظراً لإسهاماته التي تجاوزت 130 كتاباً في هذا السياق.

يشير عناني في مقدمته النقدية التي يستهل بها ترجمته الكاملة، والمزودة بهوامش وشروحات مع ذكر القائمة التفصيلية للمراجع والمصادر، إلى أن العمل ينتمي إلى المسرح الشعري، وطابع الشعر هنا لا يقتصر على ظاهرة النظم، بل يتعداها إلى صلب الرؤية الفنية التي تستمد قوتها من طاقة الاستعارة بأشكالها التي تتراوح ما بين الصور الجمالية بشتى أنواعها والرمزية، إلى جانب ما يتمتع به فن الشعر من تكثيف في الصياغة والضغط في التعبير، وهو ما تؤكده خصوصية البناء المسرحي الفريد في «عطيل».

ويجمع الدراسون على أن شكسبير قد استقى الحبكة من قصة وردت في مجموعة من مائة قصة طويلة مقسمة إلى عشرات تحمل عنوان «القصص المائة»، ومؤلفها هو جوفاني باتستا جيرالدي تشنثيو، وتقع في العشرة الثالثة، وقد نشرها في البندقية باللغة الإيطالية عام 1566، كما نُشرت في باريس باللغة الفرنسية عام 1584 من ترجمة جابريل شائوي. ولم يستطع الباحثون أن يعثروا على ترجمة إنجليزية لها قبل عام 1753، وربما يكون أحد المترجمين قد أصدر لها ترجمة معاصرة لشكسبير فاطلع عليها قبل نفاد نسخها، وربما يكون قد أطلع عليها بالإيطالية بدليل وجود أصداء لفظية مباشرة في النص لتلك اللغة، وهو ما بينه الكثيرون، أو أن يكون قد قرأها بالفرنسية.

تتحدث القصة عن قائد مغربي يتخذ لنفسه زوجة من بنات مدينة البندقية، رغم معارضة والديها واسمها «دزدمونة» ويعيشان معاً زمناً طويلاً في سعادة، ثم يقرر مجلس الحكم في البندقية تغيير نظام حامية قبرص وإرسال المغربي «عطيل» قائداً لها، دون تحديد أسباب لتغيير القديمة. وبعد معارضة طفيفة يقبل المغربي أن تصحبه زوجته؛ فالرحلة يسيرة، والسفينة مأمونة ومتينة البناء.

وبعد الوصول يقدم تشنثيو ثلاث شخصيات أخرى أهمها «ياجو» الشرير الذي يشغل منصب حامل العلم، ويقع في حب «دزدمونة»، ويتمنى الظفر بها، ويحاول بشتى الوسائل إغواءها فلا يجد أذناً مصغية، فهي تحب المغربي حباً جارفاً ولا تتصور خيانته مطلقاً، وهنا يتساءل الشرير عن ذلك ويوحى إليه ذهنه الفاسد بأنها لم تتمنع عليه إلا لأنها تحب ضابطاً آخر هو «كاسيو»، ومن ثم يتحول الحب الذي يكنه لها إلى كراهية مرة.

يُقنع ياجو «عطيل» بأن زوجته خائنة، فيصر الأخير على طلب دليل عيني، ويرد «ياجو» قائلاً إنه كان يمكنه تحقيق مطلبه لولا أن الرجل قد فقد منصبه ولم يعد يأتي إلى منزل «عطيل»، ومع ذلك فهو يعده بتلبية طلبه بأن يأتي بدليل حاسم. ويتذكر «ياجو» أمر المنديل المغربي النادر الذي أهداه «عطيل» إلى زوجته ويسرقه ياجو بنفسه في أثناء زيارته مع زوجته وابنته الصغيرة لـ«دزدمونة»، ويرميه في منزل «كاسيو»؛ تمهيداً لاتهام الزوجة الغافلة البريئة بأنها أهدته ذلك المنديل.

يناقش «عطيل» مع «ياجو» أمر قتل زوجته والرجل الذي يتهمه بالخيانة معها، ويقرر من ثم تكليف الشرير بقتل الرجل وفعلاً يفاجئه «ياجو» ذات ليلة وهو خارج من منزل فتاة ليل، ويعاجله بضربة تكسر ساقه ولكن «كاسيو» يتحامل بشجاعة على نفسه وينهض للدفاع شاهراً سيفه فيفر «ياجو» في ظلام الليل، ويصيح «كاسيو» طالباً للنجدة، ويهتف قائلاً: «لقد قُتلت»، ثم يعود «ياجو» وسط الظلام ويواجه بالشرطة التي هرعت إلى مكان الحادث.

تعلم «دزدمونة» بما حل بـ« كاسيو» فتحزن حزناً عميقاً، ويرى «عطيل» أن ذلك دليل لا يقبل الشك على خيانتها، ويدبر له حامل العلم أمر قتلها، بحيث لا يتهم أحد بارتكاب الجريمة، ويتفقان على أن يضرباها حتى الموت بجورب مملوء بالرمال، وأن يسقطا سقف الغرفة الخشبي المتهالك عليها؛ حتى يبدو الحادث كأنه قضاء وقدر، وينجحان في تحقيق ذلك، ويعتري المغربي حزن شديد على زوجته، وكراهية عميقة لحامل العلم، لكنه لا يجرؤ على قتله فيفصله من منصبه.

هنا يدبر «ياجو» خطة لقتل المغربي فيقنع «كاسيو» بالعودة معه إلى البندقية ويقول له إن «عطيل» هو الذي ضربه بالسيف فكسر ساقه بدافع الغيرة، ثم قتل زوجته، ويتقدم «كاسيو» بالشكوى إلى مجلس الحكم، ويُستدعي «ياجو» شاهداً، ويؤيد كل ما ذهب إليه في دعواه، وتلقي الشرطة القبض على المغربي وتعيده إلى البندقية، حيث يتعرض للتعذيب حتى يعترف، لكنه يصر على الإنكار، فيصدر المجلس الحكم بالنفي المؤبد عليه، ولكن أسرة «دزدمونة» تقتله، ويواصل حامل العلم «ياجو» حياة الشر فيكون له المزيد من الضحايا، لكن يُقبض عليه في نهاية الأمر، ويعذّب حتى الموت.

ويشير الدكتور عناني إلى أن الانهيار السريع الذي يتسبب في النهاية المفجعة لا تبرره على المستوى الواقعي المحض نظرتنا إلى المسرحية بوصفها مأساة زوج يغار أو يشك في زوجته أو حتى مأساة بطل جندي مغوار وشاعر يمثل صورة «العاشق المحارب» التي ورثتها أوروبا من العصور الوسطى.

والفكرة هنا أن «ياجو» يشارك «عطيل» عدم انتمائه طبقياً إلى البندقية بوصفها دولة غنية تعتمد على التجارة وثراء الأعيان من ذوي الحسب والنسب، فضلاً عن امتياز البحارة المقاتلين أو الأفذاذ في صنعة الحرب من القادة والأعلام. و«ياجو» لا يتمتع بالثراء ولا الحسب والنسب، ولا هو من السادة، ولا يأمل حقاً في أن ينافس ابن المجتمع الراقي «كاسيو» الذي تلقى التعليم، ويتمتع بمزايا الأعيان من ذوي الشعر المهدل، ويحظى بإعجاب بنات الطبقة الراقية، ويعرف موقعه في السلم الاجتماعي فهو يغار غيرة حقد وحسد من «كاسيو» أولاً، ومن «عطيل» ثانياً.


الإسرائيليون يهرعون إلى الملاجئ للمرة الثانية خلال أشهر بسبب الصواريخ الإيرانية

TT

الإسرائيليون يهرعون إلى الملاجئ للمرة الثانية خلال أشهر بسبب الصواريخ الإيرانية

أشخاص يلجأون إلى محطة مترو أنفاق في إسرائيل هرباً من صفارات الإنذار (أ.ب)
أشخاص يلجأون إلى محطة مترو أنفاق في إسرائيل هرباً من صفارات الإنذار (أ.ب)

بدت الشوارع شبه مقفرة في أنحاء إسرائيل، السبت، خلال يوم الراحة الأسبوعي لدى اليهود، في حين هرع أشخاص نحو الملاجئ بمجرد انطلاق أولى صفارات الإنذار، في تكرار لمشهد عاشه الإسرائيليون خلال الحرب السابقة مع إيران قبل أقل من سنة.

ويعيش الإسرائيليون للمرة الثانية خلال عام هذا الوضع، بعد أن اضطروا إلى الفرار مرة أولى من الصواريخ الإيرانية خلال حرب استمرت 12 يوماً بين العدوَّين اللدودَين في يونيو (حزيران) الماضي.

وشنت الولايات المتحدة وإسرائيل موجة ضربات على أهداف عسكرية في إيران، السبت، سرعان ما ردت عليها إيران بإطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل.

في تل أبيب، الشريان الاقتصادي الرئيسي لإسرائيل، هرعت أوريت بايزا، البالغة 42 عاماً، إلى موقف سيارات تحت الأرض فور سماعها صفارات إنذار تحذّر من هجوم صاروخي وشيك. وقالت: «ليس لدينا ملجأ ولا غرفة آمنة. درج المبنى ليس غرفة آمنة مطابقة للمعايير. (موقف السيارات) هذا هو المكان الأكثر أماناً».

وأضافت لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «إذا استمرت هذه الحرب فبالتأكيد سنعود إلى هنا ونُحضر الخيام والفرش وكل المعدات ونعيش هنا، كما فعلنا في المرة السابقة».

أما أندريا سيبوسوفا التي لجأت إلى موقف السيارات نفسه، فقالت إنها جهزت نفسها للاحتماء في الملجأ تحسباً لاندلاع حرب.

وأضافت أندريا سيبوسوفا، البالغة 31 عاماً، وهي من أصل سلوفاكي وتعيش حالياً في تل أبيب: «كنا جهزنا حقائب الطوارئ تحسباً لهذا الأمر. وبمجرد تلقينا الإنذار بوقوع هجوم صاروخي، توجهنا إلى الملجأ».

وصل روي إلبا إلى المأوى برفقة كلبه للاحتماء من الصواريخ. وقال: «إنه المكان الأمثل عندما يكون الوضع غير آمن في الخارج. فمعظم المباني والشقق في تل أبيب، خصوصاً في وسط المدينة، لا تحتوي على غرف آمنة أو ملاجئ».

بنادق هجومية وعربات أطفال

في الداخل، أحضر بعض الأشخاص عربات أطفال، في حين أحضر آخرون، وهم جنود احتياط، بنادقهم الهجومية، وبدأ البعض الآخر الصلاة ضمن مجموعات صغيرة.

وشُوهدت في الملجأ أيضاً كلاب أحضرها أصحابها إلى المكان لحمايتها.

وأفاد مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية» برصد دخان أبيض يلطخ السماء الزرقاء بمحيط موقف السيارات، حيث انطلقت منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية لصدّ الصواريخ الإيرانية.

وفي شمال إسرائيل، انفجر مقذوف في المياه بخليج حيفا المطل على البحر الأبيض المتوسط، وتصاعد الدخان فوق سفينة تجارية قريبة. كما دفعت إصابة مبنى بصاروخ في مدينة طيرة الكرمل المجاورة إلى إجلاء السكان.

وأصدر «جهاز نجمة داود الحمراء»، هيئة الإسعاف في إسرائيل، في بيان، تعليمات بتقليل استخدام صفارات الإنذار في سيارات الإسعاف إلى أقل قدر ممكن لتجنب الخلط بينها وبين صفارات الإنذار التي تطلقها الدفاعات الجوية.

وبحلول منتصف نهار السبت، لم يسجل الجهاز سوى إصابة طفيفة واحدة مرتبطة بالصواريخ، لرجل يبلغ 50 عاماً أُصيب جراء انفجار في شمال إسرائيل.

واستُنفرت جميع المؤسسات الوطنية الأخرى في إطار حالة تأهب قصوى، مع إلغاء وزارة التربية والتعليم جميع الدروس، ووقف هيئة الطيران المدني جميع الرحلات الجوية من البلاد وإليها.

في القدس، كانت الشوارع شبه خالية، حيث لزم السكان منازلهم أو لجأوا إلى الملاجئ.

ودوّت انفجارات عدة في الشوارع الخالية للمدينة، حيث توالت القذائف وارتجفت النوافذ أحياناً مع انفجار الصواريخ في السماء.

إسرائيليون يقفون أمام شققهم المتضررة من سقوط حطام صاروخ إيراني في تل أبيب (أ.ف.ب)

«حبسونا هنا»

في مدينة رام الله بالضفة الغربية المحتلة على بُعد 15 كيلومتراً شمال القدس، استمر الفلسطينيون في حياتهم بشكل طبيعي إلى حد كبير، إذ تواصلت الحركة في الأسواق، ولم يُقطع أحاديثهم سوى دويّ الانفجارات التي تُسمع في الأجواء بين الحين والآخر.

وقالت غزالة عرار، وهي من سكان مخيم الجلزون المجاور، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن الشعب الفلسطيني يعاني الحروب منذ عقود طويلة، مضيفة: «لا يعنينا شيء، حياتنا يجب أن تستمر بشكل طبيعي».

بالنسبة إلى معظم سكان الضفة الغربية، يتمثل مصدر الإزعاج الرئيسي في إغلاق الجيش الإسرائيلي العديد من الحواجز التي تعدّ بالمئات، ما يقيّد الحركة في الأراضي الفلسطينية ويحرم بعض السكان من الوصول إلى منازلهم.

وقالت رجوى عطاطرة التي أتت إلى رام الله من مدينة جنين لتلبية دعوة أخيها إلى إفطار رمضاني: «أريد الذهاب إلى جنين، لكن كل الحواجز مغلقة. الضربة حصلت بلحظة، فحبسونا هنا وحجزونا».