رؤية توثيقية لتراث «الدرب الأحمر» في القاهرة التاريخية

رؤية توثيقية لتراث «الدرب الأحمر» في القاهرة التاريخية

كتاب جديد يبرز حكايات أحد أشهر أحياء العاصمة المصرية
الأربعاء - 23 جمادى الآخرة 1443 هـ - 26 يناير 2022 مـ رقم العدد [ 15765]

يُعد حي «الدرب الأحمر» من أقدم مناطق القاهرة التاريخية، فقد اختارته الجمعية الملكية في لندن عام 2018، كأحد الأحياء الفريدة من نوعها؛ فلا يزال ذلك المكان المكتظ بالمساجد والآثار الإسلامية والبيوت العتيقة والمقاهي والورش المستقرة منذ عصور في الحواري والأزقة، محتفظاً بطابعه الأصيل ومتمسكاً برائحة التراث العريق، كما أنّه لا يزال موضوعاً لأبحاث ودراسات معاصرة، منها الدراسة المستفيضة التي قدمها دكتور محمد حسام الدين إسماعيل، أستاذ الآثار الإسلامية بجامعة عين شمس، في كتابه «منطقة الدرب الأحمر... دراسة أثرية وثائقية» الصادر حديثاً عن دار الآفاق العربية. اتجه الباحث المصري إلى التوثيق العلمي للحي منذ إعداده لرسالة الماجستير؛ إذ وجد أن هناك حاجة ملحة إلى القيام بهذه المهمة، ويقول لـ«الشرق الأوسط»، «يمثل (الدرب الأحمر) بالنسبة للمصريين المعنى الصريح والمباشر للعراقة، وجزءاً متفرداً من تاريخهم، وقد لاحظت أن الباحثـين المحدثـين الذيـن كتبـوا باللغة العربيـة فـي مجـال الآثـار الإسلامية اتجهوا إلى دراسـة العمائـر القائمـة بمدينة القاهرة، ولكنهـم غضـوا الطـرف عـن دراسـة أحيـاء وتخطيـط تلـك المدينة، علـى الرغـم مـن أهميتهـا بالنسـبة للدراسـات الأثريـة والاجتماعيـة».

مضيفاً «من هنا اكتشفت إلى أي مدى قد آن الأوان لدراسة هذا الحي، لا سيما أنّه أثناء عملي مـع البعثـة الألمانيـة للآثـار الإسلامية بالقاهرة، التي أوصت بتسـجيل باقي أحياء القاهرة تمهيداً لتوثيق كل المباني التاريخيـة المجهولـة، وهو ما اتجهت إليه بالفعل في الدراسة التي يضمها هذا الكتاب بشكل مستفيض».

لكن لم يكن ذلك وحده هو ما جذب الباحث إلى تناول حي الدرب الأحمر في كتابه، إنما كان وراء ذلك أيضاً فيض من الذكريات والأحداث الخاصة به، فقد نشأ بين أرجاء المكان وشاهد أروقته ومساجده ومبانيه الأثرية ومقاهيه وأسواقه ومتاجره ومساكنه الشعبية ومطاعمه التي تفوح منها رائحة التاريخ أكثر مما كان يستنشق منها روائح الطعام، يقول «فتحت عيناي على هذا الثراء الأثري والزخم التاريخي اللذين يتميز بهما الحي، لي ذكريات خاصة في المكان، لا سيما في بيت جدي المجاور لمسجد الملكة صفية بطرازه العثماني وقربه من القلعة، كما تذوقت طعم الأصالة المصرية جنباً إلى جنب مذاق الطعام الشعبي في عربات الفول ومطاعم المشويات والحلويات الشهيرة بالمنطقة».

مشيراً إلى أن الحي لم يعرف التطرف بسبب تشرب سكانه لطبيعة الإسلام السمحة، ومن هنا فقد رأيت أنه لن يقوى على التوثيق له سوى مصـري يحمل إحسـاساً عميقاً بماضيـه».

يلقي الكتاب الضوء على الأهمية البالغة للمكان منذ القدم، التي لا تعود فقط لكثـرة المباني المتبقية فيه مـن العصور المختلفة فقط «يستمد الحي جانباً كبيراً من أهميته كونه يمثل رابطاً بين عواصم القاهرة الإسلامية القديمة، وهو ما يفسر تنوع الآثـار بها، حيث ترجـع إلـى العصـور الفاطميـة والأيوبية والمملوكية والعثمانيـة، والممتدة حتـى عصـر محمد علـي باشـا وأسـرته».

ووفق إسماعيل، فإنه «لم يتعرض أي مـن الباحثين لبحـث ودراسـة تلـك العمائـر التاريخيـة التـي لـم تدرج بعد في عداد الآثار في دراسـة معمارية تاريخية وثائقية حتى الآن، وهو ما ركز عليه فـي كتابه، محاولاً وضـع تصـور لوجـه هـذا الجـزء المهـم مـن مدينة القاهرة، ومـا كان بـه ومـا زال مـن تـراث إسلامي».

إلى هذا، يتبع حي الدرب الأحمر في الوقت الحالي منطقة وسط القاهرة، ويحده شمالاً حي الجمالية وغرباً أحياء الموسكي وعابدين والسيدة زينب، وجنوباً حي الخليفة وشرقاً طريق النصر، وتضم هذه البانوراما التاريخية من الآثار الإسلامية الكثير من المساجد والزوايا والبيوت والقصور التاريخية والأضرحة والسبل الشهيرة، ومنها مساجد المارداني، وجانم البهلوان، وقرطبة الذهبي، وتكية وسبيل السلطان محمود، وباب زويلة، وجامع الأزهر، دار الكتب المصرية «الكتبخانه»، والمتحف الإسلامي.

أضف إلى ذلك غناه بالدروب التجارية مثل درب سعادة والخيامية والمغربلين، فيجد الزائر كنوزاً من الحِرف اليدوية التي عرفتها مصر على مر التاريخ؛ لأنها كانت تمثل الممر بين القاهرة (مركز التجارة)، وبين مقر الحكم في القلعة فكانت تسودها الحياة الاجتماعية، ومنشآت عامة مثل المستشفى والأسبلة والمدارس؛ ما جعلها مكاناً حيوياً يتميز بنسبة إشغال سكاني مرتفعة نسبياً؛ ما تسبب في وجود احتياجات ومستلزمات معيشية أقيمت الورش والمتاجر لتلبيتها».

ومن أهم ما يتضمنه الكتاب، تصحيح الكثير من الحقائق التاريخية المغلوطة، وفي مقدمتها ما يتعلق باسمه، فبينما اشتهر الحي بأن تسميته ترتبط بمذبحة القلعة التي تخلص فيها محمد علي باشا من المماليك عام 1811، وكان يتردد في كل المراجع أن دماء القتلى أغرقت المكان، واندفعت إلى الطريق المجاورة، وأنه على الرغم من تنظيف المنطقة إلا أن لون الأرض ظل أحمر من كثرة التصاق الدماء به ما جعلهم يطلقون عليه اسم «الدرب الأحمر»، إلا أن دكتور إسماعيل ينفي ذلك ويوضح لـ«الشرق الأوسط»، «عُرفت منطقة درب الأحمر بهذا الاسم منذ العصر المملوكي، وليس من عهد محمد علي، وقد ارتبط اسمها بالباب الأحمر، الذي جاء ذكره في حجة السلطان حسن في القرن الرابع عشر الميلادي، وهو عبارة عن باب صغير، محله حالياً أول حارة الروم من شارع الدرب الأحمر».


السعودية السعودية

اختيارات المحرر

فيديو