خدام: استقبلنا رفيق الحريري بناء على اقتراح جنبلاط... وحافظ الأسد «امتحنه» (الحلقة الثالثة)

روى في فصول من مذكراته تنشرها «الشرق الأوسط» أنه ذهب إلى بيروت لتحذير رئيس الوزراء اللبناني السابق قبل اغتياله في 2005

دخان يتصاعد من مكان تفجير موكب رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري في 14 فبراير 2005 (غيتي - أ.ف.ب)
دخان يتصاعد من مكان تفجير موكب رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري في 14 فبراير 2005 (غيتي - أ.ف.ب)
TT

خدام: استقبلنا رفيق الحريري بناء على اقتراح جنبلاط... وحافظ الأسد «امتحنه» (الحلقة الثالثة)

دخان يتصاعد من مكان تفجير موكب رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري في 14 فبراير 2005 (غيتي - أ.ف.ب)
دخان يتصاعد من مكان تفجير موكب رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري في 14 فبراير 2005 (غيتي - أ.ف.ب)

يستعرض نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام، في الحلقة الثالثة من مذكراته التي تنشر «الشرق الأوسط» فصولا منها، العلاقة مع رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري منذ التعرف عليه في 1982 وموافقة الرئيس الراحل حافظ الأسد على أن يشكل الحكومة في 1992، وصولاً إلى اغتياله في 2005.
ويقول خدام إنه في أبريل (نيسان) العام 1982، استقبل الحريري «بناء على طلب من السيد وليد جنبلاط». ويروي كيف قام الأسد بـ«امتحان» الحريري قبل الموافقة على تشكيله الحكومة في 1992. ويقول: «فجأة، سأله الرئيس: «إذا كنت رئيساً للحكومة اللبنانية واختلفنا مع المملكة العربية السعودية، كيف ستتصرف؟». أجابه رفيق: «سيادة الرئيس، أنا لبناني أحب وطني، وأنا سعودي، ولحم أكتافي من المملكة العربية السعودية. بالتالي، لا أستطيع أن أتخلى عن المملكة العربية السعودية لأني لست من ناكري الجميل، وأنا قومي عربي أعتبر سوريا حاضنة العرب، ولا أستطيع إلا أن أكون مع سوريا. بالتالي: إذا حصل خلاف سأعمل على إزالته وعلى عودة المياه إلى مجاريها، وإذا فشلت سأعتزل وأعيش في منزلي». أجابه الرئيس حافظ: «لو قلت غير هذا الكلام لما صدقتك، وكنت ستفقد ثقتي. سأطلب من أبو جمال (خدام) إبلاغ الرئيس اللبناني بأننا نؤيد ترشيح رفيق الحريري».
وبعدما يتحدث خدام عن «الحملات الأمنية» التي تعرض لها الحريري بعد رحيل حافظ الأسد في 2000 و«علاقة التوتر» بين الرئيس بشار الأسد والحريري، يشير إلى قول وزير الخارجية فاروق الشرع في اجتماع حزبي في 2004، أن الحريري «متآمر على سوريا، ومرتبط بالولايات المتحدة الأميركية وفرنسا ضد سوريا»، وقول الأسد في اجتماع حزبي بداية 2005: «هناك مؤامرة أميركية - فرنسية، يشارك بها الحريري الذي يتآمر علينا، وهو يوحد طائفته حوله، وهذا يشكل خطراً على سوريا».
في مطلع شهر فبراير (شباط) 2005، ذهب خدام إلى بيروت لتحذير الحريري الذي اغتيل في 14 فبراير. ويقول إنه عندما تلقى خبر موت الحريري شعر بـ«الحزن، لأنني فقدت صديقاً كان يعمل لخدمة سوريا وخدمة لبنان».
في شهر أبريل (نيسان) عام 1982، استقبلتُ السيد رفيق الحريري بناءً على طلب من السيد وليد جنبلاط، وكانت المرة الأولى التي أجتمع فيها معه، وكل ما كنت أعرفه عنه أنه رجل أعمال سعودي من أصل لبناني.
كانت الجلسة مركزة على معرفة اتجاهه وتطلعاته وعلاقاته بالمسألة اللبنانية. كان الحريري متحفظاً، يتحدث بعبارات لا تعطي مدلولاً، لأني شعرت أنه أيضاً يريد معرفة توجهنا في القضية اللبنانية. وبعد انتهاء الجلسة طلب أن يزورني مرة ثانية، فرحبت به.
الاجتماع الثاني، كان بعد أسبوعين. دخلنا في النقاش حول القضية اللبنانية، ودام الاجتماع خمس ساعات، وتناولنا طعام الغداء في منزلي. وتحدث الحريري بصراحة عن نشأته والظروف التي مر بها، وانتمائه لـ«حركة القوميين العرب»، ومشاركته في تهريب جورج حبش (الأمين العام لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين») من السجن السوري.
كما تحدث عن سفره للعمل في المملكة العربية السعودية، والمراحل التي مر بها، بدءاً من مشروعه الأول إلى المشاريع الكبرى التي تعهدها، كما تحدث عن لبنان. وقال: «لبنان وطني الذي نشأت فيه، وعائلتي تعيش فيه، وهو جزء من حياتي، لذلك اسمحوا لي أن أُكثر من مجيئي إلى سوريا من أجل الوصول إلى حل للأزمة اللبنانية».
وجرى حديثٌ مفصلٌ عن الأزمة اللبنانية، وعن أسبابها وظروفها. وكانت وجهة نظري أن الأزمة تعود إلى سببين: الأول هو النظام الطائفي في لبنان، الذي حال دون انصهار اللبنانيين في شعب واحد. والسبب الثاني، يتعلق بظروف المقاومة الفلسطينية التي وجدت نفسها في صراع مع التشكيلات السياسية ذات الطابع المسيحي.
اتفقنا على التحليل، وناقشنا كيفية التعامل مع الأسباب والوصول إلى حلول. وطال النقاش، ووعد الحريري بتقديم مشروع مكتوب كي نناقشه. وفعلاً، في اللقاء التالي، أتى بالمشروع وناقشناه. كانت لدي بعض الاعتراضات، لأن المشروع أبقى على الطابع الطائفي في مؤسسات الدولة الدستورية وتوزيع الوظائف على الطوائف. كانت وجهة نظره أن هذه القضايا تُحل بالتدريج، فأجبته: «الدستور اللبناني الموضوع في العشرينات من القرن الماضي فيه نص بإلغاء الطائفية السياسية بعد فترة، وهذه الفترة استمرت منذ عام 1920 حتى الآن. بالتالي، إذا لم يكن هناك زمن محدد وحاسم للمرحلة الانتقالية، ستبقى الطائفية وسيبقى الصراع الذي شهده اللبنانيون منذ سنوات كثيرة». اتفقنا على تحديد المدة للمرحلة الانتقالية، وأخذ المشروع إلى لبنان، وعرضه على الأطراف اللبنانية. بعضهم وافق، وبعضهم اعترض، وأريد التمسك بالصيغة الطائفية.
كان الحريري يتردد أسبوعياً إلى دمشق، مرات من أجل النقاش حول القضية الوطنية اللبنانية، ومرات يحمل رسائل من الراحل الملك فهد بن عبد العزيز إلى الرئيس حافظ الأسد.
وفي عام 1992، جرت انتخابات في لبنان. وبموجب الدستور، يجب أن تستقيل الحكومة ويجري تشكيل حكومة جديدة.
كنت في بانياس. اتصل بي القصر الجمهوري وأبلغني أن الرئيس حافظ الأسد يريد أن أذهب إليه، وكان في اللاذقية على الساحل. ذهبت إليه، وكان موضوع النقاش رئيس الوزارة الجديد في لبنان، ناقشنا جميع أسماء الشخصيات السياسية المعروفة في لبنان، ولم يجرِ الاتفاق على أي منهم، لأنه ليس بينهم من يشكل جامعاً بين الأطراف اللبنانية.
سألني الأسد عن رفيق، وما إذا كان يأتي إلى دمشق، فأجبته أنه يأتي أسبوعياً. سألني عن رأيي وما إذا كان رفيق يصلح لهذه المهمة، فأجبته أنه يتمتع بمزايا كثيرة، وله صلات مع كل الأطراف اللبنانية، مسلمين ومسيحيين، وله صلات جيدة معنا ومع المملكة العربية السعودية ومعظم الدول العربية، وبعض الدول الغربية. قال: «المشكلة هي أنه إذا اختلفنا مع المملكة العربية السعودية، مع من سيقف؟»، فأجبته: «هذا السؤال يجب أن تسأله أنت لرفيق، وأنت تستطيع الاستنتاج أكثر، لأنك أنت من طرحت السؤال».
طلب مني الرئيس الأسد دعوة الحريري، فعدت إلى دمشق، واتصلت به هاتفياً، وطلبت منه المجيء فوراً إلى دمشق. وبالفعل، بعد أقل من أربع ساعات، وصل إلى دمشق، واستقبلته. سألني: «لماذا هذا الطلب؟» فأجبته: «هناك موضوع يريد الرئيس أن يسألك عنه». ألح عليّ لمعرفة هذا الموضوع، فأجبته: «ليس أنا الذي لدي الموضوع لأطرحه عليك». وحرصت من هذا الجواب على أن يذهب دون معرفة مسبقة لسبب دعوته، حتى يكون جوابه طبيعياً غير معد.
في اليوم التالي، ذهب الحريري إلى اللاذقية، واستقبله الرئيس الأسد لمدة تزيد عن ثلاث ساعات، وهو يناقشه بقضايا ليس لها علاقة بلبنان. وبعد أكثر من ساعتين، سأله عن لبنان، وعن الرئيس إلياس الهراوي والسياسيين اللبنانيين. وكان يجيب بكل بساطة دون أن يتحامل على أحد أو يكثر المديح على أحد. فجأة، سأله الرئيس: «إذا كنت رئيساً للحكومة اللبنانية واختلفنا مع المملكة العربية السعودية، كيف ستتصرف؟». أجابه رفيق: «سيادة الرئيس، أنا لبناني أحب وطني، وأنا سعودي، ولحم أكتافي من المملكة العربية السعودية. بالتالي، لا أستطيع أن أتخلى عن المملكة العربية السعودية لأني لست من ناكري الجميل، وأنا قومي عربي أعتبر سوريا حاضنة العرب، ولا أستطيع إلا أن أكون مع سوريا. بالتالي: إذا حصل خلاف سأعمل على إزالته وعلى عودة المياه إلى مجاريها، وإذا فشلت سأعتزل وأعيش في منزلي».
أجابه الرئيس حافظ: «لو قلت غير هذا الكلام لما صدقتك، وكنت ستفقد ثقتي. سأطلب من أبي جمال إبلاغ الرئيس اللبناني بأننا نؤيد ترشيح رفيق الحريري».
هكذا أصبح رفيق الحريري رئيساً لوزراء لبنان، والتزم بكل كلمة قالها أمامي وأمام الرئيس حافظ، وقدم خدمات كبيرة لسوريا عبر علاقاته الخارجية. كما سبق ذلك، وقبل أن تطرح قضية الحكومة في لبنان، عرض الحريري، كهدية لسوريا، بناء «قصر المؤتمرات» والفندق المرتبط به، كما أكمل بناء قصر الرئاسة الجديد.
تعرض الرئيس الحريري لحملات من بعض أجهزة الأمن السوري، وتعززت هذه الحملات بعد وفاة الرئيس الأسد في عام 2000، الذي كان يعرف ما يمكن للحريري أن يقدمه من خدمات للبنان وسوريا.

وبعد تسلم بشار السلطة، بدأ حملة على الحريري، وكان يحرضه على ذلك مجموعة من اللبنانيين الذين كانوا سابقاً مرتبطين بشقيقه باسل، ولهم مصالح في الدولة اللبنانية. ونشأت حالة من التوتر لدى بشار ضد الحريري، ما أدى إلى دفع أصدقاء بشار في لبنان لشن المزيد من الحملات على الحريري. وأدت هذه الحملات إلى زيادة عزلة بشار العربية والدولية، فوجد نفسه أمام خيار واحد وهو الارتماء في أحضان إيران.
بعد مناقشات عديدة معه هدأ الوضع. وفي تلك الفترة، كان من المفترض إجراء انتخابات رئاسية في لبنان، لكن بشار تمسك بالتمديد للرئيس إميل لحود، فاشتدت الحملة في أوساط المسلمين وبعض القوى الوطنية وبعض التيارات السياسية، ضد عملية التمديد.
في تلك المرحلة، بدأت علامات حملة جديدة من بشار ضد الرئيس الحريري. وظهر ذلك بوضوح في اجتماع لـ«الجبهة الوطنية التقدمية» (تحالف أحزاب مرخصة بقيادة «البعث»). وخلال هذا الاجتماع، تحدث وزير الخارجية فاروق الشرع عن الوضع السياسي، وسئل عن العلاقات مع الحريري، فأجاب: «متآمر على سوريا، ومرتبط بالولايات المتحدة الأميركية وفرنسا ضد سوريا».
بعد وصول هذا الخبر لي، اتصلت بالرئيس بشار، وسألته: «هل هناك جديد في موضوع الحريري؟». فأجابني: «لا». سألته: «هل أنت أعطيت التعليمات لفاروق لمهاجمة الحريري؟». وشرحت له الحديث في «الجبهة». أجابني: «لا، لماذا يتحدث فاروق عن لبنان؟ وماذا يعرف عن لبنان؟». فقلت له: «إذا تسرب هذا الحديث من أعضاء الجبهة إلى الولايات المتحدة الأميركية وإلى فرنسا وإلى الحريري، ألا تقدر خطورة ردود الفعل على إثارة هذه الاتهامات؟ ألا يكفي الحصار الذي نعيشه؟». أجابني: «سأوبخه، لكن أتمنى أن تتصل بالرئيس الحريري وتقول له إن سوريا متمسكة به وسأستقبله بعد أيام».
وفي 18 أغسطس (آب) عام 2004، اجتمعت ببشار، لأنني كنت مزمعاً السفر إلى فرنسا لإجراء بعض الفحوص الطبية. تحدثنا عن لبنان، وكان المطروح في الساحة اللبنانية التمديد للرئيس لحود، وكانت معظم القوى اللبنانية والدول العربية والأجنبية معارضة لهذا التمديد. قلت له: «مصلحة سوريا ومصلحتك ألا تتبنى عملية التمديد، فأنت لا تستطيع تحملها، ولا تستطيع سوريا تحمل نتائجها». قال: «أنا قررت عدم الموافقة على التمديد، وأبلغت ذلك إلى الرئيس لحود».
سافرت إلى فرنسا، وبعد أيام اتصل بي الحريري هاتفياً، وقال لي: «بشار قرر التمديد»، فأجبته: «مستحيل، منذ أيامٍ أكد لي أنه لن يمدد». سألني: «ماذا تنصحني أن أفعل؟». فأجبته: «أنصحك أن تحضر جلسات المجلس النيابي، وأن توافق على التمديد، وتذهب مباشرة إلى خارج البلاد». قال لي: «طلبني بشار في ساعة مبكرة وكان منفعلاً، وعلى الواقف، قال لي: أنا من يقرر تسمية رئيس الجمهورية في لبنان، ولست أنت. ومن يتحدى قراري، يجب أن يعرف ماذا سأفعل. لا أطلب منك الآن موافقة، لكن، اذهب إلى لبنان، وفكر بما قلته لك».
عدت من باريس، واجتمعت في السادس من سبتمبر (أيلول) مع الرئيس بشار، وتحدثنا عن الوضع في لبنان. سألته: «لماذا تراجعت عن كلامك برفض التمديد؟ لقد وضعت سوريا في قلب دائرة الخطر، بينما كانت على حافة هذه الدائرة». أجابني: «جاءني رجل أميركي وطمأنني إلى أن الولايات المتحدة الأميركية لن تتخذ أي إجراء». فأجبته: «هل تأخذ التطمين من شخص لا تعرف صفته ومكانته؟ اليوم سوريا في مأزق مع الخارج الأجنبي والعالم العربي». سألني: «ماذا يمكن أن أفعل؟». فأجبته: «العمل على توحيد القوى اللبنانية ليستقر لبنان، واستدعاء نبيه بري ورفيق الحريري ووليد جنبلاط وبعض الشخصيات المسيحية للاتفاق على مصالحة لبنانية تدعمها سوريا». وافق، لكنه مع الأسف لم يفعل شيئاً.
بعد أيام، جرى اتصال من القصر الجمهوري بالرئيس الحريري لمقابلة الرئيس بشار. وبالفعل، حضر الحريري الذي كان قد أعلن أنه سيستقيل، وسألني قبل أن يجتمع إلى الرئيس الأسد: «ماذا أفعل؟ أنا لا أريد البقاء في السلطة». فأجبته: «ابق مصراً على استقالتك، وإذا ضغط، اعرض عليه مسألة المصالحة الوطنية اللبنانية بين جميع الأطراف».
وبالفعل، خلال اللقاء، كان رفيق متشدداً بموقفه في الاستقالة. وسأله الرئيس الأسد: «ما هي شروطك للعودة عن الاستقالة؟». فأجابه: «اجتماع مصالحة وطنية، وحكومة وحدة وطنية يشارك فيها الجميع دون استثناء، وحرية في القرار، وعدم تدخل الرئيس لحود في شؤون الحكم». أجابه الأسد: «أنا موافق على ذلك. شكل الحكومة كيفما تريد، وأنا ليس لدي مرشح». قال له الحريري «إذا كان لديك بعض المرشحين، لا مشكلة لدي»، فأجابه بشار: «اختر من تريد، لكن أود أن يكون سليمان فرنجية في هذه الوزارة». أجابه رفيق: «هذا ممكن، واستيعاب سليمان فرنجية أمر مفيد».
مضت أيام وأسابيع ولم تشكل الحكومة. وفي أوائل أكتوبر (تشرين الأول)، جرت محاولة لاغتيال مروان حمادة، فأضافت عنصراً جديداً إلى التوترات في لبنان. ونظراً للصداقة بيني وبين مروان حمادة، الذي كان أحد اللبنانيين الذين ساهموا في تقريب وجهات النظر بين الأطراف والقوى اللبنانية، قررت السفر إلى بيروت لزيارته في المستشفى. أبلغت الأسد أني سأذهب إلى بيروت للاطمئنان على حمادة، فأجابني: «سيتهموننا بارتكاب هذه الجريمة».
بدأ بشار بشن حملة على الحريري دون أن يكون لها أي مبرر، وطلب من أنصاره في لبنان أن يشنوا حملة محاسبة ضد الحريري، وهذا ما دفعه إلى الاعتذار عن عدم تشكيل الحكومة بعد مضي أكثر من شهر على تكليفه. سألته هاتفياً: «لماذا لم تشكل الحكومة؟». فأجاب: «جماعتكم وضعوا العراقيل». وبعد اتصالي مع الحريري، اتصلت بالأسد، وسألته: «هل لديك فكرة عن التأخر في تشكيل الحكومة في لبنان؟». فأجاب: «ليس لنا علاقة. ليتصرف الحريري كما يريد، نحن لن نتدخل لمساعدته».
وفي منتصف يناير (كانون الثاني) 2005، عقدت القيادة القطرية لحزب «البعث» اجتماعاً لمناقشة بعض القضايا الحزبية. في هذا الاجتماع، قال الأسد: «سأتحدث عن لبنان. هناك مؤامرة أميركية - فرنسية، يشارك بها الحريري الذي يتآمر علينا، وهو يوحد طائفته حوله، وهذا يشكل خطراً على سوريا».
فوجئ أعضاء القيادة بهذا الحديث، وخرجوا من الاجتماع، وهم يتساءلون عن أسباب هذا التحول من قبل الأسد. بعد خروجي من الاجتماع، اتصلت به هاتفياً، وسألته: «ما هي المصلحة في الحملة على فرنسا وعلى الولايات المتحدة وعلى الحريري؟ هل قدرت خطورة هذا الحديث إذا تسرب؟ وماذا تعني بأن توحيد الطائفة السنية يشكل خطراً على سوريا؟ هل توحيد الطائفة الشيعية حول حسن نصر الله، والموارنة حول سليمان فرنجية، لا يشكل خطراً؟ فقط السنة؟ هل نسيت أن سوريا ذات أكثرية سنية؟ هل تقدر خطر ما قلته؟». لم يجب على كلامي، كل ما قاله: «هناك مؤامرة».
في اليوم التالي، استقبلت محسن دلول، وهو ذو صلة قوية مع الحريري، وأطلعته على حديث بشار، وطلبت منه إبلاغه لرفيق، وأن عليه أن يغادر لبنان فوراً، لأن الحقد عليه كبير. غادر دلول دمشق إلى بيروت وأبلغ الحريري رسالتي.
في مطلع شهر فبراير (شباط) 2005، ذهبت إلى بيروت لإجراء فحوصات في مستشفى الجامعة الأميركية، وبعد أن أنهيت الفحوصات توجهت إلى منزل الحريري، وكان عنده بعض الضيوف. ذهبنا إلى مكتبه في المنزل، وسألني: «ما هو الموضوع الذي أبلغني إياه محسن؟». فأجبته: «كان حديث بشار واضحاً، والاتهام بالتآمر عقوبته الموت. لذلك عليك أن تغادر بيروت اليوم قبل الغد». سألني: «كيف هي العلاقة بين بشار وشقيقه ماهر؟ هل هناك خلافات بينهما؟». فأجبته: «ليست هناك خلافات». قال لي: «ماهر بعث لي رسالة، يقول فيها: إننا نحبك وسنساعدك، وعندما تأتي إلى دمشق أنتظر زيارتك. نحن نريد دعمك». وسألني: «لماذا يبعث هذا الكلام إذا كان لديهم النية في قتلي؟». فأجبته: «هذه الرسالة التي بعثها ماهر تهدف إلى إبقائك في لبنان حتى ينفذوا جريمتهم». بعدما تناولنا الغذاء، ودعته وتمنيت عليه أن يسرع في السفر، فأجابني: «لكن لدي التصويت على قانون الانتخابات». قلت له: «يا أبا بهاء، ما الأهَم: حياتك أم الانتخابات؟ إذا خرجت تستطيع أن تعمل لمصلحة لبنان، وإذا بقيت سينفذون الجريمة». وعدت إلى دمشق.
وفي الرابع عشر من فبراير (شباط)، كان لدينا اجتماع في القيادة القطرية. وبعد الاجتماع، دخلت إلى غرفة الدكتور أحمد ضرغام، عضو القيادة، وكان حاضراً بعض أعضاء القيادة، وكان التلفزيون مفتوحاً، وكانت المفاجأة التي أذهلت أعضاء القيادة: نبأ انفجار قنبلة كبيرة أمام موكب الحريري الذي كان عائداً من المجلس النيابي إلى منزله، حيث نقل إلى المستشفى وقد فارق الحياة. كان إلى جانبي أحد أعضاء القيادة، فقال لي: «نفذَ ما تحدثَ عنه في القيادة».
عدت إلى البيت حزيناً، لأنني فقدت صديقاً كان يعمل لخدمة سوريا وخدمة لبنان. وتذكرت كيف بدأت علاقتي مع «أبي بهاء»، واستقبالي له أول مرة بطلب من جنبلاط وزياراته لي، حيث كان كلما جاء إلى بيروت يمر بدمشق. وتذكرت موقف الرئيس حافظ من الحريري، وكيف كان يحميه من حملات أجهزة الأمن السورية. وفي إحدى المرات، جرت محاولة من قبل لبنانيين قريبين من النظام السوري وبشار لإخراج الحريري من الوزارة، فكان موقف الرئيس حافظ شديداً، وقوله إن الحريري «كان يخدم سوريا ويستخدم علاقاته العربية والدولية لصالح سوريا».
يوم اغتيال الحريري، توجهت إلى لبنان، ووجدت حشوداً كبيرة أمام منزله. وعند نزولي من السيارة، سمعت شخصاً يقول: «ماذا يفعل هذا هنا؟»، فأجابه آخر: «هذا صديق أبي بهاء، وليس من أولئك الذين يكرهونه».
بقيت حوالي ساعتين، وعدت إلى دمشق.
ويوم الدفن، اتصلت مع أبو سليم دعبول، سكرتير الأسد، وأعلمته أني سأشارك في جنازة المرحوم الحريري. اتصل بي «أبو سليم»، وقال: «يقول الرئيس بشار إنك إذا كنت تريد المشاركة، فاذهب بصورة شخصية وليس كنائب للرئيس». أجبته: «إني ذاهب بصورة شخصية».
توجهت إلى بيروت ومعي «أم جمال» وأولادي، وشاركت في الجنازة. وفي مكان قريب من المدفن، كان يجلس عدد من الشخصيات العربية والأجنبية، وكان قريباً مني الشيخ أمين الجميل والرئيس نبيه بري، الذي أصر على دعوتي للغداء في منزله، وكان الرجل حزيناً من جهة، وقلقاً من جهة ثانية من أن يتعرض لما تعرض له الرئيس الحريري.

خدام: الأسد اقترح إعطاء المعارضة العراقية وعوداً وهمية... وخاتمي حذر من دولة كردية (الحلقة الأولى)
خدام: الأسد غيّر رأيه ومدد للحود فاصطدمت سوريا بالإرادة الدولية (الحلقة الثانية)
خدام: هاجمت قواتنا ثكنة «حزب الله»... وهذا ما دار مع السفير الإيراني (الحلقة الرابعة)
خدام: بوش أبلغنا برسالة خطية أن عون «عقبة»... والأسد اعتبرها «ضوءاً أخضر» لإنهاء تمرده (الحلقة الخامسة)
خدام: صدام بعث برسائل سرية إلى خامنئي ورفسنجاني... واقترح قمة بحضور «المرشد» (الحلقة السادسة)
رفسنجاني في رسالة لصدام: تتحدث عن القومية العربية وتنتقد رفضنا لاحتلال الكويت (الحلقة السابعة)
خدام: قلت لعرفات إنك تكذب وتتآمر على فلسطين ولبنان وسوريا (الحلقة الثامنة)
خدام: السعودية لعبت دوراً بارزاً لدى أميركا في حل «أزمة الصواريخ» مع إسرائيل (الحلقة التاسعة)
خدام: كنت أول وآخر مسؤول سوري يلتقى الخميني... وهذا محضر الاجتماع (الحلقة 10)

خدام: حافظ الأسد كان سريع التأثر بأفراد عائلته... وعلاقتنا وصلت أحياناً إلى القطيعة (الحلقة الـ 11 والأخيرة)



الحكومة اليمنية تحشد أوروبياً لمواجهة الحوثيين وحماية الملاحة

وزيرة الخارجية اليمنية خلال لقائها مع السفراء العرب في برلين (سبأ)
وزيرة الخارجية اليمنية خلال لقائها مع السفراء العرب في برلين (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تحشد أوروبياً لمواجهة الحوثيين وحماية الملاحة

وزيرة الخارجية اليمنية خلال لقائها مع السفراء العرب في برلين (سبأ)
وزيرة الخارجية اليمنية خلال لقائها مع السفراء العرب في برلين (سبأ)

كثفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية في العاصمة الألمانية برلين، لحشد دعم سياسي واقتصادي أوروبي يعزز قدرتها على مواجهة التصعيد الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة، بالتزامن مع تحذيرات من امتداد تهديد الجماعة المدعومة من إيران، إلى أمن الملاحة الدولية ومصالح التجارة العالمية، ودعوات لتصحيح ما وصفته الحكومة بالسرديات المغلوطة بشأن الأزمة اليمنية.

وأكدت وزيرة الخارجية وشؤون المغتربين، الدكتورة أفراح الزوبة، خلال سلسلة لقاءات واجتماعات مع مسؤولين وبرلمانيين ألمان ودبلوماسيين عرب وخبراء وممثلي مراكز أبحاث، أن استمرار التساهل الدولي مع الانتهاكات الحوثية شجع الجماعة على توسيع أنشطتها المزعزعة للاستقرار، ونقل تهديداتها من الداخل اليمني إلى الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.

وفي جلسة طاولة مستديرة نظمتها مؤسسة «كوربر» الألمانية ضمن فعالية «إفطار برلين السياسي»، استعرضت الوزيرة جذور الأزمة اليمنية منذ انقلاب الحوثيين على التوافق الوطني والحكومة الشرعية في سبتمبر (أيلول) 2014، واجتياحهم العاصمة صنعاء بقوة السلاح، وتقويض مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وصولاً إلى التصعيد العسكري الأخير ومحاولات استهداف الملاحة الدولية في مضيق باب المندب.

وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة (أ.ف.ب)

وقالت الزوبة إن السلوك التصعيدي للجماعة يشكل تهديداً مباشراً للسلم والأمن الإقليميين والدوليين، محذرة من أن الصمت الدولي والتساهل مع انتهاكاتها يمنحانها مساحة لمواصلة تهديد حركة التجارة العالمية.

تمدد التهديد الحوثي

ضمن التحركات نفسها، حذرت الوزيرة اليمنية، خلال مشاركتها في طاولة مستديرة أخرى نظمتها مؤسسة «كونراد أديناور» الألمانية، من امتداد التهديد الحوثي إلى أمن المنطقة والملاحة الدولية، مشيرة إلى استهداف خطوط الملاحة والتنسيق مع جماعات إرهابية في القرن الأفريقي، من بينها حركة الشباب الصومالية.

وربطت الزوبة بين رفض الحوثيين جهود السلام ومحاولاتهم فرض السيطرة على مضيق باب المندب، وإطلاق عملية «فجر اليمن»، قائلة إن العملية تستهدف استعادة مؤسسات الدولة وحماية الممرات البحرية من التهديدات التي تطال الملاحة والتجارة الدولية.

حراك يمني من برلين لدعم الحكومة في مواجهة الحوثيين (سبأ)

ودعت المشاركين من المسؤولين والخبراء وأعضاء الحزب الحاكم في ألمانيا، إلى نقل صورة دقيقة عن التطورات اليمنية إلى مؤسساتهم وصناع القرار، وتصحيح السرديات المغلوطة بشأن الأزمة، بما يضمن إيصال صوت اليمنيين وتداعيات التصعيد العسكري والإنساني عليهم.

وفي هذا السياق، شددت على أن دعم الحكومة اليمنية سياسياً واقتصادياً وإنسانياً، يمثل مدخلاً أساسياً لتعزيز قدرتها على الاضطلاع بمسؤولياتها، وترسيخ الاستقرار واستعادة مؤسسات الدولة.

حصار تعز والعقاب الجماعي

احتل الوضع الإنساني في مدينة تعز جانباً رئيسياً من مباحثات الوزيرة؛ إذ سلطت الضوء على استمرار الحصار الحوثي وما يترتب عليه من منع دخول الغذاء والدواء والإمدادات الأساسية، وإغلاق منشآت صحية، وعرقلة إجلاء المرضى والجرحى عبر ممرات آمنة.

وأكدت أن هذه الممارسات تمثل عقاباً جماعياً بحق المدنيين، وتفاقم معاناة الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها النساء والأطفال، مشيرة إلى أن الحصار تسبب في وفاة عدد من المدنيين نتيجة تعذر حصولهم على الرعاية والإمدادات الطبية اللازمة.

وخلال لقائها رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الألماني، أرمين لاشيت، بحثت الزوبة تطورات الأزمة اليمنية وانعكاساتها الإقليمية، مؤكدة أن تهديد حرية الملاحة والتجارة العالمية يمثل امتداداً للسلوك الحوثي المزعزع للاستقرار منذ سيطرة الجماعة على مؤسسات الدولة.

الحكومة اليمنية تسعى لاستقطاب الدعم السياسي والإنساني الأوروبي (سبأ)

كما استعرضت الزوبة الجهود التي تبذلها الحكومة المعترف بها دولياً انطلاقاً من العاصمة المؤقتة عدن للنهوض بالمسؤوليات الخدمية والتنموية، مشددة على أن استقرار مؤسسات الدولة وتأمين مواردها الذاتية يمثلان مدخلاً رئيسياً لمعالجة الأزمة الإنسانية بصورة مستدامة.

ودعت ألمانيا والشركاء الأوروبيين إلى تقديم دعم سياسي واقتصادي عاجل للحكومة، مع التركيز على بناء القدرات الوطنية، خصوصاً قوات خفر السواحل ومراقبة الحدود البحرية، بما يعزز قدرتها على مكافحة تهريب الأسلحة والتقنيات العسكرية الإيرانية إلى الحوثيين.

ونقل الإعلام الرسمي اليمني عن لاشيت أنه أعرب عن قلقه إزاء الانتهاكات الحوثية لحقوق الإنسان، لا سيما تجنيد الأطفال وتدهور الأوضاع المعيشية للمدنيين، مؤكداً أن استهداف الملاحة في البحر الأحمر يمس الأمن الاقتصادي لدول الاتحاد الأوروبي والعالم.

وشدد المسؤول الألماني على ضرورة تطوير البرلمان والحكومة في بلاده، بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي، استراتيجية جديدة للتعامل مع الملف اليمني تتواكب مع التطورات المتسارعة وتحمي الأمن الإقليمي والدولي.


مخاطر وبائية تحاصر تعز ومساعدات أممية معلَّقة في الضالع

أم يمنية نازحة جراء العدوان الحوثي في محافظة تعز (أ.ف.ب)
أم يمنية نازحة جراء العدوان الحوثي في محافظة تعز (أ.ف.ب)
TT

مخاطر وبائية تحاصر تعز ومساعدات أممية معلَّقة في الضالع

أم يمنية نازحة جراء العدوان الحوثي في محافظة تعز (أ.ف.ب)
أم يمنية نازحة جراء العدوان الحوثي في محافظة تعز (أ.ف.ب)

تفاقمت التداعيات الإنسانية والصحية للحصار الحوثي المفروض على مدينة تعز اليمنية، مع دخول الهجمات العدوانية على المدينة شهرها الثاني، وسط تراجع الخدمات الأساسية وارتفاع مؤشرات انتشار الأمراض الوبائية، في وقت علَّقت فيه الأمم المتحدة إيصال المساعدات إلى مديرية قعطبة شمال محافظة الضالع، ومخيمات النازحين المجاورة، إثر سقوط صاروخ حوثي بالقرب من مناطق إيوائهم.

وفي مواجهة تدهور الأمن الغذائي، أطلق برنامج الأغذية العالمي وشركاؤه مبادرة لتوفير وجبات غذائية طارئة للأسر الأكثر احتياجاً في مدينة تعز، تعتمد على مكونات غذائية من مصادر محلية، وتستهدف في مرحلتها الأولى ألفي أسرة موزعة على ثلاث مديريات.

وتأتي المبادرة في وقت تواجه فيه المدينة، التي يفرض الحوثيون عليها حصاراً متجدداً، أزمة متفاقمة في الخدمات الأساسية، خصوصاً المياه والصحة والنظافة، مع تزايد صعوبة وصول السكان إلى الاحتياجات الضرورية.

السكان في مدينة تعز يعانون من أزمة مياه خانقة منذ بدء حصار الحوثيين (إعلام محلي)

ووفقاً لبيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، اضطر أكثر من 310 آلاف شخص إلى مغادرة منازلهم في اليمن منذ بداية أغسطس (آب)، بينهم نحو 135 ألف نازح لا يزالون داخل محافظة تعز، يمثلون أكثر من 40 في المائة من إجمالي النازحين حديثاً.

وفيما يتعلق بالاستجابة للاحتياجات الطارئة، تمكن الشركاء الإنسانيون من تقديم مساعدات إيوائية لنحو 5600 أسرة نازحة، من أصل أكثر من 51 ألف أسرة نزحت منذ أغسطس، فيما يجري التخطيط لتوزيع مستلزمات الإيواء والخيام على 4600 أسرة إضافية.

تعليق المساعدات في الضالع

في شمال محافظة الضالع، فرضت المخاوف الأمنية قيوداً جديدة على العمليات الإنسانية، بعدما سقط صاروخ أطلقه الحوثيون على بُعد نحو كيلومتر واحد من مدينة قعطبة، بالقرب من مناطق تستضيف نازحين.

وأفادت التقارير الأولية بإصابة عدد من المدنيين جراء الحادثة، مما دفع إلى تعليق إيصال المساعدات الإنسانية إلى المديرية ومخيمات النازحين المجاورة، كإجراء احترازي في ظل المخاطر التي تهدد سلامة العاملين والمستفيدين من الإغاثة.

ويأتي هذا التعليق ليضيف عقبة جديدة أمام جهود الاستجابة الإنسانية، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الناجمة عن موجات النزوح والتصعيد العسكري، خصوصاً في المناطق التي تستضيف أعداداً كبيرة من الأسر الفارة من المواجهات.

مؤشرات وبائية مقلقة

في تعز، حذّر مكتب الصحة العامة والسكان من تزايد المخاطر الصحية والوبائية نتيجة استمرار الحصار وتراجع الخدمات الصحية والبيئية، مستنداً إلى مؤشرات رصدت انخفاضاً في الاستشارات الطبية وارتفاعاً في بعض الأمراض المعدية.

وأظهر تقرير إدارة الترصد الوبائي تراجع متوسط الاستشارات الطبية الأسبوعية بنسبة 27 في المائة، من 24 ألفاً إلى نحو 17.5 ألف استشارة، في مؤشر يعكس تراجع قدرة المرافق الصحية على تقديم الخدمات والوصول إلى المرضى.

تكدس القمامة يضاعف مخاطر انتشار الأمراض الوبائية في تعز (إعلام محلي)

وفي المقابل، ارتفعت حالات حمى الضنك المشتبه بها بنسبة 26 في المائة على مستوى المحافظة، فيما بلغت الزيادة 71 في المائة داخل مدينة تعز لكل ألف استشارة. كما سجلت حالات النكاف ارتفاعاً بنسبة 94 في المائة.

ورصد التقرير انخفاضاً بنسبة 50 في المائة في الحالات المشتبه بإصابتها بالحصبة والسعال الديكي والتهاب السحايا، بالتزامن مع تراجع عمليات التطعيم والاحتواء الوبائي بنسبة 40 في المائة، وهو ما يثير مخاوف من اتساع فجوات الوقاية والكشف المبكر.

أما الأمراض المنقولة بالمياه، فقد أظهرت البيانات انخفاض حالات الكوليرا المشتبه بها بنسبة 42 في المائة، مقابل ارتفاع معدل الإسهال المائي في المدينة بنسبة 22 في المائة، وسط تحذيرات من تلوث مصادر المياه وتراكم النفايات وضعف خدمات الصرف الصحي.

تراجع الاستجابة

لفت التقرير الصحي إلى تراجع أنشطة الاستجابة الوبائية، إذ انخفضت التنبيهات بنسبة 19 في المائة، والزيارات المنزلية لفرق الاستجابة بالنسبة نفسها، فيما تراجعت العينات المخبرية بنسبة 22 في المائة. وحذّر من أن انخفاض أعداد الحالات المسجلة لا يعني بالضرورة تحسن الوضع الوبائي، إذ قد يكون نتيجة تقلص الوصول إلى الخدمات الصحية وضعف أنشطة الترصد.

وتتضاعف هذه المخاطر مع نقص الوقود والمستلزمات الطبية وتوقف عمليات رفع النفايات، التي تتراوح كمياتها في المدينة بين 500 و600 طن يومياً، بما يهدد استمرار الخدمات الصحية، بما فيها تشغيل حاضنات الأطفال وأجهزة غسيل الكلى.

الحوثيون يمنعون إخراج النفايات من مدينة تعز المحاصرة وهو ما يهدد بكارثة صحية (أ.ب)

وطالب التقرير الحكومي بتوفير 1200 لتر من الديزل يومياً لصندوق النظافة، إلى جانب تكثيف حملات مكافحة البعوض وتعقيم المياه، ودعم المرافق الصحية بالوقود والمستلزمات الطبية، وتعزيز برامج التطعيم والترصد الوبائي، وتوفير فرق طبية متنقلة للوصول إلى المناطق الريفية.

وتعكس هذه المؤشرات اتساع الضغوط التي يواجهها سكان تعز، حيث يتزامن الحصار وتراجع الخدمات مع موجات النزوح ونقص الاحتياجات الأساسية، في وقت باتت فيه المخاطر الصحية والبيئية تهدد بتفاقم الأزمة الإنسانية، وتضع المرافق الصحية أمام تحديات متزايدة للحفاظ على الحد الأدنى من خدماتها.


«باليستي» حوثي يقتل ويصيب مدنيين في تعز

مجلس القيادة الرئاسي اليمني يؤكد أن عملية «فجر اليمن» تمضي بثبات نحو تحقيق كامل أهدافها (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي اليمني يؤكد أن عملية «فجر اليمن» تمضي بثبات نحو تحقيق كامل أهدافها (سبأ)
TT

«باليستي» حوثي يقتل ويصيب مدنيين في تعز

مجلس القيادة الرئاسي اليمني يؤكد أن عملية «فجر اليمن» تمضي بثبات نحو تحقيق كامل أهدافها (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي اليمني يؤكد أن عملية «فجر اليمن» تمضي بثبات نحو تحقيق كامل أهدافها (سبأ)

دخلت عملية «فجر اليمن» شهرها الثاني بتأكيد رئاسي على استمرارها حتى استعادة مؤسسات الدولة، بالتزامن مع صدور تقرير لفريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن اليمن عن استمرار الجماعة في تطوير قدراتها العسكرية بالاستفادة من شبكات إمداد خارجية معقّدة، في حين تسبب قصف حوثي بصاروخ باليستي في سقوط قتلى وجرحى في عملية وصفتها الحكومة اليمنية بـ«جريمة حرب».

وشهدت المواجهة العسكرية في اليمن مرحلة جديدة من التصعيد، مع اتساع رقعة المعارك بين القوات الحكومية والجماعة الحوثية في محافظات تعز ولحج ومأرب والجوف، وتزايد المخاوف على المدنيين والملاحة الدولية في البحر الأحمر.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، في بيان للمجلس، الخميس، استمرار العمليات العسكرية حتى تحقيق أهدافها المعلنة، وفي مقدمتها إنهاء الانقلاب الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي اليمنية.

وقال المجلس إن القوات المسلحة نفّذت، منذ الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أكثر من 40 ألف عملية استهداف عسكرية في مختلف الجبهات، أسفرت، وفق حصيلته، عن تحييد نحو 20 ألفاً من قيادات الجماعة وعناصرها، وتدمير وإعطاب أكثر من خمسة آلاف آلية ومعدة عسكرية.

مقاتلو الجيش اليمني في أحد المواقع بمحافظة الجوف (أ.ف.ب)

وتعكس هذه الأرقام، حسب المجلس، حجم العمليات العسكرية خلال الشهر الأول، في حين تتواصل المواجهات على عدة محاور، وسط تحركات حكومية لإعادة ترتيب بعض القيادات العسكرية والأمنية.

وبينما واصلت الجماعة الحوثية أعمالها العدائية واستهدافها للمدنيين والمنشآت الحيوية المدنية داخل البلاد وخارجها، إلى جانب استخدام مقرات أممية للعمليات العسكرية، كشف تقرير أممي عن استمرارها في تطوير قدراتها العسكرية بالاستفادة من شبكات إمداد خارجية معقّدة.

كما أثار إعلان الحكومة اليمنية استخدام الحوثيين في الساحل الغربي مبنى تابعاً للأمم المتحدة في مديرية المخا مركزاً للعمليات العسكرية ومنصة لإطلاق الصواريخ مخاوف جديدة بشأن سلامة المنشآت الإنسانية والعاملين الأمميين.

معارك متعددة

أعلنت القوات الحكومية استعادة مواقع عسكرية في منطقتي الصراري بمديرية صبر الموادم وصنمات بمديرية المسراخ في محافظة تعز (جنوب غرب)، عقب هجمات شنتها بمساندة المقاومة الشعبية، تزامنت مع غارات جوية وضربات نفذتها طائرات مسيّرة استهدفت مواقع وتجمعات وآليات حوثية.

وأفادت مصادر محلية بأن الطيران الحربي شنّ، فجر الجمعة، سلسلة غارات استهدفت تمركزات وتحصينات وآليات للجماعة في مديرية حيفان ومحيط مدينة التربة، دون إعلان حصيلة رسمية للخسائر.

وشهدت مناطق عديدة في محافظة لحج مواجهات عنيفة، تركزت بصورة خاصة في جبهة منطقة الزريقة التابعة لمديرية المقاطرة، حيث أفادت مصادر عسكرية بتنفيذ الحوثيين هجوماً التفافياً على خمسة مواقع، قبل أن تتمكن القوات المدافعة مسنودة بالمقاومة من استعادة موقعَين منها، في حين تتواصل المواجهات في مديرية المضاربة وجبال كهبوب المطلة على باب المندب.

وأسفرت المواجهات في الزريقة، وفق حصيلة ميدانية أولية نقلتها مصادر قيادية، عن مقتل 11 من أفراد القوات المشتركة وإصابة 23 آخرين، ولم تُعرف أعداد الإصابات في أوساط الحوثيين، فيما استمرت الاشتباكات مع وصول تعزيزات عسكرية من الطرفَين.

وامتد التصعيد إلى محافظتي مأرب والجوف، حيث أعلنت القوات الحكومية إحراز تقدم في مرتفعات الدحيضة وجبال حويشان شرقي الجوف، والسيطرة على مواقع وتحصينات وأسلحة، ضمن عمليات تستهدف فتح الطريق باتجاه مدينة الحزم.

مقاتلو الجيش والمقاومة في تعز استعادوا مواقع مهمة من يد الحوثيين (غيتي)

وفي مأرب، تواصلت المواجهات في وادي حلحلان بمديرية رغوان، حيث أعلنت القوات الحكومية استعادة مواقع كانت خاضعة لسيطرة الحوثيين، والتقدم باتجاه منطقة محازيم ماس، عقب اشتباكات وهجمات متبادلة أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من الجانبين.

وتتزايد المخاوف من انعكاسات اتساع القدرات الصاروخية والجوية الحوثية على أمن المنطقة والممرات البحرية، خصوصاً مع استمرار التهديدات المرتبطة بالملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.

تقرير أممي يكشف عن استمرار الحوثيين في الحصول على قدرات عسكرية عبر شبكات معقدة (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، كشف تقرير لفريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن اليمن عن استمرار الجماعة في تطوير قدراتها العسكرية بالاستفادة من شبكات إمداد خارجية معقدة، ومكونات تجارية ومدنية مزدوجة الاستخدام، تشمل أنظمة الملاحة والبطاريات والمحركات وأجهزة التحكم الإلكتروني المستخدمة في تصنيع وتطوير الطائرات المسيّرة والصواريخ.

وأشار التقرير إلى اعتراض شحنات ومكونات عسكرية خلال عام 2025، فضلاً عن محاولات الحصول على مواد كيميائية تدخل في تصنيع الوقود الصاروخي والمتفجرات، بينها بيركلورات الأمونيوم ونترات الصوديوم، محذراً من أن استمرار هذه الإمدادات يعزّز قدرات الجماعة بعيدة المدى ويشكل تهديداً للملاحة والتجارة الدولية.

مجزرة أخرى في الوازعية

في الساحل الغربي، أثار إعلان الحكومة اليمنية استخدام الحوثيين مبنى تابعاً للأمم المتحدة في مديرية المخا مركزاً للعمليات العسكرية ومنصة لإطلاق الصواريخ مخاوف جديدة بشأن سلامة المنشآت الإنسانية والعاملين الأمميين.

القوات الحكومية اليمنية تحرز تقدمات في تعز والجوف ولحج ضد الحوثيين (أ.ف.ب)

وقالت وزارة التخطيط والتعاون الدولي إن الجماعة تستغل الحصانة القانونية للمقرات الأممية لتغطية أنشطتها العسكرية، مطالبة الأمم المتحدة بالتحقيق في هذه الاتهامات والعمل على إخلاء المبنى من العناصر المسلحة والأسلحة. ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من هذه المزاعم.

وفي تطور ميداني آخر، سقط قتلى وجرحى إثر استهداف سوق الحضارة الشعبي في مديرية الوازعية غربي محافظة تعز، الجمعة.

وبينما أعلنت وزارة الصحة في حكومة الحوثيين، غير المعترف بها، مقتل 20 شخصاً وإصابة 15 آخرين على الأقل، حمّلت السلطات المحلية في تعز الجماعة مسؤولية الهجوم، ونفت أن يكون ناجماً عن غارات جوية لـ«التحالف»، مؤكدة، استناداً إلى إفادة غرفة العمليات، عدم تنفيذ الطيران الحربي أي عمليات في مديرية الوازعية خلال ذلك اليوم.

وقال المتحدث باسم الجيش اليمني، ماجد النزيلي، إن الحوثيين استهدفوا السوق بصاروخ باليستي، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى، واصفاً الهجوم بأنه «جريمة حرب» تعكس، حسب تعبيره، استهداف الجماعة للمدنيين كلما تعرضت لخسائر ميدانية أو أخفقت في إطلاق صواريخها.

مقاتلو الجيش اليمني في تعز عقّدوا مهمة الحوثيين في حصار المدينة واقتحامها (أ.ف.ب)

واتهم النزيلي الجماعة بتعريض أمن المنطقة وحرية الملاحة وخطوط التجارة الدولية للخطر، داعياً المجتمع الدولي إلى تصنيفها منظمة إرهابية وتجفيف مصادر تمويلها وقطع إمدادات السلاح عنها، ومؤكداً استمرار القوات الحكومية في عملية «فجر اليمن».

من جهتها، حذرت السلطة المحلية من أن الهجمات الصاروخية الحوثية العشوائية، بما فيها استخدام الصواريخ الباليستية، تعرّض حياة المدنيين للخطر. وشددت على أن الأسواق والتجمعات السكانية مشمولة بالحماية بموجب القانون الدولي الإنساني.

ودعت السلطات إلى توثيق ملابسات الحادثة وحفظ الأدلة المادية وإخضاعها لفحص فني مستقل. كما حثت السكان على الابتعاد عن مواقع سقوط المقذوفات وعدم لمس مخلفاتها أو نقلها، وإبلاغ الجهات المختصة، مطالبة الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية بإدانة استهداف المدنيين ودعم جهود التحقيق والمساءلة.

وتزامن التصعيد مع تغييرات في بعض المواقع العسكرية والأمنية، إذ أصدر الرئيس العليمي قراراً بتعيين قيادة جديدة لمحور أبين العسكري، بالتوازي مع قرارات لوزارة الداخلية شملت 11 تعييناً في قيادة وإدارات الشرطة بالمحافظة، في خطوة تأتي ضمن تحركات حكومية لإعادة ترتيب المؤسسات العسكرية والأمنية بالتزامن مع اتساع العمليات على الجبهات.