خدام: السعودية لعبت دوراً بارزاً لدى أميركا في حل «أزمة الصواريخ» مع إسرائيل (الحلقة التاسعة)

روى في مذكرات تنشرها «الشرق الأوسط» كيف استخدم حافظ الأسد «الورقة السوفياتية» ضد واشنطن

الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان ووزير الخارجية السعودي الراحل الأمير سعود الفيصل ووزير الخارجية السوري الراحل عبد الحليم خدام في البيت الأبيض بواشنطن عام 1982 (الشرق الأوسط)
الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان ووزير الخارجية السعودي الراحل الأمير سعود الفيصل ووزير الخارجية السوري الراحل عبد الحليم خدام في البيت الأبيض بواشنطن عام 1982 (الشرق الأوسط)
TT

خدام: السعودية لعبت دوراً بارزاً لدى أميركا في حل «أزمة الصواريخ» مع إسرائيل (الحلقة التاسعة)

الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان ووزير الخارجية السعودي الراحل الأمير سعود الفيصل ووزير الخارجية السوري الراحل عبد الحليم خدام في البيت الأبيض بواشنطن عام 1982 (الشرق الأوسط)
الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان ووزير الخارجية السعودي الراحل الأمير سعود الفيصل ووزير الخارجية السوري الراحل عبد الحليم خدام في البيت الأبيض بواشنطن عام 1982 (الشرق الأوسط)

في صيف 1981، أسقطت إسرائيل طائرتي هليكوبتر سوريتين في سهل البقاع، كانتا في مهمة قتالية ضد «القوات اللبنانية» في زحلة وصنين بلبنان. ردت سوريا بإدخال صواريخ «سام» مضادة للطائرات إلى سهل البقاع.
كان رد فعل رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيغن بأن هدد دمشق بإزالة هذه الصواريخ بـ«وسائل خاصة» ما لم تسحبها سوريا. توتر الوضع العسكري، ووصل إلى حافة الحرب، لرفض سوريا الإذعان للطلب الإسرائيلي.
وشُبِّهت تلك الأزمة بـ«أزمة صواريخ كوبا» بين أميركا والاتحاد السوفياتي بين نيكيتا خروتشوف وجون كيندي في بداية الستينات، التي انتهت بسحب خروتشوف صواريخه.
إضافة إلى السياق التاريخي، فإن تزامن هذه الأزمة مع قصف إسرائيل المفاعل النووي العراقي، زاد الأمور تعقيداً، بل هناك من يذهب إلى أن هذه الأزمة مهدت الأرضية لاجتياح إسرائيل لبنان في العام اللاحق.
يروي نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام اليوم، في مذكرات تنشرها «الشرق الأوسط»، بعض أبعاد هذه المعركة الدبلوماسية الموازية لتوتر الميدان.
جاءت أزمة الصواريخ في مرحلة يشهد فيها الوضع العربي انقسامات خطيرة، وحالة من التردّي واللامبالاة، وانشغالاً عن المخاطر الأساسية التي تهدد الأمة من إسرائيل ومن غير إسرائيل (...). وهنا، لا يسعني إلا أن أشير إلى أن هذا الموقف العربي، رغم سوء الأوضاع العربية، يلعب دوراً إيجابياً في ممارسة ضغوط على الولايات المتحدة الأميركية. فالمملكة العربية السعودية والكويت والإمارات وغيرها، قامت بـ«نشاطات قتالية» مع الإدارة الأميركية، لا سيما المملكة العربية السعودية. وقد أرسل الملك خالد بن عبد العزيز رسائل عدة إلى الرئيس رونالد ريغان، يحذّره فيها من مغبة دعم إسرائيل في اعتداء تشنّه ضد سوريا، مشيراً إلى أن المملكة العربية السعودية والعرب جميعاً سيقفون جنباً إلى جنب مع سوريا.
وقد عبّر وليّ عهد المملكة العربية السعودية الأمير فهد بن عبد العزيز، في حديث صحافي حول مسألة الصواريخ، فقال: «لا شك بأن الحالة المحزنة التي وصل إليها الموقف العربي الراهن هي السبب الرئيسي الذي شجّع إسرائيل على تصعيد عملياتها العسكرية ضد الفلسطينيين واللبنانيين. لقد فقدت الأمة العربية الحد الأدنى من التضامن الذي تحقّق في مؤتمر قمة بغداد سنة 1978، وهذا أمر خطر للغاية. ومنذ فترة ونحن في المملكة ننبّه إلى خطورة الموقف، ونطالب ونسعى بإلحاح إلى ضرورة إعادة ترتيب البيت العربي. وكلما تدهور الموقف العربي زادت إسرائيل في عدوانها وغطرستها. وقبل أيام، تحدّث بيغن في الجليل عن تحطيم الفلسطينيين، وهو اليوم يقتل الفلسطينيين، ليس فقط لأنهم فدائيون، ولكن لكونهم فلسطينيين، وهذه حرب إبادة لا يجوز أن يسمح العرب باستمرارها. فالواجب القومي يقتضي لملمة الموقف العربي بسرعة، واتخاذ خطوات عملية لوقف الخطر الصهيوني المستشري. فبالأمس القدس، واليوم الجنوب اللبناني، وغداً الجولان. والأمر يتطلب مواجهة قومية عربية شاملة.
وعلى أي حال، فلو لم يكن الوجود الفلسطيني مُكلفاً لما فقد بيغن عقله على هذا النحو. ونحن في المملكة، نحيي الصمود البطولي للشعبين الفلسطيني واللبناني في وجه آلة الحرب الإسرائيلية، ونؤيد وندعم سوريا الشقيقة في موقفها الصامد والشجاع في وجه إسرائيل. إن المسؤولية الضخمة التي تتحمّلها دمشق في هذه المرحلة، بقيادة الأخ الرئيس حافظ الأسد، تتطلب منا جميعاً المؤازرة والتأييد. فالموقف السوري اليوم يعبّر عن إرادة الأمة العربية، التي لن تسمح لإسرائيل بأن تملي عليها إرادتها، بالرغم من غياب التضامن العربي.
وإذا قامت إسرائيل باعتداء على سوريا، فسيقاتل العرب جميعاً مع سوريا وبجانبها، ولنا وطيد الأمل بأن يكون مؤتمر وزراء الخارجية العرب المقبل على مستوى التحدي الكبير الذي تواجهه أمتنا العربية، بحيث ينجح في تصحيح المسار العربي، ويعود التضامن الذي تجلى في قمة بغداد عام 1978».
أعطى الأمير فهد هذا الحديث في منتصف مايو (أيار) عام 1981 إلى وكالة الأنباء السعودية، وهنا أيضاً لا بد من الإشارة إلى أن أنشط الدول العربية اتصالاً خلال أزمة الصواريخ كانت المملكة العربية السعودية، وجرى تبادل عدد من الرسائل بين الرئيس حافظ الأسد والملك خالد.
بين هذه الرسائل، واحدة في 20 مايو 1981 أرسلها الرئيس الأسد إلى الملك خالد، حملها شقيقه العقيد رفعت الأسد، وجاء فيها:
«1 - يطيب لي أن أحمل إلى جلالتكم وإلى إخوانكم أصحاب السمو الأعزاء أصدق تحيات أخيكم الرئيس حافظ الأسد، الذي أوفدني لأطلعكم على محادثاته الأخيرة مع المبعوث الأميركي فيليب حبيب، وحمّلني رسالة التقدير لموقفكم الثابت الذي تعتز به سوريا، ولتصريحات المسؤولين في المملكة العربية السعودية الشقيقة، التي كان لها الوقع الطيب لدى أهلكم، الشعب العربي في سوريا، والأثر الفعال في دعم الحق العربي.
2- ويأتي حرص السيد الرئيس على إطلاعكم على تطورات الأحداث خطوة خطوة، من أجل أن تتابع المملكة الشقيقة هذه الأحداث عن كثب، وتكون في الصورة الواضحة الكاملة، أولاً بأول.
ومن هذا المنطلق، فقد اطّلعتم جلالتكم عن طريق الأخ عبد العزيز التويجري (الذي كان نقل رسائل إلى الأسد) على ما جرى من أحاديث بين الرئيس الأسد وفيليب حبيب في الاجتماعين السابقين. وقد زارنا السيد حبيب مرة ثالثة في 19 مايو (أيار) 1981، فأكدنا له بلهجة ودّية أننا حريصون على أن ينجح في مهمته، وأننا نتمنى له التوفيق، ولا نألو جهداً في مساعدته.

3- كانت طلبات حبيب في زيارته الأخيرة ما يلي:
أ- إيقاف كل تصعيد عسكري.
ب- تخفيف حدة التصريحات الكلامية لأنها تزيد في التوتر النفسي.
ج- ولكنه عاد إلى ترديد ما يسميه بضرورة العودة إلى الوضع السابق (أي سحب الصواريخ وانسحاب قوات الردع من صنين ومن زحلة) ولقاء ذلك لن تهاجمنا إسرائيل.
د- طلب معاودة العمل على إحياء الوفاق الوطني في لبنان، على أن يكون هذا الوفاق مترافقاً ومترابطاً مع إجراءات انسحاب قواتنا من زحلة ومن صنين.
هـ- طلب تخفيف أعمال الفلسطينيين عبر الحدود اللبنانية.
4- كانت أجوبة السيد الرئيس عن النقاط التي عرضها حبيب كما يلي:
أ- فيما يتعلق بوقف التصعيد العسكري، نحن موافقون على ذلك، علماً بأن الإجراءات التي اتخذناها إنما كانت رداً على ما قامت به إسرائيل، بالإضافة إلى أن إجراءاتنا كانت دفاعية محضة، وفي حدودها الدنيا، بينما كانت إجراءات إسرائيل ذات طبيعة هجومية، وقد كشف بيغن أنه أعطى بالفعل أوامره للطيران الإسرائيلي في 30 أبريل (نيسان) لقصف مواقع الصواريخ السورية.
وما يدل على الطبيعة الهجومية لتصرفات إسرائيل أنها ضربت طائرتي الهليكوبتر قبل إدخال الصواريخ، كما أنها اتخذت إجراءات داخل الجيش الإسرائيلي، في وقت مبكر وقبل دخول الصواريخ، ولم تتوقف طائراتها الاستطلاعية عن خرق الأجواء اللبنانية، والتحليق فوق قواتنا العاملة في لبنان.
ب- لقد كانت تصريحاتنا، رغم التهديدات الإسرائيلية المتتالية، معتدلة، ويمكن وصفها بأنها هي أيضاً ذات طبيعة دفاعية. فنحن، مثلاً، لم نقل إننا سنسحق الإسرائيليين، بينما أعلن بيغن أنه سيسحق الفلسطينيين.
ج- بالنسبة لموضوع العودة إلى الوضع السابق، لم نناقش ذلك مع السيد حبيب باعتبار أنه لم يكن مطلوباً العودة لمناقشة هذا الأمر، إذ إنه نوقش بالتفصيل في الاجتماعين السابقين. وقد أوضحنا في الرسالة التي حملها إلى جلالتكم الأخ السيد عبد العزيز التويجري ما دار في الاجتماعين المذكورين مع السيد حبيب.
د- فيما يتعلق بالوفاق، نحن متفقون على ضرورة التوصل إليه ونسعى لتحقيقه، ولكن علينا أن ندرك أن تدخل إسرائيل في شؤون لبنان الداخلية يعقّد الموقف، ويزيد من العقبات والمصاعب في وجه تحقيق هذا الوفاق، إذ إن قيام علاقة بين إسرائيل وطرف لبناني سيجعل الأطراف اللبنانية الأخرى ترفض الحوار مع هذا الطرف المتورّط، الذي سيدخل في روعه أنه أصبح أقوى الأطراف بواقع دعم إسرائيل له وتشجيعه على تخريب الوفاق.
هـ- بالنسبة لنشاط الفلسطينيين، لقد اتخذ مؤتمر القمة في تونس، بناء على طلب لبنان، قراراً بهذا الشأن، والفلسطينيون ملزمون به، إلا أن قصف مخيماتهم المستمر يجبرهم على القيام بردود فعل، علماً بأن إسرائيل لا تنتظر قيام الفلسطينيين بعملية فدائية من أرض لبنان، وإنما تقصف مخيماتهم للرد على أي عملية تجري داخل الأرض المحتلة، بصرف النظر عمن قام بها.
5 - كانت هذه هي طلبات السيد حبيب الأخيرة وأجوبتنا عنها. ومن الملاحظ أن هناك تأرجحاً في الموقف الأميركي وطريقة تطوّره. فقد بدأ هذا الموقف بتوجيه إنذارات صريحة إلينا، ثم تبع ذلك تظاهر بتفهُّم موقفنا واحتياجاتنا الدفاعية، وها نحن نرى الآن عودة إلى ما يشبه التبنّي لمطالب إسرائيل والتأكيد عليها. والتحليل النهائي لهذا التطور في الموقف الأميركي يوضح أن المضمون ظل هو نفسه، أي التأكيد على إعادة الوضع السابق (سحب الصواريخ وسحب قوات الردع من زحلة ومن صنين) إنما اللهجة وطريقة الطلب هما اللتان تغيرتا.
6 - ندرك أن إسرائيل بطلباتها هذه تهدف إلى إذلال العرب إذا قبلوا بها، كما تهدف إلى خلق سابقة خطيرة تؤدي إلى ألا تقف طلباتها عند لبنان، بل تتعداها في المستقبل إلى أرض العرب وسمائهم وإرادتهم في كل مكان، كي يصبح كل ذلك رهن إشارتهم. وقد بدأ بيغن بالفعل يصعّد شروطه، حين تجاوز في تصريحاته في 21 الجاري، في التلفزيون الأميركي، موضوع الصواريخ في لبنان، وطلب سحب الصواريخ الموجودة حتى في الأراضي السورية.
7 - ونحن إزاء كل ذلك ثابتون عند موقفنا، لا نريد حرباً ولا نعمل لها، ولكننا نرفض رفضاً قاطعاً القبول بأي أمر من شأنه أن يذل العرب. ومن هنا تأتي أهمية العمل العربي المشترك الذي طالما دعوتم جلالتكم إليه، لا سيما في مثل هذه الظروف الخطيرة الدقيقة.
إن دعمكم ودعم المملكة في هذه الظروف لعامل حاسم في تطوير الموقف لصالح حقوق الأمة العربية المقدّسة، وممارستكم ما أمكنكم للضغط على الولايات المتحدة الأميركية ضرورية جداً كيلا تُنتَقَص هذه الحقوق. فلقد أصبح من المسلّم به أن إسرائيل لا تضرب إلا بأسلحة أميركية، ما يعني في حكم المنطق أنها لا تضرب إلا بتغاضٍ أميركي.
8 - وانطلاقاً من حرص السيد الرئيس على هذا العمل العربي المشترك، فإن التوجيهات التي أعطاها لوزير الخارجية عبد الحليم خدّام تقضي بأن يتقدّم باقتراح إلى اجتماع وزراء الخارجية العرب المنعقد الآن في تونس، لإحياء اللجنة الرباعية للمساعدة في تحقيق الوفاق الوطني بلبنان، وإخراج هذا البلد العربي الشقيق من محنته. ففي تحقيق هذا الاقتراح بلورة لاهتمام العرب جميعاً بمصير هذا البلد العزيز.
9 - أعود لأؤكد لجلالتكم تحيات أخيكم الرئيس حافظ الأسد وتقديره الكبير لدعم جلالتكم ولمواقف المملكة العربية السعودية الشقيقة، وهو يرحّب سلفاً بأي آراء وأفكار تودون أن أنقلها إلى السيد الرئيس».
وفي إطار هذا النشاط، فقد عملنا على عقد جلسة طارئة لمجلس الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية في تونس، في دورة استثنائية بتاريخ 22 مايو (أيار) 1981، وفي الاجتماع المذكور عرضتُ الوضع وتطوراته والمباحثات التي أجريناها مع حبيب، ومختلف الاتصالات التي أجريناها. وتحدث الجميع مؤيدين الموقف السوري. وبنهاية المناقشات أقر المجلس القرار التالي الذي تقدمنا به، وهذا نص القرار:
«عقد مجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية دورة طارئة في تاريخ 22 مايو (أيار) 1981، في مقر الجامعة العربية بتونس، بناءً على طلب الحكومة الجزائرية، لمناقشة الوضع الخطير في المنطقة.
وقد ناقش المجلس بروح عالية من المسؤولية القومية الوضع المتفجّر في المنطقة، إثر تصاعد عدوان إسرائيل على الأمة العربية، وتدخّلها في الشؤون الداخلية للبنان الشقيق، والقصف الوحشي على المدن والقرى اللبنانية والمخيمات الفلسطينية، وحرب الإبادة التي تقوم بها ضد الشعب اللبناني، واعتداءاتها على قوات الردع العربية، وتهديداتها لسوريا، وإعلانها نظرية الأمن الإسرائيلي بهدف الهيمنة على لبنان وتمزيق وحدته الوطنية، ومن ثم فرض هيمنتها على الأمة العربية. وقد استنتج المجلس ما يأتي:
1 - إن نظرية الأمن الإسرائيلي التي أخذت إسرائيل لنفسها بموجبها الحق في الاعتداء على سيادة لبنان واستقلاله، وضرب التجمعات الفلسطينية، والاعتداء على قوات الردع العربية، إنما هي تعبير عن الطبيعة العدوانية للعدو الإسرائيلي وأهدافه التوسُّعية تجاه لبنان والأمة العربية، كما تشكل سابقة خطيرة في الوضع الدولي تهدد السلام والأمن العالميين.
2 - إن القصف الوحشي لمدن لبنان وقراه ومخيمات الفلسطينيين، إنما يهدف إلى خلق حالٍ من الاستسلام للأمة العربية، وتصفية المقاومة الفلسطينية تمهيداً لتصفية قضية فلسطين.
3 - إن الاعتداء على قوات الردع بحجة حماية فريق لبناني، يكشف أهداف إسرائيل ومخططاتها لضرب وحدة لبنان الوطنية وتمزيقه إلى دويلات طائفية، وتعطيل مسيرة الوفاق الوطني.
4 - إن الاعتداء على قوات الردع واستفزاز سوريا وتوجيه الإنذارات، كل ذلك بقصد تفجير الوضع العسكري مع سوريا والأمة العربية، في محاولة لفرض التسلُّط والهيمنة على المنطقة العربية.
5 - إن استمرار العدو الإسرائيلي في هذه السياسة يؤكد حتمية الانفجار العسكري، ذلك أن أي تراجع أمام هذه السياسة يعني الهزيمة والاستسلام، وهذا ما ترفضه الأمة العربية بكل إمكاناتها.
6 - إن الدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل، سياسياً وعسكرياً ومادياً، يشجعها على الاستمرار في ممارسة سياساتها العدوانية ضد الأمة العربية.
وفي ضوء ما تقدّم قرر المجلس ما يأتي:
1 - مقاومة نظرية الأمن الإسرائيلي بكل الوسائل المتاحة، ودعم سوريا في تصدّيها لممارسة إسرائيل هذه النظرية بكل الإمكانات. ويؤكد المجلس وقوفه إلى جانب سوريا في تصدّيها لعدوان إسرائيل واستفزازاتها.
2 - في ضوء المعطيات الراهنة وما ظهر من أعمال واستعدادات إسرائيلية، فإن الدول العربية ستقدم لسوريا الدعم اللازم لصد العدوان، وستضع كل إمكاناتها في تصرف المعركة، بما في ذلك مشاركة قواتها العسكرية، وفقاً لميثاق جامعة الدول العربية ومعاهدة الدفاع العربي المشترك.
3 - يقرر المجلس دعم وحدة لبنان واستقلاله وسيادته على أراضيه، ودعم الحكومة الشرعية المركزية، ويؤكد استعداد الحكومات العربية لتقديم كل أشكال الدعم التي تطلبها الحكومة اللبنانية لمواجهة العدوان الإسرائيلي على سيادة لبنان وحرمة أراضيه، ومن أجل الوقوف في وجه التدخّل الإسرائيلي في الشؤون الداخلية اللبنانية.
4 - يدعو المجلس إلى وقف فوري لإطلاق النار في لبنان، كما يدعو الأطراف اللبنانيين إلى تحقيق الوفاق الوطني.
ويؤكد المجلس دعمه للجهود التي يقوم بها الرئيس (إلياس) سركيس والحكومة اللبنانية، بالتعاون مع الحكومة السورية، لتحقيق الوفاق الوطني وفقاً للمبادئ التي أعلنها رئيس الجمهورية وأقرتها الحكومة اللبنانية، ويحذّر أي فريق لبناني من وضع العراقيل في طريق الوفاق الوطني، ومن استخدام الورقة الإسرائيلية لتعطيل مسيرة الوفاق.
ويؤكد عزم الدول العربية، مجتمعة ومنفردة، على الدفاع عن وحدة لبنان، ومقاومة كل محاولات تجزئة لبنان وتقسيمه بهدف إقامة كيانات طائفية.
5 - يؤكد المجلس وجوب تطبيق قرارات قمّتي الرياض والقاهرة، وتنشيط لجنة المتابعة المنصوص عليها في هذه القرارات، على أن تجتمع على مستوى وزراء الخارجية كلما دعت الحاجة إلى ذلك.
6 - يقرر المجلس دعم منظمة التحرير الفلسطينية بكل الوسائل، لتمكينها من مواصلة مسؤولياتها ومواجهة حرب الإبادة التي يشنّها العدو الإسرائيلي عليها وعلى الشعب الفلسطيني، ويؤكد المجلس وقوفه إلى جانب المنظمة في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية.
7 - يؤيد المجلس دعوة منظمة التحرير الفلسطينية إلى فتح باب التطوّع أمام الإخوة العرب للمشاركة في تحرير الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفي مقدمتها القدس الشريف.
8 - يؤكد المجلس التنفيذ الفوري لقرار قمة تونس في شأن تقديم الدعم المالي للبنان وللشعب الفلسطيني في الجنوب اللبناني، وذلك لمواجهة نتائج التصعيد العسكري الصهيوني وما يخلفه من دمار وخسائر في الأرواح والممتلكات.
9 - يدعو المجلس الولايات المتحدة الأميركية إلى وقف جميع أنواع الدعم والمساندة لإسرائيل، لأن هذا الدعم يشكل اعتداءً على الأمة العربية وعلى كرامتها ومستقبلها، وعلى الأمن والسلم في المنطقة، وبالتالي فإن استمرار الدعم سيؤدي إلى مواجهة جدية بين الأمة العربية والولايات المتحدة الأميركية.
10 - يدعو المجلس الرأي العام العالمي إلى إدانة السياسة الإسرائيلية العدوانية والاستفزازية، ودعم العرب في مقاومتهم للعدوان، ويؤكد استمرار الدول العربية في مقاومة نهج اتفاقيتي كامب ديفيد والمعاهدة الإسرائيلية - المصرية.
11 - يحيي المجلس كفاح الشعب الفلسطيني في الوطن المحتل والتفافه حول منظمة التحرير الفلسطينية، ممثله الشرعي والوحيد.
12 - يؤكد المجلس أهمية تعزيز التضامن العربي وتطويره، وتجاوز الخلافات الجانبية، أمام الغزو الصهيوني لأرضنا وتهديده للمصير العربي بأكمله.
13 - يكلّف الأمين العام للجامعة متابعة تطورات الوضع وإطلاع الحكومات العربية على ما يُتّخذ من إجراءات مناسبة».
ومما لا شك فيه، فإن نصوص هذه القرارات من الناحية السياسية نصوص جيدة قوية. فهي تتضمن كلاماً يجب أن يقوم به العرب لمواجهة العدو (...) وحَرِصْنا على مثل هذه الورقة السياسية لاعتبارات منها ما يتعلق بتعبئة الرأي العام العربي، وإبقاء القضية الرئيسية ماثلة في أذهانه، ولاعتبارات خارجية تتعلق بالرأي العام العالمي، لأننا نحرص دائماً على التمسك بالورقة العربية، ورفع هذه الورقة من أجل كسب أوسع تأييد عالمي لقضيتنا ولموقفنا.
وبالإضافة إلى كل ذلك، فإن اتخاذ مثل هذا القرار يبقيه أرضية صالحة وجيدة يمكن الوقوف عليها في مرحلة ما، عندما تتحسن الظروف العامة للوضع العربي ولمختلف جوانب هذا الوضع.
وأخيراً، هكذا بدأت أزمة الصواريخ التي وضعت المنطقة على حافة الحرب بيننا وبين إسرائيل، وهكذا تطورات هذه الأزمة، وبلغت ذروتها ثم تلاشت واختفت إلى أمد قد يكون قصيراً، وقد يكون بعيداً حيث لا رجعة.
ولكننا في هذه الأزمة تبينّا بوضوح، وبما لا يترك مجالاً لشك أو جدل، خطورة السلم مع إسرائيل. فهي في السلم لن تقبل إلا أن تكون السيدة وتمتلك الوسائل والتصميم. لقد أدركنا خطورة إسرائيل وطبيعة هذا الكيان الذي ميّز نفسه على كل أمم الأرض، منطلقاً من أوهام وخرافات توراتية. وهي أوهام وخرافات بالنسبة لنا، ولكنها عقيدة حية بالنسبة له، يمارسها في كل المجالات وفي كل الاتجاهات.
ظهرت لنا إسرائيل الدولة التي لا حدود لها ولرغبتها في السيطرة والتحكُّم وفي التوسُّع، وفي الوقت نفسه فقد اكتشفنا ما لم نكتشفه في أي مرحلة مضت: اكتشفنا قدرتنا على أن نصمد وأن نخوض معركة كانت أكثر قسوة من معركة عسكرية.
معركة مورست علينا فيها كل أشكال الحرب النفسية والضغوط والتهديدات، ورفضنا كل ذلك، وتجاوزنا هذه الضغوط، فخرجنا من هذه المعركة أكثر قوة وقدرة واعتزازاً. أما القلق الذي ساورنا عدداً من الأيام، وكان قلقاً حاداً ومشروعاً، فلأن الخطأ في المعالجة لا يتعلق بنا كأشخاص نقود البلاد، ولكن يتعلق بأرض الوطن ومستقبله وبدماء غزيرة كانت ستسيل (...). كانت أزمة الصواريخ مرحلة مهمة استخرجنا منها دروساً عظيمة، وكونّا من خلالها تصورات مبنية على ممارسة عملية، كما توصلنا إلى استنتاجات لعبت دوراً كبيراً في متابعة خطنا السياسي.
لقد استخدمنا في هذه الأزمة العلاقة العربية أفضل استخدام. وبعد أن كانت المحاولات تجري لتكون أداة ضغط، حولناها إلى أداة ضغط على الولايات المتحدة الأميركية. واستخدمنا «الورقة السوفياتية» استخداماً جيداً، ووضعنا الولايات المتحدة الأميركية في وضع صعب من خلال استخدام هذه الورقة.

خدام: الأسد اقترح إعطاء المعارضة العراقية وعوداً وهمية... وخاتمي حذر من دولة كردية (الحلقة الأولى)
خدام: الأسد غيّر رأيه ومدد للحود فاصطدمت سوريا بالإرادة الدولية (الحلقة الثانية)

خدام: استقبلنا رفيق الحريري بناء على اقتراح جنبلاط... وحافظ الأسد «امتحنه» (الحلقة الثالثة)
خدام: هاجمت قواتنا ثكنة «حزب الله»... وهذا ما دار مع السفير الإيراني (الحلقة الرابعة)

خدام: بوش أبلغنا برسالة خطية أن عون «عقبة»... والأسد اعتبرها «ضوءاً أخضر» لإنهاء تمرده (الحلقة الخامسة)
خدام: صدام بعث برسائل سرية إلى خامنئي ورفسنجاني... واقترح قمة بحضور «المرشد» (الحلقة السادسة)
رفسنجاني في رسالة لصدام: تتحدث عن القومية العربية وتنتقد رفضنا لاحتلال الكويت (الحلقة السابعة)
خدام: قلت لعرفات إنك تكذب وتتآمر على فلسطين ولبنان وسوريا (الحلقة الثامنة)
خدام: كنت أول وآخر مسؤول سوري يلتقى الخميني... وهذا محضر الاجتماع (الحلقة 10)

خدام: حافظ الأسد كان سريع التأثر بأفراد عائلته... وعلاقتنا وصلت أحياناً إلى القطيعة (الحلقة الـ 11 والأخيرة)

 



الحكومة اليمنية تحشد أوروبياً لمواجهة الحوثيين وحماية الملاحة

وزيرة الخارجية اليمنية خلال لقائها مع السفراء العرب في برلين (سبأ)
وزيرة الخارجية اليمنية خلال لقائها مع السفراء العرب في برلين (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تحشد أوروبياً لمواجهة الحوثيين وحماية الملاحة

وزيرة الخارجية اليمنية خلال لقائها مع السفراء العرب في برلين (سبأ)
وزيرة الخارجية اليمنية خلال لقائها مع السفراء العرب في برلين (سبأ)

كثفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية في العاصمة الألمانية برلين، لحشد دعم سياسي واقتصادي أوروبي يعزز قدرتها على مواجهة التصعيد الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة، بالتزامن مع تحذيرات من امتداد تهديد الجماعة المدعومة من إيران، إلى أمن الملاحة الدولية ومصالح التجارة العالمية، ودعوات لتصحيح ما وصفته الحكومة بالسرديات المغلوطة بشأن الأزمة اليمنية.

وأكدت وزيرة الخارجية وشؤون المغتربين، الدكتورة أفراح الزوبة، خلال سلسلة لقاءات واجتماعات مع مسؤولين وبرلمانيين ألمان ودبلوماسيين عرب وخبراء وممثلي مراكز أبحاث، أن استمرار التساهل الدولي مع الانتهاكات الحوثية شجع الجماعة على توسيع أنشطتها المزعزعة للاستقرار، ونقل تهديداتها من الداخل اليمني إلى الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.

وفي جلسة طاولة مستديرة نظمتها مؤسسة «كوربر» الألمانية ضمن فعالية «إفطار برلين السياسي»، استعرضت الوزيرة جذور الأزمة اليمنية منذ انقلاب الحوثيين على التوافق الوطني والحكومة الشرعية في سبتمبر (أيلول) 2014، واجتياحهم العاصمة صنعاء بقوة السلاح، وتقويض مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وصولاً إلى التصعيد العسكري الأخير ومحاولات استهداف الملاحة الدولية في مضيق باب المندب.

وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة (أ.ف.ب)

وقالت الزوبة إن السلوك التصعيدي للجماعة يشكل تهديداً مباشراً للسلم والأمن الإقليميين والدوليين، محذرة من أن الصمت الدولي والتساهل مع انتهاكاتها يمنحانها مساحة لمواصلة تهديد حركة التجارة العالمية.

تمدد التهديد الحوثي

ضمن التحركات نفسها، حذرت الوزيرة اليمنية، خلال مشاركتها في طاولة مستديرة أخرى نظمتها مؤسسة «كونراد أديناور» الألمانية، من امتداد التهديد الحوثي إلى أمن المنطقة والملاحة الدولية، مشيرة إلى استهداف خطوط الملاحة والتنسيق مع جماعات إرهابية في القرن الأفريقي، من بينها حركة الشباب الصومالية.

وربطت الزوبة بين رفض الحوثيين جهود السلام ومحاولاتهم فرض السيطرة على مضيق باب المندب، وإطلاق عملية «فجر اليمن»، قائلة إن العملية تستهدف استعادة مؤسسات الدولة وحماية الممرات البحرية من التهديدات التي تطال الملاحة والتجارة الدولية.

حراك يمني من برلين لدعم الحكومة في مواجهة الحوثيين (سبأ)

ودعت المشاركين من المسؤولين والخبراء وأعضاء الحزب الحاكم في ألمانيا، إلى نقل صورة دقيقة عن التطورات اليمنية إلى مؤسساتهم وصناع القرار، وتصحيح السرديات المغلوطة بشأن الأزمة، بما يضمن إيصال صوت اليمنيين وتداعيات التصعيد العسكري والإنساني عليهم.

وفي هذا السياق، شددت على أن دعم الحكومة اليمنية سياسياً واقتصادياً وإنسانياً، يمثل مدخلاً أساسياً لتعزيز قدرتها على الاضطلاع بمسؤولياتها، وترسيخ الاستقرار واستعادة مؤسسات الدولة.

حصار تعز والعقاب الجماعي

احتل الوضع الإنساني في مدينة تعز جانباً رئيسياً من مباحثات الوزيرة؛ إذ سلطت الضوء على استمرار الحصار الحوثي وما يترتب عليه من منع دخول الغذاء والدواء والإمدادات الأساسية، وإغلاق منشآت صحية، وعرقلة إجلاء المرضى والجرحى عبر ممرات آمنة.

وأكدت أن هذه الممارسات تمثل عقاباً جماعياً بحق المدنيين، وتفاقم معاناة الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها النساء والأطفال، مشيرة إلى أن الحصار تسبب في وفاة عدد من المدنيين نتيجة تعذر حصولهم على الرعاية والإمدادات الطبية اللازمة.

وخلال لقائها رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الألماني، أرمين لاشيت، بحثت الزوبة تطورات الأزمة اليمنية وانعكاساتها الإقليمية، مؤكدة أن تهديد حرية الملاحة والتجارة العالمية يمثل امتداداً للسلوك الحوثي المزعزع للاستقرار منذ سيطرة الجماعة على مؤسسات الدولة.

الحكومة اليمنية تسعى لاستقطاب الدعم السياسي والإنساني الأوروبي (سبأ)

كما استعرضت الزوبة الجهود التي تبذلها الحكومة المعترف بها دولياً انطلاقاً من العاصمة المؤقتة عدن للنهوض بالمسؤوليات الخدمية والتنموية، مشددة على أن استقرار مؤسسات الدولة وتأمين مواردها الذاتية يمثلان مدخلاً رئيسياً لمعالجة الأزمة الإنسانية بصورة مستدامة.

ودعت ألمانيا والشركاء الأوروبيين إلى تقديم دعم سياسي واقتصادي عاجل للحكومة، مع التركيز على بناء القدرات الوطنية، خصوصاً قوات خفر السواحل ومراقبة الحدود البحرية، بما يعزز قدرتها على مكافحة تهريب الأسلحة والتقنيات العسكرية الإيرانية إلى الحوثيين.

ونقل الإعلام الرسمي اليمني عن لاشيت أنه أعرب عن قلقه إزاء الانتهاكات الحوثية لحقوق الإنسان، لا سيما تجنيد الأطفال وتدهور الأوضاع المعيشية للمدنيين، مؤكداً أن استهداف الملاحة في البحر الأحمر يمس الأمن الاقتصادي لدول الاتحاد الأوروبي والعالم.

وشدد المسؤول الألماني على ضرورة تطوير البرلمان والحكومة في بلاده، بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي، استراتيجية جديدة للتعامل مع الملف اليمني تتواكب مع التطورات المتسارعة وتحمي الأمن الإقليمي والدولي.


مخاطر وبائية تحاصر تعز ومساعدات أممية معلَّقة في الضالع

أم يمنية نازحة جراء العدوان الحوثي في محافظة تعز (أ.ف.ب)
أم يمنية نازحة جراء العدوان الحوثي في محافظة تعز (أ.ف.ب)
TT

مخاطر وبائية تحاصر تعز ومساعدات أممية معلَّقة في الضالع

أم يمنية نازحة جراء العدوان الحوثي في محافظة تعز (أ.ف.ب)
أم يمنية نازحة جراء العدوان الحوثي في محافظة تعز (أ.ف.ب)

تفاقمت التداعيات الإنسانية والصحية للحصار الحوثي المفروض على مدينة تعز اليمنية، مع دخول الهجمات العدوانية على المدينة شهرها الثاني، وسط تراجع الخدمات الأساسية وارتفاع مؤشرات انتشار الأمراض الوبائية، في وقت علَّقت فيه الأمم المتحدة إيصال المساعدات إلى مديرية قعطبة شمال محافظة الضالع، ومخيمات النازحين المجاورة، إثر سقوط صاروخ حوثي بالقرب من مناطق إيوائهم.

وفي مواجهة تدهور الأمن الغذائي، أطلق برنامج الأغذية العالمي وشركاؤه مبادرة لتوفير وجبات غذائية طارئة للأسر الأكثر احتياجاً في مدينة تعز، تعتمد على مكونات غذائية من مصادر محلية، وتستهدف في مرحلتها الأولى ألفي أسرة موزعة على ثلاث مديريات.

وتأتي المبادرة في وقت تواجه فيه المدينة، التي يفرض الحوثيون عليها حصاراً متجدداً، أزمة متفاقمة في الخدمات الأساسية، خصوصاً المياه والصحة والنظافة، مع تزايد صعوبة وصول السكان إلى الاحتياجات الضرورية.

السكان في مدينة تعز يعانون من أزمة مياه خانقة منذ بدء حصار الحوثيين (إعلام محلي)

ووفقاً لبيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، اضطر أكثر من 310 آلاف شخص إلى مغادرة منازلهم في اليمن منذ بداية أغسطس (آب)، بينهم نحو 135 ألف نازح لا يزالون داخل محافظة تعز، يمثلون أكثر من 40 في المائة من إجمالي النازحين حديثاً.

وفيما يتعلق بالاستجابة للاحتياجات الطارئة، تمكن الشركاء الإنسانيون من تقديم مساعدات إيوائية لنحو 5600 أسرة نازحة، من أصل أكثر من 51 ألف أسرة نزحت منذ أغسطس، فيما يجري التخطيط لتوزيع مستلزمات الإيواء والخيام على 4600 أسرة إضافية.

تعليق المساعدات في الضالع

في شمال محافظة الضالع، فرضت المخاوف الأمنية قيوداً جديدة على العمليات الإنسانية، بعدما سقط صاروخ أطلقه الحوثيون على بُعد نحو كيلومتر واحد من مدينة قعطبة، بالقرب من مناطق تستضيف نازحين.

وأفادت التقارير الأولية بإصابة عدد من المدنيين جراء الحادثة، مما دفع إلى تعليق إيصال المساعدات الإنسانية إلى المديرية ومخيمات النازحين المجاورة، كإجراء احترازي في ظل المخاطر التي تهدد سلامة العاملين والمستفيدين من الإغاثة.

ويأتي هذا التعليق ليضيف عقبة جديدة أمام جهود الاستجابة الإنسانية، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الناجمة عن موجات النزوح والتصعيد العسكري، خصوصاً في المناطق التي تستضيف أعداداً كبيرة من الأسر الفارة من المواجهات.

مؤشرات وبائية مقلقة

في تعز، حذّر مكتب الصحة العامة والسكان من تزايد المخاطر الصحية والوبائية نتيجة استمرار الحصار وتراجع الخدمات الصحية والبيئية، مستنداً إلى مؤشرات رصدت انخفاضاً في الاستشارات الطبية وارتفاعاً في بعض الأمراض المعدية.

وأظهر تقرير إدارة الترصد الوبائي تراجع متوسط الاستشارات الطبية الأسبوعية بنسبة 27 في المائة، من 24 ألفاً إلى نحو 17.5 ألف استشارة، في مؤشر يعكس تراجع قدرة المرافق الصحية على تقديم الخدمات والوصول إلى المرضى.

تكدس القمامة يضاعف مخاطر انتشار الأمراض الوبائية في تعز (إعلام محلي)

وفي المقابل، ارتفعت حالات حمى الضنك المشتبه بها بنسبة 26 في المائة على مستوى المحافظة، فيما بلغت الزيادة 71 في المائة داخل مدينة تعز لكل ألف استشارة. كما سجلت حالات النكاف ارتفاعاً بنسبة 94 في المائة.

ورصد التقرير انخفاضاً بنسبة 50 في المائة في الحالات المشتبه بإصابتها بالحصبة والسعال الديكي والتهاب السحايا، بالتزامن مع تراجع عمليات التطعيم والاحتواء الوبائي بنسبة 40 في المائة، وهو ما يثير مخاوف من اتساع فجوات الوقاية والكشف المبكر.

أما الأمراض المنقولة بالمياه، فقد أظهرت البيانات انخفاض حالات الكوليرا المشتبه بها بنسبة 42 في المائة، مقابل ارتفاع معدل الإسهال المائي في المدينة بنسبة 22 في المائة، وسط تحذيرات من تلوث مصادر المياه وتراكم النفايات وضعف خدمات الصرف الصحي.

تراجع الاستجابة

لفت التقرير الصحي إلى تراجع أنشطة الاستجابة الوبائية، إذ انخفضت التنبيهات بنسبة 19 في المائة، والزيارات المنزلية لفرق الاستجابة بالنسبة نفسها، فيما تراجعت العينات المخبرية بنسبة 22 في المائة. وحذّر من أن انخفاض أعداد الحالات المسجلة لا يعني بالضرورة تحسن الوضع الوبائي، إذ قد يكون نتيجة تقلص الوصول إلى الخدمات الصحية وضعف أنشطة الترصد.

وتتضاعف هذه المخاطر مع نقص الوقود والمستلزمات الطبية وتوقف عمليات رفع النفايات، التي تتراوح كمياتها في المدينة بين 500 و600 طن يومياً، بما يهدد استمرار الخدمات الصحية، بما فيها تشغيل حاضنات الأطفال وأجهزة غسيل الكلى.

الحوثيون يمنعون إخراج النفايات من مدينة تعز المحاصرة وهو ما يهدد بكارثة صحية (أ.ب)

وطالب التقرير الحكومي بتوفير 1200 لتر من الديزل يومياً لصندوق النظافة، إلى جانب تكثيف حملات مكافحة البعوض وتعقيم المياه، ودعم المرافق الصحية بالوقود والمستلزمات الطبية، وتعزيز برامج التطعيم والترصد الوبائي، وتوفير فرق طبية متنقلة للوصول إلى المناطق الريفية.

وتعكس هذه المؤشرات اتساع الضغوط التي يواجهها سكان تعز، حيث يتزامن الحصار وتراجع الخدمات مع موجات النزوح ونقص الاحتياجات الأساسية، في وقت باتت فيه المخاطر الصحية والبيئية تهدد بتفاقم الأزمة الإنسانية، وتضع المرافق الصحية أمام تحديات متزايدة للحفاظ على الحد الأدنى من خدماتها.


«باليستي» حوثي يقتل ويصيب مدنيين في تعز

مجلس القيادة الرئاسي اليمني يؤكد أن عملية «فجر اليمن» تمضي بثبات نحو تحقيق كامل أهدافها (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي اليمني يؤكد أن عملية «فجر اليمن» تمضي بثبات نحو تحقيق كامل أهدافها (سبأ)
TT

«باليستي» حوثي يقتل ويصيب مدنيين في تعز

مجلس القيادة الرئاسي اليمني يؤكد أن عملية «فجر اليمن» تمضي بثبات نحو تحقيق كامل أهدافها (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي اليمني يؤكد أن عملية «فجر اليمن» تمضي بثبات نحو تحقيق كامل أهدافها (سبأ)

دخلت عملية «فجر اليمن» شهرها الثاني بتأكيد رئاسي على استمرارها حتى استعادة مؤسسات الدولة، بالتزامن مع صدور تقرير لفريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن اليمن عن استمرار الجماعة في تطوير قدراتها العسكرية بالاستفادة من شبكات إمداد خارجية معقّدة، في حين تسبب قصف حوثي بصاروخ باليستي في سقوط قتلى وجرحى في عملية وصفتها الحكومة اليمنية بـ«جريمة حرب».

وشهدت المواجهة العسكرية في اليمن مرحلة جديدة من التصعيد، مع اتساع رقعة المعارك بين القوات الحكومية والجماعة الحوثية في محافظات تعز ولحج ومأرب والجوف، وتزايد المخاوف على المدنيين والملاحة الدولية في البحر الأحمر.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، في بيان للمجلس، الخميس، استمرار العمليات العسكرية حتى تحقيق أهدافها المعلنة، وفي مقدمتها إنهاء الانقلاب الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي اليمنية.

وقال المجلس إن القوات المسلحة نفّذت، منذ الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أكثر من 40 ألف عملية استهداف عسكرية في مختلف الجبهات، أسفرت، وفق حصيلته، عن تحييد نحو 20 ألفاً من قيادات الجماعة وعناصرها، وتدمير وإعطاب أكثر من خمسة آلاف آلية ومعدة عسكرية.

مقاتلو الجيش اليمني في أحد المواقع بمحافظة الجوف (أ.ف.ب)

وتعكس هذه الأرقام، حسب المجلس، حجم العمليات العسكرية خلال الشهر الأول، في حين تتواصل المواجهات على عدة محاور، وسط تحركات حكومية لإعادة ترتيب بعض القيادات العسكرية والأمنية.

وبينما واصلت الجماعة الحوثية أعمالها العدائية واستهدافها للمدنيين والمنشآت الحيوية المدنية داخل البلاد وخارجها، إلى جانب استخدام مقرات أممية للعمليات العسكرية، كشف تقرير أممي عن استمرارها في تطوير قدراتها العسكرية بالاستفادة من شبكات إمداد خارجية معقّدة.

كما أثار إعلان الحكومة اليمنية استخدام الحوثيين في الساحل الغربي مبنى تابعاً للأمم المتحدة في مديرية المخا مركزاً للعمليات العسكرية ومنصة لإطلاق الصواريخ مخاوف جديدة بشأن سلامة المنشآت الإنسانية والعاملين الأمميين.

معارك متعددة

أعلنت القوات الحكومية استعادة مواقع عسكرية في منطقتي الصراري بمديرية صبر الموادم وصنمات بمديرية المسراخ في محافظة تعز (جنوب غرب)، عقب هجمات شنتها بمساندة المقاومة الشعبية، تزامنت مع غارات جوية وضربات نفذتها طائرات مسيّرة استهدفت مواقع وتجمعات وآليات حوثية.

وأفادت مصادر محلية بأن الطيران الحربي شنّ، فجر الجمعة، سلسلة غارات استهدفت تمركزات وتحصينات وآليات للجماعة في مديرية حيفان ومحيط مدينة التربة، دون إعلان حصيلة رسمية للخسائر.

وشهدت مناطق عديدة في محافظة لحج مواجهات عنيفة، تركزت بصورة خاصة في جبهة منطقة الزريقة التابعة لمديرية المقاطرة، حيث أفادت مصادر عسكرية بتنفيذ الحوثيين هجوماً التفافياً على خمسة مواقع، قبل أن تتمكن القوات المدافعة مسنودة بالمقاومة من استعادة موقعَين منها، في حين تتواصل المواجهات في مديرية المضاربة وجبال كهبوب المطلة على باب المندب.

وأسفرت المواجهات في الزريقة، وفق حصيلة ميدانية أولية نقلتها مصادر قيادية، عن مقتل 11 من أفراد القوات المشتركة وإصابة 23 آخرين، ولم تُعرف أعداد الإصابات في أوساط الحوثيين، فيما استمرت الاشتباكات مع وصول تعزيزات عسكرية من الطرفَين.

وامتد التصعيد إلى محافظتي مأرب والجوف، حيث أعلنت القوات الحكومية إحراز تقدم في مرتفعات الدحيضة وجبال حويشان شرقي الجوف، والسيطرة على مواقع وتحصينات وأسلحة، ضمن عمليات تستهدف فتح الطريق باتجاه مدينة الحزم.

مقاتلو الجيش والمقاومة في تعز استعادوا مواقع مهمة من يد الحوثيين (غيتي)

وفي مأرب، تواصلت المواجهات في وادي حلحلان بمديرية رغوان، حيث أعلنت القوات الحكومية استعادة مواقع كانت خاضعة لسيطرة الحوثيين، والتقدم باتجاه منطقة محازيم ماس، عقب اشتباكات وهجمات متبادلة أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من الجانبين.

وتتزايد المخاوف من انعكاسات اتساع القدرات الصاروخية والجوية الحوثية على أمن المنطقة والممرات البحرية، خصوصاً مع استمرار التهديدات المرتبطة بالملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.

تقرير أممي يكشف عن استمرار الحوثيين في الحصول على قدرات عسكرية عبر شبكات معقدة (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، كشف تقرير لفريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن اليمن عن استمرار الجماعة في تطوير قدراتها العسكرية بالاستفادة من شبكات إمداد خارجية معقدة، ومكونات تجارية ومدنية مزدوجة الاستخدام، تشمل أنظمة الملاحة والبطاريات والمحركات وأجهزة التحكم الإلكتروني المستخدمة في تصنيع وتطوير الطائرات المسيّرة والصواريخ.

وأشار التقرير إلى اعتراض شحنات ومكونات عسكرية خلال عام 2025، فضلاً عن محاولات الحصول على مواد كيميائية تدخل في تصنيع الوقود الصاروخي والمتفجرات، بينها بيركلورات الأمونيوم ونترات الصوديوم، محذراً من أن استمرار هذه الإمدادات يعزّز قدرات الجماعة بعيدة المدى ويشكل تهديداً للملاحة والتجارة الدولية.

مجزرة أخرى في الوازعية

في الساحل الغربي، أثار إعلان الحكومة اليمنية استخدام الحوثيين مبنى تابعاً للأمم المتحدة في مديرية المخا مركزاً للعمليات العسكرية ومنصة لإطلاق الصواريخ مخاوف جديدة بشأن سلامة المنشآت الإنسانية والعاملين الأمميين.

القوات الحكومية اليمنية تحرز تقدمات في تعز والجوف ولحج ضد الحوثيين (أ.ف.ب)

وقالت وزارة التخطيط والتعاون الدولي إن الجماعة تستغل الحصانة القانونية للمقرات الأممية لتغطية أنشطتها العسكرية، مطالبة الأمم المتحدة بالتحقيق في هذه الاتهامات والعمل على إخلاء المبنى من العناصر المسلحة والأسلحة. ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من هذه المزاعم.

وفي تطور ميداني آخر، سقط قتلى وجرحى إثر استهداف سوق الحضارة الشعبي في مديرية الوازعية غربي محافظة تعز، الجمعة.

وبينما أعلنت وزارة الصحة في حكومة الحوثيين، غير المعترف بها، مقتل 20 شخصاً وإصابة 15 آخرين على الأقل، حمّلت السلطات المحلية في تعز الجماعة مسؤولية الهجوم، ونفت أن يكون ناجماً عن غارات جوية لـ«التحالف»، مؤكدة، استناداً إلى إفادة غرفة العمليات، عدم تنفيذ الطيران الحربي أي عمليات في مديرية الوازعية خلال ذلك اليوم.

وقال المتحدث باسم الجيش اليمني، ماجد النزيلي، إن الحوثيين استهدفوا السوق بصاروخ باليستي، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى، واصفاً الهجوم بأنه «جريمة حرب» تعكس، حسب تعبيره، استهداف الجماعة للمدنيين كلما تعرضت لخسائر ميدانية أو أخفقت في إطلاق صواريخها.

مقاتلو الجيش اليمني في تعز عقّدوا مهمة الحوثيين في حصار المدينة واقتحامها (أ.ف.ب)

واتهم النزيلي الجماعة بتعريض أمن المنطقة وحرية الملاحة وخطوط التجارة الدولية للخطر، داعياً المجتمع الدولي إلى تصنيفها منظمة إرهابية وتجفيف مصادر تمويلها وقطع إمدادات السلاح عنها، ومؤكداً استمرار القوات الحكومية في عملية «فجر اليمن».

من جهتها، حذرت السلطة المحلية من أن الهجمات الصاروخية الحوثية العشوائية، بما فيها استخدام الصواريخ الباليستية، تعرّض حياة المدنيين للخطر. وشددت على أن الأسواق والتجمعات السكانية مشمولة بالحماية بموجب القانون الدولي الإنساني.

ودعت السلطات إلى توثيق ملابسات الحادثة وحفظ الأدلة المادية وإخضاعها لفحص فني مستقل. كما حثت السكان على الابتعاد عن مواقع سقوط المقذوفات وعدم لمس مخلفاتها أو نقلها، وإبلاغ الجهات المختصة، مطالبة الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية بإدانة استهداف المدنيين ودعم جهود التحقيق والمساءلة.

وتزامن التصعيد مع تغييرات في بعض المواقع العسكرية والأمنية، إذ أصدر الرئيس العليمي قراراً بتعيين قيادة جديدة لمحور أبين العسكري، بالتوازي مع قرارات لوزارة الداخلية شملت 11 تعييناً في قيادة وإدارات الشرطة بالمحافظة، في خطوة تأتي ضمن تحركات حكومية لإعادة ترتيب المؤسسات العسكرية والأمنية بالتزامن مع اتساع العمليات على الجبهات.