خدام: هاجمت قواتنا ثكنة «حزب الله»... وهذا ما دار مع السفير الإيراني (الحلقة الرابعة)

عبّر في مذكراته التي تنشرها «الشرق الأوسط» عن استغرابه أن تعامل طهران التنظيم في مستوى علاقتها مع دمشق

الرئيسان السوري بشار الأسد (وسط) والإيراني محمود أحمدي نجاد والأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله في دمشق في 25 فبراير 2010 (غيتي)
الرئيسان السوري بشار الأسد (وسط) والإيراني محمود أحمدي نجاد والأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله في دمشق في 25 فبراير 2010 (غيتي)
TT

خدام: هاجمت قواتنا ثكنة «حزب الله»... وهذا ما دار مع السفير الإيراني (الحلقة الرابعة)

الرئيسان السوري بشار الأسد (وسط) والإيراني محمود أحمدي نجاد والأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله في دمشق في 25 فبراير 2010 (غيتي)
الرئيسان السوري بشار الأسد (وسط) والإيراني محمود أحمدي نجاد والأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله في دمشق في 25 فبراير 2010 (غيتي)

في منتصف فبراير (شباط) 1987، وصل إلى دمشق وفد من القيادات الإسلامية اللبنانية، والتقى نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام، وطلب تدخل القوات السورية لفرض الأمن في بيروت، بعد صدامات وفوضى حصلت في المدينة.
عرض خدام الأمر على الرئيس حافظ الأسد، الذي قرر إرسال وحدة عسكرية لفرض الأمن في جميع مناطق العاصمة اللبنانية، بما فيها «ثكنة فتح الله» التابعة لـ«حزب الله».
في هذه الحلقة من فصول مذكرات خدام التي تنشرها «الشرق الأوسط»، يروي نائب الرئيس السوري الراحل، الحوار الذي دار في مارس (آذار) 1987، بينه وبين السفير الإيراني في دمشق حسن أختري، الذي طلب اللقاء للتوسط لـ«حزب الله».
ويقول خدام إنه أبلغ أختري: «يجب على المسؤولين في إيران ألا يقارنوا بين (حزب الله) وسوريا، والمسؤولون في إيران يعرفون مواقف سوريا تجاه إيران، ونأمل أن يدرك أصدقاؤنا أهمية نجاح سوريا في إنهاء الأزمة اللبنانية. وأؤكد أنه ليس في نية سوريا ضرب (حزب الله)، ولكنها لا تستطيع أن تقبل برفضه الالتزام بالخطة الأمنية».
وهنا نص الحلقة الرابعة:
في العام 1986 ومطلع 1987، انهار الأمن في بيروت، ونشطت العصابات والميليشيات المسلحة في عمليات النهب والسلب والسرقة والقتل، إضافة إلى الصِّدَامات بين بعضها البعض: صِدام بين حركة «أمل» و«المرابطون»، وبين «أمل» و«الحزب التقدمي الاشتراكي» و«الحزب الشيوعي»، بالإضافة إلى حرب بين «أمل» والمخيمات، ثم بينها وبين «حزب الله».
وفي منتصف فبراير (شباط) 1986 وصل إلى دمشق وفد من القيادات الإسلامية في بيروت، يضم قادة من مختلف المذاهب. ولدى استقباله، عرض الأوضاع والحالة المزرية التي يعيشها سكان بيروت، وطلب تدخل سوريا عبر قوة أمنية لفرض الأمن.
عرضتُ الموضوع على الرئيس حافظ الأسد، وبعد مناقشة اتخذ قراراً بإرسال وحدة عسكرية إلى بيروت، استجابة لطلب القيادات الإسلامية، وأعطى توجيهاته لقيادة الجيش لتنفيذ المهمة. وتم وضع «خطة أمنية» لبيروت، ودخلت القوة السورية لتنفيذها، فأغلقت مقرات الميليشيات، وصادرت ما عثرت عليه من أسلحة في تلك المقرات.
وخلال تلك العملية، توجهت قوة إلى ثكنة لـ«حزب الله» في بيروت، تُعرف باسم «ثكنة فتح الله»، وطلبت من أعضاء الحزب إخلاء المقر وتسليم أسلحتهم. وجرى نقاش لبعض الوقت، وفوجئت القوة بإطلاق نار شديد، ما أدى إلى قتل بعض الجنود، فردت القوة بالمثل، ما أدى إلى قتل 22 شخصاً، واستولت القوة السورية على الثكنة.

وفي الثالث من مارس (آذار) 1987 استقبلتُ السفير الإيراني في دمشق حسن أختري، الذي قال إنه طلب المقابلة لمناقشة بعض الأمور.
وحسب محضر الاجتماع المسجل بيننا، فإن الموضوع الأول كان ما حصل في بيروت، وفي «ثكنة فتح الله» بالذات، والأحداث المتلاحقة التي تحصل حتى يومنا هذا تباعاً في بيروت الغربية.
وجاء في المحضر قوله: «بالنسبة للحادث الأول، حول قتل مجموعة من الرجال والنساء والأطفال، كان لهذا الحادث وقع شديد على المسؤولين في إيران. الانطباع في إيران لا يزال أن هذا العمل طائش ولم يكن عملاً مسؤولاً. لقد دُهش المسؤولون في إيران من الحادثة. والأحداث اللاحقة تضمنت ملاحقة الأشخاص الملتحين، وعمليات تفتيش للنساء من قِبل الرجال. ووصلت عمليات التفتيش حتى إلى تفتيش سيارة القائم بالأعمال الإيراني في بيروت، وأنزلوه هو وسائقه وفتشوهما جسدياً. هذه الأحداث حصلت رغم أننا لم نكن نتوقعها، لأن المسؤولين في إيران رحّبوا منذ البداية بالخطة الأمنية، ولم يكن هناك أحد يعارضها في بيروت الغربية. وحتى في حديثي مع السيد فاروق الشرع (وزير الخارجية السابق) تحدثت في أن يكون التعاون من (حزب الله)، وبعد أن أتوا وتحدثوا مع سيادتكم وعدوا بأن يكونوا ملتزمين، وهذه الأحداث تحصل رغم التزامهم ورغم أنهم لم يُخِلّوا بالالتزام».
أضاف «النقطة الثانية تخص الضاحية الجنوبية (من بيروت) ودخول الضاحية، وشمول الخطة أو عدم شمولها للضاحية. وهناك تصريحات ونفي للتصريحات. لقد صرح العميد غازي كنعان (مسؤول الاستخبارات السورية في لبنان) أن القوات السورية ستدخل إلى الضاحية الجنوبية، وبعدها نفى ذلك. والإخوة في طهران يريدون أن يعرفوا ما مدى أبعاد الخطة الأمنية، وهل ستشمل الضاحية الجنوبية؟».
وزاد: «هناك نقطة أخرى: موضوع مصادرة السلاح من منازل المسلمين في بيروت الغربية. أذكر لقائي مع الرئيس حافظ الأسد، أثناء تقديم أوراق اعتمادي. لقد تحدثت في هذا الموضوع، وقال: هذا الموضوع غير مطروح لدينا. ليس مطروحاً أن نأخذ سلاحهم، بل سنعطيهم السلاح ليكافحوا وليناضلوا».
وأضاف أختري «الآن، تأخذون الأسلحة من منازل الناس. لا أدري كيف يحصل ذلك. هل يكون في منازلهم سلاح أم يؤخذ هذا السلاح؟ نحن، أي المسؤولين في إيران، وإخواننا في «حزب الله»، وضعنا كل جهودنا لكي لا تكون هناك مبررات أو حجج تزيد الوضع تدهوراً، بل نريد ألا يكون هناك أي شيء يشوب الأجواء. طبعاً، سيادتكم أعلم بما أريد قوله. ومن الواضح جداً أن أعداءنا منزعجون كثيراً من العلاقات المتينة بين البلدين، ويسعون بكل الوسائل الممكنة ليُخِلّوا بهذه العلاقات المتينة، أو لإيجاد نوع من البرود من طريق تسخين الأحداث. هناك في الصحف مقالات وصور وكأن هناك معركة بيننا يريدون تكبيرها. نحن وأنتم ندرك ذلك، ونحن ندرك ونقدر تماماً عنايات وألطاف القيادة السورية والأخ حافظ الأسد».
ومضى، قائلا إنه «بالنسبة لـ(حزب الله)، نحن في الحقيقة نريد للحزب أن يكون عنصراً فعالاً وقويّاً في مواجهة إسرائيل. نريد له أن نكون ساعداً قويّاً بيد سوريا لمواجهة إسرائيل، لذلك نرى الآن حملة دعائية شعواء تريد أن تخل بالعلاقات بين سوريا و(حزب الله)، والأعداء يعملون على ذلك من طريق الدعاية للإيحاء بأن هناك تناقضات بيننا، وهذا مسعى الأعداء ونريد إفشاله. المسؤولون في إيران، وأخص بالذكر الرئيس (السابق علي) خامنئي و(هاشمي) رفسنجاني و(رئيس الوزراء) أمير حسين موسوي، في كل التصريحات بعد حادثة بيروت الغربية، وصفوها بأنها حادثة غير مسؤولة، وأن القيادة السورية هي السند لظهر (حزب الله)، لأن القيادة السورية تدرك أن (حزب الله) هو الذراع لمقاتلة إسرائيل».
وتابع: «هذه الدعاية التي تريد أن تفصل بين سوريا و(حزب الله) ليست إلا دعاية ومؤامرة لمصلحتهم الذاتية، وسوريا هي السند القوي الداعم لـ(حزب الله). طبعاً تعرفون أن المسؤولين في إيران يتعرضون لنوع من الضغط الشعبي، لأن الجماهير الشعبية في إيران، انطلاقاً من محبتها وميلها وشوقها للقيادة السورية، لا يمكن أن تصدق ذلك. لقد تفاجأَتْ بما حصل، وهذه الحالة أحدثت نوعاً من القلق لدى المسؤولين الإيرانيين. والمسؤولون في إيران، من أجل السيطرة على هذه المشاعر، يبررون ذلك بأن الحادث عمل شخصي، وهو من عمل أشخاص معينين. وبهذه الوسيلة يحاولون السيطرة على الشارع الذي تأثر بهذه الحادثة».
وأشار إلى أنه «في أول ليلة بعدما وصلني خبر الحادثة في فتح الله، اتصلت بالشرع ولم أجده، وبعد فترة اتصل بي وزير الخارجية (علي ولايتي). اتصلت ببيروت، وطلبت منهم ضبط النفس، وأن نمنع حدوث أي حادثة تضر بأشياء لا نريد أن نضر بها، وأن نسعى لعدم حدوث أي مشكلة. فأي مشكلة يمكن أن نحلها بالتفاهم ودون أن يكون الحل متناقضاً مع الخطة السورية، ونحن مستعدون للمساعدة، وأشرت إلى هذه الأمور بصورة عامة».
وزاد أختري: «هذه الأحداث تثير العواطف لدى الناس لدرجة يصبح من الصعب معها السيطرة عليها بالنسبة لنا ولكم ولـ(حزب الله). ونحن نتوقع ألّا تكون هناك إهانة لمعتقدات الناس. وبالنسبة للتفتيش الشخصي، مثلاً، يمكن معاملتهم بالحسنى والسلوك الأخوي. وحتى إذا أرادوا تفتيش منزل شخص، من الممكن أن تكون المعاملة أخوية. ونحن في إيران نفتش: الرجال يفتشون الرجال، والنساء يفتشن النساء. وبالنسبة للحادثة الأصلية، وهي مقتل الشباب، ففي رأيي كان ممكناً أن يصدر تصريح، أو إشارة تخفف من وقع ما حدث».
وبعد أن أنهى أختري كلامه، تناولت الحديث قائلاً: «لدينا معلومات أخرى مخالفة تماماً: أولاً، أشكر السفير لعرض هذه الوقائع. ولتوضيح ما يجب توضيحه، قبل كل شي أؤكد على نقطتين:
النقطة الأولى: حرصت سوريا على العلاقات المتينة والأخوية القائمة مع إيران، ودائماً كانت تعمل على تمتين هذه العلاقات. وأؤكد هذا الحرص، رغم بعض التصريحات غير المسؤولة التي صدرت في طهران والتي لا تعكس رغبتنا تماما في العلاقات.
لقد صدرت في إيران موجة من التصريحات، منها ما أشار إلى العلاقات الأخوية القائمة بين سوريا وإيران، ومنها ما تناسى فيها المسؤولون سوريا والعلاقات معها، ولم يعد يرى في الدنيا إلا حادثة جرت في لبنان. ونبدي أسفنا لصدور هذه التصريحات، ومنها تصريح الدكتور (علي) ولايتي والحوزة العلمية، وقسم من تصريح (مير حسين) موسوي الذي قال: «مَنْ يمد يده على (حزب الله) يخدم إسرائيل وأميركا»، بالإضافة إلى الطلاب وجهات أخرى. هذا يدعو للأسف. حجم العلاقات بين سوريا وإيران ونضالهما المشترك يجب أن نرى جميعاً أنه أكبر بكثير من حادثة تقع هنا أو هناك. ومن المؤسف أن تضع بعض الشخصيات في إيران سوريا في كفة و«حزب الله» في كفة أخرى. نحن نقدر أن هناك تعبئة معادية لسوريا، لكن نتوقع أن تلجمها القيادة في إيران كما نلجم أي تعبئة معادية لإيران في سوريا.
وأضفت «نحن، إذا تفوَّه مواطن بكلمة واحدة ضد إيران نضعه في السجن، وإذا قامت فئة من الناس تنتقد إيران نتعامل بها بشدة. هكذا نفهم الحرص على العلاقات بين البلدين. إن المسؤولية في الشؤون اللبنانية تقع على عاتق سوريا، لأن لبنان له علاقات خاصة مع سوريا. نحن شعب واحد، بالإضافة إلى أن ما يجري في لبنان ينعكس مباشرة على أمن سوريا وسياستها في المنطقة، وهذه السياسة من المفروض أن تُدعم من أصدقائنا في الجمهورية الإيرانية، لأنها في خطوطها الأساسية تنسجم مع سياساتها المعادية للإمبريالية والصهيونية».
وتابعت قائلاً: «مع ذلك، ورغم كل هذه التصريحات، ستظل سوريا مخلصة لعلاقاتها مع إيران، وإن كنا متألمين من ردود الفعل هذه، التي كان يجب أن يسبقها استيضاح من سوريا عما جرى. ولو استوضحتم ووضعنا أمامكم الوقائع التي بين أيدينا، وقام المسؤولون في إيران بالاطلاع عليها، لتجنبنا إعطاء الفرصة لأعدائنا للاستفادة من مثل هذه الحوادث التي أشرت إليها. ونحن لم نسأل يوماً ماذا تفعلون في أفغانستان. ولنا ملاحظات نبديها، ولن نفعل ذلك لأننا نقدر حساسية الأمر بالنسبة لبلدين متجاورين. نحن نؤكد مرة ثانية أن مثل هذه التصريحات لن تؤثر في تصميمنا على العلاقات الأخوية بين البلدين، وإن كنا نتمنى أَلا تشوب العلاقات غيوم، وألا تُعطى فرص لأعدائنا لاستغلالها».
وواصلت الحديث: «ثانياً، عندما تأسس (حزب الله)، اعتبرناه حزباً صديقاً وقدمنا له المساعدة والدعم، واستوعبنا كل العمليات السيئة التي قامت بها بعض عناصره ضد أصدقاء لسوريا في لبنان وضد جنود سوريين، ولم نتصرف بردود فعل. بالعكس، كنا نتصرف انطلاقاً من علاقات الصداقة مع هذا التنظيم، ومن الحرص على أن يكون دوره في مواجهة إسرائيل. وهذا الحزب ليس مصنفاً تصنيفاً سلبياً لدينا. بالعكس. نتعاون معه ونحرص عليه. ولكنك تذكر أننا نبهنا مرات عدة لاختراقات موجودة في هذا التنظيم من قِبل ثلاث جهات: من قِبل ياسر عرفات، ومن قبل جماعة العراق، ومن قِبل المكتب الثاني اللبناني. وكنا نحذر من أخطار هذه الاختراقات لأننا كنا نخشى أن تقوم هذه الزمرة التي اخترقت (حزب الله) بأعمال تسيء إلى دوره في لبنان، وتسيء إلى علاقاته مع سوريا. للأسف، هذه التنبيهات لم تعطَ الأهمية اللازمة من قيادة (حزب الله). مع ذلك، كنا نميز بين الحزب كبنية واتجاه، وبين زمرة مزروعة هنا وهناك تقوم بأعمال سلبية، ولا نزال حريصين عليه، ولا نريد أن يختفي، لأننا لا نريد أن يختفي أي لبناني يرفع شعار مقاتلة إسرائيل».
تابعت: «بعد توضيح النقطتين أعود إلى الوقائع: كانت بيروت الغربية تحترق، والاحتراق لم يكن فقط في الأيام الأخيرة والسابقة لدخولنا بيروت، بل منذ بضع سنوات. وكادت بيروت الغربية أن تتحول إلى ساحة صراع مذهبي بين المسلمين. وعندما يتمزق المسلمون ويتقاتلون كلنا نصبح خاسرين. انتُهِكَت كل الحرمات في بيروت الغربية، وأصبح كل شيء فيها مستباحاً: الكرامة والحياة والممتلكات، وتعطلت الجامعات عن الدراسة، وفرَّ الأطباء وكبار العلماء من بيروت، وتحولت هذه المدينة، التي يشكل المسلمون غالبيتها، إلى غابة ترعى فيها الذئاب والوحوش وتتحرك فيها الأفاعي، ثم انفجر القتال الأخير، وهو نتيجة طبيعية للوضع القائم في المدينة، وبدأ الناس يستغيثون، وكنا قد قررنا عدم التدخل العسكري، لأن الدخول يشكل عبئا كبيرا علينا».
وتابعت بالقول: «لكن، عندما جاءت الشخصيات الإسلامية والوطنية وهي تستغيث، كان لا بد من أن نضحي لوقف ما يجري من جرائم وقتال في بيروت. وتم وضع خطة أمنية أُعلنت، وقبل التنفيذ تم استدعاء قادة التنظيمات الأساسية. وأنا، شخصياً، اجتمعت مع ممثلين من (حزب الله) وناقشنا الوضع في بيروت الغربية، وكنا متفقين على هذه الخطوات، وقالوا إنهم مع الخطة الأمنية، وإنهم إيجابيون ويعتبرون أن قرار (حزب الله) بهذه المسألة في جيب سوريا. في الواقع، عندما أبلغت القيادة بنتيجة الاجتماع كانوا مسرورين. وفي اليوم المقرر لدخول حي البسطة، رفضت قيادة (حزب الله) التسليم، وقالوا: (سنحتفظ بالمركز لأعمالنا الأمنية). قيل لهم: (إذا بقيتم فسيبق الآخرون، وبالتالي تتحملون مسؤولية استمرار الوضع في المدينة)، فقالوا: (نحوله من ثكنة إلى مركز علمي). قيل لهم: (الآن كل الأحزاب أغلقت أبوابها في بيروت، وعندما يجري ترتيب الوضع تُدرس مسألة فتح المكاتب للأحزاب في ضوء الوضع الأمني). عادوا وقالوا: (نريد أن نحولها إلى حسينية). قيل لهم: (الآخرون سيحولون مكاتبهم أيضاً إلى مراكز اجتماعية).
وجرى اتصال من الشرع بولايتي، وتم توجيه إنذار لهم لإخلاء المكان. بعد ذلك قالوا: (سنسلم وسنستجيب لتنفيذ الخطة). أحرقوا الثكنة وقالوا: (تفضلوا). دخل الجنود السوريون، وبعد دخولهم مباشرة أطفِئَت الأنوار وبدأ إطلاق النار من الأبنية المجاورة ضد الجنود. وبطبيعة الحال، لا يتوقعنَّ أحد أن تطلق نيران غزيرة على الجنود ولا يكون رد منهم على إطلاق النار وأن يدافعوا عن أنفسهم، لأن مهمتهم هي فرض الأمن في بيروت وقمع المخالفات. وخلال الصّدام وقع قتلى بين الجانبين. ولأن القتيل والقاتل من الجانبين هم جزء منا، نحن متأثرون بسقوط الضحايا، أكانوا من الجنود السوريين أو من (حزب الله). ولكن، لو استسلم الجنود السوريون لمسلحي (حزب الله) ولم يردوا على الاعتداءات عليهم، فيجب أن نتصور ماذا ستكون الحالة في بيروت. لدينا، كما هو الحال في كل جيوش العالم، قاعدة تقول إن الجندي الذي يلقي سلاحه يُحاكم، ويعرف جنودنا أن مهمتهم مساعدة اللبنانيين وفرض الأمن ووقف القتال».
وتابعت: «بعد ذلك، فوجئنا بالحملة الإعلامية المضادة. كان عليهم أن يدركوا أنهم يعبئون الجنود السوريين ضدهم، وهذا ما لا نريده نحن، وكنا نتمنى أن يتصرف بعض المسؤولين في بيروت من (حزب الله) بتعقل أكبر لأننا لا نريدهم أن يزرعوا شعوراً لدى الجندي السوري بأنهم أعداء له ولسوريا، بعد أن كنا نثقف جنودنا بأن هذا الحزب صديق لهم ولسوريا. طبعاً، نأمل أن تتصرف بعض القيادات بتعقل وأن تراجع نفسها، وأن تدرك أن مثل هذه التصرفات لا يستفيد منها إلا الأعداء. نحن لم نَقُل، ولن نقول، للجندي السوري إن (حزب الله) عدوك. سنبقى نقول له إن كل من يقاتل إسرائيل هو صديقك وحليفك. ولكن على قيادة (حزب الله) أن تدرك أن سكان بيروت أصبحوا بحاجة إلى الأمن والاستقرار والاطمئنان».
وواصلت الحديث قائلاً: «بالنسبة لموضوع الأسلحة، في الواقع هناك قرار في الخطة الأمنية بتحريم وجود السلاح في بيروت الغربية، وأعطينا فرصة لكل التنظيمات لإخراج أسلحتها من بيروت الغربية، وما قاله الرئيس الأسد لك صحيح: عندما يحتاجون للسلاح لقتال العدو سنعطيهم من سلاح جيشنا، لكن أن يستخدموا السلاح لمقاتلة بعضهم البعض، فهذا أمر محرَّم شرعاً. أما ما أشرت إليه حول بعض التصرفات على الحواجز، فلا أريد أن أنفي، بل أؤكد أنه ليست هناك توجيهات بهذا المعنى، وإذا وقعت بعض التصرفات فإنها تكون تصرفات فردية ويمكن التنبيه إليها. في الوقت نفسه، يجب ألا نستبعد المبالغة وتضخيم الأمور. ومع ذلك، يجري التأكيد على القوات الأمنية في أن تتعامل مع الناس وفق التوجيهات المعطاة لها برفق وإحسان. وتستطيع أن تبلغ طهران بأن سوريا حريصة على (حزب الله) حرصها على أي تنظيم في لبنان، ودليل هذا الحرص أن يستدعي نائب رئيس الجمهورية في سوريا وفداً من (حزب الله)، كان ممكناً أن يستقبلهم رجل من الأمن، وحرصتُ على استقبالهم».
وتابعت قائلاً: «فيما يتعلق بموضوع الخطة الأمنية، فهي تتعلق ببيروت الغربية فقط، وليس في نيتنا الآن بحث أي موضوع آخر غير بيروت الغربية والخط الساحلي والجبل. وفي المستقبل، إذا كان الوضع في لبنان يقتضي توسيع الخطة لتشمل مواقع أخرى، فسيناقش هذا الموضوع في حينه. وقرارنا كان بعدم إرسال قوات إلى بيروت لأن ذلك يُحمِّلنا أعباء مادية وسياسية. كنا نحاول أن نترك اللبنانيين يحلون مشاكلهم مع بعضهم البعض، وعندما لم تتمكن قوى الأمن اللبناني من فرض الأمن، فإن قواتنا جاءت إلى بيروت».
وختمت قائلاً: «هذه هي الصورة، ويجب على الإخوة في طهران ألا يأخذوا الأمور بالعاطفة. ومن أجل حادثة (حزب الله)، هل من المعقول أن يكون وزن (حزب الله) لدى إيران أكبر من وزن سوريا؟ إذا كان الأمر كذلك، فالحقيقة أن الوضع مؤلم، ونحن نؤمن بأن العلاقة مع إيران أهم من مائة تنظيم. نحن نعتبر العلاقة مع إيران مبنية على تصور مشترك لمهامنا المشتركة ضد الإمبريالية والصهيونية. هذه هي الصورة، ونتمنى، قبل خروج أي شيء للإعلام أن تتصلوا بنا وتستوضحوا (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين). كل الأقنية مفتوحة بيننا وبينكم في أي وقت.
أما فيما يتعلق بموضوع المداهمات، فإذا بقي السلاح فإنه سيستخدم لتفجير آخر. وإذا كانوا خائفين من الجيش اللبناني، فإذا تحرك ضد بيروت الغربية، فنحن قادرون على وقفه. هم يريدون قتال إسرائيل، ونحن جاهزون للمساعدة».
عاد السفير للحديث عن حادثة «ثكنة فتح الله»، فقال: «بالنسبة للحادثة وكيف حصلت في فتح الله، فإنه كان هناك عناصر من (حزب الله) موجودون مع الجنود السوريين، وكانوا جاهزين للتسليم، وحصل إطلاق النار. لو أنهم تريثوا لاتضح لهم ما حدث. وهناك صور نشرت، يظهر فيها بعض الأشخاص الذين قُتلوا من (حزب الله) مُوثَقين من قبل الذين قتلوهم».
أجبته: «إذا كان هناك شيء من هذا فقد حصل بعد أخذ الجثث. هذا الجندي إذا أطلقت عليه النار ومعه سلاح سيرد على النار، وإذا لم يرد يعتبر متخاذلاً ويُحاكم». عقَّب السفير: «أعتقد أنه كان ممكناً معالجة الوضع بشكل أوسع». فقلت: «هل تعتقد أنه بعد إطلاق النار، لو لم يدافع الجنود عن أنفسهم ماذا كان وضعهم؟ هناك أمر يتعلق بأمن القوات. هذا جيش نظامي وليس ميليشيات. يتعرض لإطلاق النار ويقول لمطلقي النار استسلمنا؟ هذا أمر لا نقبله لجنودنا». فرد السفير: «أنا لا أقصد استسلاماً. كان هناك ضباط سوريون ومسؤولون من (حزب الله)، كان يمكن...»، فقاطعته: «عندما يبدأ إطلاق النار، من يستطيع أن يوقفه؟ من المفيد تجاوز هذه الحادثة».
أجابني السفير: «بالنسبة لأصل الموضوع، وهو دخول القوات العسكرية والخطة الأمنية، كان من الواجب أن تنتهي الأزمة. نحن متفقون على أن ينتهي الوضع المأساوي الذي كان سائداً في بيروت الغربية، و(حزب الله) أثبت أكثر من مرة أنه لا يريد الانخراط في المسائل الداخلية. هو يريد مقاتلة إسرائيل». أجبته: «عملياً، انخرط وخطف بعض المسيحيين في لبنان، وآخرهم جان عبيد، وإيران ساهمت في موضوعه». عقَّب السفير: «في اليوم نفسه، يوم أخبرنا وزير الخارجية عن موضوع جان عبيد، توجهت إلى بيروت، و(حزب الله) لا علاقة له بهذا الموضوع، وبذلنا دوراً كبيراً في الاتصالات».
سألته: «هل عماد مغنية في حزب الله أم لا؟». أجابني السفير: «أنا لم أجتمع به ولا أعرفه، وحسب معلوماتي فهو ليس من التشكيلات، وليس من (حزب الله)». قلت له: «أقبل كلامك».
وتابع السفير محاولا توضيح موضوع اختراق «حزب الله» فقال: «بالنسبة لما تفضلتم به من أن هناك اختراقاً في (حزب الله)، لا أنفي ذلك. عرفات يمكن أن يخترق بعض العناصر. لكن، إذا نظرنا إلى هذا الحزب وأهدافه المعلنة، فلا يمكن أن يتفق مع عرفات». أجبته: «أنا ميَّزْتُ بين (حزب الله) كقيادة وبعض العناصر».
عاد السفير للحديث عن الضاحية، وقال: «بالنسبة للضاحية الجنوبية، هناك فكرة لدى المسؤولين في إيران بأن الدخول إلى الضاحية، من دون أن يعني هذا الكلام اعتراضا على التدخل السوري، سيكون إذا حصل نكبة كبيرة للشيعة، لأنه سيعني أن الضاحية هي المقصودة وأنها تُحاصر، بينما تبقى بيروت الشرقية للمسيحيين والجبل للدروز. لذلك يرى المسؤولون في إيران أن موضوع الضاحية هو جزء لا يتجزأ من بقية المناطق الأخرى. المسؤولون في إيران عندما يفكرون بهذا الاتجاه يأخذون بالاعتبار المواقع وكرامة سوريا في المنطقة ولبنان، وألا يقال إن المسلمين أو الشيعة أصبحوا غير محببين لسوريا. هذه الأمور تهم المسؤولين في إيران».
علقت على كلامه: «أولاً، العملية أمنية لبيروت الغربية. ثانياً، بالنسبة للمسلمين الشيعة في لبنان، هم جزء من الجسم الإسلامي العام فيه، وجزء من جسم الوطن اللبناني الذي نحن حريصون عليه وعلى رفع الظلم عنه. وبطبيعة الحال، سوريا لا يمكن أن تتخذ إجراءً من شأنه الإخلال بالتوازن الداخلي. ما نتخذه من إجراءات هو لصالح المظلومين والمتضررين في لبنان. موضوع الضاحية غير مطروح للبحث، بالإضافة إلى ذلك فنحن نعرف جيداً مصالح المسلمين، سواء أكانوا من الشيعة أو الدروز أو السنة. لكن، عندما تضع الدولة اللبنانية خطة اتُّفق عليها بين الأطراف اللبنانية، فلن تبقَ منطقة خارج هذه الخطة. بالنسبة للمقارنة التي تفضلتم بها، يجب على المسؤولين في إيران ألا يقارنوا بين (حزب الله) وسوريا. والمسؤولون في إيران يعرفون مواقف سوريا تجاه الجمهورية الإسلامية، ونأمل أن يدرك أصدقاؤنا أهمية نجاح سوريا في إنهاء الأزمة اللبنانية. وأؤكد أنه ليس في نية سوريا ضرب (حزب الله)، ولكنها لا تستطيع أن تقبل برفضه الالتزام بالخطة الأمنية».
شكرني السفير على استقباله، وودّع وانصرف.

خدام: الأسد اقترح إعطاء المعارضة العراقية وعوداً وهمية... وخاتمي حذر من دولة كردية (الحلقة الأولى)
خدام: الأسد غيّر رأيه ومدد للحود فاصطدمت سوريا بالإرادة الدولية (الحلقة الثانية)

خدام: استقبلنا رفيق الحريري بناء على اقتراح جنبلاط... وحافظ الأسد «امتحنه» (الحلقة الثالثة)

خدام: بوش أبلغنا برسالة خطية أن عون «عقبة»... والأسد اعتبرها «ضوءاً أخضر» لإنهاء تمرده (الحلقة الخامسة)
خدام: صدام بعث برسائل سرية إلى خامنئي ورفسنجاني... واقترح قمة بحضور «المرشد» (الحلقة السادسة)
رفسنجاني في رسالة لصدام: تتحدث عن القومية العربية وتنتقد رفضنا لاحتلال الكويت (الحلقة السابعة)
خدام: قلت لعرفات إنك تكذب وتتآمر على فلسطين ولبنان وسوريا (الحلقة الثامنة)
خدام: السعودية لعبت دوراً بارزاً لدى أميركا في حل «أزمة الصواريخ» مع إسرائيل (الحلقة التاسعة)
خدام: كنت أول وآخر مسؤول سوري يلتقى الخميني... وهذا محضر الاجتماع (الحلقة 10)

خدام: حافظ الأسد كان سريع التأثر بأفراد عائلته... وعلاقتنا وصلت أحياناً إلى القطيعة (الحلقة الـ 11 والأخيرة)

 



اليمن يلوّح بورقة القوة إذا رفض الحوثيون السلام

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مستقبلاً السفيرة البريطانية (إكس)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مستقبلاً السفيرة البريطانية (إكس)
TT

اليمن يلوّح بورقة القوة إذا رفض الحوثيون السلام

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مستقبلاً السفيرة البريطانية (إكس)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مستقبلاً السفيرة البريطانية (إكس)

في الوقت الذي يواصل فيه المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ مساعيه الهادفة إلى إعادة إحياء مسار السلام المتعثر وإطلاق الموظفين الأمميين المحتجزين لدى الجماعة الحوثية، وكذا الدفع لإنجاح تبادل الأسرى والمختطفين، جددت الحكومة اليمنية تلويحها بخيار القوة إذا استمرت الجماعة في رفض السلام.

التلويح اليمني جاء في تصريحات لعضو مجلس القيادة الرئاسي، عبد الرحمن المحرّمي، خلال لقائه في الرياض سفيرة المملكة المتحدة لدى اليمن، عبدة شريف، وذلك بالتزامن مع استمرار الجماعة الحوثية في أعمال التعبئة والتحشيد والقمع وفرض الجبايات.

ونقل الإعلام الرسمي أن المحرّمي أكد أن خيار السلام لا يزال مطروحاً، مشدداً في الوقت نفسه على أن استمرار رفض الحوثيين الانخراط الجاد في هذا المسار سيقابل بجاهزية أمنية وعسكرية لاتخاذ إجراءات رادعة، بما يضمن احتواء التهديدات والحفاظ على الاستقرار.

كما تناول اللقاء سبل تعزيز الدعم البريطاني لليمن، خصوصاً في مجالات التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات مؤسسات الدولة، وتعزيز الأمن، حيث أشاد المحرّمي بالدور البريطاني بوصفه شريكاً فاعلاً في دعم جهود السلام والاستجابة الإنسانية، مؤكداً أهمية استمرار هذا الدعم خلال المرحلة الحالية.

وفي السياق ذاته، بحث الجانبان التنسيق لمواجهة التهديدات المشتركة، بما في ذلك مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وتأمين الملاحة الدولية، في ظل تصاعد المخاوف من تأثيرات التوترات الإقليمية على أمن الممرات البحرية الحيوية.

وأشار المحرّمي أيضاً إلى أهمية الحوار الجنوبي – الجنوبي المرتقب عقده في الرياض برعاية السعودية، عادّاً إياه محطة مفصلية لتعزيز وحدة الصف الجنوبي، وبناء رؤية مشتركة تستجيب لتحديات المرحلة المقبلة.

من جانبها، أكدت السفيرة البريطانية استمرار دعم بلادها لمجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية، مشيدة بالجهود المبذولة لتعزيز الأمن والاستقرار في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، ومشددة على التزام لندن بالمساهمة في تخفيف معاناة اليمنيين ودعم تطلعاتهم نحو السلام والتنمية.

جهود أممية

على صعيد الجهود الأممية، اختتم المبعوث إلى اليمن، هانس غروندبرغ، زيارة إلى العاصمة العُمانية مسقط، أجرى خلالها سلسلة لقاءات مع مسؤولين رفيعي المستوى، ركّزت على سبل دفع جهود الوساطة الأممية في ظل متغيرات إقليمية متسارعة. وأكد غروندبرغ أهمية الدور الذي تضطلع به سلطنة عُمان في تقريب وجهات النظر بين الأطراف اليمنية، مشيداً بإسهاماتها المستمرة في دعم قنوات الحوار وتعزيز فرص التهدئة.

وشملت لقاءات المبعوث الأممي أيضاً مفاوض الجماعة الحوثية والمتحدث باسمها، محمد عبد السلام، حيث ناقش الجانبان فرص إحراز تقدم في المسار التفاوضي، خصوصاً فيما يتعلق بملف المحتجزين، حسب ما جاء في بيان صادر عن مكتب المبعوث.

واستعرض غروندبرغ -حسب البيان- نتائج المشاورات الجارية في العاصمة الأردنية عمّان بشأن تبادل الأسرى والمحتجزين، مشدداً على ضرورة تحقيق اختراق ملموس من شأنه التخفيف من معاناة مئات الأسر اليمنية التي تنتظر تسوية هذا الملف منذ سنوات.

كما أولى المبعوث الأممي اهتماماً خاصاً بملف موظفي الأمم المتحدة المحتجزين؛ إذ ناقش، برفقة المسؤول الأممي المعني بهذا الملف، معين شريم، قضية استمرار احتجاز 73 موظفاً أممياً في سجون الجماعة الحوثية.

ووصف غروندبرغ الأمر بأنه غير مقبول، مؤكداً أن الإفراج الفوري وغير المشروط عن المحتجزين يمثل أولوية قصوى بالنسبة للأمم المتحدة.

وتعكس هذه الجهود الأممية تصاعد القلق الدولي من استمرار الجمود السياسي في اليمن، في وقت تتزايد فيه الضغوط الإنسانية المرتبطة بملفات الاحتجاز والانتهاكات.

عناصر حوثيون في صنعاء يرفعون أسلحتهم خلال حشد للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

ويُنظر إلى ملف موظفي الأمم المتحدة على أنه اختبار حقيقي لمدى جدية الحوثيين في التعاطي مع مسار التهدئة، خصوصاً أن استمراره يلقي بظلاله على عمل المنظمات الدولية في مناطق سيطرة الجماعة.

ويؤكد مراقبون أن نجاح الوساطة الأممية في تحقيق تقدم، ولو جزئياً، في ملف الأسرى والمحتجزين، قد يمهّد الطريق لإجراءات بناء ثقة أوسع، بما يعزز فرص الانتقال إلى مفاوضات سياسية أكثر شمولاً، غير أن هذا المسار لا يزال رهيناً بحسابات معقدة تتداخل فيها العوامل المحلية والإقليمية، وفي مقدمها الارتباط الحوثي بالمشروع الإيراني.


الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)
محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)
TT

الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)
محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)

أكد فهد الخليفي، وكيل أول محافظة شبوة اليمنية، أن التدخلات السعودية في المحافظة على مختلف الأصعدة مثّلت نموذجاً ناجحاً للتعاون في المجالات التنموية والخدمية والإنسانية، إلى جانب دعم القوات العسكرية والأمنية.

وكشف الخليفي، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، أن أحدث التدخلات التنموية تمثلت في اعتماد 6 طرق استراتيجية في عدد من المديريات، يستفيد منها آلاف المواطنين من أبناء المحافظة.

محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)

كما أشار إلى تدخلات أخرى شملت دعم ثلاثة مراكز كبيرة للكلى، والتكفل برواتب أطباء أجانب موزعين على مديريات المحافظة الـ17، مؤكداً أن التنسيق بين السلطة المحلية والبرامج السعودية يتم بمستوى عالٍ من الشفافية.

وفي الجانب العسكري، أوضح أن المملكة تكفلت بدفع رواتب وتغذية 11 لواءً من قوات دفاع شبوة، بعد إضافة 4 ألوية جديدة، وهي منتشرة حالياً في جبهات القتال ضد الحوثيين.

وقدّم الخليفي الشكر لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ووزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان، والسفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر، على الدعم المتواصل لليمن عموماً، ومحافظة شبوة على وجه الخصوص.

اعتماد 6 مشاريع طرق

قال الخليفي إن التدخلات السعودية عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، تستهدف البنية التحتية والمشاريع التنموية. وأضاف: «على مستوى البنية التحتية تم اعتماد 6 مشاريع لطرق استراتيجية، وهي طريق عين - مبلقة، ومرخة - خورة، ونصاب - حطيب، وحبان - هدى، إلى جانب طرق عرماء ورضوم».

فهد الخليفي وكيل أول محافظة شبوة (الشرق الأوسط)

القطاع الصحي

وأوضح الخليفي أن التدخلات السعودية في القطاع الصحي تشمل تشغيل مستشفى الهيئة النموذجي في عاصمة المحافظة، الذي يقدم خدماته للآلاف يومياً وبشكل مجاني، ولا يخدم شبوة فقط، بل يستفيد منه سكان من حضرموت ومأرب والبيضاء وأبين، إضافة إلى النازحين والمهاجرين الأفارقة.

وأضاف: «شمل الدعم أيضاً ثلاثة مراكز كبيرة للكلى في عزان، وعتق، وعسيلان ببيحان، وهي تدخلات تلامس احتياجات المواطنين بشكل مباشر، كما تم اعتماد رواتب 63 طبيباً أجنبياً موزعين على 17 مركزاً في شبوة».

ووفقاً لوكيل المحافظة، وزّع مركز الملك سلمان أخيراً أكثر من 40 ألف سلة غذائية على مديريات شبوة الـ17، كما نُفذت مشاريع في التعليم والمياه في عرماء والطلح وجردان.

شبوة نموذج تنموي وأمني

شدّد الخليفي على أن شبوة اليوم آمنة ومستقرة، وتقدم نموذجاً بارزاً بين المحافظات المحررة على المستويين الأمني والتنموي. وقال: «الأشقاء في السعودية يشرفون حالياً بشكل مباشر على القوات المسلحة في شبوة، وتمت إعادة تموضع هذه القوات في الجبهات من ناطع البيضاء وصولاً إلى حريب مأرب، مع الدفع بعدد من قوات دفاع شبوة».

ولفت إلى أن المحافظة تواجه الحوثيين في 6 جبهات، وتتمتع بأهمية استراتيجية، مضيفاً أن المملكة تدرك أهمية شبوة على مستوى الجنوب واليمن عموماً، وتبذل جهوداً كبيرة في التدريب والتسليح، ودعم القوات في المناطق المتاخمة لمأرب والبيضاء، حيث تتمركز قوات الحوثيين.

جانب من توزيع السلال الغذائية المقدمة عبر مركز الملك سلمان للإغاثة في شبوة (السلطة المحلية)

دعم 11 لواءً عسكرياً

وبيّن الخليفي أن الجانب السعودي التزم برواتب وتغذية قوات دفاع شبوة، التي كانت تضم 7 ألوية، قبل أن يضاف إليها 4 ألوية أخرى، ليصل قوامها إلى 11 لواءً عسكرياً.

وأضاف: «هذه الألوية منتشرة الآن في الجبهات لمواجهة الحوثيين، بعد اعتماد الرواتب والتغذية لها، إلى جانب القوات الجنوبية الموجودة في شبوة، ومنها العمالقة الجنوبية، الأشقاء بذلوا جهداً كبيراً في هذا القطاع، ونحن ممتنون لهم».

وأكد أن القوات العسكرية في المحافظة على أهبة الاستعداد لمواجهة أي طارئ أو أي محاولات حوثية للتقدم نحو المحافظة أو غيرها، مشيراً إلى أن قوات دفاع شبوة تعمل بإشراف مباشر من المحافظ، ومن خلال غرفة عمليات مشتركة مع السعودية والتحالف العربي.

دور السلطة المحلية

وأشار الخليفي إلى أن السلطة المحلية لديها توجيهات واضحة من المحافظ عوض بن الوزير، بتسهيل جميع الجهود السعودية التنموية والإنسانية وغيرها. وقال: «شبوة قدمت أفضل نموذج للتعاون مع السعودية، سواء على المستوى التنموي أو الخدمي أو العسكري، وقدمنا كل التسهيلات للأشقاء في البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ومركز الملك سلمان، وهو ما انعكس إيجاباً على سرعة الإنجاز، وظهور المشاريع السعودية في شبوة، بفضل الجاهزية التي وفرها أبناء المحافظة عبر تقديم الدراسات وتجاوز البيروقراطية في بعض الملفات».

زيارة لوفد من البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن لإحدى مديريات شبوة (السلطة المحلية)


دمج سلس للتشكيلات العسكرية في حضرموت

جهود مستمرة لدمج التشكيلات العسكرية في حضرموت (إعلام حكومي)
جهود مستمرة لدمج التشكيلات العسكرية في حضرموت (إعلام حكومي)
TT

دمج سلس للتشكيلات العسكرية في حضرموت

جهود مستمرة لدمج التشكيلات العسكرية في حضرموت (إعلام حكومي)
جهود مستمرة لدمج التشكيلات العسكرية في حضرموت (إعلام حكومي)

فيما تتواصل في محافظة حضرموت عملية دمج التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، أكدت الجهات المعنية أن الخطوات الجارية تمضي بسلاسة، تحت إشراف تحالف «دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في إطار مساعٍ لإعادة بناء المنظومة الأمنية على أسس مؤسسية موحدة.

ويأتي هذا التقدم بعد أسابيع من إعلان القيادة العامة لقوات حماية حضرموت، التابعة لحلف القبائل، اندماجها في قوام مؤسسات الدولة؛ حيث جددت هذه القوة تأكيدها أن عملية تنظيم وترتيب منتسبيها مستمرة وفق الأطر القانونية والتنظيمية المعتمدة، وبما يُسهم في توحيد القرار الأمني ورفع كفاءة الأداء المؤسسي.

وفي بيان لها، ردّت قيادة القوات على ما وصفته بشائعات تعثر عملية الدمج، مؤكدة تحقيق تقدم ملموس في الخطوات التنفيذية، من خلال استيعاب الدفعة الأولى من منتسبيها ضمن الأجهزة التابعة للأمن العام والشرطة في ساحل حضرموت، مع استكمال تجهيز القوائم الخاصة بالدفعات اللاحقة.

وأكَّدت القيادة أن هذه الإجراءات تهدف إلى استكمال عملية الانضمام الشامل لكل منتسبي القوة، بما يضمن حقوقهم ويعكس تقديراً لدورهم في الدفاع عن المحافظة، مشددة على أن العملية تمضي بوتيرة متصاعدة ومنظمة.

تخرج دفعة جديدة في كلية الشرطة في حضرموت (إعلام حكومي)

وأشادت قيادة قوات حماية حضرموت بالدور الذي تضطلع به القيادات المحلية والعسكرية في تسهيل عملية الدمج، وفي مقدمتهم رئيس حلف القبائل وكيل أول المحافظة عمرو بن حبريش، والقائد العام للقوات، اللواء مبارك العوبثاني، إضافة إلى اللجان المختصة في التحالف العربي ووزارتي الدفاع والداخلية.

كما نوهت بالدور المحوري الذي تقوم به شعبة القوى البشرية في القيادة العامة، برئاسة العقيد عبد الله باكرشوم، في متابعة الإجراءات الميدانية، وضمان سير العملية وفق المعايير المحددة، بما يكفل صون حقوق المنتسبين، وتحقيق أعلى درجات الانضباط.

وفي السياق ذاته، دعت الإدارة العامة للأمن والشرطة بساحل حضرموت أفراد القوة العسكرية، خصوصاً في مدينة المكلا وضواحيها، إلى استكمال إجراءات توزيعهم على مواقعهم الخدمية، مشيرة إلى أن بقية الأفراد في المديريات الأخرى سيتم إشعارهم لاحقاً بمواعيد توزيعهم.

ويعكس هذا التنسيق مستوى متقدماً من التعاون بين الجهات المحلية والدولية، في سبيل إنجاح عملية إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، بما يُسهم في ترسيخ الاستقرار وتعزيز حضور الدولة.

حصر القوات ومساندة الحكومة

في وادي حضرموت، تتواصل الجهود الحكومية لحصر وتنظيم أوضاع الوحدات العسكرية؛ حيث تفقد رئيس عمليات المنطقة العسكرية الأولى، العميد الركن محمد بن غانم، أعمال اللجان التابعة لوزارة الدفاع المكلفة بحصر القوة في معسكر السويري.

وخلال الزيارة، اطّلع المسؤول العسكري على سير العمل وآليات التنفيذ، واستمع إلى شرح مفصل من القائمين على اللجان حول المهام المنجزة والتحديات التي تواجه عملية الحصر، مؤكداً أهمية الالتزام بالدقة والانضباط في تنفيذ المهام.

وأشار إلى أن هذه الخطوة تُمثل جزءاً أساسياً من مسار إعادة تنظيم القوات المسلحة، بما يُعزز من مستوى الجاهزية القتالية، ويرسخ مبادئ العمل المؤسسي داخل المؤسسة العسكرية.

وتأتي هذه الإجراءات في سياق أوسع يهدف إلى توحيد الهياكل العسكرية تحت مظلة الدولة، بما يحد من التداخلات، ويُعزز من فاعلية الأداء الأمني في مختلف مناطق المحافظة.

حلف قبائل حضرموت يؤكد مساندته للجهود الحكومية (إعلام محلي)

على صعيد موازٍ، جدّد حلف قبائل حضرموت دعمه الكامل للجهود الحكومية الرامية إلى تثبيت الأمن والاستقرار، مؤكداً رفضه القاطع لأي ممارسات من شأنها الإضرار بالمصلحة العامة، وعلى رأسها إقامة القطاعات القبلية بدوافع شخصية.

ونفى الحلف علاقته بما يجري من قطاعات في شرق مديرية الشحر، عادّاً تلك التصرفات أعمالاً مرفوضة لا تُمثل أبناء حضرموت، لما تسببه من تعطيل لمصالح المواطنين ومضاعفة معاناتهم في ظل تردي الخدمات.

وشدد على أن أي مطالب أو حقوق يجب أن تُطالب عبر الوسائل السلمية والقنوات الرسمية، بعيداً عن الإضرار بالمجتمع أو تهديد أمنه واستقراره، داعياً إلى تغليب المصلحة العامة في هذه المرحلة الحساسة.

كما أشار إلى التأثيرات السلبية لهذه الممارسات على المحافظات المجاورة، خصوصاً محافظة المهرة، التي طالتها تداعيات القطاعات من خلال استهداف ناقلات وقود مخصصة لمحطات الكهرباء.

الرؤية الحضرمية للدولة

بالتوازي مع التحولات الأمنية، شهدت مدينة المكلا انعقاد ورشة عمل موسعة لمناقشة رؤية حضرموت في الدولة المقبلة، بمشاركة واسعة من الأحزاب والقوى السياسية والمكونات الاجتماعية، إلى جانب ممثلين عن الشباب والمرأة ومنظمات المجتمع المدني.

وجاءت هذه الورشة، التي نظمها المعهد الوطني الديمقراطي الأميركي، في إطار التحضير لمؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب في الرياض؛ حيث هدفت إلى بلورة رؤى مشتركة حول مستقبل المحافظة ودورها في أي تسوية سياسية مقبلة.

وأكد وكيل المحافظة حسن الجيلاني أهمية انعقاد هذه الورشة في هذا التوقيت، مشيراً إلى أنها تُمثل منصة حوار جادة لتقييم تجربة حضرموت في المراحل السابقة، واستخلاص الدروس التي تُسهم في صياغة مبادئ واضحة تعكس خصوصيتها وحقوقها المشروعة.

وأضاف أن النقاشات تناولت قضايا جوهرية تتعلق بشكل الدولة ونظام الحكم وموقع حضرموت في الدستور المقبل، بما يُعزز من حضورها السياسي والاقتصادي والإداري.

نقاشات معمقة لرؤية حضرموت استعداداً لمؤتمر الحوار الجنوبي (إعلام حكومي)

من جهته، أوضح مدير البرامج في المعهد الوطني الديمقراطي، محمد الكثيري، أن تنظيم هذه الفعالية يأتي ضمن جهود دعم الحوار الشامل وتعزيز المشاركة السياسية، بهدف الوصول إلى رؤى تُسهم في بناء دولة قائمة على الشراكة والعدالة وسيادة القانون.

وأشار إلى أن هذه المساحات الحوارية تتيح لمختلف المكونات تبادل الآراء وصياغة تصورات واقعية لمستقبل مستقر ومستدام، في ظل التحديات التي تواجه البلاد.

وتناول المشاركون في الورشة، التي استمرت 4 أيام، عدداً من المحاور الرئيسية، من بينها الحوار الجنوبي-الجنوبي وسياقه، وتقييم تجربة حضرموت في المرحلة الماضية، وصولاً إلى بلورة مبادئها في أي تسوية سياسية، إضافة إلى مناقشة نظام الحكم الداخلي وقضايا الإدارة المحلية.