خدام: قلت لعرفات إنك تكذب وتتآمر على فلسطين ولبنان وسوريا (الحلقة الثامنة)

روى في مذكرات تنشرها أن صدام «استعرض عضلاته» على الحدود بعد قرار الأسد إرسال قواته باتجاه بيروت

صورة أرشيفية للرئيس الراحل حافظ الأسد ونائبه عبد الحليم خدام في أحد الاجتماعات (الشرق الأوسط)
صورة أرشيفية للرئيس الراحل حافظ الأسد ونائبه عبد الحليم خدام في أحد الاجتماعات (الشرق الأوسط)
TT

خدام: قلت لعرفات إنك تكذب وتتآمر على فلسطين ولبنان وسوريا (الحلقة الثامنة)

صورة أرشيفية للرئيس الراحل حافظ الأسد ونائبه عبد الحليم خدام في أحد الاجتماعات (الشرق الأوسط)
صورة أرشيفية للرئيس الراحل حافظ الأسد ونائبه عبد الحليم خدام في أحد الاجتماعات (الشرق الأوسط)

يروي نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام، اليوم، في الحلقة الثامنة من مذكراته التي تنشرها «الشرق الأوسط»، اللحظات الحاسمة في التدخل العسكري في لبنان في 1976، والاتصالات التي جرت بين سوريا والدول العربية خلال ذلك لتشكيل قوة الردع العربية، ودور القوات السورية فيها.
ويقول خدام: «أمام إصرار القيادة الفلسطينية والأحزاب اللبنانية المتحالفة على استمرار القتال، ورفض فك الحصار عن زحلة والقرى المسيحية في الشمال اللبناني، وأمام كل ما يمكن أن ينجم من أضرار تصيب الشعب اللبناني وسوريا والعرب، أصبح التدخل العسكري السوري مُلحاً لوقف هذه الحرب القذرة، فتحركت قواتنا واجتازت الحدود اللبنانية في الأول من يونيو (حزيران) عام 1976، في يوم وصول ألكسي كوسيغين، رئيس وزراء الاتحاد السوفياتي، إلى دمشق».
ويخصص خدام قسماً كبيراً للصراع مع رئيس اللجنة التنفيذية لـ«منظمة التحرير الفلسطينية»، ياسر عرفات (أبو عمار)، في الميدان وفي الأروقة الدبلوماسية، خصوصاً ذلك الاجتماع الذي تزامن مع دخول القوات السورية إلى لبنان، ويقول: «في الأول من يونيو (حزيران) عام 1976، عقد مكتب التنسيق لحركة عدم الانحياز اجتماعاً له في مدينة الجزائر، بحضور عرفات الذي ألقى خطاباً مسرحياً، وتحدث عن مؤامرة أميركية - فرنسية - إسرائيلية ضد الثورة الفلسطينية والقوى الوطنية في لبنان، وأنه يخشى أن تنفذ بأيدي عربية»، في إشارة إلى سوريا. ويضيف خدام أنه رد على عرفات بصوتٍ عالٍ كي يسمعه الجميع، قائلاً: «كذبت يا ياسر، كعادتك، وأسأت إلى سوريا، وإلى القضية الفلسطينية؛ إنك تمزق لبنان وتمزق الفلسطينيين وتخدم إسرائيل».
خلال مناقشات تعديل الدستور اللبناني لانتخاب رئيس جديد، كان المفهوم من الاتفاق أن يتقدم الرئيس سليمان فرنجية باستقالته، ليمارس الرئيس الجديد إلياس سركيس صلاحياته، ويعمل على إنهاء الحرب وتحقيق المصالحة. ورغم الانتخاب، ظل التوتر قائماً، واستمر إطلاق النار، وتصاعدت حملة الحركة الوطنية بقيادة كمال جنبلاط، كما استمرت القيادة الفلسطينية في اللعب بالنار، والتحريض لمنع الوصول إلى وقف جدي للقتال، والبدء بالحوار الوطني لإنهاء الأزمة، وفق الوثيقة الدستورية.
وفي مايو (أيار) من عام 1976، استقبلت كريم بقرادوني حاملاً رسالة من الرئيس سركيس، وأبلغني: «جئت أحمل رسالة من الرئيس سركيس؛ إنه يرى أن أول اتصال له يجب أن يكون مع سوريا لشرح تصوره. يعتقد (سركيس) أن الخطوة الأولى التي ينبغي عليه أن يخطوها هي الحوار السياسي مع الأطراف المتنازعة. وهذا يتم على مرحلتين: الأولى، الطلب من الفرقاء إنهاء القتال. الثانية، عقد مائدة مستديرة يكون هو فيها الحكم الإيجابي».
وأضاف بقرادوني أن الوضع في بيروت «جامد لعدم استطاعة عرفات الحسم، وقد وضع سركيس خطة للعمل، وهو يعتقد أن أمله في النجاح السياسي ضئيل، لكنه رغم ذلك مضطر للقيام بهذا العمل لمصلحة لبنان والمبادرة السورية، وسيجري اتصالات مع جميع الأطراف، وسيبدأ بجنبلاط. وأما نحن في (حزب الكتائب)، فأطلقنا يده دون أي شروط. وهو يرى أن المبادرة السورية يجب أن تستمر مهما كانت نتائج الوفاق السياسي، ويطلب منكم مساعدته لإنجاح الحل السياسي. كما أن سركيس سيجتمع بفرنجية ليتفقا على كيفية الاستلام والتسليم. ونظراً للخوف من إعلان فرنجية استقالته، ومن عدم توفر النصاب لقسم الرئيس سركيس في المجلس النيابي، فتقع البلاد في حالة الفراغ الدستوري، وهذا ما تريده قيادة عرفات وبعض الأطراف اللبنانية، لذلك يجب ترتيب جلسة في المجلس النيابي تعلن فيها الاستقالة، ويجري قسم الرئيس الجديد».
وأردف بقرادوني أنه اقترح «تقديم استقالة الرئيس فرنجية إلى المجلس النيابي، على أن تكون سارية المفعول اعتباراً من أداء الرئيس سركيس اليمين»، فأجبته: «لا يجوز ذلك دستورياً، ولا يجوز أن تكون الاستقالة معلقة، لذلك من الأفضل أن يضع فرنجية استقالته أمام سركيس، ويدعى مجلس النواب إلى جلسة تتلى فيها الاستقالة، ويؤدي الرئيس سركيس القسم الدستوري».
ورغم الجهود المبذولة لتهدئة الوضع، تمهيداً لانتقال الرئاسة من فرنجية إلى سركيس، فإن الجو السياسي بات أكثر سخونة بعد تحالف كل من ريمون إده وكمال جنبلاط وصائب سلام، بالإضافة إلى قوى الأحزاب الوطنية والتقدمية، وإلى ما كان يبذله عرفات وجماعته من جهود لاستمرار توتر الجو، وبالتالي استمرار القتال.
واشتد الضغط العسكري للقوى الفلسطينية وحلفائها اللبنانيين في جبل لبنان وفي بيروت، وتمت مهاجمة بعض القوى المسيحية في الجنوب. كما اشتد الحصار حول مدينة زحلة وقرى مسيحية في عكار، منها القبيات وعندقت. وأصبح لبنان مهدداً باتساع دائرة المذابح الطائفية، ما يوفر أفضل الفرص لإسرائيل للتدخل، وإيجاد حليف لها في الساحة اللبنانية.
ومع تصاعد القتال، قدم جنبلاط اقتراحات، بينها: «وقف النار وقفاً جدياً من غير انسحاب المقاتلين من مواقعهم، والدخول في مفاوضات الطاولة المستديرة دون شروط مسبقة، وانسحاب الجيش السوري تدريجياً، وتحديد جدول أعمال الطاولة المستديرة على النحو التالي: الإصلاح السياسي، وتناول تعديل بعض مواد الدستور والنظام السياسي، وشكل الحكم المقبل ونسبة تمثيل القوى السياسية فيه، وإعادة ترتيب المؤسسات ترتيباً وطنياً، لا طائفياً».
كان واضحاً أن لجنبلاط رؤية لبناء نظام جديد في لبنان، ليتحرر اللبنانيون من النظام الطائفي، ما يشكل ضمانة لبعض شرائح المجتمع اللبناني، وينهي الهيمنة المارونية على قيادة البلاد. وأمام إصرار القيادة الفلسطينية والأحزاب اللبنانية المتحالفة معها على استمرار القتال، ورفض فك الحصار عن زحلة والقرى المسيحية في الشمال، وأمام كل ما يمكن أن ينجم من أضرار تصيب الشعب اللبناني وسوريا والعرب، أصبح ملحاً أن يحصل تدخل عسكري سوري لوقف هذه الحرب القذرة، فتحركت قواتنا إلى الحدود اللبنانية، واجتازت هذه الحدود في الأول من يونيو (حزيران) عام 1976، في يوم وصول ألكسي كوسيغين، رئيس وزراء الاتحاد السوفياتي، إلى دمشق.
وفي الأول من يونيو (حزيران) عام 1976، عقد مكتب التنسيق لحركة عدم الانحياز اجتماعاً له في مدينة الجزائر، بحضور عرفات الذي ألقى خطاباً مسرحياً، وهذا أبرز ما جاء في ذلك الخطاب: «هناك مؤامرة أميركية - فرنسية - إسرائيلية ضد الثورة الفلسطينية والقوى الوطنية في لبنان، ويُخشى أن تنفذ بأيدٍ عربية. ستقوم فرنسا باحتلال مناطق الانعزاليين المسيحيين، وتقوم قوى عربية باحتلال المناطق الوطنية لتحجيم الثورة وضربها وضرب ميليشيات الحركة الوطنية».
وبعد انتهاء كلمته، طلبت الكلام، وكان عبد العزيز بوتفليقة، وزير خارجية الجزائر، رئيساً للجلسة، فتجنب إعطائي الكلمة، إدراكاً منه لأني سأرد بقسوة على عرفات. وكعادته، فقد أدرك عرفات أن إتاحة الفرصة لي للرد عليه ستكشف أكاذيبه، فقام بحركة مسرحية في القاعة للسلام على الوفود. وعندما وصل إلي بقيت جالساً، فوقف أمامي قائلاً: «ما بك يا أبا جمال؟». أجبته بصوتٍ عالٍ كي يسمع الجميع: «كذبت يا ياسر، كعادتك، وأسأت إلى سوريا وإلى القضية الفلسطينية؛ إنك تمزق لبنان وتمزق الفلسطينيين، وتخدم إسرائيل. طريقك يا ياسر لن يكون باتجاه العرب، ولكن باتجاه إسرائيل». رد عرفات، قائلاً: «أنتم دخلتم لبنان وتضربوننا»، فأجبته: «سنضرب كل من يحاول التقسيم، وسنحاسب كل من يسفك الدماء؛ لبنان ليس فلسطين. ستدفع ثمناً غالياً لقاء تآمرك على لبنان وفلسطين وسوريا». ترك بوتفليقة مقعده، واتجه نحونا، وحاول تهدئتي، فرفضت مصافحة عرفات.
ونحو الساعة الواحدة ظهراً، حضر إلى جناحي وسطاء، بينهم وزير خارجية ليبيا علي تريكي، واقترحوا تناول الغداء مع عرفات. اشترطت أن يسحب الخطاب، وتعاد صياغته. وفعلاً، كتبنا الصياغة الجديدة، وأرسلناها إلى مقر اللجنة، وسُحِب الخطاب، ومن ثم تناولنا الغداء معاً، حيث تحدثت عن أخطاء «منظمة التحرير»، وما ألحقه قادتها من أضرار بالقضية الفلسطينية وبلبنان، وعن مناوراتهم والكذب الذي كان صفة رئيسية في حديثهم. وكان عرفات «منضبطاً» مؤدباً، فأدركت أن سبب هذا الأدب تقدم قواتنا في الأراضي اللبنانية. وقد ألح عليّ للاتصال بالرئيس لوقف تقدم القوات. وفعلاً، أرسلت برقية إلى دمشق بفحوى ما جرى (...)
دعا التحالف الفلسطيني مع بعض القوى اللبنانية إلى إضراب عام احتجاجاً على دخول القوات السورية إلى لبنان في الثاني من يونيو (حزيران) عام 1976، ومارست الميليشيات الفلسطينية وميليشيات الأحزاب الحليفة لها («الحزب الشيوعي» و«منظمة العمل الشيوعي» و«الحزب السوري القومي» و«المرابطون» وتنظيمات أخرى فرضها عرفات من «فتح») ضغوطاً على أصحاب المتاجر والمحلات للإغلاق تحت طائلة التصفية أو تدمير المتجر، فدفع الخوف الأهالي إلى الإغلاق، وليس إلى الإضراب.
ومن الطبيعي القول إن الإضراب شمل فقط مناطق سيطرة القوى الفلسطينية وحلفائها. أما المناطق الأخرى، فكانت في وضع مختلف، ذلك أن دخول القوات السورية الذي تم بناء على طلب الرئيس فرنجية رفع الحصار عن المناطق المسيحية المهددة، وأبعد عنها الخوف.
وفي الثالث من يونيو (حزيران)، عقدت الحركة الوطنية اللبنانية اجتماعاً برئاسة جنبلاط، وأصدرت بياناً تضمن «اعتبار النجاح الكاسح للإضراب العام الذي شمل كل المناطق اللبنانية دليلاً على موقف الجماهير الرافض للاحتلال العسكري السوري، ولكل تدخل خارجي، وبداية لحملة سياسية شعبية واسعة، داخلية وخارجية، تتصدى للاحتلال، ونفرض الإرادة الوطنية اللبنانية والفلسطينية في وجه قوى التدخل»، كما أعلن «تأييد المبادرة الصادرة عن قائد جيش لبنان العربي بمقاومة الاحتلال، وتأكيد التلاحم بين الحركة الوطنية وجيش لبنان العربي في هذا الموقف الوطني الشجاع»، و«إقرار مذكرة سيجري تقديمها إلى الرئيس المنتخب حول الاحتلال السوري».
وفي الوقت نفسه، وجه قائد جيش لبنان العربي، الملازم أحمد الخطيب، المنشق عن الجيش اللبناني، نداءً للتصدي للجيش السوري.
ورغم هذا الضجيج الإعلامي، فإن مسلحي الفصائل الفلسطينية المرتبطة بعرفات وحلفائهم من الأحزاب اللبنانية كانوا يفرون أمام تقدم قواتنا. وكعادته، أخذ عرفات يصرخ ويستغيث ويحرض، ودعا إلى اجتماع للجامعة العربية، وتحدد الاجتماع في التاسع من يونيو (حزيران).

وفي صباح 9 يونيو (حزيران)، توجهت إلى القاهرة، وكان في استقبالي في المطار مأمون الأتاسي، القائم بأعمال سفارتنا. وبعد أن توقفت الطائرة، صعد إلي وأبلغني أن الاجتماع عقد البارحة، أي في 8 يونيو (حزيران)، وتم تشكيل وفد (للذهاب إلى دمشق)، برئاسة وزير خارجية البحرين محمد بن مبارك بن حمد آل خليفة رئيس الدورة، ووزيري خارجية الجزائر (بوتفليقة) وليبيا (علي التريكي) والأمين العام للجامعة (محمود رياض). طلبتُ من الطيارين إعداد خطة إقلاع فوراً إلى دمشق للقاء الرئيس الأسد، وطلبتُ من الأتاسي الاتصال بدمشق، لإبلاغها عدم استقبال الوفد قبل وصولي.
قبل ذلك، أبلغني الأتاسي نص قرار الاجتماع الوزاري، وضم بنوداً عدة، بينها: «الطلب من جميع الأطراف وقف القتال فوراً»، و«تأليف قوات أمن عربية رمزية، تحت إشراف الأمين العام للجامعة، للحفاظ على الأمن والاستقرار في لبنان، وأن يتم تحريك هذه القوات فوراً لمباشرة عملها، وتحل محل القوات السورية، وتنتهي مهمة الأمن العربي بناء على طلب فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية المنتخب»، وإيفاد بعثة وزارية لدمشق، و«دعوة جميع الأطراف اللبنانية إلى إجراء المصالحة الوطنية الشاملة، بإشراف الرئيس المنتخب، حفاظاً على وحدة الشعب الشقيق، ووحدة ترابه الوطني، وعلى سيادته وأمنه واستقراره»، و«التأكيد على الالتزام العربي بدعم الثورة الفلسطينية، وحمايتها من جميع الأخطار، وتوفير جميع أسباب القوة الفاعلة لها».
وعلمت من الأتاسي أن مشروع القرار قدمه عرفات الذي شن هجوماً على سوريا، وكان خلال الاجتماع يبكي ويقول: «الآن، الطائرات السورية تقصف بيروت، الطائرات السورية تقصف المخيمات، القوات السورية تدمر القرى اللبنانية».
عدت فوراً إلى دمشق، وأبقى مدير مطار دمشق طائرة الوزراء العرب في الجو إلى ما بعد وصولي، فاتصلت بالأسد، وشرحت له ما تم قبل استقبال الوزراء، فرفض (الأسد) مناقشة أي موضوع قبل إعادة عقد مجلس الجامعة، وحضوري والاستماع إلى وجهة نظر سوريا.
اتفقنا على عقد اجتماع في اليوم التالي، أي في 10 يونيو (حزيران). وبالفعل، توجهت إلى مقر الجامعة العربية في القاهرة، ودخلت القاعة، وكان الجو متوتراً، وجماعة عرفات منتشرين والمسدسات تتدلى من أجنابهم. توجه نحوي الشيخ صباح الأحمد، وزير خارجية الكويت، وطلب مني الانتباه لأن الفلسطينيين متوترون، ويخشى أن يصيبني ما أصاب رئيس وزراء الأردن وصفي التل الذي اغتاله فلسطينيون في القاهرة، فأجبته: «أنا لست وصفي التل، وسوريا ليست الأردن؛ لا تقلقوا من هذه المسرحيات. نحن نعرف الإخوان جيداً، هم يريدون إخافتكم لكسب تأييدكم، وهم يعرفون أن مثل هذا اللعب لا يمشي معنا، ويعرفون حجم الثمن، لذلك لا تقلق».
تقدمت خطوات في القاعة، وفوجئت أن بعض الوزراء أداروا ظهورهم وتحاشوا اللقاء بي، وتحاشوا السلام. وعند دخولي، ارتفع صوت عرفات: «أين أبو جمال الحبيب؟ أين أبو جمال الحبيب؟». واتجه نحوي يقبلني على طريقته، فصفق المجتمعون. قبل ساعات، كان يصرخ ويبكي ويشتم القيادة السورية، والآن يتوجه إلى وزير خارجية سوريا بالعناق والقبل.
قلت في الجلسة: «يا ياسر، جئت من دمشق ومعي منديلان لأمسح بهما دموعي من المجازر التي وقعت ضدكم، والتي كنت تتحدث عنها مع الإخوان في الجلسات السابقة. مكانك يا ياسر ليس هنا، وإنما على مسرح الريحاني (في بيروت) لأنك ممثل»، فقاطعني: «أنا أمثل الشعب الفلسطيني». أجبته: «أنت ممثل على خشبة مسرح، وأنت عدو للشعب الفلسطيني. يا ياسر، أنصحك ألا تبصق في الصحن الذي تأكل منه لأنك ستعود وتلعق بصقتك، أساليبك ستدمر القضية الفلسطينية».
ثم التفتُّ إلى الوزراء (...) وطلبت إعادة النظر بالقرار قبل حضوري، بحيث تحذف أي إشارة إلى القوات السورية، ويجري التأكيد على أن عمل هذه القوات يأتي في إطار السيادة اللبنانية. وبعد المناقشة، استجاب المجلس إلى طلبي.
كانت قواتنا قد حققت تقدماً واسعاً، إذ وصلت إلى صوفر، وأصبحت على أبواب بحمدون. تحركت ليبيا، ووصل عبد السلام جلود من ليبيا، يرافقه عبد الكريم بن محمود الوزير الجزائري، واجتمعا إلى الأسد في 12 يونيو (حزيران)، وتم الاتفاق على عدد من النقاط، بينها: «مشاركة سوريا بقوة السلام العربية»، و«الانسحاب من صوفر إلى ضهر البيدر، وكذلك من بيروت والجنوب»، و«الانسحاب الشامل بعد البدء بالحل السياسي».
وفي الساعة الثانية عشرة ليلاً، اتصل بي الأسد، وأطلعني على نقاط الاتفاق، فاعترضت عليها وقلت: «الانسحاب من صوفر إلى ضهر البيدر سيعطي الطرف الفلسطيني مزايا عسكرية يستخدمها في مرحلة تالية لمهاجمة جبل لبنان، واستنزاف قواتنا في البقاع. يجب الانسحاب من بيروت وصيدا، حيث كانت لنا قوات فيها منذ عام 1975، عندما دخلت لحماية بيروت الغربية والضاحية بعد سقوط النبعة والكرنتينا والمسلخ بيد قوات الكتائب. ويجب تدعيم قواتنا في الشمال والبقاع وفي صوفر لأنها نقطة ضغط على جنبلاط».
طلب الأسد الاجتماع مع قائد القوى الجوية ناجي جميل، ورئيس الأركان حكمت الشهابي، لمناقشة الموضوع. وفي 13 يونيو (حزيران)، اجتمعنا في مكتب الشهابي، واتفقنا على رفع رأينا للرئيس الأسد، الذي جاء فيه: «إن سوريا تؤيد العمل على إنجاح مبادرة الجامعة العربية، وتنفيذ القرارات المتخذة، وأن يتم تشكيل القوات العربية المشار إليها بقرارات مجلس الجامعة، وأن تقوم القوات السورية بالانسحاب من بيروت وصيدا، وفور تشكيل القوات العربية تساهم سوريا بهذه القوات بالحجم الذي يتم تحديده من قبل قيادة قوة السلام العربية. تنسحب القوات السورية من لبنان بموجب خطة تضعها الجامعة العربية، بالاتفاق مع السلطات الشرعية في لبنان».
أبلغت الرئيس هذه النقاط بالهاتف، فطلَبَنا للاجتماع، ثم تم الاتفاق على إبلاغ جلود وبن محمود بأننا «نوافق على الاشتراك في قوة السلام العربية، ومستعدون لسحب قواتنا مباشرة من بيروت وصيدا، ومستعدون لسحب قواتنا مباشرة وفوراً من صوفر، وأن انسحاب القوات السورية نهائياً من لبنان مرهون بالحل السياسي».
وبعد ظهر 13 يونيو (حزيران)، توجهت إلى مقر إقامة جلود وبن محمود، حيث كانا مجتمعين مع محمد غنيم من «فتح»، وأحمد جبريل (زعيم الجبهة الشعبية - القيادة العامة حالياً)، وكان جلود منفعلاً يقول: «أنتم لا تريدون حل الأمور، يجب أن تنسجموا، أنتم مخربون، أنتم لا تريدون الحل، وأنا لن أذهب إلى بيروت»، فقلت لجلود: «فعلاً، الإخوان لا يريدون الحل، وبياناتهم تدل على ذلك. عرفات يقول لبعض الوزراء العرب مساعدتكم لسوريا تعني ذبح الفلسطينيين؛ أمر مؤلم أن يقع مثل هذا الانحراف القاتل للقضية الفلسطينية». فحاول جبريل وغنيم الدفاع، فرفضت النقاش معهما.
وفي هذه الأثناء، حضر الرفيق محمد حيدر، وأقنع جلود بالتوجه معاً إلى لبنان للقاء القيادات الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية، وعرض النقاط التي اتفقنا عليها مع جلود. وبعد قليل، اتصل عرفات من القاهرة بجلود الذي أبلغه نقاط الاتفاق، فوافق عليها عرفات، وقال إنه سيرسل برقية بالموافقة عليها.
واضح من مجمل المناقشات مع الجانب الفلسطيني أن قيادته لا ترغب في الوصول إلى حل نهائي للمشكلة في لبنان، لا سيما إذا كان هذا الحل سيؤدي إلى استعادة الدولة اللبنانية سلطاتها، لأن من شأن ذلك أن يؤدي إلى اضطرار «منظمة التحرير» وفصائلها للالتزام باتفاقية القاهرة، واحترام سيادة الدولة اللبنانية (...)
ومن أخطر الأخطار التي ارتكبتها قيادات الفصائل الفلسطينية انشغالها في الأمور الداخلية لبعض الأقطار العربية (...) والتورط بالخلافات العربية (...) ومن ذلك استخدام الخلاف بين سوريا والعراق، واستخدام تكوين القيادة العراقية وتوريطها بحشد قوات على الحدود السورية. وقد تعرضتُ لهذا الموضوع خلال بحث علاقاتنا مع العراق.
في تلك الأيام، فعلاً توجهت بعض القوات العراقية إلى الحدود السورية للضغط على سوريا. لكن هذه اللعبة كانت فاشلة بائسة، بالإضافة إلى أنها تعكس تخلف القيادة العراقية وسطحية قراراتها. كما كانت تعكس غباء القيادة الفلسطينية، وانخراطها وتورطها في زج «منظمة التحرير» في مواقع وظروف ألحقت أضراراً كبيرة بالقضية الفلسطينية.
في هذه المناسبة، اتصل بي زيد الرفاعي رئيس وزراء الأردن، في 13 يونيو (حزيران)، وأبلغني أن حشد القوات العراقية على الحدود السورية هو عبارة عن عرض عضلات وتحرك تلفزيوني لتخفيف الضغط في لبنان، ومحاولة تشجيع حركة داخلية في سوريا، وأنه ليست هناك نية لاجتياز الحدود، وأن معلوماته من مصادر أجنبية. شكرت الرفاعي على اتصاله، وأكدت له: «لا قلق لدينا، وإننا نريد تجنب المواجهة بين الجيشين السوري والعراقي، تجنباً لأضرار كبيرة ستصيب البلدين والأمة، لكن إذا تورط الإخوان فإن الرد سيكون قاسياً».
بعد صدور قرار مجلس الجامعة في 10 يونيو (حزيران)، تحرك الأمين العام للجامعة محمود رياض، وزار بيروت، وعاد إلى دمشق في 15 يونيو (حزيران)، واستقبلته في الساعة الثامنة مساءً، وتحدث رياض عن زيارته لسليمان فرنجية رئيس الجمهورية اللبنانية.
وقال إن حصيلة الاجتماع كانت الاتفاق على أن يعطي التصريح التالي: «نتيجة الاجتماع حول قرار الجامعة العربية في 10 يونيو (حزيران)، وبعد الإيضاحات (...) وافق فخامته على هذا القرار، باعتباره مبادرة عربية جماعية. كما أبدى تمسكه بالمبادرة السورية، لما في المبادرتين من أمل في وقف الاقتتال وإحلال السلام».
سألته: «ما أهم النقاط التي دار حولها البحث معهم؟»، فأجابني: «يريدون أن تكمل سوريا مهمتها، ويرون -بل يتصورون- أن أهم أمر هو سحب السلاح من أيدي الفلسطينيين، وبالتالي يمكن سحبه من أيدي جميع المقاتلين، وتسليمه إلى القوة العربية، حتى أن (كميل) شمعون تساءل: لمَ لا تبقى سوريا لِوَحدها ممثلة للجامعة العربية في تنفيذ قرارها؟ وقد أجبته بأن سوريا وافقت على القرار كما صدر، ونحن لا نريد أن نحملها وحدها هذا العبء. وانطباعهم أن الفلسطينيين يرون في القرار انسحاب سوريا نهائياً من مبادرتهم، وهم لا يريدون ذلك أبداً».
تابع رياض: «سألتهم بصراحة: هل هم موافقون على قرار الجامعة أو على المبادرة العربية؟ فكان جوابهم عدم الاعتراض على القرار من حيث المبدأ، لكن لديهم بعض الملاحظات: عن قوة الأمن مثلاً، وافقوا على أن تكون قوة ردع... وأبدوا تحفظاً بالنسبة لاشتراك قوات عربية من بعض الدول العربية، وهي ليبيا والجزائر والعراق واليمن الجنوبي وفلسطين. وقد أجبتهم بأني مفوض من ليبيا بالتصرف، أما الجزائر فلا بد من الاتصال بمسؤوليها». وأضاف أن اللبنانيين «يرون استمرار سوريا في مبادرتها، وفي عدم انسحاب قواتها حتى تنفيذ المقاومة الفلسطينية اتفاق القاهرة تنفيذاً تاماً. فرنجية قال إن ثقته كاملة بالرئيس الأسد وسوريا، وإن أي شيء يراه الأسد سيوافق عليه. وقد أجبته بأننا لا نستطيع أن نفعل شيئاً إلا عن طريق سوريا، وأنني سأتشاور مع الأسد. وسألته: إذا افترضنا أن سوريا ستسحب قواتها لتضع مكانها قوات عربية في بعض المناطق، كأن تنسحب من صيدا مثلاً وتضع محلها قوات ليبية، فما هو موقفكم؟ أجابني بأنه يترك هذا الأمر للرئيس الأسد يقرره».
قلت: «لا نرى ضرورة لوضع قوات أمن في صيدا لأن المهمة الأساسية لقوات الأمن هي تثبيت الأمن بين المسلمين والمسيحيين، وكذلك بين مختلف الفئات، ولا بد من وجود سلطة لإقرار الأمن ومنع الجرائم التي ينتظر أن تقع بعد وقف إطلاق النار نتيجة لاضطراب الأمن، إذ إن من أبرز مهام هذه القوات تحقيق الاستقرار والأمن». كما سألت: «بشأن حجم القوات، ماذا بحثتم؟ علماً بأنه ليس شرطاً أن يكون حجم القوات متساوياً من الدول المشتركة بها»، فرد رياض: «في نظري أن العمود الفقري هو القوات السورية، أما باقي القوات فيمكن أن تعطى مهام محدودة».
قال الأمين العام: «الموضوع المهم الآن هو التنظيم، لأنني اعتبر أن الأطراف جميعاً وافقت على المبدأ. فعرفات وافق في المجلس، وكان يمثل جميع فئات منظمة التحرير، والجانب المسيحي وافق الآن، وحتى الرئيس المنتخب سركيس والرئيس فرنجية أكدا أنهما متفقان تماماً».
واقترح الأمين العام «التفكير بفتح طريق دمشق - بيروت كي تمر به القوات العربية (...)»، فأجبت: «سأبحث جميع هذه الأمور مساء اليوم مع الرئيس، ويمكننا أن نعقد غداً اجتماعاً يضم الإخوة العسكريين بهدف وضع تصورات كاملة لميكانيكية العمل».
واستقبلت في الساعة الحادية عشرة مساء العقيد أنطوان دحداح، مدير الأمن العام اللبناني، وطرحت عليه موضوع الانسحاب من بيروت، حيث كانت تتمركز كتيبة من الوحدات الخاصة في منطقة المطار، بالإضافة إلى إجراء الاتصال الجغرافي بين قواتنا والمناطق المسيحية، فأجاب بأن الانسحاب من بيروت كارثة، وأن وضعهم الدفاعي جيد، لكن لا يستطيعون القيام بهجوم؛ الجيش «فارط»، ولكن الأحزاب هي التي تقاتل، وأنهم اشتروا ذخائر وأسلحة جديدة وهاون 160، ويرفضون التدخل العربي، ويريدون استمرار مبادرة سوريا وعملها.
ومن الجدير بالذكر أن الحكومات الأوروبية، لا سيما فرنسا، لم تكن متفهمة لسياستنا في لبنان، رغم أن دخولنا الأراضي اللبنانية قد أوقف مجازر دامية، وشكل وقفاً للضغط على الجانب الماروني الذي تربطه بفرنسا علاقات قوية. وخلال زيارة الأسد إلى باريس في 17 يونيو (حزيران)، كان لبنان الموضوع الرئيسي في المحادثات مع الرئيس (فاليري) جيسكار ديستان.

خدام: الأسد اقترح إعطاء المعارضة العراقية وعوداً وهمية... وخاتمي حذر من دولة كردية (الحلقة الأولى)
خدام: الأسد غيّر رأيه ومدد للحود فاصطدمت سوريا بالإرادة الدولية (الحلقة الثانية)

خدام: استقبلنا رفيق الحريري بناء على اقتراح جنبلاط... وحافظ الأسد «امتحنه» (الحلقة الثالثة)
خدام: هاجمت قواتنا ثكنة «حزب الله»... وهذا ما دار مع السفير الإيراني (الحلقة الرابعة)

خدام: بوش أبلغنا برسالة خطية أن عون «عقبة»... والأسد اعتبرها «ضوءاً أخضر» لإنهاء تمرده (الحلقة الخامسة)
خدام: صدام بعث برسائل سرية إلى خامنئي ورفسنجاني... واقترح قمة بحضور «المرشد» (الحلقة السادسة)
رفسنجاني في رسالة لصدام: تتحدث عن القومية العربية وتنتقد رفضنا لاحتلال الكويت (الحلقة السابعة)
خدام: السعودية لعبت دوراً بارزاً لدى أميركا في حل «أزمة الصواريخ» مع إسرائيل (الحلقة التاسعة)
خدام: كنت أول وآخر مسؤول سوري يلتقى الخميني... وهذا محضر الاجتماع (الحلقة 10)

خدام: حافظ الأسد كان سريع التأثر بأفراد عائلته... وعلاقتنا وصلت أحياناً إلى القطيعة (الحلقة الـ 11 والأخيرة)



رئيس الوزراء اليمني: معركة استعادة الدولة لا تنتهي بتغير خطوط التماس

رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني مستقبلاً محافظ الحديدة الحسن طاهر في عدن (سبأ نت)
رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني مستقبلاً محافظ الحديدة الحسن طاهر في عدن (سبأ نت)
TT

رئيس الوزراء اليمني: معركة استعادة الدولة لا تنتهي بتغير خطوط التماس

رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني مستقبلاً محافظ الحديدة الحسن طاهر في عدن (سبأ نت)
رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني مستقبلاً محافظ الحديدة الحسن طاهر في عدن (سبأ نت)

أكد رئيس مجلس الوزراء اليمني شائع الزنداني، أن معركة استعادة كامل سلطة الدولة لا تنتهي بتغير خطوط التماس، وأن اليمنيين يقفون اليوم في وجه المشروع الحوثي المدعوم إيرانياً، ويخوضون معركة دفاع عن الجمهورية والسيادة ومستقبل البلاد.

وشدد الزنداني، في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء اليمنية «سبأ نت»، على أن الدولة والحكومة ستواصلان العمل لإعادة بناء القوة والقدرة على استعادة زمام المبادرة، وصولاً إلى إنهاء الانقلاب واستعادة سلطة الدولة ومؤسساتها في محافظة الحديدة وكامل التراب الوطني.

وعَدّ رئيس الوزراء ما يجري في الساحل الغربي بأنه تكرار لنمط ميليشيا الحوثي في إخضاع المجتمعات المحلية بالقتل والقمع والتهجير ومصادرة الممتلكات، مؤكداً أن هذه الجرائم لن تسقط بالتقادم، والحكومة ستحتفظ بكل ما يوثق هذه الانتهاكات تمهيداً لمحاسبة مرتكبيها.

واطلع الزنداني خلال استقباله الحسن طاهر محافظ الحديدة، في العاصمة المؤقتة عدن، على آخر التطورات والمستجدات في المحافظة عقب التصعيد العسكري الواسع للحوثيين، وما ترتب عليه من تطورات ميدانية خطيرة وتداعيات إنسانية واسعة على المدنيين.

كما استمع لإحاطة حول الأوضاع الميدانية والإنسانية في المحافظة، وحركة النزوح المتزايدة من مناطق اجتاحها الحوثيون وانتهاكاتهم بقتل واختطاف المدنيين، وأوضاع الأسر التي اضطرت لترك منازلها وممتلكاتها تحت وطأة القصف والاعتداءات والملاحقات، والاحتياجات العاجلة للنازحين، وجهود السلطة المحلية بالتنسيق مع الجهات الحكومية والشركاء الإقليميين والدوليين.

ووجَّه رئيس الوزراء اليمني بمضاعفة الجهود لاستقبال النازحين وتأمين احتياجاتهم الأساسية، مثمناً مساعي السلطات المحلية في المحافظات والمناطق المستقبلة لهم، ومؤكداً ضرورة التعامل مع موجات النزوح باعتبارها مهمة وطنية تستوجب استجابة حكومية وإنسانية واسعة، ودعماً دولياً عاجلاً، وعدم ترك المجتمعات المضيفة والنازحين وحدهم أمام تداعيات التصعيد.


العليمي يدعو للتماسك بعد صدمة التمدد الحوثي في غرب اليمن

امرأة تطهو الطعام في مخيم مؤقت للنازحين داخلياً في محافظة تعز باليمن (رويترز)
امرأة تطهو الطعام في مخيم مؤقت للنازحين داخلياً في محافظة تعز باليمن (رويترز)
TT

العليمي يدعو للتماسك بعد صدمة التمدد الحوثي في غرب اليمن

امرأة تطهو الطعام في مخيم مؤقت للنازحين داخلياً في محافظة تعز باليمن (رويترز)
امرأة تطهو الطعام في مخيم مؤقت للنازحين داخلياً في محافظة تعز باليمن (رويترز)

تسعى القيادة اليمنية إلى إعادة ترتيب أوراقها العسكرية والسياسية بعد الانتكاسة الكبيرة التي مُنيت بها القوات الحكومية في الساحل الغربي، مع سيطرة جماعة الحوثيين على حيس والخوخة والمخا ومينائها، وصولاً إلى مناطق باب المندب والجزر اليمنية في البحر الأحمر، في تطور أحدث صدمة واسعة داخل معسكر الحكومة المعترف بها دولياً.

وفي محاولة لإعادة ضبط المشهد، أجرى رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، الأحد، سلسلة اتصالات بأعضاء المجلس ورئيس الحكومة وقيادات عسكرية ومحافظين، لمتابعة التطورات الميدانية والأمنية والإنسانية، ومستوى جاهزية القوات، والاستجابة الحكومية لتداعيات التصعيد الحوثي.

وتزامنت هذه التحركات السياسية مع إجراءات عسكرية وتنظيمية في أكثر من جبهة، بينها زيارة عضو مجلس القيادة عثمان مجلي، لمواقع عسكرية في محافظة صعدة، وإصدار نائب رئيس مجلس القيادة وقائد المقاومة الوطنية طارق صالح، قراراً بتشكيل قوة مستقلة للمقاومة التهامية، في مؤشر على سعي الحكومة إلى إعادة توزيع أدوار التشكيلات العسكرية بعد التراجع في الساحل الغربي.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

وأكد العليمي، خلال اتصالاته، أن التغيرات الميدانية لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها حكماً نهائياً على مسار الحرب، وقال إن المعارك الكبرى لا يحددها «تغير عارض» في أحد خطوط المواجهة أو مكسب في جبهة دون أخرى، وإنما القدرة على التعلم من التحديات واستعادة المبادرة.

ويكتسب هذا الخطاب أهمية خاصة في أعقاب الخسائر التي تعرضت لها القوات الحكومية في الساحل الغربي، حيث انتقلت مناطق واسعة كانت تمثل أحد أهم خطوط الدفاع عن مدينة تعز والممرات البحرية إلى سيطرة الحوثيين، وفق المعطيات التي عرضتها القيادة اليمنية.

وقال العليمي إن بوصلة الدولة ستبقى موجهة نحو استعادة مؤسساتها وبسط سيادتها على الأراضي اليمنية، مؤكداً أن التطورات الميدانية لن تغير هذا الهدف.

وفي الوقت نفسه، ركز رئيس مجلس القيادة على ضرورة عدم حصر التعامل مع التصعيد في الجانب العسكري، مشدداً على استمرار مؤسسات الدولة في أداء وظائفها، وتأمين الخدمات والرواتب والاحتياجات الأساسية، ورفع مستوى الاستجابة الإنسانية للنازحين والمتضررين.

وتشير هذه الأولويات إلى حجم التداعيات التي خلّفها التصعيد الأخير، بعدما دفعت المعارك في الساحل الغربي أعداداً كبيرة من المدنيين إلى الفرار من مناطقهم، فيما تواجه السلطات المحلية ضغوطاً متزايدة لاستيعاب النازحين وتأمين الغذاء والمياه والمأوى والخدمات الصحية.

عشرات الآلاف من اليمنيين هربوا من مناطقهم غرب البلاد جراء الهجمات الحوثية (رويترز)

وأشاد العليمي بدور القوات الجوية والطيران المسيّر في إسناد القوات البرية واستهداف القدرات العسكرية للحوثيين، كما أثنى على العمليات الجارية في مأرب والجوف وتعز والبيضاء والضالع، في محاولة لإبراز تعدد محاور المواجهة وعدم حصر الحرب في جبهة الساحل الغربي التي شهدت التحول الميداني الأبرز خلال الأيام الأخيرة.

تحرك في صعدة

في صعدة، المعقل الرئيسي لجماعة الحوثيين شمال اليمن، تفقد عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عثمان مجلي، مواقع الفرقة الثانية طوارئ ومحوري آزال وحرب واحد في مديرية باقم، واطلع على مستوى الجاهزية والقدرات البشرية والتدريبية والعملياتية للقوات المنتشرة هناك.

وحمل مجلي رسالة من رئيس وأعضاء مجلس القيادة إلى القوات المرابطة في الجبهات، داعياً إلى الحفاظ على الروح المعنوية وتطوير القدرات العسكرية، في وقت قال فيه إن الحرب تتغير فيها موازين القوى من جبهة إلى أخرى.

وقال مجلي للجنود إن ما يجري يمثل «معركة واحدة»، داعياً إلى الحفاظ على القوات وتطويرها، في إشارة إلى الحاجة إلى منع الخسائر الأخيرة في الساحل من إضعاف بقية خطوط المواجهة.

كما استمع إلى عرض عن الخريطة العملياتية والقوة البشرية والنقاط القتالية، إلى جانب أعمال الطيران المسيّر والتصنيع والصيانة والتدريب.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عثمان مجلي يتفقد القوات في صعدة (إعلام حكومي)

وأبرز مجلي، خلال الزيارة، الدعم السعودي للقوات اليمنية، مشيراً إلى المساندة التي تقدمها المملكة وقيادة القوات المشتركة، بوصفها عاملاً رئيسياً في دعم القوات الحكومية خلال المرحلة الحالية.

وتأتي زيارة صعدة في وقت تحاول فيه الحكومة إظهار أن خطوط المواجهة الأخرى لم تتأثر بالانتكاسة الساحلية، خصوصاً أن المحافظة تمثل مركز الثقل التاريخي للحوثيين، بينما شهدت جبهات مأرب والجوف وتعز والبيضاء والضالع خلال الأيام الماضية تحركات عسكرية متزامنة.

قوة تهامية مستقلة

في خطوة أكثر ارتباطاً مباشرة بخسارة الساحل الغربي، أصدر طارق صالح قراراً بتشكيل «قوة المقاومة التهامية» كقوة مستقلة، وتعيين اللواء زايد منصر قائداً لها.

وحسب القرار، تتكون القوة الجديدة من الفرقتين الأولى والثانية للمقاومة الوطنية، وتتمتع باستقلالية مالية وإدارية وعملياتية، على أن يحدد نطاق عملها وتتبع العمليات المشتركة للتحالف العربي بصورة مباشرة.

جندي تابع للحكومة اليمنية في تعز يمسك رشاشاً على عربة عسكرية (أ.ف.ب)

يأتي القرار في وقت أصبحت فيه مناطق واسعة من الساحل الغربي تحت سيطرة الحوثيين، بعد تقدم الجماعة في حيس والخوخة والمخا ومناطق باتجاه باب المندب والجزر اليمنية في البحر الأحمر.

ويمثل إنشاء القوة التهامية محاولة لإعادة تنظيم المكون العسكري المحلي المرتبط بالساحل، في ظل الحاجة إلى التعامل مع واقع ميداني جديد فرضه انهيار خطوط الدفاع الحكومية هناك.

كما يكشف القرار عن اتجاه نحو منح التشكيلات العسكرية المرتبطة بالمقاومة الوطنية أدواراً أكثر تحديداً واستقلالية، مع إبقاء التنسيق العملياتي ضمن منظومة التحالف الداعم للشرعية.


المخا وباب المندب... مخاوف من توسيع التهريب وتهديد الملاحة

سيطرة الحوثيين على باب المندب تزيد المخاوف من زيادة علميات تهريب الأسلحة وتهديد الملاحة وتوسيع التعاون مع جماعات مسلحة في القرن الأفريقي (القوات المسلحة اليمنية)
سيطرة الحوثيين على باب المندب تزيد المخاوف من زيادة علميات تهريب الأسلحة وتهديد الملاحة وتوسيع التعاون مع جماعات مسلحة في القرن الأفريقي (القوات المسلحة اليمنية)
TT

المخا وباب المندب... مخاوف من توسيع التهريب وتهديد الملاحة

سيطرة الحوثيين على باب المندب تزيد المخاوف من زيادة علميات تهريب الأسلحة وتهديد الملاحة وتوسيع التعاون مع جماعات مسلحة في القرن الأفريقي (القوات المسلحة اليمنية)
سيطرة الحوثيين على باب المندب تزيد المخاوف من زيادة علميات تهريب الأسلحة وتهديد الملاحة وتوسيع التعاون مع جماعات مسلحة في القرن الأفريقي (القوات المسلحة اليمنية)

حذّر مسؤول يمني وخبيران في الشؤون الأمنية والعسكرية من أن التوسع الحوثي في الساحل الغربي والجزر المحيطة بباب المندب قد يتجاوز تغيير موازين المعركة داخل اليمن، ليمنح الجماعة مواقع إضافية لتهريب الأسلحة وتهديد الملاحة وتوسيع التعاون مع جماعات مسلحة في القرن الأفريقي، بما يعزز، وفق تقديراتهم، قدرة إيران على الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

سيطرة الحوثيين على باب المندب تزيد المخاوف من زيادة علميات تهريب الأسلحة وتهديد الملاحة وتوسيع التعاون مع جماعات مسلحة في القرن الأفريقي (القوات المسلحة اليمنية)

ورأى المتحدثون أن تداعيات التصعيد تجمع بين المخاطر العسكرية والأمنية والاقتصادية، إذ يمكن أن تتحول السواحل والجزر إلى نقاط للإمداد والتخزين، بالتوازي مع ارتفاع تكاليف التجارة وتفاقم الأعباء المعيشية على اليمنيين.

وتعمل القيادة اليمنية على إعادة ترتيب أولوياتها بعد خسارة القوات الحكومية مواقع واسعة في الساحل الغربي لمصلحة جماعة الحوثيين، التي تمكنت خلال هجوم استمر بين 3 و11 سبتمبر (أيلول) من السيطرة على حيس والخوخة والمخا ومينائها، وصولاً إلى باب المندب وجزيرة ميون وبقية الجزر اليمنية جنوب البحر الأحمر.

ممرات للإمداد والتهريب

قال السفير مروان علي نعمان، المستشار السياسي لوزيرة الخارجية اليمنية، إن التصعيد الحوثي يستهدف السيطرة على المخا وباب المندب وجزر البحر الأحمر «خدمة للأجندة الإيرانية»، ومنح الجماعة قدرة أكبر على توسيع شبكات تهريب الأسلحة والمخدرات واستقبال الإمدادات العسكرية والمكونات المتطورة من إيران.

ولفت نعمان في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن السيطرة على هذه المواقع ستسهّل، حسب تقديره، نقل الإمدادات إلى مناطق نفوذ الحوثيين وإلى جماعات مسلحة في القرن الأفريقي، وتوسيع قنوات تبادل الأسلحة والخبرات والتكنولوجيا وانتقال العناصر عبر خليج عدن والبحر الأحمر.

وأضاف: «يهدف هذا التصعيد للميليشيات الحوثية إلى تهديد الملاحة الدولية بصورة مباشرة، من خلال استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق والألغام البحرية، وابتزاز حركة السفن في واحد من أهم الممرات البحرية العالمية».

ويرى المستشار السياسي لوزيرة الخارجية أن «توسيع قنوات الاتصال والحركة بين الحوثيين والجماعات الإرهابية في اليمن والقرن الأفريقي، لا سيما عبر خليج عدن والبحر الأحمر، يسهل تبادل الأسلحة والخبرات والتكنولوجيا وانتقال العناصر، ويزيد من مخاطر تشكل شبكة مترابطة من الإرهاب والتهريب والقرصنة على جانبي البحر الأحمر».

وحذر السفير مروان نعمان من أن «كل هذه العناصر تشكل تهديداً خطيراً ليس لليمن فحسب وإنما للمنطقة والعالم». مؤكداً على استمرار «الحكومة اليمنية في جهودها لمواجهة وردع هذا التصعيد وحماية سيادة وسلامة الأراضي اليمنية ومياهها الإقليمية، واستعادة مؤسسات الدولة، وإنهاء الانقلاب الحوثي؛ وفقاً لما يكفله لها الدستور اليمني والقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة».

من جهته، وصف محمد الولص بحيبح، رئيس «مركز البحر الأحمر للدراسات السياسية والأمنية» بمأرب، السيطرة الحوثية على الجزر بأنها تحول استراتيجي، موضحاً أن موقع جزيرة ميون وسط باب المندب يتيح مراقبة حركة السفن بين البحر الأحمر وخليج عدن، فيما تمنح جزر حنيش وزقر نقاط ارتكاز إضافية على الطريق البحري المؤدي إلى قناة السويس.

ورأى بحيبح أن توسيع النفوذ الساحلي قد يوفر حماية أكبر للشحنات المهربة ويقلّص الاعتماد على المسارات البرية، عبر إتاحة مواقع جديدة للإمداد والتخزين.

تهديد الملاحة

وحذّر نعمان من أن الجماعة قد تستخدم الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق والألغام البحرية لتهديد السفن وابتزاز حركة الملاحة في أحد أهم الممرات العالمية.

وقال إن ذلك سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف التأمين والشحن وإطالة مسارات التجارة وزيادة مخاطر اضطراب سلاسل الإمداد بين آسيا وأوروبا، فضلاً عن انعكاساته على الأسعار والأوضاع الاقتصادية داخل اليمن.

قائد محور طور الباحة يتفقد جبهات غرب الحجرية ويشيد بالجاهزية القتالية (القوات المسلحة اليمنية)

واتفق بحيبح مع هذا التقدير، عادّاً أن التقدم نحو المواقع المشرفة على المضيق يزيد قدرة الحوثيين على تعطيل التجارة، وشكّك في تطمينات الجماعة بشأن سلامة الملاحة، ورأى أن امتلاك أدوات التهديد يتيح استخدامها لاحقاً للضغط السياسي والاقتصادي.

وأضاف أن التصعيد يضع الولايات المتحدة أمام معادلة معقدة بين مواجهة الخطر البحري، وتجنب توسيع المواجهة العسكرية، في ظل انشغالها بالصراع مع إيران.

شبكات عابرة للبحر الأحمر

وفي البعد الأمني، قال بحيبح إن التعاون بين الحوثيين وحركة «الشباب» الصومالية يثير مخاوف من اتساع شبكات التهريب وتبادل الخبرات، عادّاً أن السيطرة على مزيد من السواحل والجزر تمنح هذه الشبكات عمقاً بحرياً إضافياً.

بدوره، أشار العميد محمد الكميم، الخبير العسكري اليمني، إلى تقارير أممية تناولت شبكات تهريب بين ضفتي البحر الأحمر، وقال إن المصالح المشتركة واقتصاد الحرب يفسّران التعاون بين جماعات متباينة آيديولوجياً.

الشيخ عثمان مجلي عضو مجلس القيادة الرئاسي خلال زيارته قوات الفرقة الثانية طوارئ بمديرية باقم (سبأ)

وحذّر الكميم من أن اتساع هذه الأنشطة يهدد المجتمعات في اليمن والقرن الأفريقي، خصوصاً مع ارتباط التهريب بتمويل الجماعات المسلحة وتجارة المخدرات.

ورأى أن إيران تسعى إلى توظيف باب المندب ورقة ضغط موازية لمضيق هرمز، لكنه استبعد استمرار السيطرة الحوثية عليه، من دون تحديد إطار زمني لذلك.

ولفت الكميم إلى أن «الجماعة الحوثية صنعت خصيصاً منذ نحو عقدين للسيطرة على مضيق باب المندب الحيوي، ووفرت إيران للحوثيين الإمكانات كافة، ودفعتهم للاستعجال بالسيطرة عليه لتخفيف الضغط الذي تواجه في مضيق هرمز»؛ على حد تعبيره.