ليبيا تدخل «امتحان السلطة الجديدة» بتعقيدات الماضي

مخاوف من انقلاب «الخاسرين» وإعادة العجلة للوراء

ليبيا تدخل «امتحان السلطة الجديدة» بتعقيدات الماضي
TT

ليبيا تدخل «امتحان السلطة الجديدة» بتعقيدات الماضي

ليبيا تدخل «امتحان السلطة الجديدة» بتعقيدات الماضي

يأمل كثيرون من الليبيين في إنجاح المسار السياسي وما يسفر عنه من سلطة تنفيذية جديدة تكون قادرة على إدارة شؤون البلاد وطي صفحة الحرب والقتل والتشريد، إلا أنهم يتخوفون من حسابات (قوى داخلية وخارجية)، يرونها «تسببت في إشعال جبهات الاقتتال»، واستغلت عملية «خرق حظر السلاح» الذي تفرضه الأمم المتحدة على بلادهم. فعلى مدار خمسة أيام متوالية اتجهت أنظار الليبيين إلى مدينة جنيف السويسرية؛ لمتابعة ما جرى هناك من عملية اقتراع لاختيار أعضاء مجلس رئاسي ثلاثي جديد، ورئيس للحكومة، يناط بهم تجهيز البلاد خلال الأشهر العشرة المقبلة لإجراء الانتخابات العامة، والعمل على المصالحة الوطنية، وتوحيد المؤسسات المنقسمة.
جانب من هذه المخاوف، بحسب سياسيين تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، يتمثل في تكرار سيناريوهات الماضي، «إذا ما رفض الفريق الخاسر النتائج، وانقلب على عملية الانتقال السلمي للسلطة وارتكب أعمال عنف، أو أن يأبى (القادة الانتقاليون) التخلي عن مناصبهم عند حلول موعد الانتخابات، أو قد تعمد قوى أجنبية إلى تخريب العملية السياسية للدفاع عن مصالحها الشخصية»، وبالتالي تعود العجلة إلى تعقيدات وأحداث عام 2014 التي شهدت وقائع مريرة، ومن ثم تمتد المرحلة الانتقالية سنوات إضافية لا تخلو من حروب ودماء.
عكست مشاهد مباشرة بثتها الأمم المتحدة للمجتمعين الليبيين في جنيف، خلال الأسبوع الماضي، ممارسات واختباراً ديمقراطياً لم يعتده الشعب الليبي، الذي يعاني الفوضى منذ عشر سنوات. إذ بدت الصورة أكثر تفاؤلاً لهم بوضع 75 مشاركاً في «منتدى الحوار السياسي»، اختارتهم الأمم المتحدة ليمثلوا شرائح واسعة من المجتمع، بطاقات الاقتراع في ثلاثة صناديق، تمثل الأقاليم الثلاثة. وهو ما اعتبرته الزهراء لنقي، رئيسة منبر المرأة الليبية من أجل السلام، «نجاحاً في تحقيق قدر من الشفافية، بعد نقل وقائع الجلسات وعروض المرشحين لبرامجهم ومساءلتهم مباشرة أمام الجميع». وكان قد أُطلق الحوار السياسي الليبي بتونس في التاسع من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وأوكلت البعثة الأممية إلى المشاركين الـ75 مهمة وضع خريطة طريق لتنظيم انتخابات. وفي منتصف الشهر ذاته، وافقوا على تنظيم (انتخابات وطنية) في 24 ديسمبر (كانون الأول) المقبل؛ تزامناً مع الذكرى السبعين ليوم «الاستقلال الوطني».

«حكام ليبيا المؤقتون»
وبجانب الأجواء التي سادها الارتياح في طريقة اختيار الفائزين، من بين قائمة ضمت 45 مرشحاً للسلطة الانتقالية الجديدة، وإخضاعهم لأسئلة مفاجئة، أظهرت برامج بعض المتنافسين لحكم بلدهم «قدراً من السطحية والعمومية»، في مواجهة برامج بدت «متماسكة وقابلة للتنفيذ» في المدة المقررة بعشرة أشهر. لكن إجابات البعض الآخر كشفت عن وجهات نظر مغايرة لمواقفهم السابقة؛ إذ اعتبر عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب، خلال شرح وجهة نظره للترشح على منصب رئيس المجلس الرئاسي، أن «الحرب التي خاضها (الجيش الوطني) على طرابلس كانت خطأ». وقبل تجديد تعهده بطي صفحة الماضي، قال «لا يوجد إنسان معصوم من الخطأ». كذلك وصف اللواء أسامة جويلي، آمر المنطقة العسكرية الغربية لقوات «حكومة الوفاق» خلال تقديم رؤيته للترشح على منصب المجلس الرئاسي، أن «ما حدث في ليبيا عبارة عن إجراء توافقات بين فئات مختلفة، وقع بينهم نزاعات مسلحة كانت لها آثار وخيمة على البلد».
المرشحون لمجلس الرئاسة ورئاسة الوزراء خضعوا لاستجواب مباشر عبر تقنية الفيديو قبل التصويت على اختيارهم، وتعهدوا بعدم الترشح في انتخابات ديسمبر (كانون الأول) إذا تم اختيارهم، وقال الناشط السياسي أحمد التواتي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، «اليوم نجحت البعثة الأممية، والشعب سينتظر اختيارات الـ75، ولن ينتصر إلا إذا نجح في منع الأطراف الخاسرة من إفساد الاستحقاق الانتخابي، ودافع عن حقه في اختيار من يمثله». وكان واضحاً بروز حظوظ أسماء مثل عقيلة صالح، وفتحي باشاغا، وزير داخلية «حكومة الوفاق» وخالد المشري، رئيس مجلس الدولة، وأحمد معيتيق، نائب السراج الطموح المتحدر من مصراتة بغرب البلاد، لكنهم خسروا جميعهم. والمناصب الثلاثة في المجلس الرئاسي، وهي الرئيس ونائبان له، ستمثل أقاليم طرابلس في الغرب، وبرقة في الشرق، وفزّان في الجنوب. وبنتيجة الانتخابات أمس، فاز محمد يونس المنفي من إقليم برقة برئاسة المجلس الرئاسي الجديد، وعضوية كل من عبدالله اللافي عن إقليم طرابلس، وموسى الكوني عن إقليم فزان، فيما أصبح عبد الحميد الدبيبة من إقليم طرابلس (من مصراتة) رئيساً لحكومة الوحدة الوطنية الليبية.
وكان جميع المرشحين ألقوا ببرامجهم الانتخابية عبر تقنية الفيديو، ودعا العديد منهم إلى المصالحة وسحب القوات الأجنبية و«المرتزقة» المقدر عددهم بنحو 20 ألفاً، والذين ما زالوا على الأراضي الليبية. وبحسب الأمم المتحدة ستوكل إلى «المجلس الانتقالي» المستقبلي مهمة «إعادة توحيد مؤسسات الدولة وضمان الأمن» حتى الانتخابات المزمع إجراؤها نهاية العام.

سلاح خارج السلطة
طوال سنوات الحرب والدمار التي عاشتها ليبيا نشأ اعتقاد بأن من يملك «السلاح السائب» قادر على تدمير أي اتفاق سياسي، وهي الرؤية التي كان ينحاز إليه السياسي الليبي الراحل محمود جبريل، بقوله «طالما وجد السلاح على الأرض، وظلت التشكيلات المسلحة خارج الجيش والشرطة، فلن تقوم دولة ليبية على الإطلاق، ويبقى انتشار السلاح العائق الرئيسي أمام قيام الدولة، وما لم تحل هذه المعضلة فنحن نضيّع الوقت».
أما الآن، ومع اقتراب خروج بعض الساسة من المشهد راهناً، وما يتكتل خلفهم من ميليشيات مدججة بالسلاح بعضها مؤدلجة، فتتجدد المخاوف من ردود أفعال غاضبة حفاظاً على «مكتسباتهم» التي تراكمت طوال سنوات الفوضى. وذهب عبد العظيم البشتي، المحلل السياسي الليبي، في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه رغم أهمية الكثير من النقاط التي يحتاج الوضع الليبي راهناً إلى إنجازها، «لكن ما لم تكن الأولوية للحديث على تفكيك الميليشيات، وأن يكون السلاح في ليبيا حكراً على مؤسستي الجيش والشرطة، بالإضافة إلى محاربة الفساد، فإن كل وعود المرشحين لن يكون لها قيمة أو معنى».
لذا؛ يتوقع الراصدون لأوضاع المجموعات المسلحة بالعاصمة، أن تؤثر التجاذبات والتحرشات الدائمة بين الميليشيات هناك على نتيجة الاتفاق، خصوصاً التابعة منها للمجلس الرئاسي، والموالية لباشاغا رجل مصراتة القوي؛ إذ لكل منهما حسابات ومصالح شخصية تريد إبقاء الوضع على ما هو عليه، إن لم تكن مجريات الأوضاع لصالحها! وسبق لفائز السراج، رئيس المجلس الرئاسي، استحداث جهاز أمني جديد تحت اسم «جهاز دعم الاستقرار»؛ ودفع بالميليشياوي البارز عبد الغني الككلي الشهير بـ«غنيوة» لرئاسته، مع تعيين نواب له، أبرزهم أيوب أبوراس، وحسن محمد حسن أو زريبة، وموسى أبو القاسم موسى.
وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، عيّن السراج، آمر ميليشيا «الدعم المركزي» عماد الطرابلسي نائباً لرئيس جهاز الاستخبارات، والقيادي في ميليشيا «قوة الردع» لطفي الحراري نائباً لرئيس جهاز الأمن الداخلي، وهي من الخطوات التي يراها بعض المتابعين كفيلة بإعادة الاضطرابات في العاصمة، إن لم تحل هذه الأجهزة سريعاً.
وفي تقرير سابق، قدّرت الأمم المتحدة كمية السلاح في ليبيا بـ29 مليون قطعة سلاح غير خاضعة للرقابة، تمتلك الميليشيات المسلحة جزءاً منها، بينما الباقي يوجد في حوزة قبائل ومواطنين عاديين.

تعهدات علنية
ما يراه بعض الليبيين مطمئناً نسبياً في هذا التحول نحو «سلطة مؤقتة»، رغم تخوفات موازية، هو أن جميع المترشحين الـ45 قدموا تعهدات على الهواء أمام الشعب الليبي بأنهم سيعملون على توحيد المؤسستين الأمنية والعسكرية، وإجراء الانتخابات في موعدها. ورأى عضو مجلس النواب عن مدينة مصراتة محمد الرعيض، أنه عندما يتعهد رئيسا مجلس الدولة و«النواب» المشري وصالح، والكثير من النخب «أنهم راضون بمخرجات هذا الحوار، سواء نجحوا أم لا، فإن ذلك يعتبر شيئاً إيجابياً».
ولإزالة هذه المخاوف؛ أعلنت رئيسة البعثة الأممية بالإنابة، ستيفاني وليامز، أن المترشحين «وقّعوا تعهداً بالالتزام بخريطة الطريق وموعد الانتخابات ونتائج التصويت». لكن يبدو أن تجربة النكوص التي مرت بالبلاد لا تزال تخيف البعض.

الدستور وتفكيك الميليشيات
المتابعون للشأن الليبي يرون أن «تركة ثقيلة»، أشبه بالقنابل الموقوتة، في انتظار السلطة التنفيذية الجديدة، من بينها إخراج «المرتزقة» من البلاد، وتفكيك الميليشيات، وجمع السلاح. لكن تبقى أزمة الاستفتاء على مسودة الدستور التي أقرت قبل أربعة أعوام، عقبة كؤوداً... فقد اعتاد الليبيون مع كثرة تداول أزمة بلادهم الرفض بحثاً عن الأفضل!
شيء من ذلك دفع مكوّنات التبو والطوارق والأمازيغ في ليبيا إلى إعلان رفضهم هذه المسوّدة. بل إن الأمازيغ توعدوا بإسقاطها في مناطقهم، ودعوا إلى ذلك في جميع الأنحاء. وذهبوا أبعد من ذلك عندما لوّحت قيادات محلية أمازيغية باللجوء إلى استحداث إقليم إداري رابع، وكتابة وثيقة دستورية خاصة بهم، رداً على ما سمّوها «حقوقهم الضائعة وتهميشهم سياسياً». وقال أشرف بودوارة، رئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني لتفعيل «دستور الاستقلال والعودة للملكية الدستورية في ليبيا»، إن «العقبة التي واجهت الحكومات السابقة، وستواجه المقبلة، هي السلطات التشريعية والاستشارية الموجودة حالياً، في ظل غياب القاعدة الدستورية».
جملة من تعقيدات المشهد ستطفو على السطح السياسي في قادم الأيام عبر ملفات شائكة مثل «المصالحة الوطنية» بين القبائل، بما تشمله من جبر للضرر وعودة النازحين والمهجرين إلى منازلهم، بالإضافة إلى معاقبة المتورطين في جرائم القتل والاغتيالات منذ إسقاط النظام السابق عام 2011. وتحدث باشاغا خلال تقديم رؤيته كمرشح لرئاسة الحكومة عن أوضاع الميليشيات، فقال «إنها متواجدة في غرب ليبيا وشرقهاً»، لكنه نوّه إلى «اتباع سياسة لتحجيمها وليس إنهاءها؛ لأن تلك كانت سياسة الحكومة»، وأردف «لدينا برامج وتعاون مع الدول في تصنيف الكتائب المسلحة، وكيفية الدمج والأمر يحتاج إلى إصدار توجيهات من الحكومة».

اتفاقيات السراج و«الهدنة»
رغم كل ما يجري في ملاعب السياسة، وما قد يسفر عن نتائج تغيّر خريطة ليبيا مستقبلاً، فما تشهده محاور الاقتتال بالقرب من سرت - الجفرة، يبرهن على هشاشة الهدنة بين طرفي الحرب، خصوصاً في ظل تقارير تتحدث عن مواصلة تركيا الدفع بـ«المرتزقة» إلى جبهات الاقتتال في مسعى منها لإبقاء الوضع على ما هو عليه، في ظل جهود اللجنة العسكرية المشتركة.
ويعزز من هذا التوجس إعلان الميليشيات المنضوية تحت «قوة حماية طرابلس» والمنطقة الغربية، الموالية لـ«حكومة الوفاق»، رفضها نتيجة تصويت «ملتقى الحوار السياسي»، والزعم أن رئيسة البعثة الأممية «تضغط من أجل تحقيقها قبل انتهاء مهامها في مشهد يسلب إرادة الأغلبية من الشعب الليبي، وفي عجلة من الوقت تعكس استهتارها بمصالح الشعب الليبي، الذي يعاني ويلات المرض والحروب والفاقة المالية».
الدرب ذاته، تسير عليه عملية «بركان الغضب» التابعة لقوات «حكومة الوفاق»؛ إذ بدت خلال الأيام الماضية أكثر دفاعاً عن الاتفاقيات الأمنية التي وقّعها السراج مع تركيا، وذلك من خلال بث مقاطع مصورة تُظهر جانباً من التدريبات العسكرية لقواتها على يد الجيش التركي. وشملت البرامج التدريبية أنظمة أسلحة الدفاع الجوي ومضادة للطائرات من دون طيار وأنظمة الرادار والمدافع الحديثة. وهنا تساءل مسؤول عسكري بـ«الجيش الوطني» عن الموقف من القوات التركية المتواجدة على الأراضي الليبية، وقال في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، «هل ستعمل سلطات طرابلس مستقبلاً عن إلغاء هذه الاتفاقيات؟ أم أنها ستبقي عليها؟ وبالتالي يظل الباب موارباً للقوات الأجنبية لتظل بأجهزة استخباراتها تعبث في أرضنا».

العالم يترقب ليبيا
البعثة الأممية لدى ليبيا من جهتها سارعت الخطى لإنجاز هذا الذي يرقبه العالم؛ فسفارة فرنسا لدى ليبيا عبّرت عن دعمها الكامل لملتقى الحوار السياسي لانتخاب سلطة تنفيذية جديدة وموحدة، تكون مسؤولة عن قيادة البلاد إلى «الانتخابات الوطنية». وفي حين قالت «لقد حان وقت التغيير لصالح وحدة ليبيا وسيادتها وازدهارها»، قال وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، منتصف الأسبوع الماضي، إنه «يريد من الولايات المتحدة تحت قيادة الرئيس الجديد جو بايدن، إظهار مزيد من الاهتمام بشأن ليبيا التي تعاني من الفوضى والصراعات منذ نحو عشر سنوات». غير أن سفارة الولايات المتحدة لدى ليبيا كانت من المسارعين بتهنئة ملتقى الحوار، وجميع الليبيين على عملية الترشيح للسلطة الجديدة.

حروب ونزوح ومؤتمرات... 10 سنوات على المعضلة الليبية
> شهدت الأزمة الليبية تطورات عديدة منذ اندلاع «ثورة 17 فبراير (شباط)» 2011، مروراً بمقتل الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، وصولاً إلى منتدى الحوار السياسي الذي ترعاه البعثة الأممية لدى ليبيا. وعاشت البلاد خلالها حروباً ونزوحاً للمواطنين، في ظل انفلات أمني وانقسام سياسي، وتنافس حكومتين على الشرعية في شرق ليبيا وغربها.
27 فبراير 2011، تشكل «المجلس الوطني» الانتقالي. وفي الخامس من الشهر التالي تشكلت حكومة انتقالية برئاسة الدكتور محمود جبريل، وتعهد رئيسها بإجراء انتخابات عامة في غضون ثمانية أشهر على أبعد تقدير، وتولى علي زيدان الحكومة الجديدة.
في أكتوبر (تشرين الأول) 2011، قُتل الرئيس الليبي السابق معمر القذافي على يد ما يسمى بـ«الثوار».
12 فبراير عام 2012، وضع المجلس الوطني الانتقالي قانوناً لانتخابات «المؤتمر الوطني».
في أغسطس (آب) 2013، حلف عبد الله الثني اليمين كرئيس وزراء للحكومة الليبية المؤقتة بشرق ليبيا، وما زال يترأس حكومته في مدينة البيضاء بشرق البلاد إلى الآن.
في مايو (أيار) 2014، بدأ المشير خليفة حفتر «عملية الكرامة» للقضاء على «الجماعات الإرهاب» في مدن شرق ليبيا، وفي 24 أغسطس أجريت انتخابات مجلس النواب وأسفرت عن خسارة كبيرة لتيار الإسلام السياسي. وفي سبتمبر (أيلول) من العام ذاته، أعلنت قوات ما تسمى «فجر ليبيا»، تعيين عمر الحاسي رئيساً لحكومة إنقاذ مقرها طرابلس.
في مطلع أبريل (نيسان) 2015 سلم الحاسي رسمياً مهام رئاسة الحكومة لنائبه الأول خليفة الغويل، الذي قال عقب مراسم التسليم والتسلم هذه الخطوة تدل على الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة.
في نهاية 2015، احتضنت مدينة الصخيرات المغربية الأفرقاء الليبيين، وشهدت التوقيع على الاتفاق السياسي، الذي نصّ على تشكيل حكومة وحدة وطنية، برئاسة السراج، غير أن الاتفاق لم يحظ بالإجماع.
في عام 2016، حظيت «حكومة الوفاق» على دعم عربي ودولي واسع.
في 28 ديسمبر (كانون الأول) 2017، أعلن «الجيش الوطني» بقيادة خليفة حفتر، «تطهير» بنغازي بشرق البلاد من «الجماعات الإرهابية»، وأعقب ذلك بالسيطرة على «الهلال النفطي» في العام التالي، تمت محاربة «الجماعات الإرهابية» من مدينة درنة.
في عام 2017، دخت تونس على خط الأزمة الليبية، وأعلنت عن مبادرة للحل بحضور وزراء خارجية مصر والجزائر؛ وذلك لدعم التسوية السياسية الشاملة في البلاد، على أساس الحوار والمصالحة الوطنية.
في مايو 2018، عقدت فرنسا مؤتمراً للحوار الليبي، واتفقت أطراف الأزمة المجتمعة في باريس حينها على تنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية في أقرب وقت ممكن، مع الالتزام بتهيئة الأجواء. وأكّد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بعد لقائه بالسراج دعم بلاده لـ«حكومة الوفاق». وشهدت ليبيا في تلك الأثناء مبادرات عديدة من دول الجوار، بالإضافة إلى الاتحاد الأفريقي.
في بداية عام 2019، أعلن المبعوث الأممي السابق لدى ليبيا غسان سلامة، عن عقد «مؤتمر وطني» يعقد في الرابع عشر من شهر أبريل للمضي قدماً بالعملية الانتخابية في ربيع العام المقبل، لكن تم تأجيله بسبب الحرب على طرابلس التي أمر حفتر قوات الجيش بشنها على العاصمة في الرابع من الشهر ذاته لـ«تطهيرها» من «الجماعات الإرهابية»، وأسفرت عن مقتل آلاف المواطنين والمقاتلين، فضلاً عن نزوح مناطق بأكملها خارج العاصمة.
في يناير (كانون الثاني) 2020، قررت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، بالاتفاق مع الأمين العام للأمم المتحدة الدعوة إلى مؤتمر حول ليبيا عقد في برلين على مستوى رؤساء الدول والحكومات، بالإضافة إلى الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية.
في 4 يونيو (حزيران) عام 2020، أعلنت قوات «حكومة الوفاق» الليبية «تحرير» كامل العاصمة طرابلس، بعدما تراجعت قوات «الجيش الوطني» نحو 50 كيلومتراً إلى خط سرت - الجفرة. ونجحت البعثة الأممية في عقد مؤتمر بجنيف بين اللجنة العسكرية المشتركة أسفر عن تثبيت نسبي للهدنة، مع توصل اللجنة إلى إخراج المرتزقة من البلاد، وفتح الطرق المغلقة بين وسط وغرب البلاد.
في 9 من نوفمبر 2020، انعقد «ملتقى الحوار السياسي» في تونس، برعاية أممية. وشدد الرئيس التونسي قيس سعيد خلال كلمته في افتتاح المنتدى الحوار السياسي الليبي، على أن «الحل لا يمكن أن يكون إلا ليبيّاً خالصاً».



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.