خدام: قلت لعرفات إنك تكذب وتتآمر على فلسطين ولبنان وسوريا (الحلقة الثامنة)

روى في مذكرات تنشرها أن صدام «استعرض عضلاته» على الحدود بعد قرار الأسد إرسال قواته باتجاه بيروت

صورة أرشيفية للرئيس الراحل حافظ الأسد ونائبه عبد الحليم خدام في أحد الاجتماعات (الشرق الأوسط)
صورة أرشيفية للرئيس الراحل حافظ الأسد ونائبه عبد الحليم خدام في أحد الاجتماعات (الشرق الأوسط)
TT

خدام: قلت لعرفات إنك تكذب وتتآمر على فلسطين ولبنان وسوريا (الحلقة الثامنة)

صورة أرشيفية للرئيس الراحل حافظ الأسد ونائبه عبد الحليم خدام في أحد الاجتماعات (الشرق الأوسط)
صورة أرشيفية للرئيس الراحل حافظ الأسد ونائبه عبد الحليم خدام في أحد الاجتماعات (الشرق الأوسط)

يروي نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام، اليوم، في الحلقة الثامنة من مذكراته التي تنشرها «الشرق الأوسط»، اللحظات الحاسمة في التدخل العسكري في لبنان في 1976، والاتصالات التي جرت بين سوريا والدول العربية خلال ذلك لتشكيل قوة الردع العربية، ودور القوات السورية فيها.
ويقول خدام: «أمام إصرار القيادة الفلسطينية والأحزاب اللبنانية المتحالفة على استمرار القتال، ورفض فك الحصار عن زحلة والقرى المسيحية في الشمال اللبناني، وأمام كل ما يمكن أن ينجم من أضرار تصيب الشعب اللبناني وسوريا والعرب، أصبح التدخل العسكري السوري مُلحاً لوقف هذه الحرب القذرة، فتحركت قواتنا واجتازت الحدود اللبنانية في الأول من يونيو (حزيران) عام 1976، في يوم وصول ألكسي كوسيغين، رئيس وزراء الاتحاد السوفياتي، إلى دمشق».
ويخصص خدام قسماً كبيراً للصراع مع رئيس اللجنة التنفيذية لـ«منظمة التحرير الفلسطينية»، ياسر عرفات (أبو عمار)، في الميدان وفي الأروقة الدبلوماسية، خصوصاً ذلك الاجتماع الذي تزامن مع دخول القوات السورية إلى لبنان، ويقول: «في الأول من يونيو (حزيران) عام 1976، عقد مكتب التنسيق لحركة عدم الانحياز اجتماعاً له في مدينة الجزائر، بحضور عرفات الذي ألقى خطاباً مسرحياً، وتحدث عن مؤامرة أميركية - فرنسية - إسرائيلية ضد الثورة الفلسطينية والقوى الوطنية في لبنان، وأنه يخشى أن تنفذ بأيدي عربية»، في إشارة إلى سوريا. ويضيف خدام أنه رد على عرفات بصوتٍ عالٍ كي يسمعه الجميع، قائلاً: «كذبت يا ياسر، كعادتك، وأسأت إلى سوريا، وإلى القضية الفلسطينية؛ إنك تمزق لبنان وتمزق الفلسطينيين وتخدم إسرائيل».
خلال مناقشات تعديل الدستور اللبناني لانتخاب رئيس جديد، كان المفهوم من الاتفاق أن يتقدم الرئيس سليمان فرنجية باستقالته، ليمارس الرئيس الجديد إلياس سركيس صلاحياته، ويعمل على إنهاء الحرب وتحقيق المصالحة. ورغم الانتخاب، ظل التوتر قائماً، واستمر إطلاق النار، وتصاعدت حملة الحركة الوطنية بقيادة كمال جنبلاط، كما استمرت القيادة الفلسطينية في اللعب بالنار، والتحريض لمنع الوصول إلى وقف جدي للقتال، والبدء بالحوار الوطني لإنهاء الأزمة، وفق الوثيقة الدستورية.
وفي مايو (أيار) من عام 1976، استقبلت كريم بقرادوني حاملاً رسالة من الرئيس سركيس، وأبلغني: «جئت أحمل رسالة من الرئيس سركيس؛ إنه يرى أن أول اتصال له يجب أن يكون مع سوريا لشرح تصوره. يعتقد (سركيس) أن الخطوة الأولى التي ينبغي عليه أن يخطوها هي الحوار السياسي مع الأطراف المتنازعة. وهذا يتم على مرحلتين: الأولى، الطلب من الفرقاء إنهاء القتال. الثانية، عقد مائدة مستديرة يكون هو فيها الحكم الإيجابي».
وأضاف بقرادوني أن الوضع في بيروت «جامد لعدم استطاعة عرفات الحسم، وقد وضع سركيس خطة للعمل، وهو يعتقد أن أمله في النجاح السياسي ضئيل، لكنه رغم ذلك مضطر للقيام بهذا العمل لمصلحة لبنان والمبادرة السورية، وسيجري اتصالات مع جميع الأطراف، وسيبدأ بجنبلاط. وأما نحن في (حزب الكتائب)، فأطلقنا يده دون أي شروط. وهو يرى أن المبادرة السورية يجب أن تستمر مهما كانت نتائج الوفاق السياسي، ويطلب منكم مساعدته لإنجاح الحل السياسي. كما أن سركيس سيجتمع بفرنجية ليتفقا على كيفية الاستلام والتسليم. ونظراً للخوف من إعلان فرنجية استقالته، ومن عدم توفر النصاب لقسم الرئيس سركيس في المجلس النيابي، فتقع البلاد في حالة الفراغ الدستوري، وهذا ما تريده قيادة عرفات وبعض الأطراف اللبنانية، لذلك يجب ترتيب جلسة في المجلس النيابي تعلن فيها الاستقالة، ويجري قسم الرئيس الجديد».
وأردف بقرادوني أنه اقترح «تقديم استقالة الرئيس فرنجية إلى المجلس النيابي، على أن تكون سارية المفعول اعتباراً من أداء الرئيس سركيس اليمين»، فأجبته: «لا يجوز ذلك دستورياً، ولا يجوز أن تكون الاستقالة معلقة، لذلك من الأفضل أن يضع فرنجية استقالته أمام سركيس، ويدعى مجلس النواب إلى جلسة تتلى فيها الاستقالة، ويؤدي الرئيس سركيس القسم الدستوري».
ورغم الجهود المبذولة لتهدئة الوضع، تمهيداً لانتقال الرئاسة من فرنجية إلى سركيس، فإن الجو السياسي بات أكثر سخونة بعد تحالف كل من ريمون إده وكمال جنبلاط وصائب سلام، بالإضافة إلى قوى الأحزاب الوطنية والتقدمية، وإلى ما كان يبذله عرفات وجماعته من جهود لاستمرار توتر الجو، وبالتالي استمرار القتال.
واشتد الضغط العسكري للقوى الفلسطينية وحلفائها اللبنانيين في جبل لبنان وفي بيروت، وتمت مهاجمة بعض القوى المسيحية في الجنوب. كما اشتد الحصار حول مدينة زحلة وقرى مسيحية في عكار، منها القبيات وعندقت. وأصبح لبنان مهدداً باتساع دائرة المذابح الطائفية، ما يوفر أفضل الفرص لإسرائيل للتدخل، وإيجاد حليف لها في الساحة اللبنانية.
ومع تصاعد القتال، قدم جنبلاط اقتراحات، بينها: «وقف النار وقفاً جدياً من غير انسحاب المقاتلين من مواقعهم، والدخول في مفاوضات الطاولة المستديرة دون شروط مسبقة، وانسحاب الجيش السوري تدريجياً، وتحديد جدول أعمال الطاولة المستديرة على النحو التالي: الإصلاح السياسي، وتناول تعديل بعض مواد الدستور والنظام السياسي، وشكل الحكم المقبل ونسبة تمثيل القوى السياسية فيه، وإعادة ترتيب المؤسسات ترتيباً وطنياً، لا طائفياً».
كان واضحاً أن لجنبلاط رؤية لبناء نظام جديد في لبنان، ليتحرر اللبنانيون من النظام الطائفي، ما يشكل ضمانة لبعض شرائح المجتمع اللبناني، وينهي الهيمنة المارونية على قيادة البلاد. وأمام إصرار القيادة الفلسطينية والأحزاب اللبنانية المتحالفة معها على استمرار القتال، ورفض فك الحصار عن زحلة والقرى المسيحية في الشمال، وأمام كل ما يمكن أن ينجم من أضرار تصيب الشعب اللبناني وسوريا والعرب، أصبح ملحاً أن يحصل تدخل عسكري سوري لوقف هذه الحرب القذرة، فتحركت قواتنا إلى الحدود اللبنانية، واجتازت هذه الحدود في الأول من يونيو (حزيران) عام 1976، في يوم وصول ألكسي كوسيغين، رئيس وزراء الاتحاد السوفياتي، إلى دمشق.
وفي الأول من يونيو (حزيران) عام 1976، عقد مكتب التنسيق لحركة عدم الانحياز اجتماعاً له في مدينة الجزائر، بحضور عرفات الذي ألقى خطاباً مسرحياً، وهذا أبرز ما جاء في ذلك الخطاب: «هناك مؤامرة أميركية - فرنسية - إسرائيلية ضد الثورة الفلسطينية والقوى الوطنية في لبنان، ويُخشى أن تنفذ بأيدٍ عربية. ستقوم فرنسا باحتلال مناطق الانعزاليين المسيحيين، وتقوم قوى عربية باحتلال المناطق الوطنية لتحجيم الثورة وضربها وضرب ميليشيات الحركة الوطنية».
وبعد انتهاء كلمته، طلبت الكلام، وكان عبد العزيز بوتفليقة، وزير خارجية الجزائر، رئيساً للجلسة، فتجنب إعطائي الكلمة، إدراكاً منه لأني سأرد بقسوة على عرفات. وكعادته، فقد أدرك عرفات أن إتاحة الفرصة لي للرد عليه ستكشف أكاذيبه، فقام بحركة مسرحية في القاعة للسلام على الوفود. وعندما وصل إلي بقيت جالساً، فوقف أمامي قائلاً: «ما بك يا أبا جمال؟». أجبته بصوتٍ عالٍ كي يسمع الجميع: «كذبت يا ياسر، كعادتك، وأسأت إلى سوريا وإلى القضية الفلسطينية؛ إنك تمزق لبنان وتمزق الفلسطينيين، وتخدم إسرائيل. طريقك يا ياسر لن يكون باتجاه العرب، ولكن باتجاه إسرائيل». رد عرفات، قائلاً: «أنتم دخلتم لبنان وتضربوننا»، فأجبته: «سنضرب كل من يحاول التقسيم، وسنحاسب كل من يسفك الدماء؛ لبنان ليس فلسطين. ستدفع ثمناً غالياً لقاء تآمرك على لبنان وفلسطين وسوريا». ترك بوتفليقة مقعده، واتجه نحونا، وحاول تهدئتي، فرفضت مصافحة عرفات.
ونحو الساعة الواحدة ظهراً، حضر إلى جناحي وسطاء، بينهم وزير خارجية ليبيا علي تريكي، واقترحوا تناول الغداء مع عرفات. اشترطت أن يسحب الخطاب، وتعاد صياغته. وفعلاً، كتبنا الصياغة الجديدة، وأرسلناها إلى مقر اللجنة، وسُحِب الخطاب، ومن ثم تناولنا الغداء معاً، حيث تحدثت عن أخطاء «منظمة التحرير»، وما ألحقه قادتها من أضرار بالقضية الفلسطينية وبلبنان، وعن مناوراتهم والكذب الذي كان صفة رئيسية في حديثهم. وكان عرفات «منضبطاً» مؤدباً، فأدركت أن سبب هذا الأدب تقدم قواتنا في الأراضي اللبنانية. وقد ألح عليّ للاتصال بالرئيس لوقف تقدم القوات. وفعلاً، أرسلت برقية إلى دمشق بفحوى ما جرى (...)
دعا التحالف الفلسطيني مع بعض القوى اللبنانية إلى إضراب عام احتجاجاً على دخول القوات السورية إلى لبنان في الثاني من يونيو (حزيران) عام 1976، ومارست الميليشيات الفلسطينية وميليشيات الأحزاب الحليفة لها («الحزب الشيوعي» و«منظمة العمل الشيوعي» و«الحزب السوري القومي» و«المرابطون» وتنظيمات أخرى فرضها عرفات من «فتح») ضغوطاً على أصحاب المتاجر والمحلات للإغلاق تحت طائلة التصفية أو تدمير المتجر، فدفع الخوف الأهالي إلى الإغلاق، وليس إلى الإضراب.
ومن الطبيعي القول إن الإضراب شمل فقط مناطق سيطرة القوى الفلسطينية وحلفائها. أما المناطق الأخرى، فكانت في وضع مختلف، ذلك أن دخول القوات السورية الذي تم بناء على طلب الرئيس فرنجية رفع الحصار عن المناطق المسيحية المهددة، وأبعد عنها الخوف.
وفي الثالث من يونيو (حزيران)، عقدت الحركة الوطنية اللبنانية اجتماعاً برئاسة جنبلاط، وأصدرت بياناً تضمن «اعتبار النجاح الكاسح للإضراب العام الذي شمل كل المناطق اللبنانية دليلاً على موقف الجماهير الرافض للاحتلال العسكري السوري، ولكل تدخل خارجي، وبداية لحملة سياسية شعبية واسعة، داخلية وخارجية، تتصدى للاحتلال، ونفرض الإرادة الوطنية اللبنانية والفلسطينية في وجه قوى التدخل»، كما أعلن «تأييد المبادرة الصادرة عن قائد جيش لبنان العربي بمقاومة الاحتلال، وتأكيد التلاحم بين الحركة الوطنية وجيش لبنان العربي في هذا الموقف الوطني الشجاع»، و«إقرار مذكرة سيجري تقديمها إلى الرئيس المنتخب حول الاحتلال السوري».
وفي الوقت نفسه، وجه قائد جيش لبنان العربي، الملازم أحمد الخطيب، المنشق عن الجيش اللبناني، نداءً للتصدي للجيش السوري.
ورغم هذا الضجيج الإعلامي، فإن مسلحي الفصائل الفلسطينية المرتبطة بعرفات وحلفائهم من الأحزاب اللبنانية كانوا يفرون أمام تقدم قواتنا. وكعادته، أخذ عرفات يصرخ ويستغيث ويحرض، ودعا إلى اجتماع للجامعة العربية، وتحدد الاجتماع في التاسع من يونيو (حزيران).

وفي صباح 9 يونيو (حزيران)، توجهت إلى القاهرة، وكان في استقبالي في المطار مأمون الأتاسي، القائم بأعمال سفارتنا. وبعد أن توقفت الطائرة، صعد إلي وأبلغني أن الاجتماع عقد البارحة، أي في 8 يونيو (حزيران)، وتم تشكيل وفد (للذهاب إلى دمشق)، برئاسة وزير خارجية البحرين محمد بن مبارك بن حمد آل خليفة رئيس الدورة، ووزيري خارجية الجزائر (بوتفليقة) وليبيا (علي التريكي) والأمين العام للجامعة (محمود رياض). طلبتُ من الطيارين إعداد خطة إقلاع فوراً إلى دمشق للقاء الرئيس الأسد، وطلبتُ من الأتاسي الاتصال بدمشق، لإبلاغها عدم استقبال الوفد قبل وصولي.
قبل ذلك، أبلغني الأتاسي نص قرار الاجتماع الوزاري، وضم بنوداً عدة، بينها: «الطلب من جميع الأطراف وقف القتال فوراً»، و«تأليف قوات أمن عربية رمزية، تحت إشراف الأمين العام للجامعة، للحفاظ على الأمن والاستقرار في لبنان، وأن يتم تحريك هذه القوات فوراً لمباشرة عملها، وتحل محل القوات السورية، وتنتهي مهمة الأمن العربي بناء على طلب فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية المنتخب»، وإيفاد بعثة وزارية لدمشق، و«دعوة جميع الأطراف اللبنانية إلى إجراء المصالحة الوطنية الشاملة، بإشراف الرئيس المنتخب، حفاظاً على وحدة الشعب الشقيق، ووحدة ترابه الوطني، وعلى سيادته وأمنه واستقراره»، و«التأكيد على الالتزام العربي بدعم الثورة الفلسطينية، وحمايتها من جميع الأخطار، وتوفير جميع أسباب القوة الفاعلة لها».
وعلمت من الأتاسي أن مشروع القرار قدمه عرفات الذي شن هجوماً على سوريا، وكان خلال الاجتماع يبكي ويقول: «الآن، الطائرات السورية تقصف بيروت، الطائرات السورية تقصف المخيمات، القوات السورية تدمر القرى اللبنانية».
عدت فوراً إلى دمشق، وأبقى مدير مطار دمشق طائرة الوزراء العرب في الجو إلى ما بعد وصولي، فاتصلت بالأسد، وشرحت له ما تم قبل استقبال الوزراء، فرفض (الأسد) مناقشة أي موضوع قبل إعادة عقد مجلس الجامعة، وحضوري والاستماع إلى وجهة نظر سوريا.
اتفقنا على عقد اجتماع في اليوم التالي، أي في 10 يونيو (حزيران). وبالفعل، توجهت إلى مقر الجامعة العربية في القاهرة، ودخلت القاعة، وكان الجو متوتراً، وجماعة عرفات منتشرين والمسدسات تتدلى من أجنابهم. توجه نحوي الشيخ صباح الأحمد، وزير خارجية الكويت، وطلب مني الانتباه لأن الفلسطينيين متوترون، ويخشى أن يصيبني ما أصاب رئيس وزراء الأردن وصفي التل الذي اغتاله فلسطينيون في القاهرة، فأجبته: «أنا لست وصفي التل، وسوريا ليست الأردن؛ لا تقلقوا من هذه المسرحيات. نحن نعرف الإخوان جيداً، هم يريدون إخافتكم لكسب تأييدكم، وهم يعرفون أن مثل هذا اللعب لا يمشي معنا، ويعرفون حجم الثمن، لذلك لا تقلق».
تقدمت خطوات في القاعة، وفوجئت أن بعض الوزراء أداروا ظهورهم وتحاشوا اللقاء بي، وتحاشوا السلام. وعند دخولي، ارتفع صوت عرفات: «أين أبو جمال الحبيب؟ أين أبو جمال الحبيب؟». واتجه نحوي يقبلني على طريقته، فصفق المجتمعون. قبل ساعات، كان يصرخ ويبكي ويشتم القيادة السورية، والآن يتوجه إلى وزير خارجية سوريا بالعناق والقبل.
قلت في الجلسة: «يا ياسر، جئت من دمشق ومعي منديلان لأمسح بهما دموعي من المجازر التي وقعت ضدكم، والتي كنت تتحدث عنها مع الإخوان في الجلسات السابقة. مكانك يا ياسر ليس هنا، وإنما على مسرح الريحاني (في بيروت) لأنك ممثل»، فقاطعني: «أنا أمثل الشعب الفلسطيني». أجبته: «أنت ممثل على خشبة مسرح، وأنت عدو للشعب الفلسطيني. يا ياسر، أنصحك ألا تبصق في الصحن الذي تأكل منه لأنك ستعود وتلعق بصقتك، أساليبك ستدمر القضية الفلسطينية».
ثم التفتُّ إلى الوزراء (...) وطلبت إعادة النظر بالقرار قبل حضوري، بحيث تحذف أي إشارة إلى القوات السورية، ويجري التأكيد على أن عمل هذه القوات يأتي في إطار السيادة اللبنانية. وبعد المناقشة، استجاب المجلس إلى طلبي.
كانت قواتنا قد حققت تقدماً واسعاً، إذ وصلت إلى صوفر، وأصبحت على أبواب بحمدون. تحركت ليبيا، ووصل عبد السلام جلود من ليبيا، يرافقه عبد الكريم بن محمود الوزير الجزائري، واجتمعا إلى الأسد في 12 يونيو (حزيران)، وتم الاتفاق على عدد من النقاط، بينها: «مشاركة سوريا بقوة السلام العربية»، و«الانسحاب من صوفر إلى ضهر البيدر، وكذلك من بيروت والجنوب»، و«الانسحاب الشامل بعد البدء بالحل السياسي».
وفي الساعة الثانية عشرة ليلاً، اتصل بي الأسد، وأطلعني على نقاط الاتفاق، فاعترضت عليها وقلت: «الانسحاب من صوفر إلى ضهر البيدر سيعطي الطرف الفلسطيني مزايا عسكرية يستخدمها في مرحلة تالية لمهاجمة جبل لبنان، واستنزاف قواتنا في البقاع. يجب الانسحاب من بيروت وصيدا، حيث كانت لنا قوات فيها منذ عام 1975، عندما دخلت لحماية بيروت الغربية والضاحية بعد سقوط النبعة والكرنتينا والمسلخ بيد قوات الكتائب. ويجب تدعيم قواتنا في الشمال والبقاع وفي صوفر لأنها نقطة ضغط على جنبلاط».
طلب الأسد الاجتماع مع قائد القوى الجوية ناجي جميل، ورئيس الأركان حكمت الشهابي، لمناقشة الموضوع. وفي 13 يونيو (حزيران)، اجتمعنا في مكتب الشهابي، واتفقنا على رفع رأينا للرئيس الأسد، الذي جاء فيه: «إن سوريا تؤيد العمل على إنجاح مبادرة الجامعة العربية، وتنفيذ القرارات المتخذة، وأن يتم تشكيل القوات العربية المشار إليها بقرارات مجلس الجامعة، وأن تقوم القوات السورية بالانسحاب من بيروت وصيدا، وفور تشكيل القوات العربية تساهم سوريا بهذه القوات بالحجم الذي يتم تحديده من قبل قيادة قوة السلام العربية. تنسحب القوات السورية من لبنان بموجب خطة تضعها الجامعة العربية، بالاتفاق مع السلطات الشرعية في لبنان».
أبلغت الرئيس هذه النقاط بالهاتف، فطلَبَنا للاجتماع، ثم تم الاتفاق على إبلاغ جلود وبن محمود بأننا «نوافق على الاشتراك في قوة السلام العربية، ومستعدون لسحب قواتنا مباشرة من بيروت وصيدا، ومستعدون لسحب قواتنا مباشرة وفوراً من صوفر، وأن انسحاب القوات السورية نهائياً من لبنان مرهون بالحل السياسي».
وبعد ظهر 13 يونيو (حزيران)، توجهت إلى مقر إقامة جلود وبن محمود، حيث كانا مجتمعين مع محمد غنيم من «فتح»، وأحمد جبريل (زعيم الجبهة الشعبية - القيادة العامة حالياً)، وكان جلود منفعلاً يقول: «أنتم لا تريدون حل الأمور، يجب أن تنسجموا، أنتم مخربون، أنتم لا تريدون الحل، وأنا لن أذهب إلى بيروت»، فقلت لجلود: «فعلاً، الإخوان لا يريدون الحل، وبياناتهم تدل على ذلك. عرفات يقول لبعض الوزراء العرب مساعدتكم لسوريا تعني ذبح الفلسطينيين؛ أمر مؤلم أن يقع مثل هذا الانحراف القاتل للقضية الفلسطينية». فحاول جبريل وغنيم الدفاع، فرفضت النقاش معهما.
وفي هذه الأثناء، حضر الرفيق محمد حيدر، وأقنع جلود بالتوجه معاً إلى لبنان للقاء القيادات الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية، وعرض النقاط التي اتفقنا عليها مع جلود. وبعد قليل، اتصل عرفات من القاهرة بجلود الذي أبلغه نقاط الاتفاق، فوافق عليها عرفات، وقال إنه سيرسل برقية بالموافقة عليها.
واضح من مجمل المناقشات مع الجانب الفلسطيني أن قيادته لا ترغب في الوصول إلى حل نهائي للمشكلة في لبنان، لا سيما إذا كان هذا الحل سيؤدي إلى استعادة الدولة اللبنانية سلطاتها، لأن من شأن ذلك أن يؤدي إلى اضطرار «منظمة التحرير» وفصائلها للالتزام باتفاقية القاهرة، واحترام سيادة الدولة اللبنانية (...)
ومن أخطر الأخطار التي ارتكبتها قيادات الفصائل الفلسطينية انشغالها في الأمور الداخلية لبعض الأقطار العربية (...) والتورط بالخلافات العربية (...) ومن ذلك استخدام الخلاف بين سوريا والعراق، واستخدام تكوين القيادة العراقية وتوريطها بحشد قوات على الحدود السورية. وقد تعرضتُ لهذا الموضوع خلال بحث علاقاتنا مع العراق.
في تلك الأيام، فعلاً توجهت بعض القوات العراقية إلى الحدود السورية للضغط على سوريا. لكن هذه اللعبة كانت فاشلة بائسة، بالإضافة إلى أنها تعكس تخلف القيادة العراقية وسطحية قراراتها. كما كانت تعكس غباء القيادة الفلسطينية، وانخراطها وتورطها في زج «منظمة التحرير» في مواقع وظروف ألحقت أضراراً كبيرة بالقضية الفلسطينية.
في هذه المناسبة، اتصل بي زيد الرفاعي رئيس وزراء الأردن، في 13 يونيو (حزيران)، وأبلغني أن حشد القوات العراقية على الحدود السورية هو عبارة عن عرض عضلات وتحرك تلفزيوني لتخفيف الضغط في لبنان، ومحاولة تشجيع حركة داخلية في سوريا، وأنه ليست هناك نية لاجتياز الحدود، وأن معلوماته من مصادر أجنبية. شكرت الرفاعي على اتصاله، وأكدت له: «لا قلق لدينا، وإننا نريد تجنب المواجهة بين الجيشين السوري والعراقي، تجنباً لأضرار كبيرة ستصيب البلدين والأمة، لكن إذا تورط الإخوان فإن الرد سيكون قاسياً».
بعد صدور قرار مجلس الجامعة في 10 يونيو (حزيران)، تحرك الأمين العام للجامعة محمود رياض، وزار بيروت، وعاد إلى دمشق في 15 يونيو (حزيران)، واستقبلته في الساعة الثامنة مساءً، وتحدث رياض عن زيارته لسليمان فرنجية رئيس الجمهورية اللبنانية.
وقال إن حصيلة الاجتماع كانت الاتفاق على أن يعطي التصريح التالي: «نتيجة الاجتماع حول قرار الجامعة العربية في 10 يونيو (حزيران)، وبعد الإيضاحات (...) وافق فخامته على هذا القرار، باعتباره مبادرة عربية جماعية. كما أبدى تمسكه بالمبادرة السورية، لما في المبادرتين من أمل في وقف الاقتتال وإحلال السلام».
سألته: «ما أهم النقاط التي دار حولها البحث معهم؟»، فأجابني: «يريدون أن تكمل سوريا مهمتها، ويرون -بل يتصورون- أن أهم أمر هو سحب السلاح من أيدي الفلسطينيين، وبالتالي يمكن سحبه من أيدي جميع المقاتلين، وتسليمه إلى القوة العربية، حتى أن (كميل) شمعون تساءل: لمَ لا تبقى سوريا لِوَحدها ممثلة للجامعة العربية في تنفيذ قرارها؟ وقد أجبته بأن سوريا وافقت على القرار كما صدر، ونحن لا نريد أن نحملها وحدها هذا العبء. وانطباعهم أن الفلسطينيين يرون في القرار انسحاب سوريا نهائياً من مبادرتهم، وهم لا يريدون ذلك أبداً».
تابع رياض: «سألتهم بصراحة: هل هم موافقون على قرار الجامعة أو على المبادرة العربية؟ فكان جوابهم عدم الاعتراض على القرار من حيث المبدأ، لكن لديهم بعض الملاحظات: عن قوة الأمن مثلاً، وافقوا على أن تكون قوة ردع... وأبدوا تحفظاً بالنسبة لاشتراك قوات عربية من بعض الدول العربية، وهي ليبيا والجزائر والعراق واليمن الجنوبي وفلسطين. وقد أجبتهم بأني مفوض من ليبيا بالتصرف، أما الجزائر فلا بد من الاتصال بمسؤوليها». وأضاف أن اللبنانيين «يرون استمرار سوريا في مبادرتها، وفي عدم انسحاب قواتها حتى تنفيذ المقاومة الفلسطينية اتفاق القاهرة تنفيذاً تاماً. فرنجية قال إن ثقته كاملة بالرئيس الأسد وسوريا، وإن أي شيء يراه الأسد سيوافق عليه. وقد أجبته بأننا لا نستطيع أن نفعل شيئاً إلا عن طريق سوريا، وأنني سأتشاور مع الأسد. وسألته: إذا افترضنا أن سوريا ستسحب قواتها لتضع مكانها قوات عربية في بعض المناطق، كأن تنسحب من صيدا مثلاً وتضع محلها قوات ليبية، فما هو موقفكم؟ أجابني بأنه يترك هذا الأمر للرئيس الأسد يقرره».
قلت: «لا نرى ضرورة لوضع قوات أمن في صيدا لأن المهمة الأساسية لقوات الأمن هي تثبيت الأمن بين المسلمين والمسيحيين، وكذلك بين مختلف الفئات، ولا بد من وجود سلطة لإقرار الأمن ومنع الجرائم التي ينتظر أن تقع بعد وقف إطلاق النار نتيجة لاضطراب الأمن، إذ إن من أبرز مهام هذه القوات تحقيق الاستقرار والأمن». كما سألت: «بشأن حجم القوات، ماذا بحثتم؟ علماً بأنه ليس شرطاً أن يكون حجم القوات متساوياً من الدول المشتركة بها»، فرد رياض: «في نظري أن العمود الفقري هو القوات السورية، أما باقي القوات فيمكن أن تعطى مهام محدودة».
قال الأمين العام: «الموضوع المهم الآن هو التنظيم، لأنني اعتبر أن الأطراف جميعاً وافقت على المبدأ. فعرفات وافق في المجلس، وكان يمثل جميع فئات منظمة التحرير، والجانب المسيحي وافق الآن، وحتى الرئيس المنتخب سركيس والرئيس فرنجية أكدا أنهما متفقان تماماً».
واقترح الأمين العام «التفكير بفتح طريق دمشق - بيروت كي تمر به القوات العربية (...)»، فأجبت: «سأبحث جميع هذه الأمور مساء اليوم مع الرئيس، ويمكننا أن نعقد غداً اجتماعاً يضم الإخوة العسكريين بهدف وضع تصورات كاملة لميكانيكية العمل».
واستقبلت في الساعة الحادية عشرة مساء العقيد أنطوان دحداح، مدير الأمن العام اللبناني، وطرحت عليه موضوع الانسحاب من بيروت، حيث كانت تتمركز كتيبة من الوحدات الخاصة في منطقة المطار، بالإضافة إلى إجراء الاتصال الجغرافي بين قواتنا والمناطق المسيحية، فأجاب بأن الانسحاب من بيروت كارثة، وأن وضعهم الدفاعي جيد، لكن لا يستطيعون القيام بهجوم؛ الجيش «فارط»، ولكن الأحزاب هي التي تقاتل، وأنهم اشتروا ذخائر وأسلحة جديدة وهاون 160، ويرفضون التدخل العربي، ويريدون استمرار مبادرة سوريا وعملها.
ومن الجدير بالذكر أن الحكومات الأوروبية، لا سيما فرنسا، لم تكن متفهمة لسياستنا في لبنان، رغم أن دخولنا الأراضي اللبنانية قد أوقف مجازر دامية، وشكل وقفاً للضغط على الجانب الماروني الذي تربطه بفرنسا علاقات قوية. وخلال زيارة الأسد إلى باريس في 17 يونيو (حزيران)، كان لبنان الموضوع الرئيسي في المحادثات مع الرئيس (فاليري) جيسكار ديستان.

خدام: الأسد اقترح إعطاء المعارضة العراقية وعوداً وهمية... وخاتمي حذر من دولة كردية (الحلقة الأولى)
خدام: الأسد غيّر رأيه ومدد للحود فاصطدمت سوريا بالإرادة الدولية (الحلقة الثانية)

خدام: استقبلنا رفيق الحريري بناء على اقتراح جنبلاط... وحافظ الأسد «امتحنه» (الحلقة الثالثة)
خدام: هاجمت قواتنا ثكنة «حزب الله»... وهذا ما دار مع السفير الإيراني (الحلقة الرابعة)

خدام: بوش أبلغنا برسالة خطية أن عون «عقبة»... والأسد اعتبرها «ضوءاً أخضر» لإنهاء تمرده (الحلقة الخامسة)
خدام: صدام بعث برسائل سرية إلى خامنئي ورفسنجاني... واقترح قمة بحضور «المرشد» (الحلقة السادسة)
رفسنجاني في رسالة لصدام: تتحدث عن القومية العربية وتنتقد رفضنا لاحتلال الكويت (الحلقة السابعة)
خدام: السعودية لعبت دوراً بارزاً لدى أميركا في حل «أزمة الصواريخ» مع إسرائيل (الحلقة التاسعة)
خدام: كنت أول وآخر مسؤول سوري يلتقى الخميني... وهذا محضر الاجتماع (الحلقة 10)

خدام: حافظ الأسد كان سريع التأثر بأفراد عائلته... وعلاقتنا وصلت أحياناً إلى القطيعة (الحلقة الـ 11 والأخيرة)



كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.


ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.