خدام: بوش أبلغنا برسالة خطية أن عون «عقبة»... والأسد اعتبرها «ضوءاً أخضر» لإنهاء تمرده (الحلقة الخامسة)

روى في مذكرات تنشرها «الشرق الأوسط» أن الأميركيين حذروا سوريا من استغلال صدام حسين للهجوم

الرئيسان السوري بشار الأسد واللبناني ميشال عون في دمشق في 3 ديسمبر 2008 (أ.ف.ب)
الرئيسان السوري بشار الأسد واللبناني ميشال عون في دمشق في 3 ديسمبر 2008 (أ.ف.ب)
TT

خدام: بوش أبلغنا برسالة خطية أن عون «عقبة»... والأسد اعتبرها «ضوءاً أخضر» لإنهاء تمرده (الحلقة الخامسة)

الرئيسان السوري بشار الأسد واللبناني ميشال عون في دمشق في 3 ديسمبر 2008 (أ.ف.ب)
الرئيسان السوري بشار الأسد واللبناني ميشال عون في دمشق في 3 ديسمبر 2008 (أ.ف.ب)

ساد انطباع بأن عملية إزاحة الجنرال ميشال عون من قصر بعبدا في أكتوبر (تشرين الأول) من العام 1990 تمت بصفقة بين دمشق وواشنطن، قضت بمساهمة سوريا بقسم من قواتها في عملية إحباط الغزو العراقي للكويت، مقابل تفويضها بإزاحة عون ووضع يدها على لبنان.
في نهاية 1989 وبداية 1990، جرت سلسلة اتصالات دبلوماسية بين دمشق وواشنطن، شملت نقل السفير الأميركي إدوارد دجيرجيان رسائل من الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش ووزير خارجيته جيمس بيكر، إلى الرئيس الراحل حافظ الأسد ونائبه عبد الحليم خدام ووزير الخارجية فاروق الشرع.
في هذه الحلقة من مذكراته، التي تنشر «الشرق الأوسط» فصولاً منها، يستعرض خدام تفاصيل هذه المراسلات، ولقاءات الأسد مع الرئيس اللبناني إلياس الهراوي، قبل العملية العسكرية ضد عون في 13 أكتوبر 1990، بعد تمهيد الأرضية الثنائية والدولية، ومساهمة سوريا في تحرير الكويت.
وفي 29 نوفمبر (تشرين الثاني)، أبلغ الشرع دجيرجيان أن «عون متمرد، ومن حق الدولة التعامل معه على هذا الأساس، وأن عرقلة جهود الدولة في توجهها لإنهاء تمرده تعني استمرار الأزمة في لبنان واستمرار النزيف».
وفي ديسمبر (كانون الأول) 1989 تسلم الشرع رسالة من بوش إلى الأسد، لإطلاعه «على آخر تطورات الوضع في لبنان والاتصالات التي أجريناها من أجل تطبيع الوضع في لبنان ومساندة الشرعية اللبنانية المتمثلة بالرئيس اللبناني الجديد الهراوي وحكومة (سليم) الحص، وإزالة العقبات التي تحول دون تنفيذ وثيقة الطائف» للعام 1989، وقال بوش في رسالته: «لقد أصبح واضحاً للجميع أن الجنرال عون هو العقبة الرئيسية في طريق تعزيز السلطة الشرعية الجديدة، واستعادة وحدة لبنان وتنفيذ اتفاق الطائف».
في المقابل، فإن المبعوث الفرنسي فرنسوا شير، الذي زار دمشق في 28 نوفمبر ونقل رسالة من الرئيس فرنسوا ميتران «أقرّ بأن الجنرال عون هو عقبة في لبنان، وبأن جميع الاتصالات التي جرت معه لتأييد اتفاق الطائف والانصياع للسلطة الشرعية الجديدة في لبنان لم تنجح، برغم اتصالات الحكومة الفرنسية المستمرة مع عون لإقناعه بذلك. لكن، ترى الحكومة الفرنسية الاستمرار في اتِّباع الوسائل السلمية لإقناع عون بالتخلي عن مواقفه».
في الثاني من أغسطس (آب) 1990، اجتاحت القوات العراقية الكويت، وحدث زلزال كبير في المنطقة بسبب هذا الاجتياح الذي غيَّر الأولويات، كما أن خطورة الاجتياح، وما يمكن أن تؤول إليه من نتائج، ركَّزت الاهتمام العربي، ومنه الاهتمام السوري، باتجاه الخليج. ومما لا شك فيه أن الوضع الجديد أضعف عون الذي كان الحكم العراقي يسانده، وكانت بعض الدول العربية تتعاطف معه بسبب الضغط العراقي. فالاجتياح خلق حالة جديدة، زادت من تعقيدات الوضع بالنسبة لميشال عون.
وفي 29 أغسطس، استقبل الرئيس حافظ الأسد الرئيس الهراوي. وحسب محضر الاجتماع، تحدث الهراوي شاكراً ما قدمته سوريا من مساعدة في تخطي المحنة الدستورية، بإقرار الإصلاحات الدستورية، رغم أن بعض اللبنانيين يقولون إن المشكلة في لبنان خارجية. واستعرض الوضع حتى الوصول إلى اتفاق الطائف، الذي لعبت سوريا دوراً كبيراً في إقراره، وأكد أن الطائف «ليس ما نصبو إليه، ولكنه تسوية لإنهاء الحرب، وأن تنفيذ اتفاق الطائف خطوة كبيرة إلى الأمام».
وتساءل الهراوي عن كيفية معالجة الوضع، وقال إن الحكومة أصدرت بياناً في 11 في يوليو (تموز) حصل على التأييد، وتحدث عن الاتصالات مع عون رغم اعتراض بعض السياسيين، وأن جميع هذه الاتصالات لم تصل إلى نتيجة، وأن عون مستمر في إجراءاته وفي تعقيده للوضع، وأنه لا بد من إنهاء عون لإكمال الإصلاحات. كما تحدث عن دور الدولة في هذا المجال، وأضاف أن بقاء عون مشكلة كبيرة، وبالتالي لا يُعرف متى تنتهي أحداث الخليج، لا سيما أن الأميركيين نفسهم طويل.
وتابع الهراوي: «في لقائنا في القاهرة أعطيتم الضوء الأخضر، وجاءنا (رئيس الأركان) العماد (حكمت) الشهابي و(قائد قوات الردع اللواء محمد سعيد) بيرقدار، وعقدنا اجتماعات عدة، وسيستخدم (قائد الجيش إميل) لحود ثمانية آلاف جندي. وقال بيرقدار للحود: (سنقدم لكم مدفعية وذخائر وأسلحة). أملنا هو الخلاص من عون، وأعتقد أن مجرد عرض العضلات سيؤدي إلى انهياره».
وعلق الدكتور سليم الحص على أن وجود عون منافٍ لكل شيء، وعون يراهن على الوضع في المنطقة.
تساءل الأسد: «بعد عون، أليست هناك مشكلة؟». أجاب الهراوي: «ذهابه بداية حل، وسنتابع تشكيل وزارة جديدة»، فأجابه الأسد: «الحلقات الأخرى (يقصد القوات اللبنانية)، ألا تحتاج إلى جهد عسكري؟». فرد الهراوي: «بالنسبة لوليد جنبلاط ونبيه بري، بمساعدتكم تحل الأمور. هناك مشكلة جعجع».
تدخلتُ في الحديث، وتحدثت عن مناورات جعجع ورسائله ومضامينها، ومواقفه العدائية والتقسيمية.
تحدث الأسد ثانية فقال: «نعيش معكم، ونشارككم أفكاركم ومشاعركم، ولست ضد تمنياتكم. انطباعي أن موقف الفرنسيين ليس إيجابياً، ولا بد من الاتصال بهم لمعرفة موقفهم الحقيقي، وهم متشبثون بعون. حرصُنا على سرعة الحل ليس أقل من حرصكم. الوضع خطير في المنطقة. لذلك، إحساسنا بأهمية الحل ليس أقل من الماضي، وتبقى مشكلة لبنان لها خصوصيتها بالنسبة لنا. لكنْ هناك تداخل عجيب بين مصالح الدول الإقليمية، ولكل دولة مشكلة. هناك مشكلة العراق، وهناك تفسيرات وتساؤلات كثيرة. موقف سوريا لم يتغير من أي مشكلة، والآخرون يتحدثون عن العراق كما كنا نتحدث نحن. هناك من الدول مَنْ يتمنى ألّا تؤثر مشاكل أخرى على ترتيباتهم المتخذة، سواء السياسية أو العسكرية (ويقصد الولايات المتحدة بالنسبة لموضوع العراق والكويت). تعرفون أننا كنا جادين، وأرسلنا قوات ولم نسحبها، حتى لا يُعطى الانطباع بأن القوة رجعت. وهناك عشرون سبباً يدفعنا للانتهاء بسرعة. لنا مصلحة بعدم تصديع جبهة الطائف. نحن حريصون على مشاركة الجيش اللبناني، لأنه أول بروز مادي له للحركة. نريد معرفة الجو العالمي ورأيكم، لأن بعض القوى العالمية تخشى التشويش الآن على استراتيجيتها».
رد الهراوي: «طرحتَ موضوعين: الأول، هل هناك متطلبات عسكرية لإنهاء عون؟ عندما ننتهي من عون، بواسطة الجيش اللبناني وبالتعاون مع سوريا، سيتعاون الجميع ولن يقاوم أحد آخر منهم. على الصعيد الخارجي، لدي موظف في الخارجية اسمه طوني شديد، طُلب منذ يومين إلى السفارة الأميركية في دمشق، وقرأ لي محضر لقائه مع دجرجيان الذي زار الوزير الشرع. وكان الشرع حاسما ودجرجيان متردداً، وأجابه طوني: الدولة أخذت قراراً، وسنطلب من سوريا المساعدة. فأجابه (دجيرجيان) إنها مسؤولية الحكومة اللبنانية. اتصلت بسفيرنا في واشنطن وسألته عن الأمر، لكن ليس لديه معلومات، وقال إنه ذهب إلى (مجلس) الأمن القومي لمعرفة الوضع في الخليج. تحدثنا عن لبنان، وقال لي السفير إن بوش مرتاح لإقرار الإصلاحات. وقال له نسيب لحود إن الهراوي سيحسم موضوع عون، فأجابه الأميركي: هل ستطلبون المساعدة السورية؟ أجاب لحود: نعم. قال الأميركي: إننا نتساءل: هل تساعد سوريا؟ يمكن أن سوريا تريد الإبقاء على صورتها الحسنة في الغرب، وصار لها جيش في الخليج (لإنهاء الغزو العراقي للكويت)».

تدخلتُ في الحديث قائلا: «الوضع الآن في المنطقة معقد. العراق اجتاح الكويت، وهناك تحالف دولي لإخراجه من الكويت، واحتمال وقوع الحرب احتمال جدي. والأميركيون، كما أبلغونا، قلقون من خروج فرنسا من التحالف إذا قمنا بعمليات عسكرية في لبنان، وكذلك دول الخليج. إن فتح المشكلة عسكرياً في لبنان الآن يقلق بعض دول الخليج، لأنهم يخشون أن يؤثر ذلك على عملية تحرير الكويت».
وفي نهاية اللقاء وعد الأسد بدراسة الوضع في ضوء التطورات الإقليمية والدولية.
بعد هذا اللقاء، تصاعد الوضع في لبنان، واتخذ عون إجراءات ضد المناطق الأخرى في لبنان، واتخذت الحكومة اللبنانية قراراً بفرض الحصار على المنطقة التي يسيطر هو عليها، ولم تفلح جميع المحاولات التي بذلتها اللجنة العربية أو بعض الشخصيات اللبنانية بالوصول إلى حل مع عون.
كنت استدعيتُ السفير الأميركي في دمشق في 7 أكتوبر 1990، وهذا بعض ما دار بيننا، حسب المحضر:
السفير: «لدي البريد، إذا كان بالإمكان أن أعطيكم نتائج الاجتماعات في نيويورك وواشنطن. بالنسبة للبنان: سيادة نائب الرئيس، لا بد أن (وزير الخارجية فاروق) الشرع قد تحدث إليكم عنه. لكن أود أن أتحدث معكم مباشرة حول آخر موضوع سألتموني عنه وطلبتم الاتصال بواشنطن من أجله، وهو يتعلق بموضوع لبنان. طبعاً، نقلت حديثنا لواشنطن، وتسلمت هذا الرد: خلال مقابلة الشرع مع (وزير الخارجية جيمس) بيكر، تحدث عن هذه المبادرة بإمكانية استعمال القوة العسكرية ضد الجنرال عون. وطبعاً، بيكر ذكّر الشرع بموضوع لبنان على أنه نوقش بشكل عام مع الأسد، وأن موضوع الحل العسكري لم يبحث».
رد خدام: «صحيح»، فرد السفير: «حسب التقارير والمعلومات التي تقول إن هذا الموضوع ربما تحدث به بيكر مع الرئيس الأسد، فهذا غير صحيح. وبيكر قال للسيد الشرع: نريد أن نؤجل أو نضع جانبا أي اقتراح في متابعة هذا الموضوع، إذا كان يدور في خلدكم مثل ذلك. وقال بيكر: أي عمل عسكري من جانب سوريا ضد عون ربما سيساء فهمه، وربما أيضاً سيستغل من قبل صدام. وقال الشرع لبيكر: لا يوجد سوء تفاهم فيما يتعلق بالوضع بين الولايات المتحدة وسوريا، وإن سوريا تنظر، أو ترى الموضوع بنفس الطريقة. وكما قلتم لي، سيادة نائب الرئيس، إن سوريا الآن ليس في منظورها أن تحّول الانتباه عما يجري في الخليج في الوقت الحاضر. وكما قال الشرع للسيد بيكر خلال اتصالاتنا، إن الحل العسكري قد يأتي عن طريق الهراوي أو القوات اللبنانية. وقال الشرع لبيكر: لا شك بأننا سنأخذ بعين الاعتبار آراء أو وجهة نظر الولايات المتحدة».
تابع السفير أن «الشرع قال لمعاون وزير الخارجية (جون) كيلي إن الهراوي، أو قائد الجيش، سيقوم بأي عمل عسكري بشرط أن يحصل على دعم سوريا في هذا العمل. أي أنه إذا كان سيقوم بعمل عسكري، فإنه يود دعماً سورياً في تنفيذ هذا العمل. وطبعاً، بيكر أكد للأسد (كما أكد الرئيس للرئيس الهراوي) دعم الحكومة اللبنانية الشرعية، وقال إن على اللبنانيين أن يفكروا أكثر من مرة في حال لجوئهم إلى أعمال العنف، وحذرهم من أن أي عمل تكون سوريا متدخلة فيه قد يحّول الأنظار عن الخليج، وسيكون لفرنسا والفاتيكان الفرصة لمعارضة اتفاق الطائف. لذلك نصح الأسد اللبنانيين بأن يتشاوروا حتى لا تستغل فرنسا والفاتيكان هذا الموقف. وقال كيلي: عندما سألنا اللبنانيون عن إمكانية اللجوء إلى العمل العسكري، قلنا: الولايات المتحدة ليست معنية بموضوع إعطاء الضوء الأخضر لتلك العملية، رغم أننا كنا على اتفاق بأن عون يشكل عقبة. كما أكد كيلي للشرع، أنه ليس لدى الولايات المتحدة أسباب تدفعها لترضى بعمل عسكري. ونوه كيلي بالتقدم السياسي الذي أحرزته الحكومة اللبنانية مؤخراً، وأكد أنه ليس من جانبنا أي شيء يشير إلى أننا ندعم عون، نريده أن يتنحى».
رد خدام: «على كل حال، الحكومة اللبنانية لديها انطباع آخر عن الموقف الأميركي. الدكتور (سليم) الحص (رئيس الحكومة اللبنانية) استنتج بشكل واضح، وكذلك الرئيس الهراوي، أن الحكومة الأميركية لا مانع لديها، وأن الأمر يتعلق بالحكومة اللبنانية. طبعاً، دقة الموضوع بالنسبة لنا أننا، فعلاً، نرى الآن أن الظروف الراهنة غير ملائمة بسبب الوضع في الخليج. لكن المشكلة الكبرى التي نواجهها هي أن عون وجماعته واتجاهات أخرى في لبنان، يروجون أن سوريا لا تريد إنهاء عون، وهي عملياً ضد اتفاق الطائف، رغم أننا كل يوم نصدر مائة تصريح حول تأييد الطائف وتأييد الشرعية في لبنان، ولم نترك وسيلة لنحاول إقناع اللبنانيين أننا مع الشرعية. ولكن، مع ذلك، هناك تشويش كبير على موقف سوريا».
وتطرقتُ إلى أن هناك بعض الأطراف «طلبت من الهراوي تجميد اتفاق الطائف»، الأمر الذي علق عليه السفير بأن أميركا «ضد ذلك»، فقلت: «أعرف الموقف الأميركي، ولكن هذا الكلام، إضافة إلى رفض عون الخروج، وإضافة إلى الانهيار الاقتصادي والاضطراب السياسي والخلافات القائمة في الحكومة بين الوزراء، كل هذا يجعل الوضع في منتهى السوء. ما نخشاه هو أن تقرر الحكومة اللبنانية القيام بعمل عسكري وتطلب رسمياً من سوريا، تنفيذاً لاتفاق الطائف، تقديم المساعدة. هذا أمر نخشاه. الأمر الآخر الذي نخشاه هو أن تنهار الشرعية. ولذلك، أرى أن من المفيد أن يقوم السيد السفير باستدعاء ممثل للحكومة اللبنانية ويبلغه بشكل واضح الموقف الأميركي».
رد السفير قائلاً: «سأستدعي ممثل الحكومة اللبنانية غداً، وسأنقل الموقف الأميركي برمته إليه، حتى لا يبقى هناك سوء فهم. وسنقول للبنانيين إننا كنا دوماً معكم، ولسنا الآن في مجال أن ننتقدكم أو نزعجكم (...) لا أحب التعامل مع القيادة اللبنانية من خلال وسيط، ولدي الثقة بالممثل الذي سيرسله الهراوي. لكن ليس هناك بديل عن المناقشات وجهاً لوجه. أعمل وأصلي ليعود سفيرنا إلى لبنان حتى يكون هناك تبادل لوجهات النظر يومياً، لأن هذا مخيب للآمال، وخصوصاً بالنسبة للّبنانيين، لأني أعرفهم منذ سنوات، إذ إن عليك أن تتصل بهم يومياً حتى لا ينحرفوا عن الطريق. طبعاً أنا هنا، أوراقي واعتمادي في سوريا، وأستطيع أن أرى الرئيس الأسد بسهولة، ولكن لا يسمح لي الوقت لرؤية الهراوي. وطبعاً، حكومتي تسمح لي بمقابلة الحص، وهذه هي السياسة الصحيحة. ولكنْ هناك أمور مهمة سأؤكد على أن يكون كل شيء بشأنها مكتوباً، وسأقوم أنا بكتابتها شخصياً ليأخذها (الممثل الشخصي) للهراوي. هذه أفضل طريقة، وأنا أشكركم على تعليقاتكم، وآمل أن يكون الموقف واضحاً جداً (...)».
إزاء تطور الأوضاع في لبنان وأزمة الخليج، جرت مناقشة إمكانية العمل العسكري الذي تُلِحُّ عليه الحكومة اللبنانية، وجرت لقاءات عدة على المستوى العسكري، بين عسكريين سوريين ولبنانيين، واتُّخِذت كافة التحضيرات لتنفيذ هذا العمل. وأبلغنا الحكومة اللبنانية أن المشاركة السورية تتطلب وجود طلب لبناني، حتى يكون العمل في إطار الشرعية، ولإسقاط أي حملات في المستقبل، لا سيما وأننا دخلنا لبنان عام 1976 بطلب من الرئيس سليمان فرنجية والجبهة اللبنانية، ومع ذلك، بعد أشهر شنت تلك الجبهة حملات ضد سوريا، وتورطت في عمليات قتالية ضد قواتنا. ورأينا أن الولايات المتحدة باتت منخرطة بكل إمكاناتها في الخليج، مما لا يتيح لها الفرصة لموقف ضدنا أو تحريك إسرائيل، لأن أي تحرك إسرائيلي سيضر بعملية الخليج.
وفي 9 أكتوبر 1990، استقبلت السيد فارس بويز، مبعوث الرئيس الهراوي، وأبلغني رسالة موجهة لي وأخرى للرئيس الأسد، تتضمنان الاستعداد لإنهاء تمرد عون.
ولا بد من الإشارة إلى أن مجلس الوزراء اللبناني عندما ناقش الموضوع، اعترض الحص على استخدام القوة، واتُّخِذ القرار رغم عدم موافقته، ورفض توقيع الرسالة التي تطلب المساعدة السورية والتي كان يجب أن يوقعها باعتباره وزيراً للخارجية، فقام الهراوي بتوقيع الرسالة وتوجيهها إلى الرئيس الأسد.
وفي صباح 13 أكتوبر، قامت القوات السورية، بالاشتراك مع الجيش اللبناني، بشن هجوم واسع على منطقة سيطرة عون، مهدت له بقصف مدفعي وجوي. وفي التاسعة والنصف صباحاً، أعلن عون تسليمه للشرعية، وفر للسفارة الفرنسية التي التجأ إليها تاركاً زوجته وابنتيه اللواتي عاملهن جنودنا معاملة كريمة وحسنة. وفي الثانية عشرة كانت المنطقة كلها تحت السيطرة. وهكذا انتهى عون.
هكذا انتهى الجنرال المتمرد، وتم اتفاق بين الحكومة اللبنانية والسفير الفرنسي، بعد مفاوضات دامت عدة أيام، على ترحيل عون إلى فرنسا، ضمن شروط معينة، منها ألا يعود إلى لبنان قبل فترة محددة.
> سيادة الأخ الرئيس الفريق حافظ الأسد حفظه الله
تحية طيبة وبعد،
عطفاً على مباحثاتنا السابقة التي تناولنا فيها الرأي حول الأوضاع اللبنانية العامة، وما تعانيه من الحالة الشاذة المتمثلة بتمرد القائد السابق للجيش وعصيانه على السلطة الشرعية.
وبالإشارة إلى القمة السورية ـ اللبنانية الأخيرة التي ضمت في الجانب اللبناني كلاً من دولة رئيس مجلس النواب السيد حسين الحسيني ودولة رئيس مجلس الوزراء الدكتور سليم الحص، وتناولت بالبحث استمرار القائد السابق للجيش في تمرده ومواقفه السلبية، وما ينبغي اتخاذه من تدابير وإجراءات لوقف النزف اللبناني والقضاء على التمرد، مما يتيح للسلطة الشرعية إكمال مسيرة الإنقاذ والوفاق والسلام.
فإنه يسرني أن أعلم سيادتكم أن مجلس الوزراء تداول في التاسع من هذا الشهر في كل هذه الأمور، وقرر بالإجماع تأكيد قراراته السابقة بتكليف الجيش اللبناني إنهاء تمرد القائد السابق للجيش، ومناشدة سيادتكم، عملاً بوثيقة الوفاق الوطني، ومن واقع العلاقات الأخوية التي تربط بين سوريا ولبنان، إعطاء أوامركم الكريمة إلى القوات العربية السورية المتمركزة في لبنان لمؤازرة الجيش اللبناني في تنفيذ المهمة الموكلة إليه.
إني على ثقة كبيرة، ياسيادة الرئيس، بأن استجابتكم السريعة لهذا المطلب إنما تعكس عزمكم الأكيد على المساهمة الفاعلة في إنقاذ لبنان، وفي تحقيق أماني الشعب اللبناني وآماله بوطن عزيز يعمه الأمن والسلام والاستقرار، وإن لبنان السليم المعافى سوف يحفظ لسوريا الشقيقة بقيادتكم الحكيمة، الدعم الكبير الذي يلقاه منها كلما اشتدت عليه الصعاب وكلما احتاج إلى العون والمساعدة.
حفظكم الله يا سيادة الأخ الرئيس، وسدد خطاكم لما فيه عزة الشعب السوري الشقيق، ولما فيه مصلحة العرب ومصلحة بلدينا.
والسلام عليكم.
أخوكم
إلياس الهراوي
> سيادة الأخ الأستاذ عبد الحليم خدام المحترم
نائب رئيس الجمهورية العربية السورية
تحية طيبة وبعد،
يسرني أن أبعث إليكم نسخة عن قرار مجلس الوزراء المتخذ في الجلسة التي عقدها بتاريخ اليوم بشأن إنهاء الحالة الشاذة المتمثلة بتمرد القائد السابق للجيش، وطلب مؤازرة القوات العربية السورية للجيش اللبناني للقيام بالمهمة الموكلة إليه.
راجياً أن يكون في إنجاز هذه المهمة ما يساعد الدولة اللبنانية على إكمال مسيرة الإنقاذ والوفاق والسلام، بدعم أخوي كريم من الشقيقة سوريا بقيادة سيادة الرئيس حافظ الأسد.
مع أخلص عواطفي وأطيب تمنياتي.
أخوكم
إلياس الهراوي

خدام: الأسد اقترح إعطاء المعارضة العراقية وعوداً وهمية... وخاتمي حذر من دولة كردية (الحلقة الأولى)
خدام: الأسد غيّر رأيه ومدد للحود فاصطدمت سوريا بالإرادة الدولية (الحلقة الثانية)

خدام: استقبلنا رفيق الحريري بناء على اقتراح جنبلاط... وحافظ الأسد «امتحنه» (الحلقة الثالثة)
خدام: هاجمت قواتنا ثكنة «حزب الله»... وهذا ما دار مع السفير الإيراني (الحلقة الرابعة)

خدام: صدام بعث برسائل سرية إلى خامنئي ورفسنجاني... واقترح قمة بحضور «المرشد» (الحلقة السادسة)
رفسنجاني في رسالة لصدام: تتحدث عن القومية العربية وتنتقد رفضنا لاحتلال الكويت (الحلقة السابعة)
خدام: قلت لعرفات إنك تكذب وتتآمر على فلسطين ولبنان وسوريا (الحلقة الثامنة)
خدام: السعودية لعبت دوراً بارزاً لدى أميركا في حل «أزمة الصواريخ» مع إسرائيل (الحلقة التاسعة)
خدام: كنت أول وآخر مسؤول سوري يلتقى الخميني... وهذا محضر الاجتماع (الحلقة 10)

خدام: حافظ الأسد كان سريع التأثر بأفراد عائلته... وعلاقتنا وصلت أحياناً إلى القطيعة (الحلقة الـ 11 والأخيرة)



مواقف عربية وإسلامية موحدة «تُضيق الخناق» على تحركات إسرائيل بأرض الصومال

صوماليون يتظاهرون دعماً لوحدة أراضي الصومال في مقديشو 7 يناير 2026 (إ.ب.أ)
صوماليون يتظاهرون دعماً لوحدة أراضي الصومال في مقديشو 7 يناير 2026 (إ.ب.أ)
TT

مواقف عربية وإسلامية موحدة «تُضيق الخناق» على تحركات إسرائيل بأرض الصومال

صوماليون يتظاهرون دعماً لوحدة أراضي الصومال في مقديشو 7 يناير 2026 (إ.ب.أ)
صوماليون يتظاهرون دعماً لوحدة أراضي الصومال في مقديشو 7 يناير 2026 (إ.ب.أ)

تتوالى المواقف العربية والإسلامية الموحدة، التي تتفق على «رفض الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال دولة مستقلة»، وتؤكد وحدة الأراضي الصومالية وسلامjih، في ظل نشاط بارز على مستوى الهيئات والمؤسسات الأممية والدولية، ما يطرح تساؤلات حول قدرة هذه المواقف على حصار التحركات الإسرائيلة، وكان آخِرها زيارة وزير الخارجية جدعون ساعر إلى «الإقليم الانفصالي».

وأعربت دول عربية وإسلامية، الجمعة، عن إدانتها الشديدة لزيارة وزير الخارجية الإسرائيلي غير القانونية إلى منطقة «أرض الصومال»، الثلاثاء، مؤكدين أنها تُشكل انتهاكاً صارخاً لسيادة البلاد ووحدة أراضيها، وتُقوض الأعراف الدولية الراسخة وميثاق الأمم المتحدة.

جاء ذلك في بيان لوزراء خارجية كل من السعودية ومصر والجزائر وبنغلاديش وجزر القمر وجيبوتي وغامبيا وإندونيسيا وإيران والأردن والكويت وليبيا والمالديف ونيجيريا وسلطنة عمان وباكستان وفلسطين وقطر والصومال والسودان وتركيا واليمن، ومنظمة التعاون الإسلامي.

وجدد الوزراء تأكيد دعمهم الثابت لسيادة الصومال ووحدة أراضيها، وعبّروا عن رفضهم تشجيع الأجندات الانفصالية، وأنها تهدد بتفاقم التوترات في منطقة غير مستقرة، مؤكدين أن احترام القانون الدولي، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول ذات السيادة، والالتزام بالأعراف الدبلوماسية، تعد أساسيات لتحقيق الاستقرار الإقليمي والدولي.

تأتي هذه الموقف عشية عقد منظمة التعاون الإسلامي اجتماعاً وزارياً طارئاً، السبت، في مقر الأمانة العامة للمنظمة بمدينة جدة السعودية؛ لبلورة موقف إسلامي إزاء اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» الانفصالي.

صوماليون يتظاهرون دعماً لوحدة أراضي الصومال في مقديشو 7 يناير 2026 (إ.ب.أ)

واتفق خبراء، في تصريحات، لـ«الشرق الأوسط»، على أن التحركات الجماعية الموحدة يمكن أن «تُضيق الخناق» على التحركات الإسرائيلية الأخيرة في «الإقليم الانفصالي»، بما لا يسمح بوجود اعترافات أخرى تسير على الخطوة الإسرائيلية نفسها، وأنها تستهدف «عزل» إسرائيل دولياً انتظاراً لخطوات أخرى يمكن أن تقوم بها الدولة الصومالية تجاه الإقليم، أو فتح المجال أمام مفاوضات صومالية- صومالية.

تحركات جماعية

ومنذ أن أعلنت إسرائيل خطوة «الاعتراف بالإقليم الانفصالي»، في 26 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، جاء التحرك جماعياً من أربع دول هي مصر وتركيا وجيبوتي والصومال، نددوا، في بيان موحد، بالخطوة الإسرائيلية، وأكدوا «رفضهم الكامل لأي إجراءات أحادية مِن شأنها المساس بالسيادة الصومالية أو تقويض أسس الاستقرار في البلاد»، وكذلك «رفض أي كيانات موازية تتعارض مع وحدة الدولة الصومالية».

وفي اليوم التالي، صدر بيان من 21 دولة عربية وإسلامية إلى جانب منظمة التعاون الإسلامي، شددوا فيه على أن «الاعتراف باستقلال أجزاء من أراضي الدول يمثل سابقة خطيرة وتهديداً للسلم والأمن الدوليين وللمبادئ المستقرة للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة»، وأكدوا «الرفض القاطع للربط بين هذا الإجراء وأي مخططات لتهجير أبناء الشعب الفلسطيني خارج أرضه».

مواقف عربية وإسلامية موحدة ضد الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال (الجامعة العربية)

وأكد عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير صلاح حليمة، «أن المواقف العربية والإسلامية الموحدة نشطة وفاعلة وإيجابية وتتماشى مع المواقف الأخرى التي اتخذتها الهيئات والمؤسسات الدولية؛ بينها جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، كما أن الولايات المتحدة أكدت دعم وحدة الصومال، وإن كان موقفها رمادياً من الخطوة الإسرائيلية، ما جعل هناك مخاوف من إعلان اعترافات أخرى تبدو حتى الآن مترددة».

وأوضح، في تصريح، لـ«الشرق الأوسط»، أن الموقف الدولي الرافض للخطوة بكل هذا الزخم يقوّض أي اعترافات جديدة في الوقت الحالي، ويشكل ضغطاً على إسرائيل، لكنه قد لا يدفعها نحو مراجعة اعترافها، والهدف هو تضييق الخناق على تحركاتها، خاصة بعد زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي «للإقليم»، ولا سيما أن ذلك قد تستتبعه خطوات خشنة من جانب الحكومة الصومالية ضد «صوماليلاند»، أو فتح المجال أمام مفاوضات صومالية- صومالية.

تضييق الخناق

وشدد البيان العربي الإسلامي الأخير على ضرورة «احترام إسرائيل الكامل لسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية ووحدتها الوطنية وسلامة أراضيها، والوفاء بالتزاماتها، وفقاً للقانون الدولي»، وطالبوا «بسحب الاعتراف الصادر عن إسرائيل فوراً».

وأكدت مساعدة وزير الخارجية المصري الأسبق للشؤون الأفريقية، السفيرة منى عمر، لـ«الشرق الأوسط»، أن إسرائيل اعتادت أن تضرب بعرض الحائط كل المناشدات والقرارات الدولية، غير أن المواقف الجماعية تزيد من عزلتها، وهناك صعوبة في أن تمضي نحو تنفيذ خططها في ظل الرفض الواسع لخطوة «الاعتراف».

وأضافت: «الهدف من المواقف الجماعية هو التقليل من تأثير زيارة ساعر إلى (أرض الصومال)، وكذلك الزيارة المرتقبة لعبد الرحمن محمد عبد الله رئيس ما يُعرَف (بإقليم أرض الصومال) إلى إسرائيل، إلى جانب تضييق الخناق على التحركات الإسرائيلية نحو إقامة قواعد عسكرية هناك، أو تنفيذ خطط تهجير الفلسطينيين».

وأوضحت أنه في حال اتخاذ الولايات المتحدة الأميركية مواقف أكثر إيجابية بشأن الحفاظ على وحدة وسلامة الصومال، فإن إسرائيل ستواجه عزلة حقيقية في «الإقليم الانفصالي»، لكن دون أن يؤدي ذلك إلى سحب اعترافها.

جلسة سابقة لوزراء الخارجية العرب (الجامعة العربية)

وفي حديث، لصحيفة «نيويورك بوست»، ذكر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه «لن يسير على نهج نتنياهو في الاعتراف باستقلال أرض الصومال»، قائلاً إنه «يجب أن يدرس عرض نتنياهو»، وذلك بعد ساعات من الخطوة الإسرائيلية.

مواجهة شاملة

ورداً على سؤال حول ما إذا كانت التحركات الجماعية تكفي «لوقف الاعتراف الإسرائيلي»، قال خبير الشؤون الأفريقية رامي زهدي إنه يمكن للمواقف العربية والإسلامية أن يكون لها تأثير، شرط أن تأتي ضمن مواجهة شاملة للتحركات الإسرائيلية، مشدداً على أهمية «اتخاذ مواقف استراتيحية شاملة» تهدف إلى «حماية استقرار القرن الأفريقي، ومنع تفكيك الدول الوطنية، وقطع الطريق على توظيف النزعات الانفصالية كأدوات في صراعات النفوذ الدولية».

وأضاف، في تصريح، لـ«الشرق الأوسط»، أن المواقف الموحدة تعكس «انتقالاً واضحاً من رد الفعل إلى الفعل الدبلوماسي المنسق، القائم على بناء التحالفات، وتدويل القضايا العادلة، والدفاع الصريح عن سيادة الدول ووحدة أراضيها»، مشيراً إلى أن هذه المواقف تُعد «رسالة ردع سياسية وقانونية واضحة، ليست موجهة لإسرائيل وحدها، بل لكل الأطراف التي قد تفكر في التعامل مع الكيانات الانفصالية خارج إطار الشرعية الدولية».

وأكد أن «المطالبة الصريحة بسحب الاعتراف الإسرائيلي تمثل شكلاً من أشكال (الدبلوماسية المتصاعدة والخشنة)، لكنها دبلوماسية محسوبة تختبر جدية التزام المجتمع الدولي بالقانون الدولي وعدم ازدواجيته، وتعكس انتقالاً من مرحلة الإدانة الرمزية إلى (مرحلة الضغط السياسي والقانوني المنظم)».


تحركات ملادينوف بين إسرائيل ورام الله تُعجّل بلجنة «إدارة غزة»

صورة عامة تُظهر الدمار الذي لحق بمخيم البريج في وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
صورة عامة تُظهر الدمار الذي لحق بمخيم البريج في وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

تحركات ملادينوف بين إسرائيل ورام الله تُعجّل بلجنة «إدارة غزة»

صورة عامة تُظهر الدمار الذي لحق بمخيم البريج في وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
صورة عامة تُظهر الدمار الذي لحق بمخيم البريج في وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

بحث المرشح لمنصب مدير «مجلس السلام» في غزة، نيكولاي ملادينوف، مع نائب رئيس فلسطين، حسين الشيخ، ترتيبات المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة.

هذا اللقاء، الذي جاء غداة اجتماع ملادينوف مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، رآه خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» يعزز فرص بدء المرحلة الثانية وإعلان تشكيل لجنة إدارة قطاع غزة.

وكان نتنياهو أعلن اختيار الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف، المبعوث الأممي السابق للشرق الأوسط بين أوائل عام 2015 ونهاية 2020 ليشغل منصب المدير العام لمجلس السلام الذي يترأسه الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، المكلف بالإشراف على عملية السلام في غزة.

واستقبل الشيخ، الجمعة، في مكتبه بمدينة رام الله، نيكولاي ملادينوف والوفد المرافق له، وذلك بحضور رئيس جهاز المخابرات العامة، اللواء ماجد فرج، بحسب ما نقلته وكالة «الأنباء الفلسطينية»، دون أن توصّف المبعوث الأميركي بصفته الجديدة.

وبحث الاجتماع «دور اللجنة الإدارية الفلسطينية وقوات الشرطة والأمن الفلسطيني في تولي مهامها وربطها مع السلطة الفلسطينية صاحبة السيادة والشرعية، وسبل تنفيذ المرحلة الثانية من خطة الرئيس ترمب في ظل قرب إعلان تشكيل مجلس السلام».

وشدد الشيخ على ضرورة البدء بتنفيذ تلك المرحلة، مؤكداً أهمية الانسحاب الإسرائيلي الكامل من قطاع غزة، في إطار تنفيذ المرحلة الثانية التي تشمل نهاية حكم «حماس» وتسليم سلاحها، والذهاب إلى عملية إعادة الإعمار وفق خطة الرئيس ترمب.

وأكد الشيخ خلال اللقاء «أن قطاع غزة هو جزء من دولة فلسطين، وعلى أهمية الربط السياسي والإداري والقانوني بين المؤسسات الفلسطينية في قطاع غزة والسلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية، واحترام مبدأ السلطة الواحدة والقانون الواحد والسلاح الشرعي الواحد».

وقال الشيخ: «في الوقت الذي يتم فيه تنفيذ خطة انتقالية في قطاع غزة فلا بد من وجود خطة عاجلة لوقف جميع الأعمال الأحادية الجانب التي تنتهك القانون الدولي وعلى رأسها وقف التوسع الاستيطاني وإرهاب المستوطنين والإفراج عن الأموال الفلسطينية المحتجزة».

ومساء الخميس، قال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي في بيان، إن نتنياهو أصر على ضرورة نزع سلاح «حماس» وتجريد غزة من السلاح، وهما شرطان من خطة وقف إطلاق النار المكونة من 20 نقطة التي طرحتها إدارة ترمب.

ورأى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أن ملادينوف، دبلوماسي محترف وسمعته جيدة وسيكون المدير المعين للمجلس، رغم أن ترتيبه رقم 2 بعد رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، الذي لم يحظ بقبول عربي، لافتاً إلى أنه «يرتب الأجواء ويُسرع من خطوات إعلان لجنة التكنوقراط برئاسة فلسطينية».

نائب رئيس دولة فلسطين يستقبل نيكولاي ملادينوف والوفد المرافق في رام الله الجمعة (وكالة الأنباء الفلسطينية)

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن ملادينوف ليس جديداً على قطاع غزة، خاصة أنه سبق أن كان له وجود أممي في الشرق الأوسط قبل سنوات، لافتاً إلى أنه زار نتنياهو والشيخ بهدف استطلاع الآراء وتقارب وجهات النظر بهدف الوصول إلى تفاهمات تقود لإدارة فلسطينية للقطاع بشكل جزئي يزداد طبقاً للتقدم في المرحلة الثانية، ومدى القدرة على حل العقبات خاصة المرتبطة بنزع سلاح «حماس» والقطاع.

وبموجب خطة ترمب للسلام في غزة، المؤلَّفة من 20 بنداً، ستُدير قطاعَ غزة لجنة فلسطينية انتقالية مؤقتة من التكنوقراط غير الحزبيين، تحت إشراف ومتابعة من مجلس السلام.

ونقل موقع «أكسيوس» الأميركي، عن مسؤولين أميركيين ومصادر مطلعة، أنه من المتوقع أن يعلن ترمب، الأسبوع الحالي، عن المجلس، في إطار المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، الذي أُبرم بين إسرائيل وحركة «حماس»، الذي دخل حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي في اتصال هاتفي مع الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، مساء الخميس، أهمية الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، والإعلان عن تشكيل لجنة التكنوقراط الفلسطينية المؤقتة لإدارة شؤون القطاع، وتشكيل قوة الاستقرار الدولية.

ويتوقع فهمي إعلان مجلس السلام هذه الأيام، مع ضغوط لإعلان اللجنة وتلافي أي تحفظات على الأسماء المطروحة بهدف بدء تنفيذ المرحلة الثانية بشكل حقيقي بعيداً عن أي مناورات أو عراقيل إسرائيلية. فيما يعتقد مطاوع أن يتم الإعلان عن المجلس ولجنة الإدارة الأسبوع الحالي بهدف التقدم إلى المرحلة الثانية وبدئها بشكل فعلي.


حلّ «الانتقالي» يمهّد لتسويات هادئة في جنوب اليمن

موالون للمجلس الانتقالي الجنوبي يتظاهرون في عدن قبل أسبوع من حله (رويترز)
موالون للمجلس الانتقالي الجنوبي يتظاهرون في عدن قبل أسبوع من حله (رويترز)
TT

حلّ «الانتقالي» يمهّد لتسويات هادئة في جنوب اليمن

موالون للمجلس الانتقالي الجنوبي يتظاهرون في عدن قبل أسبوع من حله (رويترز)
موالون للمجلس الانتقالي الجنوبي يتظاهرون في عدن قبل أسبوع من حله (رويترز)

بينما تسعى الحكومة اليمنية بقيادة مجلس القيادة الرئاسي إلى توحيد القرار العسكري والأمني في الجنوب تحت وزارتي الدفاع والداخلية، لتحجيم أي ميل نحو الفوضى بعد الأحداث الأخيرة، ومنع تكرار التمرد والانزلاق إلى العنف، تقف مختلف القوى السياسية والاجتماعية أمام تحدي العودة إلى حراك سياسي يؤدي إلى حلول عملية وعادلة للأزمات والقضية الجنوبية.

وأدت التطورات الأخيرة، وفي مقدمها حلّ المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، والتي جاءت بعد أيام من مغادرة رئيسه عيدروس الزبيدي للمشهد، بالهروب ورفض المشاركة في أي حوارات مقبلة، تحولاً نوعياً في توازنات القوة السياسية والأمنية، وفتحت المجال أمام مرحلة تغيب فيها الانقسامات الكبرى، مفسحة المجال لترتيبات هادئة وحوارات تتصدرها القضية الجنوبية التي ستحظى بالنصيب الأول من الاهتمام الرسمي والشعبي تحت ضغط المخاوف من عودة الاضطرابات.

وبقدر ما يُعدّ خروج الزبيدي من المشهد وطيّ المجلس الانتقالي الجنوبي نهاية لمشروع استمر أكثر من 8 أعوام قبل أن ينزلق نحو الفوضى والعنف في الأسابيع الأخيرة، فإن الحكومة الشرعية والتحالف الداعم للشرعية بقيادة السعودية، أبديا مرونة كبيرة مع قياداته، في إطار التعامل مع الجنوب بصفته ملفاً أمنياً وإدارياً قبل أن يكون قضية سياسية قابلة للحسم السريع.

لقطة لعيدروس الزبيدي في عدن عمرها 10 أعوام وتعود لما قبل تشكيل المجلس الانتقالي (غيتي)

وأعفى هروب الزبيدي جميع الأطراف من تكلفة التعقيدات التي كان سيفرضها حضوره في المشهد السياسي والميداني مستقبلاً، والثمن غير المحسوب لاستمرار إدارة الأزمة بالتوتر الأمني والعسكري.

ويطالب عتيق باحقيبة، القيادي في الحزب الاشتراكي في محافظة حضرموت، بما ورد في خطاب رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، عند زيارته لحضرموت منتصف العام قبل الماضي، والذي وعد خلالها بأن تدير المحافظة نفسها إدارة كاملة، ويؤكد أن موقف حلف قبائل حضرموت يتمسك بحصول المحافظة على هذا المكسب، جزءاً من حل الأزمة في اليمن بما فيها القضية الجنوبية.

خيار الإدارة المرنة

لا يمكن لأي تسوية جنوبية أن تمرّ دون أن يكون لمحافظة حضرموت الدور الفاعل والصوت الأبرز في حدوثها، خصوصاً بعدما شهدته من أحداث وتطورات، وهو ما يفسرّ تكثيف الحراك السياسي والأمني فيها خلال الأسابيع الأخيرة.

يؤكد باحقيبة لـ«الشرق الأوسط» أن حلف قبائل حضرموت يتمسك بحكم المحافظة لذاتها كون ذلك أحد مطالب أبنائها ومختلف القوى السياسية والاجتماعية فيها، خصوصاً وأن الأحداث الأخيرة، والتي تورطت فيها قوى من خارجها، كادت أن تؤدي إلى غرقها في الفوضى الأمنية والعسكرية، لولا حزم القرارات الرئاسية وتدخل السعودية.

أفراد تابعون لحلف قبائل حضرموت في مدينة المكلا بعد خروج قوات «الانتقالي» منها (غيتي)

ويرى باحقيبة، أن مؤتمر الحوار الجنوبي الذي دعت له الرياض، يكتسب أهمية كبرى للمحافظة والجنوب في هذا الظرف الحساس؛ ما يقتضي مشاركة جميع القوى الحضرمية فيها بفاعلية، إلى جانب الاصطفاف مع السلطة المحلية بقيادة سالم الخنبشي، محافظ المحافظة، وقائد قوات «درع الوطن» فيها.

ومرة أخرى تعود القضية الجنوبية، بعد حلّ المجلس الانتقالي، إلى ملفات التفاوض المؤجلة، والمرتبطة بمآلات الحرب مع الحوثيين والتوازنات الإقليمية، وبقدر ما يقلّص هذا التحول مساحة الشعارات، إلا أنه يفتح الباب أمام مكاسب عملية على الأرض، شرط وجود قيادة جنوبية قادرة على إدارة الواقع بدلاً من الهروب إلى خطاب العنف.

وأفرزت الأحداث التي شهدها اليمن على مدى السنوات الماضية أن التعاطي بجدية واهتمام بالمطالب الجنوبية أكثر فاعلية وجدوى من تجاهلها أو مواجهتها؛ إذ يسمح خيار الإدارة المرنة بتحقيق الاستقرار ومنع فتح جبهات جديدة، ويؤدي إلى تحجيم الخطاب المناطقي دون تفكيك الخطاب المطالب بالعدالة والإنصاف.

ويرى علي الخولاني، الأكاديمي والباحث السياسي اليمني، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن الفرصة الآن متاحة للعمل السياسي بعيداً عن الهيمنة الأحادية، بعد أن أثبتت الأحداث الأخيرة أن لا تهاون مع أي أعمال تسعى إلى تقسيم اليمن أو ممارسات تؤدي إلى الإضرار بالأمن القومي لجيرانها، خصوصاً تلك التي تشبه في طبيعتها تصرفات الجماعة الحوثية، والتي كان لا مفر من التعامل معها بالقوة.

يمثل استقرار الوضع الأمني في اليمن أهمية بالغة لتأمين الممرات المائية في منطقة الشرق الأوسط (غيتي)

ويشير الخولاني، وهو رئيس «المركز اليمني المستقل للدراسات الاستراتيجية» إلى أن حلّ المجلس الانتقالي، بعد موافقة قادته على المشاركة في حوار جنوبي - جنوبي، يضع جميع القوى الجنوبية أمام مسؤولية المشاركة في صنع القرار من خلال إعادة توزيع السلطة السياسية في الجنوب، بعيداً عن أي مغامرات تؤدي إلى الإضرار بأمن المنطقة أو التعاون مع أي قوى تسعى إلى إحداث اختراقات وفوضى فيها.

تسويق نموذج

دفعت القوى السياسية والاجتماعية في محافظة حضرموت باتجاه صياغة حلول أكثر قابلية للاستمرار، فلا سعي لتفكيك الدولة اليمنية، ولا عودة كاملة إلى مركزية ما قبل الحرب، وذلك من خلال دعواتها إلى إدارة ذاتية للمحافظات الجنوبية، وفي صدارتها المحافظة الأكبر في البلاد.

وتلعب حضرموت دوراً محورياً في مستقبل البلاد عموماً والجنوب خصوصاً، بصفتها المحافظة التي شهدت استقراراً أكثر من غيرها خلال سنوات الحرب، رغم ما مرّت به من ظروف معقدة، والأكثر جذباً لمشاريع الحكم المتحررة من المركزية المشددة.

مشهد من المواجهات التي شهدتها حضرموت خلال تقدم قوات «درع الوطن» الحكومية لاستعادتها (أ.ف.ب)

وترجح أحلام جابر، الناشطة السياسية في مدينة المكلا، أن يفضي مؤتمر الحوار المرتقب في الرياض إلى إعادة ترتيب المشهد الجنوبي على أسس سياسية عادلة تعترف بالوقائع والمعطيات على الأرض، وأن تكون محافظة حضرموت فاعلة في إحداث فارق جوهري وإنجاز قطيعة مع مرحلة الشتات السابقة.

وبيَّنت جابر لـ«الشرق الأوسط» أن حضرموت تمثل نموذجاً يمكن أن يفرض نفسه على باقي المحافظات، ليس في الجنوب فقط، بل في كامل البلاد؛ ما يسهل في تفكيك العقد المزمنة وتعديل طرق التعامل مع الأزمات، فهناك سلطة محلية تتحدث باسم المحافظة، وحلف القبائل الذي يمتلك حضوراً اجتماعياً وأمنياً فاعلاً، إلى جانب تيارات وشخصيات اجتماعية واقتصادية وأكاديمية وإدارية تضع الرؤى وتحدد الاستراتيجيات.

ولا تعدّ مرحلة ما بعد المجلس الانتقالي الجنوبي فراغاً سياسياً، بل إعادة تموضع، حيث يتجه الجنوب، بفعل حزم السلطة الشرعية ودعم التحالف بقيادة السعودية، نحو مرحلة من الاستقرار الذي ينتظر حسماً سياسياً وتسوية شاملة بدون توترات أمنية.