«متلازمة الاستقالة» من الحياة... ودور الضجيج في القرارات الخاطئة

كتابان عن حالات مرضية غريبة والتفاعلات المعقدة بين «عقلي الإنسان»

«متلازمة الاستقالة» من الحياة... ودور الضجيج في القرارات الخاطئة
TT

«متلازمة الاستقالة» من الحياة... ودور الضجيج في القرارات الخاطئة

«متلازمة الاستقالة» من الحياة... ودور الضجيج في القرارات الخاطئة

الأمراض النفسية - الجسمية (أو السيكوسوماتية) تحدث نتيجة تأثير النفس والفكر على الجسم البشري. ويُعنى ميدان الطب النفسجسمي بهذه الأمراض التي تلعب فيها العوامل الذهنية والنفسية للمريض دورا ً كبيراً في نشوئها وتطورها. وقد ظل كثير من العلماء يطلقون صفة هذه الأمراض على حالات مثل القرحة التي وجد العلماء أخيراً أن 80 في المائة منها تحدث بسبب الجرثومة الحلزونية «هليكوبكْتر»، وكذلك على القولون العصبي، وربما الأكزيما، وحالات كثيرة أخرى.
وحديثاً، استعرضت الصحافة البريطانية كتاباً من تأليف سوزان أوسوليفان المتخصصة في علوم الاعصاب، يتحدث عن ألغاز الأمراض النفسية - الجسمية، بعنوان: «الجميلات النائمات»، مع عنوان فرعي: «وقصص أخرى حول مرض غامض». وكانت الباحثة قد زارت السويد للاطلاع على حالات غريبة لسبات طويل عند عدد من أطفال طالبي اللجوء هناك.
والكتاب هو الثالث في سلسلة ما كتبته أوسوليفان عن هذه الأمراض، إذ أصدرت كتابها الأول الموسوم: «كل الأمور داخل عقلك: قصص حقيقية لأمراض متخيلَة» عام 2015 الذي حاز على جائزة مؤسسة «ويلكوم تراست» الطبية البريطانية المرموقة عام 2016، وعلى جائزة الكتب من الجمعية البيولوجية. كما رشح كتابها الثاني «عاصفة العقل: قصص بوليسية من عالم علوم الأعصاب» الصادر عام 2018 لجائزة أخرى عام 2019.
ومن ضمن ما يسرده الكتاب الجديد ما تسميه الكاتبة «المرض المجنون» (grisi siknis)، وهو المرض الذي كان يصيب الفتيات المراهقات خصوصاً في منطقة «ساحل البق» في نيكاراغوا الممتد إلى هندوراس في أميركا الجنوبية. وتختلف أعراض المرض من حالة لأخرى، إلا أنها تبدأ بالهلوسة، وبزيارة من رجل مخيف يرتدي قبعة يطلق عليه «الشيطان»، ثم تأتي الارتجافات والرعشات، وأخيراً الشعور بقوة خارقة لا يتمكن إلا عدد من الرجال من كبحها لدى الفتيات المصابات.
تقول أوسوليفان إن أعراض المرض حقيقية، إلا أن سكان المنطقة يعتقدون أنها تحدث بسبب الأبالسة، وهي تعتقد أنه بالأساس مرض نفسجمسي، فهو «اضطراب بيولوجي ناجم عن شيء ما روحي».
ولكن هل ينطبق هذا الوصف أيضاً على الفتيات المطعمات بلقاح الفيروس الحليمي البشري اللواتي يشعرن بأعراض غريبة، أو أطفال طالبي اللجوء في السويد الذين ينامون لشهور وسنين، أو على الحالات الخفيفة من اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة لدى الأطفال التي تعتقد الكاتبة -في رأي مثير للجدل- أنها تنتمي إلى هذه الأمراض النفسجسمية؟
يعتقد العلماء عادة أن تشخيص أعراض الأمراض النفسجسمية التي يسميها العلماء اليوم «اضطرابات عصبية وظيفية» يظهر جلياً عند إجراء فحص طبي لا يكشف عن أي أسباب جسدية أو عضوية، أو عند حدوث مرض ناتج عن حالة عاطفية أو مزاجية، مثل الغضب أو القلق أو الكبت أو الشعور بالذنب. ويشيرون إلى أن العوامل الانفعالية والنفسية في الأمراض النفسجسمية تؤدي إلى حدوث خلل في التكوين التشريحي للعضو المصاب، مثل حالات قرحة المعدة أو التهاب المفاصل، بل حتى ارتفاع ضغط الدم أو اضطراب الجهاز العصبي الذاتي وآلام العضلات.
ومن جهتها، تدعم أوسوليفان الرأي القائل إن «فكرة المرض» هي التي تتسبب في حدوثه. وقد زارت الباحثة أماكن عيش طالبي اللجوء في السويد لدراسة حالاتهم، وهي حالات لم توصف علمياً إلا في العقد الأول من هذا القرن، وسميت باسم «متلازمة الاستقالة» من الحياة، على الرغم من أنها كانت معروفة قبل ذلك.
وتصف الباحثة حالة الطفلة نولا اليزيدية السورية، البالغة من العمر 10 سنوات، التي نامت 18 شهراً متتالية وهي في فستانها البنفسجي وجواربها الطويلة السوداء البيضاء، قائلة: «بدت ساكنة مثل أميرة أكلت تفاحة مسمومة». وتضيف: «كانت يدها موضوعة على جانب السرير، وعندما أخذ كلب في مداعبة اليد لم تستجب الفتاة له. والعلامات الوحيدة التي تشير إلى كفاح نولا في حالة سباتها كانت: انقباض عضلات الخد الشديد، والكز على الأسنان بشدة، إلا أن الأنكى من كل ذلك أن أختاً لها انضمت إليها أيضاً ودخلت في سبات عميق». وقد أجريت مسوحات لأجسام هؤلاء الأطفال، وتم نخسهم لإيقاظهم، وحقنهم باللقاحات، ودرست حالاتهم في أبحاث طبية منشورة وفي مقالات صحافية، إلا أن الطب الحديث لا يعدهم مرضى بمعنى الكلمة، ولا توجد تفسيرات بيولوجية لحالتهم. ومع ذلك، فإنهم مرضى بالفعل، كما تقول الباحثة، إذ لا يمكن لأي طفل في العاشرة من عمره، مهما كانت قوة إرادته، أن يزيف حالته.
«شيء ما خطأ حدث لدى هؤلاء الأطفال. ولا يمكننا أن نضع اللوم على عقولهم التي قادتهم إلى هذه الأفعال نتيجة تعرضهم إلى ضغوطات غريبة جداً في حياتهم، مثلما لا يمكننا أن نضع اللوم على الرئتين في حال الإصابة بـ(كوفيد - 19)... وإضافة إلى ذلك، لا يمكننا أن نتوقع منهم أن يستجمعوا قوتهم مجدداً مثلما لا يمكننا توقع حدوث ذلك من مريض في غرفة الإنعاش».
وتضيف الكاتبة أنه يبدو أن السبب الوحيد في حدوث مرضهم هو أنهم كانوا يعرفون أن أحداً قبلهم قد وقع في المرض. وتشير إلى أنه لا يمثل مرضاً خاصاً بعرق السويديين الأصليين، ولا هو ناجم عن التوتر والإجهاد -على الرغم من أنهما يسببانه على الأرجح- ولا هو مرض خاص بطالبي اللجوء.
ومشكلة هذه الأمراض النفسجسمية أنها لا تخضع لعلاجات طبية محددة، فالأطباء لم يستطيعوا إيجاد علاج لحالات «متلازمة الاستقالة» من الحياة. والحل الأمثل لحالات السبات في السويد هو قبول طلب اللجوء. أما «المرض المجنون» في نيكاراغوا، فلم تستطع أدوية علاج الصرع وعقاقير أخرى شفاءه، بل تمكن «الأطباء السحرة» بطقوسهم الغريبة من تخفيفه!
والخلاصة أن الأمراض النفسجسمية لا تزال تشكل معضلة للمصابين بها، وللطب الحديث. ولذا، فقد تلاقي تحليلات الكاتبة المثيرة بعض الغضب لدى المصابين بوصفها أمراضهم بأنها أمراض نفسجسمية، كأنما تتهمهم بخلق تلك الأمراض بأنفسهم.
لماذا نتخذ قرارات خاطئة؟
«الضجيج: عيب في أحكام الإنسان»... كتاب جديد عن قرارات الإنسان الخاطئة لمؤلفيه الثلاثة: دانيال كاهنيمين وأوليفر سيبوني وكاس آر سنشتاين، يدقق في مكنونات العقل البشري و«ما بعده»، بهدف استكشاف الوسائل التي يوظفها الإنسان عند اتخاذ قراراته.
أحد المؤلفين، وهو كاس سنشتاين، كان قد أشار في كتاب سابق له، بعنوان «الدفعة»، إلى أن التحفيز الرقيق، وليس الأوامر، هو الذي يدفع الإنسان إلى السلوك الحسن. وكشف سيبوني عن «الحماقات الإدارية» في كتابه: «إنك مقدم على قرار جد خاطئ». أما دانيال كاهنيمين، فهو قائد هذه الفرقة الثلاثية المشرفة على الكتاب الجديد، وكان قد أصدر كتاباً بعنوان «التفكير.. بسرعة وببطء» الذي كشف فيه عن التفاعلات المعقدة بين «عقلي الإنسان»: العقلاني (أو الرشيد) والحدسي. ودارت فحوى تلك الكتب حول محور أساسي: إن الإنسان لا يدري في الواقع ما الذي يفعله، إلا أنه ينفذ الأمور كأنه يعرف ذلك. ويبدو ذلك كأنه لا يكتسب أحياناً أي أهمية لأن أوهامنا يمكن أن تشكل قوة إيجابية فعلاً، بل حتى مبدعة... لكن تلك الأفعال قد تحمل في أحيان أخرى أهمية كبرى.
إن الإنسان قد يتخذ قراراته نتيجة عوامل غير عقلانية، وأخرى لا تمت بصلة إلى القرار. وقد رصدت حالات في السبعينيات من القرن الماضي لتفاوت أحكام القضاة الأميركيين على جرائم متشابهة. وقد ساد اعتقاد آنذاك بأن ذلك راجع إلى التحيز إما بسبب التمييز العنصري أو بسبب ازدراء الحاكم للمتهم... إلا أن الكتّاب يعتقدون أن الأخطاء تحدث بسبب أحداث وتأثيرات عشوائية يطلقون عليها مصطلح «الضجيج».
ويشير الكتاب إلى وجود كثير من «الضجيج» في حياتنا المعاصرة، بحيث ربما يكون من الصعوبة ممارسة الحياة! فهذا الضجيج هو الذي يقود الأطباء إلى وضع تشخيصات مختلفة لأعراض الحالة المرضية نفسها، كما أنه يدفع خبراء التوقعات لوضع توقعات متباينة. وفي الإدارة، يدفع الضجيج المديرين إلى قبول أو رفض الموظفين الجدد، وإلى سوء تقييم عمل الآخرين... بل حتى إلى وقوع أخطاء لدى محللي بصمات الأصابع. فهناك، حيث يجب اتخاذ القرار... يوجد الضجيج.
ولإقصاء هذا الضجيج، يقترح الكتاب على المدرسين والأطباء والحكام وضع قائمة بالجوانب المتعلقة بأحكامهم قبل اتخاذ القرار... كما يقترح على الشركات «وضع استراتيجيات لخلق جو صحي نظيف لاتخاذ القرارات، ووضع أطر بنيوية صارمة لمقابلات التوظيف».
وبينما يشعر مؤلفو الكتاب أن هذه المقترحات تبدو ميكانيكية، وحتى غير إنسانية، فإنهم يؤكدون أنه سيكون أمراً غير إنساني عدم استخدام قائمة بالجوانب المتعلقة باتخاذ القرار للحكام والأطباء خصوصاً، إذ إن أي قرار قضائي أو طبي خاطئ سيؤدي إلى نتائج مأساوية.
الكتاب الأول: الجميلات النائمات... وقصص أخرى حول مرض غامض
The Sleeping Beauties: And Other Stories of Mystery Illness
المؤلفة: سوزان أوسوليفان
الكتاب الثاني: الضجيج: عيب في أحكام الإنسان
Noise: A Flaw in Human Judgment
المؤلفون: دانيال كاهنيمين وأوليفر سيبوني وكاس آر سنشتاين


مقالات ذات صلة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)
يوميات الشرق رواية تائهة بين قارّتين (مكتبة بيرنسديل في «فيسبوك»)

كتاب يضلّ الطريق... ويعبُر العالم إلى أستراليا

ليس من المألوف أن تتحوَّل عودة كتاب مُعار من مكتبة إلى قصة يكتنفها الغموض.


حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض
TT

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

لم يعد دخول الذكاء الاصطناعي إلى عيادة الأسنان سؤالاً نظرياً يُطرح في المؤتمرات، بل أصبح واقعاً سريرياً يتشكّل بهدوء داخل تفاصيل الممارسة اليومية، حيث تبدأ الخوارزميات بقراءة الصور الشعاعية وتحليل البيانات قبل أن يلتقي الطبيب بالمريض.

في هذا السياق، صدر حديثاً كتاب للدكتور عميد خالد عبد الحميد، بعنوان «Dental Intelligence: Artificial Intelligence, Ethics, and the Future of Dentistry» (ذكاء الأسنان: الذكاء الاصطناعي والأخلاقيات ومستقبل طب الأسنان)، وهو عمل علمي وفكري لا يكتفي بوصف هذه الثورة، بل يسعى إلى تفكيكها وفهم آثارها العميقة على طبيعة القرار الطبي، وعلى العلاقة الدقيقة بين خبرة الطبيب وحدود الحكم الخوارزمي داخل العيادة الحديثة.

ينطلق الكتاب من سؤال محوري لم يعد نظرياً، بل أصبح جزءاً من الممارسة اليومية للأطباء حول العالم: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يطوّر الطب دون أن ينتزع منه روحه الإنسانية؟ فالتكنولوجيا، مهما بلغت قدرتها على تحليل البيانات أو قراءة الصور الطبية بدقة قد تتجاوز العين البشرية، تبقى في جوهرها أداة تُحسّن القرار ولا تصنعه، وتدعم الطبيب دون أن تختزل خبرته أو تحلّ محل حكمه السريري، ذلك الحكم الذي لا يتكوّن في المعالجات الرقمية وحدها، بل يتشكّل عبر سنوات من التفاعل الإنساني المباشر مع المرضى.

غير أن الكتاب لا يكتفي بعرض الجانب التقني لهذه الثورة الطبية، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك أبعادها الأخلاقية بعمق. فمع تزايد اعتماد الأطباء على الأنظمة الذكية، تبرز أسئلة لم تعد قابلة للتأجيل: من يتحمّل مسؤولية القرار الطبي عندما تشارك الخوارزميات في التشخيص؟ وكيف يمكن ضمان شفافية هذه الأنظمة وعدالتها؟ وأين ينبغي أن تقف حدود الاعتماد على الآلة في الرعاية الصحية؟ وفي هذا السياق، يطرح الكتاب مفهوماً محورياً يمكن تسميته بـ«الشراكة الذكية» بين الطبيب والآلة؛ حيث لا تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي بديلاً عن الطبيب، بل أداة تُوسّع قدرته على الفهم والتحليل واتخاذ القرار. فالطب، كما يؤكد المؤلف، لن يفقد طبيعته الإنسانية؛ لأنه يقوم في جوهره على الخبرة والتجربة والقدرة على فهم الإنسان... قبل فهم المرض.

صدر الكتاب في نسختين؛ الأولى باللغة الإنجليزية بعنوان «Dental Intelligence» موجّهة إلى القارئ الدولي، والأخرى باللغة العربية بعنوان «الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان: الثورة السريرية الرابعة»، في خطوة تهدف إلى نقل النقاش العلمي حول الذكاء الاصطناعي من نطاقه العالمي إلى الفضاء العربي، وفتح حوار معرفي أوسع حول مستقبل هذه التقنيات في الطب والرعاية الصحية في المنطقة. ويُعدّ الكتاب ثمرةً فكرية لتراكم بحثي وكتابي امتدّ لسنوات، حيث يجمع بين دفتيه عدداً من المقالات والدراسات التي نشرها المؤلف في الصحافة العلمية، ولا سيما صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، التي يكتب فيها بانتظام حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب وأبعاده الأخلاقية.

وقد حظي الكتاب باهتمام الأوساط العلمية الدولية، حيث تناولت «British Dental Journal» خبر صدوره، مشيرة إلى أنه يقدّم رؤية متوازنة لدور الذكاء الاصطناعي في تطوير التشخيص والعلاج في طب الأسنان، مع تأكيد واضح على أن القرار الطبي النهائي يجب أن يبقى بيد الطبيب، بوصفه المسؤول الأول عن التقدير السريري والحكم المهني.

والمؤلف، الدكتور عميد خالد عبد الحميد، طبيب أسنان وباحث في مجال الذكاء الاصطناعي الطبي، يشغل منصب أستاذ زائر في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي الطبي بجامعة شرق لندن في المملكة المتحدة، ويكتب بانتظام في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط» حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب وأبعاده الأخلاقية.

وفي وقت تتسارع فيه قدرة الخوارزميات على تحليل البيانات الطبية والتنبؤ بالأمراض بدقة غير مسبوقة، يذكّر هذا الكتاب بأن مستقبل الطب لن يُبنى على الذكاء الاصطناعي وحده، بل على توازن دقيق بين قوة التقنية وحكمة الطبيب، وبين دقة الخوارزمية ومسؤولية القرار الإنساني. فالطب، في نهاية المطاف، ليس علماً بالبيانات فحسب، بل هو فنّ فهم الإنسان... قبل أن يكون تشخيصاً للمرض.

والكتاب متوفر حالياً عبر منصة «أمازون» بنسختيه الورقية والرقمية.


زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي
TT

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها. مستشار الأمن القومي الأسبق للرئيس جيمي كارتر، وأحد أبرز صانعي السياسة الخارجية الأميركية في القرن العشرين، يعود اليوم في سيرة جديدة للكاتب والصحافي إدوارد لوس، الصادرة عن «بلومسبري» بعنوان «زبيغ: سيرة زبيغنيو بريجينسكي، نبي الحرب الباردة الأميركي»*، وهي ترسم صورة دقيقة لأكاديمي لامع، وسياسي شديد المراس، ومفرط الثقة بالنفس، ترك بصمة عميقة ومثيرة للجدل على مسار الحرب الباردة وتوازنات القوى العالمية.

تبدأ السيرة المستندة لأرشيف ضخم من المذكرات الشخصية والمراسلات والوثائق والمقابلات الحصرية من الجذور البولندية لبريجينسكي. ولد زبيغنيو عام 1928 في وارسو لعائلة أرستقراطية دبلوماسية يهودية، ودفع صعود النازية في ألمانيا والتهديد السوفياتي عائلته إلى الهجرة بداية إلى كندا عام 1938، ومنها راقب شاباً تدمير وطنه وتقسيمه بين هتلر وستالين. غرس فيه والده، تاديوش، نزعة قومية بولندية عميقة، ورؤية تعتبر بولندا ممثلة للحضارة الغربية في مواجهة جيرانها بالشرق، فكان أن شكلت هذه النشأة وعيه السياسي المبكر، وولّدت لديه عداءً جذرياً ومستمراً تجاه الاتحاد السوفياتي وروسيا، معتبراً التنازلات الأميركية والبريطانية لستالين في مؤتمر يالطا خيانة أخلاقية وسياسية، ليتعهد على أثرها بتكريس حياته لتفكيك الإمبراطورية السوفياتية.

بعد جامعة ماكغيل الكندية انتقل بريجينسكي إلى الولايات المتحدة حاملاً طموحاً سياسياً كبيراً. برز نجمه الأكاديمي في جامعة هارفارد حيث ركزت أطروحته الجامعية على دراسة نقاط الضعف في النظام السوفياتي، وحدد التنوع العرقي والقومي داخل الاتحاد السوفياتي ككعب أخيل هيكلي سيؤدي حتماً إلى انهيار تلك الإمبراطورية، منظراً بأن القوميات المتعددة سترفض هيمنة الثقافة الروسية. وطور لاحقاً في جامعة كولومبيا استراتيجية «الاشتباك السلمي» للتعامل مع دول أوروبا الشرقية مقترحاً استخدام الأدوات الاقتصادية والتبادل الثقافي لاختراق الستار الحديدي، وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة، بغرض فصل الدول التابعة ببطء عن مدار موسكو.

بلغ ذروة نفوذه السياسي بتعيينه مستشاراً للأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر عام 1977، ويستعرض الكتاب تفاصيل صراعه المرير داخلها مع وزير الخارجية وقتها، سايروس فانس. جسد فانس مدرسة المؤسسة الدبلوماسية التقليدية، وفضّل نهج التسويات، وركز جهوده على إنجاز معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (سالت 2) مع السوفيات. بالمقابل، تبنى بريجينسكي نهجاً هجومياً، وفضّل استعراض القوة، واعتبر ملف حقوق الإنسان أداة استراتيجية لضرب الشرعية السوفياتية، وشجع كارتر على تبادل الرسائل مع المعارضين السوفيات مثل أندريه ساخاروف، وهي خطوة أثارت غضب القيادة السوفياتية وعقدت مهمة فانس الدبلوماسية.

تعرض السيرة أيضاً لمنافسته الشرسة والمستمرة مع هنري كيسنجر. تواجه الرجلان في الساحة الأكاديمية والسياسية لعقود، وبينما مال كيسنجر إلى الواقعية السياسية وتقاسم مناطق النفوذ مع السوفيات، أصر بريجينسكي على ضرورة هزيمة الاتحاد السوفياتي أيديولوجياً وجيوسياسياً، ونجح لاحقاً في تحقيق إنجاز دبلوماسي كبير بتطبيع العلاقات رسمياً مع الصين الشعبية عام 1979، وقاد المفاوضات مع الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ بمهارة، ليستخدم هذا التحالف الجديد كورقة ضغط قوية لمحاصرة الاتحاد السوفياتي.

يخصص لوس مساحة واسعة لتحليل دور بريجينسكي في التدخل السوفياتي بأفغانستان حيث رأى أن الغزو السوفياتي فرصة تاريخية لاستنزاف موسكو. ودفع بقوة نحو دعم المجاهدين الإسلاميين، بغرض تحويل أفغانستان إلى «فيتنام سوفياتية». ويؤكد الكتاب نجاح هذه الاستراتيجية في استنزاف الموارد السوفياتية، ويشير أيضاً إلى التداعيات المستقبلية الكارثية المتمثلة في صعود الجماعات المتطرفة كتنظيم «القاعدة»، وهو مسار يعتبره منتقدوه نتيجة مباشرة لسياساته المتشددة.

شكلت أزمة الرهائن الإيرانيين التحدي الأصعب في مسيرته السياسية. فبعدما اندلعت الثورة الإيرانية على حكم الشاه محمد رضا بهلوي، حث وقتها الرئيس كارتر على دعم تحرك عسكري يقوده جنرالات الجيش الإيراني لقمع الثورة، وتوقع تحول النظام الجديد بقيادة آية الله الخميني إلى حكم دموي، لكن كارتر رفض خيار القوة المفرطة. وتفاقمت الأزمة حين استقبلت واشنطن الشاه للعلاج، في خطوة أيدها بريجينسكي وكيسنجر لكنها أدت إلى اقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجاز الرهائن. ألح بريجينسكي لتدخل عسكري ينقذ الرهائن، إلى أن وافق كارتر أخيراً على تنفيذ عملية «مخلب النسر» التي انتهت بفشل كارثي في الصحراء الإيرانية، واستقال على أثرها فانس احتجاجاً على القرار، فيما ساهمت هذه الأزمة في خسارة كارتر للانتخابات الرئاسية أمام رونالد ريغان.

في ملف الشرق الأوسط، كان براغماتياً حاداً، ولعب دوراً محورياً في هندسة اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. جمعته علاقة معقدة ومحكومة بالندية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، وتشاركا الأصول اليهودية البولندية. أصر بريجينسكي على ضرورة إيجاد حل شامل يضمن حكماً ذاتياً للفلسطينيين، وحذر باستمرار من خطورة سياسة بناء المستوطنات الإسرائيلية، واصطدم مراراً بجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، فتعرض لحملات إعلامية قاسية شككت في نواياه، لكنه واجهها بصلابة وثبات على مواقفه، واستمر على هذا التوجه في سنواته اللاحقة، وأعلن تأييده للمقال الأكاديمي الشهير الذي كتبه جون ميرشايمر وستيفن والت حول تأثير «اللوبي الإسرائيلي» على السياسة الخارجية الأميركية.

مع انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي، حصد ثمار تنبؤاته المبكرة. وساهم تعاونه الوثيق وتواصله المستمر مع البابا يوحنا بولس الثاني (البولندي الأصل) في دعم حركة «تضامن» البولندية، ومنع الغزو السوفياتي المحتمل لبولندا في بداية الثمانينات. وفي حقبة ما بعد الحرب الباردة، دعم توسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليضم دول أوروبا الشرقية، واعتبر أوكرانيا حجر الزاوية لمنع انبعاث الإمبراطورية الروسية، وكان حذر مبكراً من صعود نزعة قومية انتقامية في روسيا، وتوقع مسار المواجهة الذي سلكه فلاديمير بوتين لاحقاً.

عكس بريجينسكي في سنواته الأخيرة تحولاً ملحوظاً في رؤيته للمشهد العالمي. فعارض بشدة الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وانتقد علناً إدارة جورج دبليو بوش والمحافظين الجدد، واصفاً مبررات الحرب بالمضللة والكارثية، كما دعم باراك أوباما في حملته الرئاسية عام 2008، ورأى فيه فرصة لتجديد القيادة الأميركية بأدوات سلمية. خصص خطابه العلني الأخير في جامعة كولومبيا للدعوة إلى التعاون المشترك بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، محذراً من استمرار عقلية المواجهة الصفرية في عالم يواجه تحديات وجودية مشتركة.

نجح إدوارد لوس في تقديم وثيقة تاريخية تتسم بالرصانة والعمق التحليلي لشخصية بريجينسكي بكل تناقضاتها: الباحث الأكاديمي المنظّر، والسياسي البراغماتي قوي الشكيمة القادر على اتخاذ قرارات قاسية. وبغير أنه أوسع سيرة عن عراف الحرب الباردة، يشكل هذا العمل إضافة مرجعية قيّمة لفهم آليات صنع القرار داخل أروقة البيت الأبيض، وتتبع جذور السياسات التي صاغت خريطة العالم المعاصر، وتأثير النخب اليهودية المهاجرة من وسط أوروبا في توجيه دفة القيادة في أقوى دول العالم.

Zbig: The Life of Zbigniew Brzezinski America's Cold War Prophet” Edward Luce “* Bloomsbury Publishing 2025


حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً
TT

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954» الذي يقدم فيها مقارنة بديعة لتجليات واحدة من أشهر قصص التراث العربي وكيف اختلف تناولها وتعددت رؤاها، سردياً وفلسفياً، لدى ثلاثة من رموز هذا التراث وهم ابن سينا وابن طفيل والسهروردي.

ويشير إلى أن خلاصة القصة الذائعة الصيت لدى ابن سينا، هي أن جماعة خرجوا يتنزهون إذ عنّ لهم شيخ جميل الطلعة حسن الهيئة مهيب قد أكسبته السنون والرحلات تجارب عظيمة، وهذا الشيخ المهيب الوقور اسمه حي بن يقظان وهو يرمز بهذا الشيخ إلى العقل.

وهذه الرفقة التي تصاحبه من هؤلاء ليست أشخاصاً وإنما هي الشهوات والغرائز وسائر الملكات الإنسانية، كما أن المجادلة بين الرفقة وحي بن يقظان عبارة عن مجادلات تحدث عادة بين غرائز الإنسان وشهواته من ناحية، وبين ضميره وعقله من ناحية أخرى.

هذه المناظرات بين قوى الإنسان وعقله أدت إلى سؤال العقل عن علم الفراسة ويقصد ابن سينا به علم المنطق وسماه علم الفراسة؛ لأنه بواسطته يُعرف الأمر المجهول الخفي من أحواله الظاهرة وتُعرف النتائج العويصة من مقدمات بدهية، فهو استدلال على الخفايا من السمات والمظاهر.

ويقول العقل إن هذه الرفقة التي تصحب الإنسان والتي هي ملكاته وشهواته رفقة سوء ومن ذلك أيضاً قوة التخيل ورمز إليها بـ«شاهد الزور»، وذلك لأنها قادرة على تشبيه الشيء بالشيء زوراً وبهتاناً لإيقاع الإنسان في الشر وهذا التشبيه زور وباطل لأنه لا ينشأ عن عقل وحكمة.

أما حي بن يقظان عند ابن طفيل فشيء آخر، هو أيضاً يتصل بالعقل ولكن على نمط مختلف فهو رسالة بناها وفق نظرية له، وهي أن في وسع الإنسان أن يرتقي بنفسه من المحسوس إلى المعقول إلى الله، فهو يستطيع بعقله أن يصل إلى معرفة العالم ومعرفة الله.

وعنده أن المعرفة تنقسم إلى قسمين: معرفة حدسية ومعرفة نظرية، أو بعبارة أخرى معرفة مبنية على الكشف والإلهام كالتي عند الصوفية، ومعرفة مبنية على المنطق كالتي عند العلماء. أما الأولى فيمكن الوصول إليها بترويض النفس فتنكشف لها الحقائق كأنها نور واضح لذيذ يومض له حيناً ثم يخبو حيناً.

وكلما أمعن الإنسان في ترويض نفسه، تجلت له المعارف، وأما النوع الثاني من المعرفة فهو مؤسس على الحواس، والمعرفة بالحواس تتألف وتتركب وتُستنتج منها نتائج علمية هي أيضاً نوع من المعرفة التي يسميها المعرفة النظرية. وقد جعل ابن طفيل بطله بن يقظان يسلك هذين الطريقين، فتارة يصل لمعرفة الأشياء بحواسه ومركباتها وتارة يصل إليها بطريق الكشف الروحاني.

أما قصة حي بن يقظان عند السهروردي فبدأها بقوله «إني لما رأيت قصة حي بن يقظان وصادفتها مع ما فيها من عجائب الكلمات الروحانية والإشارات العميقة عارية من تلويحات تشير إلى الطور الأعظم المخزون الذي يترتب عليه مقامات الصوفية وأصحاب المكاشفات، أردت أن أذكر طوراً في القصة سميتها أنا قصة الغريبة».

ويضيف: «بدأت قصتي هكذا... سافرت مع أخي عاصم من ديار ما وراء النهر إلى ساحل اللجة الخضراء إلى مدينة القيروان بالمغرب، فلما أحس قومها بقدومنا عليهم وأننا من أصحاب عدوهم أخذونا وقيدونا بسلاسل من حديد وحبسونا في قاع بئر عميقة وكان فوق البئر قصر مشيد عليه أبراج عالية وقالوا لنا لا جناح عليكم إذا صعدتم القصر مجردين إذا أمسيتم، أما عند الصباح فلا بد من الهوى في غيابة الجب».

ويشير أحمد أمين إلى أن السهروردي رأى الشمس هنا رمزاً لسطوع العقل وتحكمه، لذا جعلهم يطلعون في المساء إلى القصر ويغيبون في قاع البئر في الصباح، لأن الإنسان يكون في ترف ونعيم إذا اتبع شهواته وغاب عنه العقل، أما إذا طلع عليه العقل وتحكم في شهواته عاش عيشة سعيدة كالتي يعيشها العاقل الحكيم.

ويرمز السهروردي بحياة البئر إلى الحياة المظلمة التي تتحكم فيها الشهوات، ثم قال: «فبينما نحن في الصعود ليلاً والهبوط نهاراً إذ رأينا الهدهد في ليلة قمراء في منقاره كتاب صدر من شاطئ الوادي الأيمن وقال إني أحطت بوجه خلاصكما وجئتكما بنبأ يقين مشروح في رقعة أبيكما».

ويرمز الهدهد هنا إلى قوة العقل وتأثير إلهامه وقدرته على إظهار الأشياء على حقيقتها، وقد أتى برسالة من عند أبيهم فيها الحكمة وفيها النور الذي يكشف ظلام الشهوات.