خدام: السعودية لعبت دوراً بارزاً لدى أميركا في حل «أزمة الصواريخ» مع إسرائيل (الحلقة التاسعة)

روى في مذكرات تنشرها «الشرق الأوسط» كيف استخدم حافظ الأسد «الورقة السوفياتية» ضد واشنطن

الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان ووزير الخارجية السعودي الراحل الأمير سعود الفيصل ووزير الخارجية السوري الراحل عبد الحليم خدام في البيت الأبيض بواشنطن عام 1982 (الشرق الأوسط)
الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان ووزير الخارجية السعودي الراحل الأمير سعود الفيصل ووزير الخارجية السوري الراحل عبد الحليم خدام في البيت الأبيض بواشنطن عام 1982 (الشرق الأوسط)
TT

خدام: السعودية لعبت دوراً بارزاً لدى أميركا في حل «أزمة الصواريخ» مع إسرائيل (الحلقة التاسعة)

الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان ووزير الخارجية السعودي الراحل الأمير سعود الفيصل ووزير الخارجية السوري الراحل عبد الحليم خدام في البيت الأبيض بواشنطن عام 1982 (الشرق الأوسط)
الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان ووزير الخارجية السعودي الراحل الأمير سعود الفيصل ووزير الخارجية السوري الراحل عبد الحليم خدام في البيت الأبيض بواشنطن عام 1982 (الشرق الأوسط)

في صيف 1981، أسقطت إسرائيل طائرتي هليكوبتر سوريتين في سهل البقاع، كانتا في مهمة قتالية ضد «القوات اللبنانية» في زحلة وصنين بلبنان. ردت سوريا بإدخال صواريخ «سام» مضادة للطائرات إلى سهل البقاع.
كان رد فعل رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيغن بأن هدد دمشق بإزالة هذه الصواريخ بـ«وسائل خاصة» ما لم تسحبها سوريا. توتر الوضع العسكري، ووصل إلى حافة الحرب، لرفض سوريا الإذعان للطلب الإسرائيلي.
وشُبِّهت تلك الأزمة بـ«أزمة صواريخ كوبا» بين أميركا والاتحاد السوفياتي بين نيكيتا خروتشوف وجون كيندي في بداية الستينات، التي انتهت بسحب خروتشوف صواريخه.
إضافة إلى السياق التاريخي، فإن تزامن هذه الأزمة مع قصف إسرائيل المفاعل النووي العراقي، زاد الأمور تعقيداً، بل هناك من يذهب إلى أن هذه الأزمة مهدت الأرضية لاجتياح إسرائيل لبنان في العام اللاحق.
يروي نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام اليوم، في مذكرات تنشرها «الشرق الأوسط»، بعض أبعاد هذه المعركة الدبلوماسية الموازية لتوتر الميدان.
جاءت أزمة الصواريخ في مرحلة يشهد فيها الوضع العربي انقسامات خطيرة، وحالة من التردّي واللامبالاة، وانشغالاً عن المخاطر الأساسية التي تهدد الأمة من إسرائيل ومن غير إسرائيل (...). وهنا، لا يسعني إلا أن أشير إلى أن هذا الموقف العربي، رغم سوء الأوضاع العربية، يلعب دوراً إيجابياً في ممارسة ضغوط على الولايات المتحدة الأميركية. فالمملكة العربية السعودية والكويت والإمارات وغيرها، قامت بـ«نشاطات قتالية» مع الإدارة الأميركية، لا سيما المملكة العربية السعودية. وقد أرسل الملك خالد بن عبد العزيز رسائل عدة إلى الرئيس رونالد ريغان، يحذّره فيها من مغبة دعم إسرائيل في اعتداء تشنّه ضد سوريا، مشيراً إلى أن المملكة العربية السعودية والعرب جميعاً سيقفون جنباً إلى جنب مع سوريا.
وقد عبّر وليّ عهد المملكة العربية السعودية الأمير فهد بن عبد العزيز، في حديث صحافي حول مسألة الصواريخ، فقال: «لا شك بأن الحالة المحزنة التي وصل إليها الموقف العربي الراهن هي السبب الرئيسي الذي شجّع إسرائيل على تصعيد عملياتها العسكرية ضد الفلسطينيين واللبنانيين. لقد فقدت الأمة العربية الحد الأدنى من التضامن الذي تحقّق في مؤتمر قمة بغداد سنة 1978، وهذا أمر خطر للغاية. ومنذ فترة ونحن في المملكة ننبّه إلى خطورة الموقف، ونطالب ونسعى بإلحاح إلى ضرورة إعادة ترتيب البيت العربي. وكلما تدهور الموقف العربي زادت إسرائيل في عدوانها وغطرستها. وقبل أيام، تحدّث بيغن في الجليل عن تحطيم الفلسطينيين، وهو اليوم يقتل الفلسطينيين، ليس فقط لأنهم فدائيون، ولكن لكونهم فلسطينيين، وهذه حرب إبادة لا يجوز أن يسمح العرب باستمرارها. فالواجب القومي يقتضي لملمة الموقف العربي بسرعة، واتخاذ خطوات عملية لوقف الخطر الصهيوني المستشري. فبالأمس القدس، واليوم الجنوب اللبناني، وغداً الجولان. والأمر يتطلب مواجهة قومية عربية شاملة.
وعلى أي حال، فلو لم يكن الوجود الفلسطيني مُكلفاً لما فقد بيغن عقله على هذا النحو. ونحن في المملكة، نحيي الصمود البطولي للشعبين الفلسطيني واللبناني في وجه آلة الحرب الإسرائيلية، ونؤيد وندعم سوريا الشقيقة في موقفها الصامد والشجاع في وجه إسرائيل. إن المسؤولية الضخمة التي تتحمّلها دمشق في هذه المرحلة، بقيادة الأخ الرئيس حافظ الأسد، تتطلب منا جميعاً المؤازرة والتأييد. فالموقف السوري اليوم يعبّر عن إرادة الأمة العربية، التي لن تسمح لإسرائيل بأن تملي عليها إرادتها، بالرغم من غياب التضامن العربي.
وإذا قامت إسرائيل باعتداء على سوريا، فسيقاتل العرب جميعاً مع سوريا وبجانبها، ولنا وطيد الأمل بأن يكون مؤتمر وزراء الخارجية العرب المقبل على مستوى التحدي الكبير الذي تواجهه أمتنا العربية، بحيث ينجح في تصحيح المسار العربي، ويعود التضامن الذي تجلى في قمة بغداد عام 1978».
أعطى الأمير فهد هذا الحديث في منتصف مايو (أيار) عام 1981 إلى وكالة الأنباء السعودية، وهنا أيضاً لا بد من الإشارة إلى أن أنشط الدول العربية اتصالاً خلال أزمة الصواريخ كانت المملكة العربية السعودية، وجرى تبادل عدد من الرسائل بين الرئيس حافظ الأسد والملك خالد.
بين هذه الرسائل، واحدة في 20 مايو 1981 أرسلها الرئيس الأسد إلى الملك خالد، حملها شقيقه العقيد رفعت الأسد، وجاء فيها:
«1 - يطيب لي أن أحمل إلى جلالتكم وإلى إخوانكم أصحاب السمو الأعزاء أصدق تحيات أخيكم الرئيس حافظ الأسد، الذي أوفدني لأطلعكم على محادثاته الأخيرة مع المبعوث الأميركي فيليب حبيب، وحمّلني رسالة التقدير لموقفكم الثابت الذي تعتز به سوريا، ولتصريحات المسؤولين في المملكة العربية السعودية الشقيقة، التي كان لها الوقع الطيب لدى أهلكم، الشعب العربي في سوريا، والأثر الفعال في دعم الحق العربي.
2- ويأتي حرص السيد الرئيس على إطلاعكم على تطورات الأحداث خطوة خطوة، من أجل أن تتابع المملكة الشقيقة هذه الأحداث عن كثب، وتكون في الصورة الواضحة الكاملة، أولاً بأول.
ومن هذا المنطلق، فقد اطّلعتم جلالتكم عن طريق الأخ عبد العزيز التويجري (الذي كان نقل رسائل إلى الأسد) على ما جرى من أحاديث بين الرئيس الأسد وفيليب حبيب في الاجتماعين السابقين. وقد زارنا السيد حبيب مرة ثالثة في 19 مايو (أيار) 1981، فأكدنا له بلهجة ودّية أننا حريصون على أن ينجح في مهمته، وأننا نتمنى له التوفيق، ولا نألو جهداً في مساعدته.

3- كانت طلبات حبيب في زيارته الأخيرة ما يلي:
أ- إيقاف كل تصعيد عسكري.
ب- تخفيف حدة التصريحات الكلامية لأنها تزيد في التوتر النفسي.
ج- ولكنه عاد إلى ترديد ما يسميه بضرورة العودة إلى الوضع السابق (أي سحب الصواريخ وانسحاب قوات الردع من صنين ومن زحلة) ولقاء ذلك لن تهاجمنا إسرائيل.
د- طلب معاودة العمل على إحياء الوفاق الوطني في لبنان، على أن يكون هذا الوفاق مترافقاً ومترابطاً مع إجراءات انسحاب قواتنا من زحلة ومن صنين.
هـ- طلب تخفيف أعمال الفلسطينيين عبر الحدود اللبنانية.
4- كانت أجوبة السيد الرئيس عن النقاط التي عرضها حبيب كما يلي:
أ- فيما يتعلق بوقف التصعيد العسكري، نحن موافقون على ذلك، علماً بأن الإجراءات التي اتخذناها إنما كانت رداً على ما قامت به إسرائيل، بالإضافة إلى أن إجراءاتنا كانت دفاعية محضة، وفي حدودها الدنيا، بينما كانت إجراءات إسرائيل ذات طبيعة هجومية، وقد كشف بيغن أنه أعطى بالفعل أوامره للطيران الإسرائيلي في 30 أبريل (نيسان) لقصف مواقع الصواريخ السورية.
وما يدل على الطبيعة الهجومية لتصرفات إسرائيل أنها ضربت طائرتي الهليكوبتر قبل إدخال الصواريخ، كما أنها اتخذت إجراءات داخل الجيش الإسرائيلي، في وقت مبكر وقبل دخول الصواريخ، ولم تتوقف طائراتها الاستطلاعية عن خرق الأجواء اللبنانية، والتحليق فوق قواتنا العاملة في لبنان.
ب- لقد كانت تصريحاتنا، رغم التهديدات الإسرائيلية المتتالية، معتدلة، ويمكن وصفها بأنها هي أيضاً ذات طبيعة دفاعية. فنحن، مثلاً، لم نقل إننا سنسحق الإسرائيليين، بينما أعلن بيغن أنه سيسحق الفلسطينيين.
ج- بالنسبة لموضوع العودة إلى الوضع السابق، لم نناقش ذلك مع السيد حبيب باعتبار أنه لم يكن مطلوباً العودة لمناقشة هذا الأمر، إذ إنه نوقش بالتفصيل في الاجتماعين السابقين. وقد أوضحنا في الرسالة التي حملها إلى جلالتكم الأخ السيد عبد العزيز التويجري ما دار في الاجتماعين المذكورين مع السيد حبيب.
د- فيما يتعلق بالوفاق، نحن متفقون على ضرورة التوصل إليه ونسعى لتحقيقه، ولكن علينا أن ندرك أن تدخل إسرائيل في شؤون لبنان الداخلية يعقّد الموقف، ويزيد من العقبات والمصاعب في وجه تحقيق هذا الوفاق، إذ إن قيام علاقة بين إسرائيل وطرف لبناني سيجعل الأطراف اللبنانية الأخرى ترفض الحوار مع هذا الطرف المتورّط، الذي سيدخل في روعه أنه أصبح أقوى الأطراف بواقع دعم إسرائيل له وتشجيعه على تخريب الوفاق.
هـ- بالنسبة لنشاط الفلسطينيين، لقد اتخذ مؤتمر القمة في تونس، بناء على طلب لبنان، قراراً بهذا الشأن، والفلسطينيون ملزمون به، إلا أن قصف مخيماتهم المستمر يجبرهم على القيام بردود فعل، علماً بأن إسرائيل لا تنتظر قيام الفلسطينيين بعملية فدائية من أرض لبنان، وإنما تقصف مخيماتهم للرد على أي عملية تجري داخل الأرض المحتلة، بصرف النظر عمن قام بها.
5 - كانت هذه هي طلبات السيد حبيب الأخيرة وأجوبتنا عنها. ومن الملاحظ أن هناك تأرجحاً في الموقف الأميركي وطريقة تطوّره. فقد بدأ هذا الموقف بتوجيه إنذارات صريحة إلينا، ثم تبع ذلك تظاهر بتفهُّم موقفنا واحتياجاتنا الدفاعية، وها نحن نرى الآن عودة إلى ما يشبه التبنّي لمطالب إسرائيل والتأكيد عليها. والتحليل النهائي لهذا التطور في الموقف الأميركي يوضح أن المضمون ظل هو نفسه، أي التأكيد على إعادة الوضع السابق (سحب الصواريخ وسحب قوات الردع من زحلة ومن صنين) إنما اللهجة وطريقة الطلب هما اللتان تغيرتا.
6 - ندرك أن إسرائيل بطلباتها هذه تهدف إلى إذلال العرب إذا قبلوا بها، كما تهدف إلى خلق سابقة خطيرة تؤدي إلى ألا تقف طلباتها عند لبنان، بل تتعداها في المستقبل إلى أرض العرب وسمائهم وإرادتهم في كل مكان، كي يصبح كل ذلك رهن إشارتهم. وقد بدأ بيغن بالفعل يصعّد شروطه، حين تجاوز في تصريحاته في 21 الجاري، في التلفزيون الأميركي، موضوع الصواريخ في لبنان، وطلب سحب الصواريخ الموجودة حتى في الأراضي السورية.
7 - ونحن إزاء كل ذلك ثابتون عند موقفنا، لا نريد حرباً ولا نعمل لها، ولكننا نرفض رفضاً قاطعاً القبول بأي أمر من شأنه أن يذل العرب. ومن هنا تأتي أهمية العمل العربي المشترك الذي طالما دعوتم جلالتكم إليه، لا سيما في مثل هذه الظروف الخطيرة الدقيقة.
إن دعمكم ودعم المملكة في هذه الظروف لعامل حاسم في تطوير الموقف لصالح حقوق الأمة العربية المقدّسة، وممارستكم ما أمكنكم للضغط على الولايات المتحدة الأميركية ضرورية جداً كيلا تُنتَقَص هذه الحقوق. فلقد أصبح من المسلّم به أن إسرائيل لا تضرب إلا بأسلحة أميركية، ما يعني في حكم المنطق أنها لا تضرب إلا بتغاضٍ أميركي.
8 - وانطلاقاً من حرص السيد الرئيس على هذا العمل العربي المشترك، فإن التوجيهات التي أعطاها لوزير الخارجية عبد الحليم خدّام تقضي بأن يتقدّم باقتراح إلى اجتماع وزراء الخارجية العرب المنعقد الآن في تونس، لإحياء اللجنة الرباعية للمساعدة في تحقيق الوفاق الوطني بلبنان، وإخراج هذا البلد العربي الشقيق من محنته. ففي تحقيق هذا الاقتراح بلورة لاهتمام العرب جميعاً بمصير هذا البلد العزيز.
9 - أعود لأؤكد لجلالتكم تحيات أخيكم الرئيس حافظ الأسد وتقديره الكبير لدعم جلالتكم ولمواقف المملكة العربية السعودية الشقيقة، وهو يرحّب سلفاً بأي آراء وأفكار تودون أن أنقلها إلى السيد الرئيس».
وفي إطار هذا النشاط، فقد عملنا على عقد جلسة طارئة لمجلس الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية في تونس، في دورة استثنائية بتاريخ 22 مايو (أيار) 1981، وفي الاجتماع المذكور عرضتُ الوضع وتطوراته والمباحثات التي أجريناها مع حبيب، ومختلف الاتصالات التي أجريناها. وتحدث الجميع مؤيدين الموقف السوري. وبنهاية المناقشات أقر المجلس القرار التالي الذي تقدمنا به، وهذا نص القرار:
«عقد مجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية دورة طارئة في تاريخ 22 مايو (أيار) 1981، في مقر الجامعة العربية بتونس، بناءً على طلب الحكومة الجزائرية، لمناقشة الوضع الخطير في المنطقة.
وقد ناقش المجلس بروح عالية من المسؤولية القومية الوضع المتفجّر في المنطقة، إثر تصاعد عدوان إسرائيل على الأمة العربية، وتدخّلها في الشؤون الداخلية للبنان الشقيق، والقصف الوحشي على المدن والقرى اللبنانية والمخيمات الفلسطينية، وحرب الإبادة التي تقوم بها ضد الشعب اللبناني، واعتداءاتها على قوات الردع العربية، وتهديداتها لسوريا، وإعلانها نظرية الأمن الإسرائيلي بهدف الهيمنة على لبنان وتمزيق وحدته الوطنية، ومن ثم فرض هيمنتها على الأمة العربية. وقد استنتج المجلس ما يأتي:
1 - إن نظرية الأمن الإسرائيلي التي أخذت إسرائيل لنفسها بموجبها الحق في الاعتداء على سيادة لبنان واستقلاله، وضرب التجمعات الفلسطينية، والاعتداء على قوات الردع العربية، إنما هي تعبير عن الطبيعة العدوانية للعدو الإسرائيلي وأهدافه التوسُّعية تجاه لبنان والأمة العربية، كما تشكل سابقة خطيرة في الوضع الدولي تهدد السلام والأمن العالميين.
2 - إن القصف الوحشي لمدن لبنان وقراه ومخيمات الفلسطينيين، إنما يهدف إلى خلق حالٍ من الاستسلام للأمة العربية، وتصفية المقاومة الفلسطينية تمهيداً لتصفية قضية فلسطين.
3 - إن الاعتداء على قوات الردع بحجة حماية فريق لبناني، يكشف أهداف إسرائيل ومخططاتها لضرب وحدة لبنان الوطنية وتمزيقه إلى دويلات طائفية، وتعطيل مسيرة الوفاق الوطني.
4 - إن الاعتداء على قوات الردع واستفزاز سوريا وتوجيه الإنذارات، كل ذلك بقصد تفجير الوضع العسكري مع سوريا والأمة العربية، في محاولة لفرض التسلُّط والهيمنة على المنطقة العربية.
5 - إن استمرار العدو الإسرائيلي في هذه السياسة يؤكد حتمية الانفجار العسكري، ذلك أن أي تراجع أمام هذه السياسة يعني الهزيمة والاستسلام، وهذا ما ترفضه الأمة العربية بكل إمكاناتها.
6 - إن الدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل، سياسياً وعسكرياً ومادياً، يشجعها على الاستمرار في ممارسة سياساتها العدوانية ضد الأمة العربية.
وفي ضوء ما تقدّم قرر المجلس ما يأتي:
1 - مقاومة نظرية الأمن الإسرائيلي بكل الوسائل المتاحة، ودعم سوريا في تصدّيها لممارسة إسرائيل هذه النظرية بكل الإمكانات. ويؤكد المجلس وقوفه إلى جانب سوريا في تصدّيها لعدوان إسرائيل واستفزازاتها.
2 - في ضوء المعطيات الراهنة وما ظهر من أعمال واستعدادات إسرائيلية، فإن الدول العربية ستقدم لسوريا الدعم اللازم لصد العدوان، وستضع كل إمكاناتها في تصرف المعركة، بما في ذلك مشاركة قواتها العسكرية، وفقاً لميثاق جامعة الدول العربية ومعاهدة الدفاع العربي المشترك.
3 - يقرر المجلس دعم وحدة لبنان واستقلاله وسيادته على أراضيه، ودعم الحكومة الشرعية المركزية، ويؤكد استعداد الحكومات العربية لتقديم كل أشكال الدعم التي تطلبها الحكومة اللبنانية لمواجهة العدوان الإسرائيلي على سيادة لبنان وحرمة أراضيه، ومن أجل الوقوف في وجه التدخّل الإسرائيلي في الشؤون الداخلية اللبنانية.
4 - يدعو المجلس إلى وقف فوري لإطلاق النار في لبنان، كما يدعو الأطراف اللبنانيين إلى تحقيق الوفاق الوطني.
ويؤكد المجلس دعمه للجهود التي يقوم بها الرئيس (إلياس) سركيس والحكومة اللبنانية، بالتعاون مع الحكومة السورية، لتحقيق الوفاق الوطني وفقاً للمبادئ التي أعلنها رئيس الجمهورية وأقرتها الحكومة اللبنانية، ويحذّر أي فريق لبناني من وضع العراقيل في طريق الوفاق الوطني، ومن استخدام الورقة الإسرائيلية لتعطيل مسيرة الوفاق.
ويؤكد عزم الدول العربية، مجتمعة ومنفردة، على الدفاع عن وحدة لبنان، ومقاومة كل محاولات تجزئة لبنان وتقسيمه بهدف إقامة كيانات طائفية.
5 - يؤكد المجلس وجوب تطبيق قرارات قمّتي الرياض والقاهرة، وتنشيط لجنة المتابعة المنصوص عليها في هذه القرارات، على أن تجتمع على مستوى وزراء الخارجية كلما دعت الحاجة إلى ذلك.
6 - يقرر المجلس دعم منظمة التحرير الفلسطينية بكل الوسائل، لتمكينها من مواصلة مسؤولياتها ومواجهة حرب الإبادة التي يشنّها العدو الإسرائيلي عليها وعلى الشعب الفلسطيني، ويؤكد المجلس وقوفه إلى جانب المنظمة في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية.
7 - يؤيد المجلس دعوة منظمة التحرير الفلسطينية إلى فتح باب التطوّع أمام الإخوة العرب للمشاركة في تحرير الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفي مقدمتها القدس الشريف.
8 - يؤكد المجلس التنفيذ الفوري لقرار قمة تونس في شأن تقديم الدعم المالي للبنان وللشعب الفلسطيني في الجنوب اللبناني، وذلك لمواجهة نتائج التصعيد العسكري الصهيوني وما يخلفه من دمار وخسائر في الأرواح والممتلكات.
9 - يدعو المجلس الولايات المتحدة الأميركية إلى وقف جميع أنواع الدعم والمساندة لإسرائيل، لأن هذا الدعم يشكل اعتداءً على الأمة العربية وعلى كرامتها ومستقبلها، وعلى الأمن والسلم في المنطقة، وبالتالي فإن استمرار الدعم سيؤدي إلى مواجهة جدية بين الأمة العربية والولايات المتحدة الأميركية.
10 - يدعو المجلس الرأي العام العالمي إلى إدانة السياسة الإسرائيلية العدوانية والاستفزازية، ودعم العرب في مقاومتهم للعدوان، ويؤكد استمرار الدول العربية في مقاومة نهج اتفاقيتي كامب ديفيد والمعاهدة الإسرائيلية - المصرية.
11 - يحيي المجلس كفاح الشعب الفلسطيني في الوطن المحتل والتفافه حول منظمة التحرير الفلسطينية، ممثله الشرعي والوحيد.
12 - يؤكد المجلس أهمية تعزيز التضامن العربي وتطويره، وتجاوز الخلافات الجانبية، أمام الغزو الصهيوني لأرضنا وتهديده للمصير العربي بأكمله.
13 - يكلّف الأمين العام للجامعة متابعة تطورات الوضع وإطلاع الحكومات العربية على ما يُتّخذ من إجراءات مناسبة».
ومما لا شك فيه، فإن نصوص هذه القرارات من الناحية السياسية نصوص جيدة قوية. فهي تتضمن كلاماً يجب أن يقوم به العرب لمواجهة العدو (...) وحَرِصْنا على مثل هذه الورقة السياسية لاعتبارات منها ما يتعلق بتعبئة الرأي العام العربي، وإبقاء القضية الرئيسية ماثلة في أذهانه، ولاعتبارات خارجية تتعلق بالرأي العام العالمي، لأننا نحرص دائماً على التمسك بالورقة العربية، ورفع هذه الورقة من أجل كسب أوسع تأييد عالمي لقضيتنا ولموقفنا.
وبالإضافة إلى كل ذلك، فإن اتخاذ مثل هذا القرار يبقيه أرضية صالحة وجيدة يمكن الوقوف عليها في مرحلة ما، عندما تتحسن الظروف العامة للوضع العربي ولمختلف جوانب هذا الوضع.
وأخيراً، هكذا بدأت أزمة الصواريخ التي وضعت المنطقة على حافة الحرب بيننا وبين إسرائيل، وهكذا تطورات هذه الأزمة، وبلغت ذروتها ثم تلاشت واختفت إلى أمد قد يكون قصيراً، وقد يكون بعيداً حيث لا رجعة.
ولكننا في هذه الأزمة تبينّا بوضوح، وبما لا يترك مجالاً لشك أو جدل، خطورة السلم مع إسرائيل. فهي في السلم لن تقبل إلا أن تكون السيدة وتمتلك الوسائل والتصميم. لقد أدركنا خطورة إسرائيل وطبيعة هذا الكيان الذي ميّز نفسه على كل أمم الأرض، منطلقاً من أوهام وخرافات توراتية. وهي أوهام وخرافات بالنسبة لنا، ولكنها عقيدة حية بالنسبة له، يمارسها في كل المجالات وفي كل الاتجاهات.
ظهرت لنا إسرائيل الدولة التي لا حدود لها ولرغبتها في السيطرة والتحكُّم وفي التوسُّع، وفي الوقت نفسه فقد اكتشفنا ما لم نكتشفه في أي مرحلة مضت: اكتشفنا قدرتنا على أن نصمد وأن نخوض معركة كانت أكثر قسوة من معركة عسكرية.
معركة مورست علينا فيها كل أشكال الحرب النفسية والضغوط والتهديدات، ورفضنا كل ذلك، وتجاوزنا هذه الضغوط، فخرجنا من هذه المعركة أكثر قوة وقدرة واعتزازاً. أما القلق الذي ساورنا عدداً من الأيام، وكان قلقاً حاداً ومشروعاً، فلأن الخطأ في المعالجة لا يتعلق بنا كأشخاص نقود البلاد، ولكن يتعلق بأرض الوطن ومستقبله وبدماء غزيرة كانت ستسيل (...). كانت أزمة الصواريخ مرحلة مهمة استخرجنا منها دروساً عظيمة، وكونّا من خلالها تصورات مبنية على ممارسة عملية، كما توصلنا إلى استنتاجات لعبت دوراً كبيراً في متابعة خطنا السياسي.
لقد استخدمنا في هذه الأزمة العلاقة العربية أفضل استخدام. وبعد أن كانت المحاولات تجري لتكون أداة ضغط، حولناها إلى أداة ضغط على الولايات المتحدة الأميركية. واستخدمنا «الورقة السوفياتية» استخداماً جيداً، ووضعنا الولايات المتحدة الأميركية في وضع صعب من خلال استخدام هذه الورقة.

خدام: الأسد اقترح إعطاء المعارضة العراقية وعوداً وهمية... وخاتمي حذر من دولة كردية (الحلقة الأولى)
خدام: الأسد غيّر رأيه ومدد للحود فاصطدمت سوريا بالإرادة الدولية (الحلقة الثانية)

خدام: استقبلنا رفيق الحريري بناء على اقتراح جنبلاط... وحافظ الأسد «امتحنه» (الحلقة الثالثة)
خدام: هاجمت قواتنا ثكنة «حزب الله»... وهذا ما دار مع السفير الإيراني (الحلقة الرابعة)

خدام: بوش أبلغنا برسالة خطية أن عون «عقبة»... والأسد اعتبرها «ضوءاً أخضر» لإنهاء تمرده (الحلقة الخامسة)
خدام: صدام بعث برسائل سرية إلى خامنئي ورفسنجاني... واقترح قمة بحضور «المرشد» (الحلقة السادسة)
رفسنجاني في رسالة لصدام: تتحدث عن القومية العربية وتنتقد رفضنا لاحتلال الكويت (الحلقة السابعة)
خدام: قلت لعرفات إنك تكذب وتتآمر على فلسطين ولبنان وسوريا (الحلقة الثامنة)
خدام: كنت أول وآخر مسؤول سوري يلتقى الخميني... وهذا محضر الاجتماع (الحلقة 10)

خدام: حافظ الأسد كان سريع التأثر بأفراد عائلته... وعلاقتنا وصلت أحياناً إلى القطيعة (الحلقة الـ 11 والأخيرة)

 



كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.


ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.