رفسنجاني في رسالة لصدام: تتحدث عن القومية العربية وتنتقد رفضنا لاحتلال الكويت (الحلقة السابعة)

خدام يروي في مذكرات تنشرها «الشرق الأوسط» أن الرئيس العراقي قدم لنظيره الإيراني قبل غزو جارته العربية «مسودة اتفاق سلام شامل»

صدام حسين في احتفال بذكرى الحرب مع إيران (أ.ف.ب)
صدام حسين في احتفال بذكرى الحرب مع إيران (أ.ف.ب)
TT

رفسنجاني في رسالة لصدام: تتحدث عن القومية العربية وتنتقد رفضنا لاحتلال الكويت (الحلقة السابعة)

صدام حسين في احتفال بذكرى الحرب مع إيران (أ.ف.ب)
صدام حسين في احتفال بذكرى الحرب مع إيران (أ.ف.ب)

تواصل «الشرق الأوسط» اليوم، في الحلقة السابعة من مذكرات نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام، نشر الرسائل المتبادلة بين الرئيس العراقي صدام حسين والرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني، قبل الغزو العراقي للكويت في 4 أغسطس (آب) في عام 1990 وبعده بأسبوعين.
في موازاة الرسائل، كانت تجري محادثات بين السفيرين، العراقي برزاني التكريتي والإيراني سيروس ناصري، في جنيف.
والواضح من جميع أقنية التواصل، إصرار صدام على التهدئة مع إيران بأي ثمن، قبل الغزو وبعده. إذ إنه عرض عشية الحرب مبادرة خطية لتحقيق «السلام الشامل»، وشكا من عدم موافقة رفسنجاني على استقبال مبعوث رئاسي عراقي. وبعد اجتياح الكويت، كتب لرفسنجاني في 14 أغسطس (آب) 1990: «كبادرة حُسن نية، فإن انسحابنا من الحدود مع إيران سيبدأ اعتباراً من يوم الجمعة 17 أغسطس 1990. وسنسحب قواتنا التي تواجهكم على طول الحدود، بما يبقى على ما هو رمزي منها، مع حرس الحدود والشرطة فحسب، لتنفيذ الواجبات اليومية لظروف طبيعية». وزاد: «سيتم تبادل فوري وشامل لكل أسرى الحرب بكل أعدادهم المحتجزين في كل من العراق وإيران، وأن يتم ذلك عبر الحدود البرية وعن طريق خانقين وقصر شيرين».
في المقابل، حرص الجانب الإيراني على الضغط لتعجيل تنفيذ بنود السلام، وحافظ على رفضه وانتقاده للغزو العراقي للكويت، بل إن رفسنجاني انتقد حديث صدام عن «القومية العربية وانتقاده موقفنا الرافض لاحتلال الكويت». وفي 17 أغسطس، رد رفسنجاني على صدام، قائلا: «يُعتبر انسحاب قواتكم من الأراضي الإيرانية المحتلة دليلاً على صدقكم وجديتكم في طريق السلام مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ونأمل مواصلة انسحاب قواتكم حسب الجدول الزمني المعلَن، واستمرار عملية إطلاق سراح أسرى الطرفين بصورة أسرع حتى تتكامل».
وبعدما نشرت «الشرق الأوسط» أول رسائل صدام منذ 21 أبريل (نيسان)، هنا أربع رسائل متبادلة بين 30 يوليو (تموز) و14 أغسطس (آب) 1990:
في 30 يوليو، وقبل اجتياح الكويت بثلاثة أيام، بعث صدام رسالة إلى رفسنجاني فقط. وبدا واضحاً من تدقيق هذه الرسالة تصميم بغداد على الوصول إلى اتفاق مع طهران بأي ثمن، لأن قرار صدام بالحرب ضد الكويت بات في طريق التنفيذ. وهنا النص:
بعد تمعن دقيق فيما ينبغي التمعن به، وبعد استعراض دقيق لتطور العلاقات والحال بين العراق وإيران، وما يحيط بالمنطقة وما يكتنفها من أخطار، وبغية مواصلة دورنا في تقديم المبادرات التي تُوفر فرصاً أوسع لإنجاز السلام، وجدنا أنفسنا، وطبقاً لمسؤوليتنا الوطنية والمسؤولية الإنسانية التي ترتبها على كاهلنا مبادئنا العظيمة أمام مسؤولية تقديم مبادرة جديدة، ولأن مبادرتنا هذه المرة تتناول بالمعالجة كلّ القضايا الجوهرية التي تضمنتها بنود القرار 598 مرة واحدة، وفي إطار واحد، وبصورة تفصيلية، نأمل أن يجري التعامل معها على هذا المستوى، وأن يكون التفاعل معها بمستوى من الجدية (...) وعلى أساس كل هذا أبادر بما يلي:
1 - أعاود طرح فكرة إجراء لقاء سريع بين رئيسي دولتي البلدين في مكان يتم الاتفاق عليه (...)
2 - أن يتناول البحث والاتفاق كل الموضوعات المعلقة، وإن طرح أي موضوع جديد بعد التوصل إلى الاتفاق الشامل من جانب أي طرف دون موافقة الطرف الآخر، أمر مرفوض، ويعتبر بمثابة تنصل من الاتفاق (...)
3 - لا يهم من أين يبدأ الحوار والاتفاق على الموضوعات، لكن الاتفاق على أي مفرد، أو عدد من مفردات موضوعات البحث، يبقى معلقاً على الاتفاق على البنود الأخرى (...)
4 - أن يتم الانسحاب خلال مدة لا تزيد على شهرين من تاريخ المصادقة النهائية على الاتفاق الشامل الذي نتوصل إليه (...)
5 - إننا ما زلنا نعد موضوع الأسرى محكوماً باتفاقيات جنيف، ولذلك نفترض أن إطلاق سراحهم كان يجب أن يتم على أساس بنود هذه الاتفاقية (...)
6 - أن يجري الحوار فيما يتعلق بشط العرب على أساس العناوين الثلاثة الآتية:
أ - السيادة الكاملة عليه للعراق، كما هو حقه التاريخي المشروع.
ب - (...) تطبيق مفهوم خط التالوك (خط القعر) في حقوق الملاحة بين العراق وإيران، بما في ذلك حق الملاحة والصيد والمشاركة في إدارة الملاحة فيه وتقاسم الأرباح منها.
ج - إحالة موضوع شط العرب للتحكيم (...) والالتزام المسبق بالقبول بما يُسفر عنه (.....)
7 - (...) إسقاط الفقرة السادسة من القرار 598 (الخاصة بتحديد مسؤولية بدء الحرب) عن البحث، وإهمالها نهائيّاً، لأنها لا تنطوي على فائدة السلام، بل وتعرقله، وقد تدفع نتائجها إلى البغضاء والحقد والثأر في المستقبل (...) وإبلاغ الأمين العام للأمم المتحدة رسميّاً وخطيّاً بالاتفاق الذي نتوصل إليه.
8 - ألا يُباشَر بأي خطوة من الخطوات المشار إليها (...) قبل استكمال كل الإجراءات التشريعية للمصادقة عليها (...) وعلى أن يتم إيداع الوثائق لدى الأمين العام للأمم المتحدة (...)
9 - أن تكون اتفاقية السلام (...) متضمنة لكل ما يُتفق عليه (...)
10 - أن تتضمن الاتفاقيات مبادئ واضحة حول إقامة علاقات حُسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية (...) والإقرار الذي لا لبس فيه بحقوق الملاحة بكل أشكالها في المياه الدولية (...)
11 - قد يكون مناسباً أن تضمن حسن تطبيق الاتفاقية جهة دولية يتفق عليها مجلس الأمن.
12 - (...) نرى أن تُقسم المساعدات الدولية (...) مناصفة بين العراق وإيران.
13 - (...) نرى أن نُعيد فتح سفارتينا في طهران وبغداد، خاصة أنهما بقيتا في ظروف الحرب ولم تغلقا إلا في سبتمبر (أيلول) 1987.
هذا أيها السيد الرئيس ما بدا لنا أنه يحقق السلام الدائم والشامل بين العراق وإيران، وهو مقترح متكامل، عناصره مترابطة وغير قابلة للتجزئة، وهو ما عاونتنا تجربتنا على تلمسه، بما في ذلك ما أوحت به أو ما تضمنته المحادثات بين ممثلينا في جنيف، سيروس ناصري وبرزان التكريتي.
والله أكبر
صَدَّام حسين

وبعد اجتياح القوات العراقية للكويت، أبدت إيران موقفاً واضحاً بإدانة عملية الاجتياح، ما حدا بصدام لإرسال الرسالة التالية إلى رفسنجاني:
اطَّلعت صباح يوم الجمعة 3 أغسطس 1990، على خلاصة لنشاطكم السياسي، وجانب مما صدر عن حكومة إيران (بيان وزارة الخارجية الإيرانية واجتماعكم مع القادة العسكريين وما صدر عنه من خبر).
ووجدت من المصلحة، وتأكيداً لأحكام المسؤولية الإنسانية تجاه شعب إيران، إلى جانب المسؤولية الوطنية تجاه شعبنا، أن أكتب إليكم مرة أخرى.
في 16 يوليو (تموز) 1990، اقترحنا عليكم استقبال مبعوث عنا لأمر يتعلق بدفع عملية السلام إلى أمام وبأسرع وقت، وعندما تأجّل جوابكم على تحديد موعد لاستقبال المبعوث، بادرنا لإيصال الرسالة الخطية التي كلفنا المبعوث بحملها إليكم، لكي تتهيأوا لقراءتها وتستحضروا ما يقتضي من تفكير ومذاكرة مع إخوانكم في القيادة حول مفاهيمها وما تضمنته من آراء ومقترحات، وبذلك نكون على بينة من موقفكم منها عندما تسمح ظروفكم باستقبال المبعوثَيْن اللذَين لم تحددوا لهما حتى الآن يوماً لاستقبالهما كبديل عن اليوم الذي اقترحناه عليكم، الاثنين من يوم 30 يوليو (تموز) 1990.
وقبل رسالتنا هذه، أرسلنا لكم في 2 أغسطس (آب) 1990 توضيحاً بمبادرة منا، عن طريق ممثلكم في جنيف ناصري، وقد قُمنا بكل هذا، ليس فقط تعبيراً عن تأكيد الرغبة في السلام، وإنما تأكيد الرغبة في إنجاز السلام بأسرع وقت، لنبقي بلدينا وشعبَيْنا بعيداً عن دوامة تطورات الظروف في المنطقة والعالم، وبعيداً عن احتمالاتها الخطرة.
السيد الرئيس، لقد قمت بكل هذا ليقيني أن المحاربين يستطيعون أن يفهموا بعضهم ونوايا كل واحد منهم بدرجة أسرع، حتى لو كانت صفة المحارب قد اكتُسبت من خلال صراع مسلح فيما بينهم. والآن، من خلال قضية الكويت، ذرت قرنها في الأفق بوادر أزمة قد تدفع إلى مجرى الصراع مَن لم يتروَّ ويتأنَّ بما فيه الكفاية (...)
وفيما نعرفه عن المعلَن من أهدافكم، أنكم تريدون السلام، وقد قدمنا من جانبنا ما يؤكد رغبتنا نحن أيضاً في السلام، ونعرف أيضاً أنكم تَسعَون إلى تحقيق الانسحاب، وهذا ما أكدَته رسالتنا في 30 يوليو (تموز) 1990 وقدمت فيه سقفاً زمنيّاً للانسحاب، لا يجوز أن يزيد عنه.
وتضمنت رسالتنا تلك، معالجات محددة ومقترحات عملية، وليس كلاماً عامّاً، عن كل بند تضمنه القرار 598 الذي أكد العراق وأكدت إيران الالتزام به، ونحن ما زلنا بانتظار موافقتكم على تحديد يوم تستقبلون فيه مبعوثَيْنا اللذَيْن سميناهما لكم، وهما وزير الخارجية وممثلنا الدائم في جنيف، والذي بعد إجراء المحادثات معكم ومع من تنسبونهم سنكون أمام مرحلة حاسمة للسلام، كما نأمل بإذن الله، فإذا كان هذا هو الذي تريدونه وهو المعلَن والذي نعرفه، وإن جوابنا عليه هو كل ما ذكرت، فإن الانزلاق في مجرى الإفرازات الظرفية التي تخص العلاقات العربية وتدور في خلفياتها وحيثيات حاضرها، يُبعد مسعاكم عن الهدف ويشوش الصورة عنه، وإذا ما تشوشت الصورة عن الهدف يصعب عند ذلك علينا وضع الترتيبات التي نأمل من خلالها، وبالإسراع في إنجازها، أن يتحقق السلام.
وقد يدفع باتجاه يبعد الأمور عن حساباتها الصحيحة من لم تكن له خبرة، ولكنني في كل الأحوال لا أتوقع ولا أتمنى أن يتزحزح المجربون لحرب دامت ثماني سنوات من أمثالكم وإخوانكم في قيادة إيران، إلى أمر ليس من مصلحة إيران وليس من بين أهدافها المشروعة.
إنكم لا شك - أو هذا ما أظنه على الأقل - تعرفون دوافع التصريحات التي تُطلق من صباح يوم الخميس 2 أغسطس (آب) 1990، سواءً من داخل المنطقة أو من خارجها. وقد كان لكم تقييمكم لأطرافها، وكان لنا تقييمنا لأطرافها، وكلنا يعرف دوافعهم، ولكنكم تعرفون بأنهم جميعاً قادرون على إصلاح مواقفهم بوسائلهم الخاصة وبإمكاناتهم المعروفة، عندما يكتشفون أن تصريحاتهم سوف لن تقدم ولن تؤخر أمام إرادة شعب العراق العظيم، الذي صمم على إحقاق الحق ومعالجة الغبن والغدر والتآمر.
إن مَن يُصدِّر السلاح إلينا ويُصرِّح بوقف تصديره سيُصلح الأمر عندما يعيد تصديره إلينا، وإن من يوقف أو يقطع العلاقات الاقتصادية سيُعالِج الأمر عندما يعيدها معنا. أما العراق وإيران، إذا ما انزاح موقف أي منهما عن موضعه الصحيح، فإنه سيفوِّت فرصة تاريخية على شعبه في الفوز بالسلام إلى جانب تثبيت حقوقه المشروعة، وإن الخسارة ستكون كبيرة إذا ما اهتز مسار ما أنجزناه من شوط في حوارنا على هذا الطريق الذي كوّن بداية ثقة بخطوات بعضنا... وهذا ما لا نتمناه لكم مثلما لا نتمناه لأنفسنا. وعلى أي حال، فإذا كان الذي نعرفه، وهو المعلَن من أهدافكم في المفاوضات، هو كل أهدافكم، فيما نؤكد لكم أن المعلَن منا هو كل أهدافنا بالتأكيد، فعلينا أن نسرع بعقد اللقاء، وعليكم أن تُسرعوا بتحديد يوم لاستقبال المبعوثَيْن، وعن هذا الطريق فقد تتحقق الأهداف المشروعة ويتحقق السلام الذي هو غاية نبيلة لشعبَي البلدين،
والله أكبر.
صَدَّام حسين
بغداد في 3 أغسطس (آب) 1990
وقد رد رفسنجاني بالرسالة التالية. وبعد التحيات، هنا نصها:
لقد تم تسلم رسالتكم، مع أن أصل الرسالة كما يبدو، نظمت على أساس التقدم في المحادثات، لكن جزءاً من مضامينها يستوجب الأسف.
وقبل كل شيء، أرى من الواجب أن أؤكد مرة أخرى على إرادة ورغبة الجمهورية الإيرانية بالنسبة إلى تحقيق السلام العادل والصامد، وآمل أن تكونوا أنتم أيضاً قد وصلتم إلى هذه النتيجة. وبعد قبول القرار 598 فإننا وبوضوح كامل لمسؤولينا حيال السلام والتبعات الناتجة عنه، بدأنا تحركاً صادقاً، ووضعنا أمامنا أن أي شيء لا يُمكن أن يحدَّ من مسيرة السلام، عدا ما يتعلق بحقوق شعبنا المشروعة والتي لا تقبل التغيير، وإن تعاملنا طوال المحادثات التي كانت تحت رعاية الأمين العام للأمم المتحدة، وكذلك رسائلنا الجوابية لرسائلكم، والمحادثات التي جرت بين ممثلنا وممثلكم في جنيف، يجب أن تكون قد أوضحت هذه القضية. وكان التسريع في قضية الوصول إلى السلام وإجراء الخطوات العملية لتنفيذ القرار 598 بدلاً من كتابة الرسائل والمحادثات المطولة، من تأكيداتنا في بداية محادثات ممثلينا في جنيف (...)
نعتقد بأن ذكر النقاط التالية حول مضامين الرسائل المؤرخة 3 أغسطس (آب) 1990، و30 يوليو (تموز) 1990، و1 يوليو (تموز) 1990 ضروري للتوضيح:
1 - إن إجراء اللقاءات والمحادثات في مستوى أعلى من المستوى الحالي في جنيف ستحصل عندما نجد نتائج ملموسة في المحادثات الجارية في جنيف لتكون أساساً للمراحل التالية (...) ولقاء رئيسي الجمهوريتين سيكون مفيداً فقط في حالة أن تكون القضايا الأساسية واضحة ومحلولة، وعلى عكس ذلك، فإن فشل محادثات الرئيسين ستكون له آثار مضرة على السلام وسيبعد السلم عن البلدين.
2 - في رسالتكم حول نهر أروند، تم طرح اقتراح وكأنه تراجع عن ادعاءات بياناتكم السابقة. وكما هو واضح لكم، فإنه لا يمكن أن يحظى بقبولنا. واقتراحنا المجدد هو اعتماد معاهدة 1975 لإجراء المفاوضات حول السلام، لأنه دون الالتزام بالمعاهدات السابقة (...) لا يمكن الاعتماد على ما يقال حالياً بهذا الخصوص.
3 - بالنسبة للانسحاب من الأراضي الإيرانية المحتلة، فقد أخذتم بالاعتبار مدة شهرين لتنفيذ ذلك، والذي لا يمكن تفسيره، لأن هذا العمل، إذا رافقه حُسن النية، يمكن إنجازه في يوم أو يومين، وفي حين أن الأمين العام للأمم المتحدة قد طرح أسبوعين للانسحاب، وثلاثة أشهر مقابل إطلاق سراح الأسرى.
4 - والعجيب أنكم، مع تمسككم بالقومية العربية، قد انتقدتم موقفنا الحق حيال احتلال الأراضي الكويتية من قِبل الجيش العراقي، في حين تم التغافل والتغاضي عن أهم القضايا البديهية، ومنها تهيئة الأرضية اللازمة لحضور القوات الأجنبية في المنطقة، وسلب الهدوء والاستقرار للمسلمين، وإيجاد المشاكل لهم، وكذلك التضامن الإسلامي، والجوار والتفريط في أمن المنطقة، وتدبير ظروف الجبهات والضمانات الدولية. وكيف يمكن تفسير رسالة تبدأ «باسم الله تعالى» وتنتهي بشعار «الله أكبر»، وعلى عكس تعاليم الإسلام والقرآن الصريحة والقومية، يُقدم فيها المبدأ القومي والعِرقي على المبدأ الإسلامي والعقائدي (...)
5 - لا شك بأنه أثناء إجراء محادثات السلام بين وفدَيْنا، فإن هجوم بلد على بلد جار بصورة غير قابلة للتصور، ودون أقل قدر من العلم والاطلاع والتنسيق، والذي تكون له آثار وتبعات طارئة بالنسبة لنا، يمكن أن يُضعف ثقتنا ويخلق شكّاً جديّاً في أهداف المحادثات التي جرت خلال الأشهر القليلة الماضية، خاصة أنه خلال هذه الفترة لم نشهد إجراءات يمكن أن تعكس حُسن النية، وكان الإصرار كالسابق على مواصلة احتلال أراضينا، وحتى أننا شهدنا الاعتراض على أصغر قضية، مثل إطفاء حرائق الآبار النفطية التي ليس لها مردود لكم سوى إتلاف وهدر منابع الثروة في البلد الإسلامي.
6 - إن لهجة رسالتكم الأخيرة لم تكن متناسبة مع الحالة الضرورية لمسيرة المحادثات، وقد استعملت لهجة سبق وأن تم اختبار عدم جدواها سابقاً من قِبل شعبنا المسلم الثوري، كما تم استخدام تحليل حول المواقف الجديدة لأصدقائكم وحُماتكم السابقين لإقناعنا، وهذا ليس مناسباً أيضاً، ذلك لأنكم تعلمون بأننا قد اختبرنا عمليّاً كل هذه المراحل وانتهينا منها، وأثبتنا بأن حساباتنا تعتمد على إيمان ومقاومة ودعم الجماهير، أكثر من أي شيء آخر، ولا نعتبر زعل أو لطف الآخرين ذا قيمة مهمة، بحيث نجعل برامج حياتنا ومواقفنا وقراراتنا المهمة تعتمد على أساس ذلك، كما أننا لسنا في صدد الاستفادة من الظروف الحالية، ولا نريد سوى حقوقنا المشروعة والقانونية، الشيء الذي أكدنا عليه في جميع مراحل محادثاتنا.
7 - النقطة التي أكدتم عليها في رسالتكم حول الإسراع في الحركة باتجاه السلام نقبلها تماماً، ولكن هذا لا يعني أن تكون السرعة والتقدم في طرح الاقتراحات الشكلية ورفع مستوى المحادثات دون أن يحصل تقدم في محتواها، بل يجب التقيد بالاتفاقيات الثنائية المعترف بها دوليّاً، ولا نطالب بأكثر من حقوقنا المشروعة، لأنه لا يمكن التصور بأن يحصل في المحادثات ما لم يتحقق خلال حرب دامت ثماني سنوات.
إذا كنا نقبل بهذا المبدأ، فلا حاجة لنا لاتباع طريق لتعيين الحدود في الأراضي والأنهار غير معاهدة عام 1975. وإذا كنا لا نرتضي بذلك، فمن الأفضل أن نحوّل أعمال تنفيذ القرار إلى منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، مع الحفاظ على نقطة ارتباط جنيف من أجل تبادل وجهات النظر في القضايا المشتركة.
والسلام عليكم
أكبر هاشمي رفسنجاني
وفي 14 أغسطس (آب) أرسل صدام إلى رفسنجاني هذه الرسالة:
بعد التوكل على الله العلي القدير، وبقصد إزاحة ما يعرقل فتح الطريق لعلاقات أخوة مع كل المسلمين، ومن يختار منهم الأخوة من مسلمي الجارة إيران، ومن أجل فتح المجال لتفاعل جدي مع كل المؤمنين لمواجهة الأشرار الذين يريدون بالمسلمين وأمة العرب شرّاً، ومن أجل إبعاد العراق وإيران عن ابتزاز وألاعيب القوى الدولية الشريرة وأذنابهم في المنطقة، وانسجاماً مع روح مبادرتنـا التـي أعلنا عنها في 12 أغسطس 1990، والتي توخينا منها تحقيق السلام الشامل والدائم في المنطقة، ولكي لا نبقي لذي حجة ما يمنعه من التفاعل وإبقاء الهواجس والتحسب، ولكي لا تبقى أي من طاقات العراق معطلة خارج ميدان المنازلة العظيمة، وحشدها باتجاه الأهداف التي أجمع المسلمون والعرب الشرفاء على أنها حق، ولإبعاد التداخل عن الخنادق، وإبعاد الظنون والهواجس ليجد الخيّرون طريقهم إلى علاقات طبيعية بين العراق وإيران، وكَثَمرة لحوارنا الذي امتد بصورته المباشرة منذ رسالتنا إليكم في 21 أبريل (نيسان) 1990، وحتى آخر رسالة منكم إلينا في 8 أغسطس (آب) 1990، وكَحَلّ نهائي واضح، لا يُبقي لذي عذر عذراً، قررنا ما يلي:
1 - الموافقة على مقترحكم الذي جاء في رسالتكم الجوابية المؤرخة في 8 أغسطس 1990، والتي تسلمها ممثلنا في جنيف برزان التكريتي من ممثلكم سيروس ناصري، باعتماد اتفاقية عام 1975 مترابطة مع الأسس الواردة في رسالتنا في 3 يوليو 1990، وبخاصة فيما يتعلق بتبادل الأسرى والفقـرتين «6» و«7» من قرار مجلس الأمن 598.
2 - وعلى أساس ما ورد في «1» من رسالتنا هذه، وما ورد في رسالتنا إليكم في 30 يوليو 1990، فإننا على استعداد لنبعث إليكم بوفد إلى طهران، أو يزورنا وفد منكم في بغداد، لإعداد الاتفاقيات والتهيؤ لتوقيعها على المستوى الذي يتم الاتفاق عليه.
3 - وكبادرة حُسن نية، فإن انسحابنا سيبدأ اعتباراً من يوم الجمعة 17 أغسطس 1990، وسنسحب قواتنا التي تواجهكم على طول الحدود، بما يبقي على ما هو رمزي منها، مع حرس الحدود والشرطة فحسب، لتنفيذ الواجبات اليومية لظروف طبيعية.
4 - وأن يتم تبادل فوري وشامل لكل أسرى الحرب، بكل أعدادهم المحتجزين في كل من العراق وإيران، وأن يتم ذلك عبر الحدود البرية وعن طريق خانقين - قصر شيرين ومنافذ أخرى يُتفق عليها، وسنكون نحن المبادرين إلى هذا، وسنباشر به اعتباراً من يوم الجمعة المصادف 17 أغسطس 1990.
أيها الأخ الرئيس علي أكبر هاشمي رفسنجاني،
في قرارنا هذا أصبح كل شيء واضحاً، وبذلك تحقق كل ما أردتموه، وما كنتم تركزون عليه، ولم يبقَ إلا ترويج الوثائق لنطل معاً من موقع إشراف بيّن على حياة جديدة، يسودها التعاون في ظل مبادئ الإسلام، ويحترم كل منا حقوق الآخر، ونبعد المتصيدين في الماء العكر عن شواطئنا، وربما تعاوننا بما يبقي الخليج بحيرة سلام وأمان خالية من الأساطيل الأجنبية وقوى الأجنبي التي تتربص بنا الدوائر، بالإضافة إلى ميادين الحياة الأخرى.
والله أكبر، والحمد لله
صَدَّام حسين
رئيس جمهورية العراق
14 أغسطس 1990
وقد رد رفسنجاني، بهذه الرسالة:
لقد تم تسلم رسالة سيادتكم المؤرخة في 14 أغسطس 1990. إن إعلان قبولكم من جديد معاهدة عام 1975 قد مهّد الطريق لتنفيذ القرار وحلّ الخلافات في إطار القرار 598 وتبديل وقف إطلاق النار إلى سلام دائم وصامد، ويُعتبر انسحاب قواتكم من الأراضي الإيرانية المحتلة دليلاً على صدقكم وجديتكم في طريق السلام مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ومن حُسن الحظ أنه يتزامن مع الموعد المقرر لإطلاق سراح الأسرى، ونأمل مواصلة انسحاب قواتكم حسب الجدول الزمني المعلَن واستمرار عملية إطلاق سراح أسرى الطرفين بصورة أسرع حتى تتكامل.
وكما أعلمناكم عن طريق ممثلنا في جنيف، فإننا مستعدون لقبول ممثلكم في طهران، آملين مع استمرار الجو الإيجابي وحُسن النية الموجودة أن نتمكن من الوصول إلى سلام شامل وثابت، مع الحفاظ على جميع الحقوق والحدود المشروعة للشعبين والبلدين المسلمين.
والسلام عليكم
أكبر هاشمي رفسنجاني
رئيس الجمهورية
الإسلامية الإيرانية
لا أريد التعليق على هذه الرسائل، لأن الخلفية التي كانت وراء كتابتها من الجانب العراقي واضحة، ولأن الجانب الإيراني كان أيضاً واضحاً. فقد أراد تحقيق مكاسب، مستفيداً من ظروف العراق، وفي الوقت نفسه، حافظ على مواقفه السياسية، ولا سيما موقفه من قضية الكويت. زارت طهران وفود عراقية عديدة خلال أزمة الكويت، محاولة تغيير الموقف الإيراني، ولكنها لم تُفلح.

خدام: الأسد اقترح إعطاء المعارضة العراقية وعوداً وهمية... وخاتمي حذر من دولة كردية (الحلقة الأولى)
خدام: الأسد غيّر رأيه ومدد للحود فاصطدمت سوريا بالإرادة الدولية (الحلقة الثانية)

خدام: استقبلنا رفيق الحريري بناء على اقتراح جنبلاط... وحافظ الأسد «امتحنه» (الحلقة الثالثة)
خدام: هاجمت قواتنا ثكنة «حزب الله»... وهذا ما دار مع السفير الإيراني (الحلقة الرابعة)

خدام: بوش أبلغنا برسالة خطية أن عون «عقبة»... والأسد اعتبرها «ضوءاً أخضر» لإنهاء تمرده (الحلقة الخامسة)
خدام: صدام بعث برسائل سرية إلى خامنئي ورفسنجاني... واقترح قمة بحضور «المرشد» (الحلقة السادسة)
خدام: قلت لعرفات إنك تكذب وتتآمر على فلسطين ولبنان وسوريا (الحلقة الثامنة)
خدام: السعودية لعبت دوراً بارزاً لدى أميركا في حل «أزمة الصواريخ» مع إسرائيل (الحلقة التاسعة)
خدام: كنت أول وآخر مسؤول سوري يلتقى الخميني... وهذا محضر الاجتماع (الحلقة 10)

خدام: حافظ الأسد كان سريع التأثر بأفراد عائلته... وعلاقتنا وصلت أحياناً إلى القطيعة (الحلقة الـ 11 والأخيرة)



لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.


اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.