خدام: بوش أبلغنا برسالة خطية أن عون «عقبة»... والأسد اعتبرها «ضوءاً أخضر» لإنهاء تمرده (الحلقة الخامسة)

روى في مذكرات تنشرها «الشرق الأوسط» أن الأميركيين حذروا سوريا من استغلال صدام حسين للهجوم

الرئيسان السوري بشار الأسد واللبناني ميشال عون في دمشق في 3 ديسمبر 2008 (أ.ف.ب)
الرئيسان السوري بشار الأسد واللبناني ميشال عون في دمشق في 3 ديسمبر 2008 (أ.ف.ب)
TT

خدام: بوش أبلغنا برسالة خطية أن عون «عقبة»... والأسد اعتبرها «ضوءاً أخضر» لإنهاء تمرده (الحلقة الخامسة)

الرئيسان السوري بشار الأسد واللبناني ميشال عون في دمشق في 3 ديسمبر 2008 (أ.ف.ب)
الرئيسان السوري بشار الأسد واللبناني ميشال عون في دمشق في 3 ديسمبر 2008 (أ.ف.ب)

ساد انطباع بأن عملية إزاحة الجنرال ميشال عون من قصر بعبدا في أكتوبر (تشرين الأول) من العام 1990 تمت بصفقة بين دمشق وواشنطن، قضت بمساهمة سوريا بقسم من قواتها في عملية إحباط الغزو العراقي للكويت، مقابل تفويضها بإزاحة عون ووضع يدها على لبنان.
في نهاية 1989 وبداية 1990، جرت سلسلة اتصالات دبلوماسية بين دمشق وواشنطن، شملت نقل السفير الأميركي إدوارد دجيرجيان رسائل من الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش ووزير خارجيته جيمس بيكر، إلى الرئيس الراحل حافظ الأسد ونائبه عبد الحليم خدام ووزير الخارجية فاروق الشرع.
في هذه الحلقة من مذكراته، التي تنشر «الشرق الأوسط» فصولاً منها، يستعرض خدام تفاصيل هذه المراسلات، ولقاءات الأسد مع الرئيس اللبناني إلياس الهراوي، قبل العملية العسكرية ضد عون في 13 أكتوبر 1990، بعد تمهيد الأرضية الثنائية والدولية، ومساهمة سوريا في تحرير الكويت.
وفي 29 نوفمبر (تشرين الثاني)، أبلغ الشرع دجيرجيان أن «عون متمرد، ومن حق الدولة التعامل معه على هذا الأساس، وأن عرقلة جهود الدولة في توجهها لإنهاء تمرده تعني استمرار الأزمة في لبنان واستمرار النزيف».
وفي ديسمبر (كانون الأول) 1989 تسلم الشرع رسالة من بوش إلى الأسد، لإطلاعه «على آخر تطورات الوضع في لبنان والاتصالات التي أجريناها من أجل تطبيع الوضع في لبنان ومساندة الشرعية اللبنانية المتمثلة بالرئيس اللبناني الجديد الهراوي وحكومة (سليم) الحص، وإزالة العقبات التي تحول دون تنفيذ وثيقة الطائف» للعام 1989، وقال بوش في رسالته: «لقد أصبح واضحاً للجميع أن الجنرال عون هو العقبة الرئيسية في طريق تعزيز السلطة الشرعية الجديدة، واستعادة وحدة لبنان وتنفيذ اتفاق الطائف».
في المقابل، فإن المبعوث الفرنسي فرنسوا شير، الذي زار دمشق في 28 نوفمبر ونقل رسالة من الرئيس فرنسوا ميتران «أقرّ بأن الجنرال عون هو عقبة في لبنان، وبأن جميع الاتصالات التي جرت معه لتأييد اتفاق الطائف والانصياع للسلطة الشرعية الجديدة في لبنان لم تنجح، برغم اتصالات الحكومة الفرنسية المستمرة مع عون لإقناعه بذلك. لكن، ترى الحكومة الفرنسية الاستمرار في اتِّباع الوسائل السلمية لإقناع عون بالتخلي عن مواقفه».
في الثاني من أغسطس (آب) 1990، اجتاحت القوات العراقية الكويت، وحدث زلزال كبير في المنطقة بسبب هذا الاجتياح الذي غيَّر الأولويات، كما أن خطورة الاجتياح، وما يمكن أن تؤول إليه من نتائج، ركَّزت الاهتمام العربي، ومنه الاهتمام السوري، باتجاه الخليج. ومما لا شك فيه أن الوضع الجديد أضعف عون الذي كان الحكم العراقي يسانده، وكانت بعض الدول العربية تتعاطف معه بسبب الضغط العراقي. فالاجتياح خلق حالة جديدة، زادت من تعقيدات الوضع بالنسبة لميشال عون.
وفي 29 أغسطس، استقبل الرئيس حافظ الأسد الرئيس الهراوي. وحسب محضر الاجتماع، تحدث الهراوي شاكراً ما قدمته سوريا من مساعدة في تخطي المحنة الدستورية، بإقرار الإصلاحات الدستورية، رغم أن بعض اللبنانيين يقولون إن المشكلة في لبنان خارجية. واستعرض الوضع حتى الوصول إلى اتفاق الطائف، الذي لعبت سوريا دوراً كبيراً في إقراره، وأكد أن الطائف «ليس ما نصبو إليه، ولكنه تسوية لإنهاء الحرب، وأن تنفيذ اتفاق الطائف خطوة كبيرة إلى الأمام».
وتساءل الهراوي عن كيفية معالجة الوضع، وقال إن الحكومة أصدرت بياناً في 11 في يوليو (تموز) حصل على التأييد، وتحدث عن الاتصالات مع عون رغم اعتراض بعض السياسيين، وأن جميع هذه الاتصالات لم تصل إلى نتيجة، وأن عون مستمر في إجراءاته وفي تعقيده للوضع، وأنه لا بد من إنهاء عون لإكمال الإصلاحات. كما تحدث عن دور الدولة في هذا المجال، وأضاف أن بقاء عون مشكلة كبيرة، وبالتالي لا يُعرف متى تنتهي أحداث الخليج، لا سيما أن الأميركيين نفسهم طويل.
وتابع الهراوي: «في لقائنا في القاهرة أعطيتم الضوء الأخضر، وجاءنا (رئيس الأركان) العماد (حكمت) الشهابي و(قائد قوات الردع اللواء محمد سعيد) بيرقدار، وعقدنا اجتماعات عدة، وسيستخدم (قائد الجيش إميل) لحود ثمانية آلاف جندي. وقال بيرقدار للحود: (سنقدم لكم مدفعية وذخائر وأسلحة). أملنا هو الخلاص من عون، وأعتقد أن مجرد عرض العضلات سيؤدي إلى انهياره».
وعلق الدكتور سليم الحص على أن وجود عون منافٍ لكل شيء، وعون يراهن على الوضع في المنطقة.
تساءل الأسد: «بعد عون، أليست هناك مشكلة؟». أجاب الهراوي: «ذهابه بداية حل، وسنتابع تشكيل وزارة جديدة»، فأجابه الأسد: «الحلقات الأخرى (يقصد القوات اللبنانية)، ألا تحتاج إلى جهد عسكري؟». فرد الهراوي: «بالنسبة لوليد جنبلاط ونبيه بري، بمساعدتكم تحل الأمور. هناك مشكلة جعجع».
تدخلتُ في الحديث، وتحدثت عن مناورات جعجع ورسائله ومضامينها، ومواقفه العدائية والتقسيمية.
تحدث الأسد ثانية فقال: «نعيش معكم، ونشارككم أفكاركم ومشاعركم، ولست ضد تمنياتكم. انطباعي أن موقف الفرنسيين ليس إيجابياً، ولا بد من الاتصال بهم لمعرفة موقفهم الحقيقي، وهم متشبثون بعون. حرصُنا على سرعة الحل ليس أقل من حرصكم. الوضع خطير في المنطقة. لذلك، إحساسنا بأهمية الحل ليس أقل من الماضي، وتبقى مشكلة لبنان لها خصوصيتها بالنسبة لنا. لكنْ هناك تداخل عجيب بين مصالح الدول الإقليمية، ولكل دولة مشكلة. هناك مشكلة العراق، وهناك تفسيرات وتساؤلات كثيرة. موقف سوريا لم يتغير من أي مشكلة، والآخرون يتحدثون عن العراق كما كنا نتحدث نحن. هناك من الدول مَنْ يتمنى ألّا تؤثر مشاكل أخرى على ترتيباتهم المتخذة، سواء السياسية أو العسكرية (ويقصد الولايات المتحدة بالنسبة لموضوع العراق والكويت). تعرفون أننا كنا جادين، وأرسلنا قوات ولم نسحبها، حتى لا يُعطى الانطباع بأن القوة رجعت. وهناك عشرون سبباً يدفعنا للانتهاء بسرعة. لنا مصلحة بعدم تصديع جبهة الطائف. نحن حريصون على مشاركة الجيش اللبناني، لأنه أول بروز مادي له للحركة. نريد معرفة الجو العالمي ورأيكم، لأن بعض القوى العالمية تخشى التشويش الآن على استراتيجيتها».
رد الهراوي: «طرحتَ موضوعين: الأول، هل هناك متطلبات عسكرية لإنهاء عون؟ عندما ننتهي من عون، بواسطة الجيش اللبناني وبالتعاون مع سوريا، سيتعاون الجميع ولن يقاوم أحد آخر منهم. على الصعيد الخارجي، لدي موظف في الخارجية اسمه طوني شديد، طُلب منذ يومين إلى السفارة الأميركية في دمشق، وقرأ لي محضر لقائه مع دجرجيان الذي زار الوزير الشرع. وكان الشرع حاسما ودجرجيان متردداً، وأجابه طوني: الدولة أخذت قراراً، وسنطلب من سوريا المساعدة. فأجابه (دجيرجيان) إنها مسؤولية الحكومة اللبنانية. اتصلت بسفيرنا في واشنطن وسألته عن الأمر، لكن ليس لديه معلومات، وقال إنه ذهب إلى (مجلس) الأمن القومي لمعرفة الوضع في الخليج. تحدثنا عن لبنان، وقال لي السفير إن بوش مرتاح لإقرار الإصلاحات. وقال له نسيب لحود إن الهراوي سيحسم موضوع عون، فأجابه الأميركي: هل ستطلبون المساعدة السورية؟ أجاب لحود: نعم. قال الأميركي: إننا نتساءل: هل تساعد سوريا؟ يمكن أن سوريا تريد الإبقاء على صورتها الحسنة في الغرب، وصار لها جيش في الخليج (لإنهاء الغزو العراقي للكويت)».

تدخلتُ في الحديث قائلا: «الوضع الآن في المنطقة معقد. العراق اجتاح الكويت، وهناك تحالف دولي لإخراجه من الكويت، واحتمال وقوع الحرب احتمال جدي. والأميركيون، كما أبلغونا، قلقون من خروج فرنسا من التحالف إذا قمنا بعمليات عسكرية في لبنان، وكذلك دول الخليج. إن فتح المشكلة عسكرياً في لبنان الآن يقلق بعض دول الخليج، لأنهم يخشون أن يؤثر ذلك على عملية تحرير الكويت».
وفي نهاية اللقاء وعد الأسد بدراسة الوضع في ضوء التطورات الإقليمية والدولية.
بعد هذا اللقاء، تصاعد الوضع في لبنان، واتخذ عون إجراءات ضد المناطق الأخرى في لبنان، واتخذت الحكومة اللبنانية قراراً بفرض الحصار على المنطقة التي يسيطر هو عليها، ولم تفلح جميع المحاولات التي بذلتها اللجنة العربية أو بعض الشخصيات اللبنانية بالوصول إلى حل مع عون.
كنت استدعيتُ السفير الأميركي في دمشق في 7 أكتوبر 1990، وهذا بعض ما دار بيننا، حسب المحضر:
السفير: «لدي البريد، إذا كان بالإمكان أن أعطيكم نتائج الاجتماعات في نيويورك وواشنطن. بالنسبة للبنان: سيادة نائب الرئيس، لا بد أن (وزير الخارجية فاروق) الشرع قد تحدث إليكم عنه. لكن أود أن أتحدث معكم مباشرة حول آخر موضوع سألتموني عنه وطلبتم الاتصال بواشنطن من أجله، وهو يتعلق بموضوع لبنان. طبعاً، نقلت حديثنا لواشنطن، وتسلمت هذا الرد: خلال مقابلة الشرع مع (وزير الخارجية جيمس) بيكر، تحدث عن هذه المبادرة بإمكانية استعمال القوة العسكرية ضد الجنرال عون. وطبعاً، بيكر ذكّر الشرع بموضوع لبنان على أنه نوقش بشكل عام مع الأسد، وأن موضوع الحل العسكري لم يبحث».
رد خدام: «صحيح»، فرد السفير: «حسب التقارير والمعلومات التي تقول إن هذا الموضوع ربما تحدث به بيكر مع الرئيس الأسد، فهذا غير صحيح. وبيكر قال للسيد الشرع: نريد أن نؤجل أو نضع جانبا أي اقتراح في متابعة هذا الموضوع، إذا كان يدور في خلدكم مثل ذلك. وقال بيكر: أي عمل عسكري من جانب سوريا ضد عون ربما سيساء فهمه، وربما أيضاً سيستغل من قبل صدام. وقال الشرع لبيكر: لا يوجد سوء تفاهم فيما يتعلق بالوضع بين الولايات المتحدة وسوريا، وإن سوريا تنظر، أو ترى الموضوع بنفس الطريقة. وكما قلتم لي، سيادة نائب الرئيس، إن سوريا الآن ليس في منظورها أن تحّول الانتباه عما يجري في الخليج في الوقت الحاضر. وكما قال الشرع للسيد بيكر خلال اتصالاتنا، إن الحل العسكري قد يأتي عن طريق الهراوي أو القوات اللبنانية. وقال الشرع لبيكر: لا شك بأننا سنأخذ بعين الاعتبار آراء أو وجهة نظر الولايات المتحدة».
تابع السفير أن «الشرع قال لمعاون وزير الخارجية (جون) كيلي إن الهراوي، أو قائد الجيش، سيقوم بأي عمل عسكري بشرط أن يحصل على دعم سوريا في هذا العمل. أي أنه إذا كان سيقوم بعمل عسكري، فإنه يود دعماً سورياً في تنفيذ هذا العمل. وطبعاً، بيكر أكد للأسد (كما أكد الرئيس للرئيس الهراوي) دعم الحكومة اللبنانية الشرعية، وقال إن على اللبنانيين أن يفكروا أكثر من مرة في حال لجوئهم إلى أعمال العنف، وحذرهم من أن أي عمل تكون سوريا متدخلة فيه قد يحّول الأنظار عن الخليج، وسيكون لفرنسا والفاتيكان الفرصة لمعارضة اتفاق الطائف. لذلك نصح الأسد اللبنانيين بأن يتشاوروا حتى لا تستغل فرنسا والفاتيكان هذا الموقف. وقال كيلي: عندما سألنا اللبنانيون عن إمكانية اللجوء إلى العمل العسكري، قلنا: الولايات المتحدة ليست معنية بموضوع إعطاء الضوء الأخضر لتلك العملية، رغم أننا كنا على اتفاق بأن عون يشكل عقبة. كما أكد كيلي للشرع، أنه ليس لدى الولايات المتحدة أسباب تدفعها لترضى بعمل عسكري. ونوه كيلي بالتقدم السياسي الذي أحرزته الحكومة اللبنانية مؤخراً، وأكد أنه ليس من جانبنا أي شيء يشير إلى أننا ندعم عون، نريده أن يتنحى».
رد خدام: «على كل حال، الحكومة اللبنانية لديها انطباع آخر عن الموقف الأميركي. الدكتور (سليم) الحص (رئيس الحكومة اللبنانية) استنتج بشكل واضح، وكذلك الرئيس الهراوي، أن الحكومة الأميركية لا مانع لديها، وأن الأمر يتعلق بالحكومة اللبنانية. طبعاً، دقة الموضوع بالنسبة لنا أننا، فعلاً، نرى الآن أن الظروف الراهنة غير ملائمة بسبب الوضع في الخليج. لكن المشكلة الكبرى التي نواجهها هي أن عون وجماعته واتجاهات أخرى في لبنان، يروجون أن سوريا لا تريد إنهاء عون، وهي عملياً ضد اتفاق الطائف، رغم أننا كل يوم نصدر مائة تصريح حول تأييد الطائف وتأييد الشرعية في لبنان، ولم نترك وسيلة لنحاول إقناع اللبنانيين أننا مع الشرعية. ولكن، مع ذلك، هناك تشويش كبير على موقف سوريا».
وتطرقتُ إلى أن هناك بعض الأطراف «طلبت من الهراوي تجميد اتفاق الطائف»، الأمر الذي علق عليه السفير بأن أميركا «ضد ذلك»، فقلت: «أعرف الموقف الأميركي، ولكن هذا الكلام، إضافة إلى رفض عون الخروج، وإضافة إلى الانهيار الاقتصادي والاضطراب السياسي والخلافات القائمة في الحكومة بين الوزراء، كل هذا يجعل الوضع في منتهى السوء. ما نخشاه هو أن تقرر الحكومة اللبنانية القيام بعمل عسكري وتطلب رسمياً من سوريا، تنفيذاً لاتفاق الطائف، تقديم المساعدة. هذا أمر نخشاه. الأمر الآخر الذي نخشاه هو أن تنهار الشرعية. ولذلك، أرى أن من المفيد أن يقوم السيد السفير باستدعاء ممثل للحكومة اللبنانية ويبلغه بشكل واضح الموقف الأميركي».
رد السفير قائلاً: «سأستدعي ممثل الحكومة اللبنانية غداً، وسأنقل الموقف الأميركي برمته إليه، حتى لا يبقى هناك سوء فهم. وسنقول للبنانيين إننا كنا دوماً معكم، ولسنا الآن في مجال أن ننتقدكم أو نزعجكم (...) لا أحب التعامل مع القيادة اللبنانية من خلال وسيط، ولدي الثقة بالممثل الذي سيرسله الهراوي. لكن ليس هناك بديل عن المناقشات وجهاً لوجه. أعمل وأصلي ليعود سفيرنا إلى لبنان حتى يكون هناك تبادل لوجهات النظر يومياً، لأن هذا مخيب للآمال، وخصوصاً بالنسبة للّبنانيين، لأني أعرفهم منذ سنوات، إذ إن عليك أن تتصل بهم يومياً حتى لا ينحرفوا عن الطريق. طبعاً أنا هنا، أوراقي واعتمادي في سوريا، وأستطيع أن أرى الرئيس الأسد بسهولة، ولكن لا يسمح لي الوقت لرؤية الهراوي. وطبعاً، حكومتي تسمح لي بمقابلة الحص، وهذه هي السياسة الصحيحة. ولكنْ هناك أمور مهمة سأؤكد على أن يكون كل شيء بشأنها مكتوباً، وسأقوم أنا بكتابتها شخصياً ليأخذها (الممثل الشخصي) للهراوي. هذه أفضل طريقة، وأنا أشكركم على تعليقاتكم، وآمل أن يكون الموقف واضحاً جداً (...)».
إزاء تطور الأوضاع في لبنان وأزمة الخليج، جرت مناقشة إمكانية العمل العسكري الذي تُلِحُّ عليه الحكومة اللبنانية، وجرت لقاءات عدة على المستوى العسكري، بين عسكريين سوريين ولبنانيين، واتُّخِذت كافة التحضيرات لتنفيذ هذا العمل. وأبلغنا الحكومة اللبنانية أن المشاركة السورية تتطلب وجود طلب لبناني، حتى يكون العمل في إطار الشرعية، ولإسقاط أي حملات في المستقبل، لا سيما وأننا دخلنا لبنان عام 1976 بطلب من الرئيس سليمان فرنجية والجبهة اللبنانية، ومع ذلك، بعد أشهر شنت تلك الجبهة حملات ضد سوريا، وتورطت في عمليات قتالية ضد قواتنا. ورأينا أن الولايات المتحدة باتت منخرطة بكل إمكاناتها في الخليج، مما لا يتيح لها الفرصة لموقف ضدنا أو تحريك إسرائيل، لأن أي تحرك إسرائيلي سيضر بعملية الخليج.
وفي 9 أكتوبر 1990، استقبلت السيد فارس بويز، مبعوث الرئيس الهراوي، وأبلغني رسالة موجهة لي وأخرى للرئيس الأسد، تتضمنان الاستعداد لإنهاء تمرد عون.
ولا بد من الإشارة إلى أن مجلس الوزراء اللبناني عندما ناقش الموضوع، اعترض الحص على استخدام القوة، واتُّخِذ القرار رغم عدم موافقته، ورفض توقيع الرسالة التي تطلب المساعدة السورية والتي كان يجب أن يوقعها باعتباره وزيراً للخارجية، فقام الهراوي بتوقيع الرسالة وتوجيهها إلى الرئيس الأسد.
وفي صباح 13 أكتوبر، قامت القوات السورية، بالاشتراك مع الجيش اللبناني، بشن هجوم واسع على منطقة سيطرة عون، مهدت له بقصف مدفعي وجوي. وفي التاسعة والنصف صباحاً، أعلن عون تسليمه للشرعية، وفر للسفارة الفرنسية التي التجأ إليها تاركاً زوجته وابنتيه اللواتي عاملهن جنودنا معاملة كريمة وحسنة. وفي الثانية عشرة كانت المنطقة كلها تحت السيطرة. وهكذا انتهى عون.
هكذا انتهى الجنرال المتمرد، وتم اتفاق بين الحكومة اللبنانية والسفير الفرنسي، بعد مفاوضات دامت عدة أيام، على ترحيل عون إلى فرنسا، ضمن شروط معينة، منها ألا يعود إلى لبنان قبل فترة محددة.
> سيادة الأخ الرئيس الفريق حافظ الأسد حفظه الله
تحية طيبة وبعد،
عطفاً على مباحثاتنا السابقة التي تناولنا فيها الرأي حول الأوضاع اللبنانية العامة، وما تعانيه من الحالة الشاذة المتمثلة بتمرد القائد السابق للجيش وعصيانه على السلطة الشرعية.
وبالإشارة إلى القمة السورية ـ اللبنانية الأخيرة التي ضمت في الجانب اللبناني كلاً من دولة رئيس مجلس النواب السيد حسين الحسيني ودولة رئيس مجلس الوزراء الدكتور سليم الحص، وتناولت بالبحث استمرار القائد السابق للجيش في تمرده ومواقفه السلبية، وما ينبغي اتخاذه من تدابير وإجراءات لوقف النزف اللبناني والقضاء على التمرد، مما يتيح للسلطة الشرعية إكمال مسيرة الإنقاذ والوفاق والسلام.
فإنه يسرني أن أعلم سيادتكم أن مجلس الوزراء تداول في التاسع من هذا الشهر في كل هذه الأمور، وقرر بالإجماع تأكيد قراراته السابقة بتكليف الجيش اللبناني إنهاء تمرد القائد السابق للجيش، ومناشدة سيادتكم، عملاً بوثيقة الوفاق الوطني، ومن واقع العلاقات الأخوية التي تربط بين سوريا ولبنان، إعطاء أوامركم الكريمة إلى القوات العربية السورية المتمركزة في لبنان لمؤازرة الجيش اللبناني في تنفيذ المهمة الموكلة إليه.
إني على ثقة كبيرة، ياسيادة الرئيس، بأن استجابتكم السريعة لهذا المطلب إنما تعكس عزمكم الأكيد على المساهمة الفاعلة في إنقاذ لبنان، وفي تحقيق أماني الشعب اللبناني وآماله بوطن عزيز يعمه الأمن والسلام والاستقرار، وإن لبنان السليم المعافى سوف يحفظ لسوريا الشقيقة بقيادتكم الحكيمة، الدعم الكبير الذي يلقاه منها كلما اشتدت عليه الصعاب وكلما احتاج إلى العون والمساعدة.
حفظكم الله يا سيادة الأخ الرئيس، وسدد خطاكم لما فيه عزة الشعب السوري الشقيق، ولما فيه مصلحة العرب ومصلحة بلدينا.
والسلام عليكم.
أخوكم
إلياس الهراوي
> سيادة الأخ الأستاذ عبد الحليم خدام المحترم
نائب رئيس الجمهورية العربية السورية
تحية طيبة وبعد،
يسرني أن أبعث إليكم نسخة عن قرار مجلس الوزراء المتخذ في الجلسة التي عقدها بتاريخ اليوم بشأن إنهاء الحالة الشاذة المتمثلة بتمرد القائد السابق للجيش، وطلب مؤازرة القوات العربية السورية للجيش اللبناني للقيام بالمهمة الموكلة إليه.
راجياً أن يكون في إنجاز هذه المهمة ما يساعد الدولة اللبنانية على إكمال مسيرة الإنقاذ والوفاق والسلام، بدعم أخوي كريم من الشقيقة سوريا بقيادة سيادة الرئيس حافظ الأسد.
مع أخلص عواطفي وأطيب تمنياتي.
أخوكم
إلياس الهراوي

خدام: الأسد اقترح إعطاء المعارضة العراقية وعوداً وهمية... وخاتمي حذر من دولة كردية (الحلقة الأولى)
خدام: الأسد غيّر رأيه ومدد للحود فاصطدمت سوريا بالإرادة الدولية (الحلقة الثانية)

خدام: استقبلنا رفيق الحريري بناء على اقتراح جنبلاط... وحافظ الأسد «امتحنه» (الحلقة الثالثة)
خدام: هاجمت قواتنا ثكنة «حزب الله»... وهذا ما دار مع السفير الإيراني (الحلقة الرابعة)

خدام: صدام بعث برسائل سرية إلى خامنئي ورفسنجاني... واقترح قمة بحضور «المرشد» (الحلقة السادسة)
رفسنجاني في رسالة لصدام: تتحدث عن القومية العربية وتنتقد رفضنا لاحتلال الكويت (الحلقة السابعة)
خدام: قلت لعرفات إنك تكذب وتتآمر على فلسطين ولبنان وسوريا (الحلقة الثامنة)
خدام: السعودية لعبت دوراً بارزاً لدى أميركا في حل «أزمة الصواريخ» مع إسرائيل (الحلقة التاسعة)
خدام: كنت أول وآخر مسؤول سوري يلتقى الخميني... وهذا محضر الاجتماع (الحلقة 10)

خدام: حافظ الأسد كان سريع التأثر بأفراد عائلته... وعلاقتنا وصلت أحياناً إلى القطيعة (الحلقة الـ 11 والأخيرة)



إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)

وسّع الجيش الإسرائيلي موجة إنذارات الإخلاء إلى السفح الغربي لجبل الشيخ، في تمدد غير مسبوق باتجاه منطقة حدودية مع سوريا لم تكن محتلة منذ العام 1985 في جنوب شرقي لبنان، وهو ما أثار موجة أسئلة عن خريطة الحركة الجديدة التي لا تقتصر على تقييد عودة السكان فحسب، بل تعيد توجيه ثقلها العملياتي نحو الشرق.

ويشير ضم الجيش الإسرائيلي لبلدة عين عطا ضمن تمددها إلى جبل كريستوباني، وهي تسمية إسرائيلية مستحدثة للمنطقة، إلى أن المعركة لم تعد محصورة في الجبهة الجنوبية التقليدية، بل تتجه تدريجياً إلى اختبار محاور بديلة باتجاه الحدود مع سوريا، قد تعيد رسم خطوط الاشتباك. وبدل أن تتحول الهدنة إلى مساحة استقرار، تبدو مرحلة لإعادة التموضع، وتقوم على ضبط الأرض جنوباً، وفتح احتمالات التصعيد شرقاً.

خريطة نشرها الجيش الإسرائيلي للمنطقة الحدودية مع لبنان (الجيش الإسرائيلي)

وعين عطا، تتبع إدارياً قضاء راشيا في محافظة البقاع، وتقع على مرتفع استراتيجي على الجانب اللبناني من سفح جبل حرمون، وهي منطقة اتصال بين الأراضي اللبنانية والأراضي السورية التي احتلتها إسرائيل في العام الماضي في شمال القنيطرة، وتشرف في لبنان على عمق استراتيجي يربط البقاع بالجنوب.

محررة منذ 1985

ويضع مصدر نيابي لبناني هذا التصعيد بالتحذيرات في إطار مختلف، معتبراً في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أنّها «تندرج ضمن الضغط الذي يستهدف كل اللبنانيين، عبر توسيع رقعة القلق، وزرع حالة دائمة من الترقّب، والخوف»، مضيفاً: «إنّ المشروع التوسعي الإسرائيلي لا يستثني أحداً من حيث الاستهداف».

ويوضح المصدر أنّ إدراج عين عطا ضمن هذه التحذيرات «يثير تساؤلات جدية، لا سيما أنّ البلدة ليست من القرى التي خضعت للاحتلال في مراحل التسعينات، بل تُعدّ محرّرة منذ عام 1985»، مشدداً على أنّ «الحديث عنها بهذا الشكل يفتقر إلى الدقة، سواء من الناحية التاريخية، أو الميدانية».

أطفال يلهون في سيارة مدمرة بجنوب لبنان العام 1983 (متداول)

تبدّل في التفكير العملياتي

في قراءة أوسع لهذه المؤشرات، يضع رئيس «مركز الشرق الأوسط للدراسات» العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر هذا التصعيد ضمن سياق تحوّل في المقاربة العسكرية الإسرائيلية. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ «الحديث عن منطقة جنوب عين عطا لا يمكن فصله عن القراءة العسكرية لطبيعة السيطرة النارية والاستكشافية التي يؤمّنها جبل الشيخ»، موضحاً أنّ «جبل الشيخ يوفّر إشرافاً بالنار والاستطلاع يمتد إلى البقاع الغربي، ومناطق واسعة من الجنوب».

ويشير إلى أنّ «إسرائيل بعدما لم تنجح في تحقيق تقدّم حاسم في الجنوب، بدأت تبحث عن محاور بديلة، من بينها البقاع الغربي، ومنطقة عين عطا تحديداً، لما لهذه المنطقة من أهمية عملياتية»، لافتاً إلى أنّ «هذا المحور كان مطروحاً سابقاً كخيار لهجوم بري محتمل، خصوصاً أنّ التقدّم من الجنوب أثبت تعقيداته الميدانية».

جرافات إسرائيلية معززة بدبابات عسكرية تنفذ أعمال هدم داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

ويضيف أنّ «السيناريو الأكثر ترجيحاً كان، ولا يزال، يعتمد على اختراق من جهة البقاع الغربي، نظراً لخصوصية هذه المنطقة من حيث الطبيعة الجغرافية والديموغرافية، فهي أقل تعقيداً من الجنوب، وأرضها أكثر انفتاحاً، ما يسهّل العمليات العسكرية».

توسعة بالتحذيرات

وتتزامن التحذيرات مع استمرار تمركز القوات الإسرائيلية خلال فترة وقف إطلاق النار، وتشمل طيفاً واسعاً من القرى، من الناقورة في جنوب غربي لبنان، إلى مرجعيون وكفرشوبا وعين عطا شرقاً، مروراً ببلدات محورية، مثل بنت جبيل، والخيام، وميس الجبل، إضافة إلى مناطق حيوية كنهر الليطاني ووادي السلوقي. وعلى الأرض، تتقاطع هذه الإنذارات مع معطيات ميدانية تشير إلى استمرار تمركز القوات الإسرائيلية داخل بعض النقاط، ما يحوّل الهدنة عملياً إلى مساحة ضبابية بين وقف النار واستمرار السيطرة.

وتتقدم منطقة عين عطا في هذه القراءة بوصفها نقطة مفصلية في أي سيناريو عسكري محتمل. ويشدّد جابر على أنّ «منطقة جنوب عين عطا تشكّل نقطة مفصلية في أي حسابات عسكرية، كونها مفرق طرق يربط بين البقاع الغربي وراشيا وحاصبيا والجنوب، وبالتالي فإن السيطرة عليها تفتح مسارات متعددة لأي تقدّم عسكري»، معتبراً أنّ «أهميتها تكمن في كونها عقدة مواصلات تتيح الانتقال نحو عدة اتجاهات في وقت واحد».

نازحون يعبرون جسراً مدمراً في طريق العودة إلى منازلهم في قرية طير فلسيه في جنوب لبنان (أ.ب)

ويشير إلى أنّ السيطرة عليها تتيح التحرك شرقاً نحو عمق البقاع، وجنوباً نحو حاصبيا والعرقوب، وغرباً باتجاه القرى الأساسية في البقاع الغربي، ما يمنح أي قوة مهاجمة مرونة عالية في المناورة، والتحكم بخطوط الإمداد». ويقول إنّ «التركيبة الديموغرافية المختلطة في هذه المنطقة تجعلها، عسكرياً، أكثر رخاوة من بيئة الجنوب».

ويرى أنّ «هذا السيناريو، في حال تحقّق، قد يؤدي إلى فصل البقاع الشمالي عن الجنوب، ما يغيّر موازين المعركة بشكل جذري، ويضع القوى المدافعة أمام تحديات لوجستية وميدانية أكثر تعقيداً».

الأهداف تتجاوز الميدان

لا يقتصر هذا التحوّل، وفق جابر، على البعد العسكري، بل يتعداه إلى أهداف سياسية واضحة. ويرى أنّ «إسرائيل، في حال دخلت واحتلت نقاطاً في هذه المنطقة، قد تتكبّد خسائر، لكنها تراهن على استخدام هذا التقدّم ليكون ورقة ضغط، ولفرض شروطها السياسية على لبنان، خصوصاً فيما يتعلق بسلاح (حزب الله) وترسيم الحدود». ويضيف أنّ «الهدف من أي تحرّك عسكري إسرائيلي لا يقتصر على المكاسب الميدانية، بل يتجاوزها إلى تحقيق أهداف سياسية، أبرزها الضغط على الدولة اللبنانية لفرض وقائع جديدة، سواء لجهة سلاح (حزب الله)، أو إعادة ترتيب الحدود الجنوبية».


ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
TT

ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)

لم تمر وفاة الطبيب المصري ضياء العوضي في دولة الإمارات قبل بضعة أيام مرور الكرام، فالجدل دائر منذ أشهر حول شخصيته و«نظريته» التي يروج لها برفض العلاج عبر الأدوية التقليدية والاعتماد على نظام غذائي أطلق عليه «الطيبات».

ورغم تأكيد محاميه أن الوفاة «طبيعية»، وصدور بيان من وزارة الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، الثلاثاء، ذكر أن الوفاة التي حدثت في أحد فنادق مدينة دبي «جاءت طبيعية، ولا توجد أي شبهات جنائية، وجاءت بسبب جلطة مفاجئة بالقلب»، فإن ملابسات الواقعة تحولت إلى مادة جدل واسع على منصات التواصل الاجتماعي.

فالعوضي عُرف بآرائه المثيرة للجدل، مثل التحذير من تناول الأطفال الذكور الدواجن بزعم تأثيرها على «الرجولة»، وتفضيل الإفطار بـ«النوتيلا» على الأطعمة التقليدية مثل الفول، والدعوة إلى استهلاك كميات كبيرة من السكر يومياً، إلى جانب التحذير من الخضراوات رغم قيمتها الغذائية المعروفة.

العوضي عُرف بالترويج لما سمّاه «نظام الطيبات» رافضاً العلاج بالأدوية التقليدية (لقطة من لقاء تلفزيوني أجراه معه الإعلامي محمود سعد)

ولا تزال صفحات مؤيدة له تضم آلاف المتابعين تعيد نشر مقاطع له وتدافع عن منهجه في التغذية، ومن بين هؤلاء مدوِّنة تُدعى رشا حجازي، قالت إن الطبيب الراحل طوّر ما يُعرف بـ«دايت الأرز» الذي وضعه الطبيب الألماني - الأميركي والتر كيمبنر.

غير أن الطبيب والإعلامي المصري الدكتور خالد منتصر روى تفاصيل موقف وحيد جمعه مع العوضي، عبر منشور على «فيسبوك»، حين علّق الراحل بشكل عدّه منتصر «غير طبيعي» وحذره من «أكل البطيخ» مظهراً «ثقة زائدة»، ولفت منتصر إلى أن «تحويل الطبيب العوضي إلى تريند» على مواقع التواصل أسهم في «زيادة حضوره الإعلامي».

وشدد منتصر على أن الوفاة لا تنفي حق نقد «الآراء الطبية غير العلمية»، مؤكداً أن «توصية الطبيب الراحل بوقف الإنسولين أو مثبطات المناعة أو الكورتيزون بشكل مفاجئ يُعد جريمة طبية»، محذراً من أن ذلك يكرّس الجهل ويغذي من وصفهم بـ«سماسرة الوهم».

اتهامات وشطب عضوية

في السياق ذاته، أشار الدكتور أسامة حمدي، أستاذ الباطنة والسكر بجامعة هارفارد الأميركية، إلى ما وصفها بـ«أخطاء طبية جسيمة» نُسبت إلى الطبيب الراحل، تمثلت في الترويج لعلاج مرض السكري بزيادة تناول السكر، والدعوة إلى وقف الإنسولين حتى لمرضى النوع الأول، إضافةً إلى وقف الكورتيزون عن مرضى يعتمدون عليه.

وأوضح أن هذه الممارسات، وفق روايات طبية، أدت إلى مضاعفات خطيرة بينها حالات تسمم كيتوني ووفاة سيدة، محذراً من خطورة تجاهل الأسس العلمية في علاج الأمراض المزمنة، حسب منشور عبر صفحته على «فيسبوك».

وفي مارس (آذار) الماضي، قررت نقابة الأطباء المصرية شطب عضوية العوضي، بعد اتهامه بنشر معلومات طبية مضللة وغير مدعومة علمياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدةً أن هذه الممارسات قد تمثل تهديداً مباشراً لصحة المواطنين.

كما شملت الاتهامات الترويج لأساليب علاجية غير معتمدة علمياً في التعامل مع بعض الأمراض المزمنة، وهو ما عدّته لجنة التأديب بالنقابة إخلالاً جسيماً بأصول المهنة وقواعدها الأخلاقية والمهنية.

ويعتقد الدكتور وسام إبراهيم حمودة، استشاري ورئيس قسم جراحات التجميل والحروق بجامعة بنها، أن «الأدوية العشبية والمنتجات الطبيعية قد تلعب دوراً في الوقاية من بعض الأمراض، إلا أن فاعليتها في العلاج أو تسريع التعافي لا تزال بحاجة إلى أدلة علمية حاسمة».

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «حسم هذا الجدل يتطلب جهوداً بحثية جادة تقودها مؤسسات علمية وشركات دواء عربية، لإنتاج دراسات موثوقة قادرة على الفصل في هذا الملف، في ظل غياب يقين علمي نهائي حتى الآن».

«منظومة مصالح» أم «منظومة تغذية»؟

ووسط الجدل الدائر حول منهجه، قال مصطفى ماجد، محامي العوضي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن ملابسات وفاة موكله تواكبت مع انقطاع التواصل مع أسرته قبل أيام. لكنه أكد أن سبب الوفاة «لا تتوفر به أي شبهة جنائية»، مشيراً إلى أنه تلقى إخطاراً هاتفياً من السلطات المصرية يفيد بأن «التحقيقات الجارية في الإمارات عزت سبب الحقيقي للوفاة إلى أزمة قلبية». وهو ما أوضحته وزارة الخارجية في بيان الثلاثاء.

وسبق أن وجّه وزير الخارجية، بدر عبد العاطي، القنصلية المصرية في دبي بـ«التواصل المستمر مع السلطات الإماراتية المختصة للوقوف على ملابسات الواقعة، ومتابعة الإجراءات ذات الصلة»، إلى جانب سرعة إنهاء الإجراءات اللازمة لنقل الجثمان إلى مصر.

المحامي مصطفى ماجد (صفحته الرسمية)

ورغم الإعلان لم ينقطع الجدل، إذ كتب أحد متابعيه، ويدعى علي محمد، معبّراً عن قناعته بأن العوضي واجه ما وصفها بـ«منظومة مصالح» داخل القطاع الطبي تشمل أطباء ومعامل وشركات أدوية. وزعم أن هذه المنظومة تستفيد من المرضى عبر الإكثار من الوصفات الطبية والفحوص، وترتبط بعلاقات دعائية وتسويقية مع شركات الأدوية.

غير أن هذه الفرضية يرفضها الدكتور أسامة حمدي الذي رأى أن وقوع الوفاة نتيجة «جلطة قلبية مفاجئة» كان «أمراً متوقعاً»، وكتب في منشور عبر حسابه في «فيسبوك»: «مع الأسف، لقد توقعت تماماً ما حدث له حين رأيت نحافته الشديدة والمستمرة، وفقدانه الشديد لعضلات فخذيه، وشحوب وجهه وتوتره، نتيجة لنظام غذائي صارم ينتهجه، ويمنع عنه -عن عمد- كثيراً من الفيتامينات والأملاح المعدنية، وكثيراً من الأحماض الأمينية المهمة للعمليات الحيوية في الجسم، مع استمراره في التدخين بشراهة رغم التحذيرات المعروفة والمثبتة علمياً».

رأي خبراء الاجتماع

ويُبدي علماء اجتماع شكوكاً في أن هذا الجدل يحمل قدراً مما يُعرف بـ«الافتعال الإعلامي»، وهي أيضاً رؤية الدكتور سعيد صادق، أستاذ الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية، الذي لفت إلى أن العوضي «لم يكن لديه منتج علمي أو طبي ملموس يبرر فرضيات الاستهداف أو المؤامرة، مثل حالات شهيرة لعلماء في عالمنا العربي».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الانشغال الواسع بالقضية يعكس خللاً في ترتيب أولويات النقاش العام، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية التي يواجهها المواطن المصري»، مضيفاً أن «تضخم مثل هذه القضايا يرتبط بطبيعة الإعلام الرقمي وسعي بعض الصفحات وراء (التريند) لما يحققه من عوائد سريعة».

وانتهى إلى أن «ثورة السوشيال ميديا أعادت تشكيل بيئة الإعلام، وأصبح البحث عن الانتشار هدفاً رئيسياً لدى كثير من المنصات»، مؤكداً أن ذلك يؤدي إلى تضخيم قضايا هامشية على حساب ملفات أكثر أهمية وتأثيراً في المجتمع.


قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
TT

قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

صعّدت الجماعة الحوثية من حملات القمع والاعتقالات في محافظة إب، في تطور يعكس تشديداً في القبضة الأمنية على واحدة من أعلى المحافظات اكتظاظاً بالسكان وأكبرها رفضاً لسلطة الجماعة الانقلابية، وذلك بالتزامن مع تحويل منشآت مدنية سجوناً سرية.

في هذا السياق، كشفت مصادر حقوقية عن استحداث الجماعة ما لا يقل عن 14 سجناً سرياً داخل منشآت مدنية وعسكرية في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، بينها مرافق رياضية وثقافية، في وقت ارتفع فيه عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، بينهم ناشطون وتربويون وشباب، في سياق حملة تستهدف كبح أي تحرك مجتمعي معارض.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن هذه الحملة تأتي ضمن استراتيجية أمنية أوسع تهدف إلى إحكام السيطرة على المحافظة التي ظلت، خلال السنوات الماضية، بؤرة احتجاجات صامتة ومفتوحة ضد ممارسات الجماعة، خصوصاً في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وغياب الخدمات الأساسية.

وتفيد مصادر حقوقية بأن ما يسمى «جهاز استخبارات الشرطة»، الذي يقوده علي الحوثي، نجل مؤسس الجماعة، يقف وراء موجة اعتقالات جديدة طالت أكثر من 40 شاباً في مركز المحافظة وأريافها خلال الأسابيع الأخيرة. وبذلك يرتفع عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، في ظل اتهامات فضفاضة تتعلق بدعم الحكومة الشرعية أو معارضة سلطة الجماعة.

أكثر من مائة معتقل يمني في إب دون تهم واضحة خلال العام الماضي (إعلام محلي)

وأكدت منصة «ضمير»، المعنية بتوثيق قضايا المعتقلين والمُخفَين قسراً، أنها رصدت نحو 150 حالة اختطاف خلال العام الماضي والربع الأول من العام الحالي، «ضمن خطة أمنية منظمة تستهدف وأد أي نشاط مجتمعي مناهض».

ولفتت إلى أن هذه العمليات لا تجري عشوائياً، بل وفق آلية تبدأ بـ«الرصد والمتابعة، ثم تنفيذ مداهمات ليلية، تنتهي باقتياد المستهدفين إلى أماكن احتجاز سرية، دون أوامر قضائية».

وتركز الحملة، وفق تقرير المنصة، على فئات محددة في المجتمع، في مقدمتها المدرسون والناشطون المجتمعيون، «خصوصاً في فترات تشهد تصاعداً في الغضب الشعبي أو قبيل المناسبات الوطنية، حيث يُخشى من تحول هذا السخط احتجاجاتٍ ميدانية».

سجون سرية

من أبرز ما كشفت عنه المصادر الحقوقية استخدام الجماعة الحوثية منشآتٍ مدنيةً، بينها مرافق رياضية وثقافية، مراكزَ احتجاز سرية، في خطوة تعكس توسعاً في البنية الأمنية غير الرسمية.

وتشمل هذه المواقع أجزاء من معسكرات، مثل «معسكر الحمزة» في منطقة ميتم، و«معسكر القوات الخاصة» بمنطقة شبان، و«معسكر اللواء55» في مديرية يريم، إلى جانب مبانٍ أخرى توصف بأنها «بيوت آمنة».

كما جرى توسيع سجن المخابرات المعروف باسم «الأمن السياسي»، ليضم أعداداً متصاعدة من المعتقلين، وسط تقارير عن استخدام أساليب تعذيب لانتزاع اعترافات، في ظل غياب أي رقابة قضائية أو حقوقية.

تحويل منشآت رياضية في إب سجوناً حوثية سرية للنشطاء (إعلام محلي)

ويثير تحويلُ المنشآت المدنية أماكنَ احتجازٍ مخاوفَ واسعة من تآكل ما تبقى من البنية المدنية في المحافظة، فضلاً عن تداعيات ذلك على الحياة الاجتماعية والثقافية، إذ كانت إب تُعرف قبل سنوات بأنها «عاصمة السياحة» في اليمن.

على وقع هذه التطورات، أعلنت منصة «ضمير» ما سمتها «قائمة العار»، التي تضم قيادات حوثية قالت إنها مسؤولة بشكل مباشر عن إدارة السجون السرية وحملات القمع في إب. وتهدف هذه الخطوة، وفق المنصة، إلى وضع هؤلاء تحت طائلة المساءلة القانونية مستقبلاً.

وتضم القائمة هادي الكحلاني، المعين مديراً لأمن المحافظة، ونائبه حميد الرازحي، ورئيس فرع ما يسمى «جهاز الأمن والمخابرات»، زيد المؤيد، إضافة إلى عدد من القيادات المحلية المتهمة بتنفيذ الاعتقالات والتغطية على الانتهاكات، من بينهم بكيل غلاب ويحيى القاسمي وعبد الباري الطالبي وأشرف الصلاحي.

وتشير المصادر إلى أن بعض هؤلاء يلعبون أدواراً مزدوجة، تجمع بين العمل الأمني والاستفادة المالية من ملف المعتقلين، عبر شبكات وساطة تبتزّ أسر الضحايا مقابل وعود بالإفراج، غالباً ما يتبين لاحقاً أنها زائفة.

اقتصاد الابتزاز

وفق شهادات حقوقية، تحوّل ملف المعتقلين في إب مصدرَ دخلٍ غير مشروع لبعض المتنفذين، حيث تُفرض على الأسر مبالغ مالية كبيرة مقابل تسهيلات مزعومة أو وعود بالإفراج. وفي كثير من الحالات، يُشترط على الأسر عدم التواصل مع وسائل الإعلام أو المنظمات الحقوقية.

ويرى ناشطون أن هذه الممارسات تعكس ما يصفونه بـ«نظام رهائن»، حيث يُعتقل الأفراد ليس فقط لأسباب سياسية، بل أيضاً لأغراض مالية أو نتيجة وشايات كاذبة. ويشمل ذلك مدرسين يطالبون برواتبهم، وشباباً يشاركون في فعاليات وطنية، وحتى أطباء وناشطين مدنيين.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك رشاشاً على متن عربة عسكرية (إ.ب.أ)

وفي ظل هذه التطورات، تتصاعد الدعوات من قبل ناشطين ومنظمات حقوقية إلى ضرورة تحرك عاجل من المجتمع الدولي لمحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات. ويؤكد هؤلاء أن تحويل المنشآت المدنية سجوناً سرية، وممارسة التعذيب، والإخفاء القسري، كلها تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.

كما يطالبون بفتح تحقيقات مستقلة، وضمان وصول المنظمات الدولية إلى أماكن الاحتجاز، والإفراج الفوري عن جميع المعتقلين دون تهم واضحة، ووضع حد لسياسات القمع التي تستهدف المجتمع المحلي في إب.

ويرى مراقبون أن ما يجري في محافظة إب يمثل نموذجاً مصغراً لسياسات أوسع تتبعها الجماعة في مناطق سيطرتها، حيث تُستخدم الأدوات الأمنية لإدارة المجتمع بالقوة، في ظل غياب مؤسساتِ الدولة وسيادةِ القانون.