ليبيا تدخل «امتحان السلطة الجديدة» بتعقيدات الماضي

مخاوف من انقلاب «الخاسرين» وإعادة العجلة للوراء

ليبيا تدخل «امتحان السلطة الجديدة» بتعقيدات الماضي
TT

ليبيا تدخل «امتحان السلطة الجديدة» بتعقيدات الماضي

ليبيا تدخل «امتحان السلطة الجديدة» بتعقيدات الماضي

يأمل كثيرون من الليبيين في إنجاح المسار السياسي وما يسفر عنه من سلطة تنفيذية جديدة تكون قادرة على إدارة شؤون البلاد وطي صفحة الحرب والقتل والتشريد، إلا أنهم يتخوفون من حسابات (قوى داخلية وخارجية)، يرونها «تسببت في إشعال جبهات الاقتتال»، واستغلت عملية «خرق حظر السلاح» الذي تفرضه الأمم المتحدة على بلادهم. فعلى مدار خمسة أيام متوالية اتجهت أنظار الليبيين إلى مدينة جنيف السويسرية؛ لمتابعة ما جرى هناك من عملية اقتراع لاختيار أعضاء مجلس رئاسي ثلاثي جديد، ورئيس للحكومة، يناط بهم تجهيز البلاد خلال الأشهر العشرة المقبلة لإجراء الانتخابات العامة، والعمل على المصالحة الوطنية، وتوحيد المؤسسات المنقسمة.
جانب من هذه المخاوف، بحسب سياسيين تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، يتمثل في تكرار سيناريوهات الماضي، «إذا ما رفض الفريق الخاسر النتائج، وانقلب على عملية الانتقال السلمي للسلطة وارتكب أعمال عنف، أو أن يأبى (القادة الانتقاليون) التخلي عن مناصبهم عند حلول موعد الانتخابات، أو قد تعمد قوى أجنبية إلى تخريب العملية السياسية للدفاع عن مصالحها الشخصية»، وبالتالي تعود العجلة إلى تعقيدات وأحداث عام 2014 التي شهدت وقائع مريرة، ومن ثم تمتد المرحلة الانتقالية سنوات إضافية لا تخلو من حروب ودماء.
عكست مشاهد مباشرة بثتها الأمم المتحدة للمجتمعين الليبيين في جنيف، خلال الأسبوع الماضي، ممارسات واختباراً ديمقراطياً لم يعتده الشعب الليبي، الذي يعاني الفوضى منذ عشر سنوات. إذ بدت الصورة أكثر تفاؤلاً لهم بوضع 75 مشاركاً في «منتدى الحوار السياسي»، اختارتهم الأمم المتحدة ليمثلوا شرائح واسعة من المجتمع، بطاقات الاقتراع في ثلاثة صناديق، تمثل الأقاليم الثلاثة. وهو ما اعتبرته الزهراء لنقي، رئيسة منبر المرأة الليبية من أجل السلام، «نجاحاً في تحقيق قدر من الشفافية، بعد نقل وقائع الجلسات وعروض المرشحين لبرامجهم ومساءلتهم مباشرة أمام الجميع». وكان قد أُطلق الحوار السياسي الليبي بتونس في التاسع من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وأوكلت البعثة الأممية إلى المشاركين الـ75 مهمة وضع خريطة طريق لتنظيم انتخابات. وفي منتصف الشهر ذاته، وافقوا على تنظيم (انتخابات وطنية) في 24 ديسمبر (كانون الأول) المقبل؛ تزامناً مع الذكرى السبعين ليوم «الاستقلال الوطني».

«حكام ليبيا المؤقتون»
وبجانب الأجواء التي سادها الارتياح في طريقة اختيار الفائزين، من بين قائمة ضمت 45 مرشحاً للسلطة الانتقالية الجديدة، وإخضاعهم لأسئلة مفاجئة، أظهرت برامج بعض المتنافسين لحكم بلدهم «قدراً من السطحية والعمومية»، في مواجهة برامج بدت «متماسكة وقابلة للتنفيذ» في المدة المقررة بعشرة أشهر. لكن إجابات البعض الآخر كشفت عن وجهات نظر مغايرة لمواقفهم السابقة؛ إذ اعتبر عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب، خلال شرح وجهة نظره للترشح على منصب رئيس المجلس الرئاسي، أن «الحرب التي خاضها (الجيش الوطني) على طرابلس كانت خطأ». وقبل تجديد تعهده بطي صفحة الماضي، قال «لا يوجد إنسان معصوم من الخطأ». كذلك وصف اللواء أسامة جويلي، آمر المنطقة العسكرية الغربية لقوات «حكومة الوفاق» خلال تقديم رؤيته للترشح على منصب المجلس الرئاسي، أن «ما حدث في ليبيا عبارة عن إجراء توافقات بين فئات مختلفة، وقع بينهم نزاعات مسلحة كانت لها آثار وخيمة على البلد».
المرشحون لمجلس الرئاسة ورئاسة الوزراء خضعوا لاستجواب مباشر عبر تقنية الفيديو قبل التصويت على اختيارهم، وتعهدوا بعدم الترشح في انتخابات ديسمبر (كانون الأول) إذا تم اختيارهم، وقال الناشط السياسي أحمد التواتي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، «اليوم نجحت البعثة الأممية، والشعب سينتظر اختيارات الـ75، ولن ينتصر إلا إذا نجح في منع الأطراف الخاسرة من إفساد الاستحقاق الانتخابي، ودافع عن حقه في اختيار من يمثله». وكان واضحاً بروز حظوظ أسماء مثل عقيلة صالح، وفتحي باشاغا، وزير داخلية «حكومة الوفاق» وخالد المشري، رئيس مجلس الدولة، وأحمد معيتيق، نائب السراج الطموح المتحدر من مصراتة بغرب البلاد، لكنهم خسروا جميعهم. والمناصب الثلاثة في المجلس الرئاسي، وهي الرئيس ونائبان له، ستمثل أقاليم طرابلس في الغرب، وبرقة في الشرق، وفزّان في الجنوب. وبنتيجة الانتخابات أمس، فاز محمد يونس المنفي من إقليم برقة برئاسة المجلس الرئاسي الجديد، وعضوية كل من عبدالله اللافي عن إقليم طرابلس، وموسى الكوني عن إقليم فزان، فيما أصبح عبد الحميد الدبيبة من إقليم طرابلس (من مصراتة) رئيساً لحكومة الوحدة الوطنية الليبية.
وكان جميع المرشحين ألقوا ببرامجهم الانتخابية عبر تقنية الفيديو، ودعا العديد منهم إلى المصالحة وسحب القوات الأجنبية و«المرتزقة» المقدر عددهم بنحو 20 ألفاً، والذين ما زالوا على الأراضي الليبية. وبحسب الأمم المتحدة ستوكل إلى «المجلس الانتقالي» المستقبلي مهمة «إعادة توحيد مؤسسات الدولة وضمان الأمن» حتى الانتخابات المزمع إجراؤها نهاية العام.

سلاح خارج السلطة
طوال سنوات الحرب والدمار التي عاشتها ليبيا نشأ اعتقاد بأن من يملك «السلاح السائب» قادر على تدمير أي اتفاق سياسي، وهي الرؤية التي كان ينحاز إليه السياسي الليبي الراحل محمود جبريل، بقوله «طالما وجد السلاح على الأرض، وظلت التشكيلات المسلحة خارج الجيش والشرطة، فلن تقوم دولة ليبية على الإطلاق، ويبقى انتشار السلاح العائق الرئيسي أمام قيام الدولة، وما لم تحل هذه المعضلة فنحن نضيّع الوقت».
أما الآن، ومع اقتراب خروج بعض الساسة من المشهد راهناً، وما يتكتل خلفهم من ميليشيات مدججة بالسلاح بعضها مؤدلجة، فتتجدد المخاوف من ردود أفعال غاضبة حفاظاً على «مكتسباتهم» التي تراكمت طوال سنوات الفوضى. وذهب عبد العظيم البشتي، المحلل السياسي الليبي، في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه رغم أهمية الكثير من النقاط التي يحتاج الوضع الليبي راهناً إلى إنجازها، «لكن ما لم تكن الأولوية للحديث على تفكيك الميليشيات، وأن يكون السلاح في ليبيا حكراً على مؤسستي الجيش والشرطة، بالإضافة إلى محاربة الفساد، فإن كل وعود المرشحين لن يكون لها قيمة أو معنى».
لذا؛ يتوقع الراصدون لأوضاع المجموعات المسلحة بالعاصمة، أن تؤثر التجاذبات والتحرشات الدائمة بين الميليشيات هناك على نتيجة الاتفاق، خصوصاً التابعة منها للمجلس الرئاسي، والموالية لباشاغا رجل مصراتة القوي؛ إذ لكل منهما حسابات ومصالح شخصية تريد إبقاء الوضع على ما هو عليه، إن لم تكن مجريات الأوضاع لصالحها! وسبق لفائز السراج، رئيس المجلس الرئاسي، استحداث جهاز أمني جديد تحت اسم «جهاز دعم الاستقرار»؛ ودفع بالميليشياوي البارز عبد الغني الككلي الشهير بـ«غنيوة» لرئاسته، مع تعيين نواب له، أبرزهم أيوب أبوراس، وحسن محمد حسن أو زريبة، وموسى أبو القاسم موسى.
وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، عيّن السراج، آمر ميليشيا «الدعم المركزي» عماد الطرابلسي نائباً لرئيس جهاز الاستخبارات، والقيادي في ميليشيا «قوة الردع» لطفي الحراري نائباً لرئيس جهاز الأمن الداخلي، وهي من الخطوات التي يراها بعض المتابعين كفيلة بإعادة الاضطرابات في العاصمة، إن لم تحل هذه الأجهزة سريعاً.
وفي تقرير سابق، قدّرت الأمم المتحدة كمية السلاح في ليبيا بـ29 مليون قطعة سلاح غير خاضعة للرقابة، تمتلك الميليشيات المسلحة جزءاً منها، بينما الباقي يوجد في حوزة قبائل ومواطنين عاديين.

تعهدات علنية
ما يراه بعض الليبيين مطمئناً نسبياً في هذا التحول نحو «سلطة مؤقتة»، رغم تخوفات موازية، هو أن جميع المترشحين الـ45 قدموا تعهدات على الهواء أمام الشعب الليبي بأنهم سيعملون على توحيد المؤسستين الأمنية والعسكرية، وإجراء الانتخابات في موعدها. ورأى عضو مجلس النواب عن مدينة مصراتة محمد الرعيض، أنه عندما يتعهد رئيسا مجلس الدولة و«النواب» المشري وصالح، والكثير من النخب «أنهم راضون بمخرجات هذا الحوار، سواء نجحوا أم لا، فإن ذلك يعتبر شيئاً إيجابياً».
ولإزالة هذه المخاوف؛ أعلنت رئيسة البعثة الأممية بالإنابة، ستيفاني وليامز، أن المترشحين «وقّعوا تعهداً بالالتزام بخريطة الطريق وموعد الانتخابات ونتائج التصويت». لكن يبدو أن تجربة النكوص التي مرت بالبلاد لا تزال تخيف البعض.

الدستور وتفكيك الميليشيات
المتابعون للشأن الليبي يرون أن «تركة ثقيلة»، أشبه بالقنابل الموقوتة، في انتظار السلطة التنفيذية الجديدة، من بينها إخراج «المرتزقة» من البلاد، وتفكيك الميليشيات، وجمع السلاح. لكن تبقى أزمة الاستفتاء على مسودة الدستور التي أقرت قبل أربعة أعوام، عقبة كؤوداً... فقد اعتاد الليبيون مع كثرة تداول أزمة بلادهم الرفض بحثاً عن الأفضل!
شيء من ذلك دفع مكوّنات التبو والطوارق والأمازيغ في ليبيا إلى إعلان رفضهم هذه المسوّدة. بل إن الأمازيغ توعدوا بإسقاطها في مناطقهم، ودعوا إلى ذلك في جميع الأنحاء. وذهبوا أبعد من ذلك عندما لوّحت قيادات محلية أمازيغية باللجوء إلى استحداث إقليم إداري رابع، وكتابة وثيقة دستورية خاصة بهم، رداً على ما سمّوها «حقوقهم الضائعة وتهميشهم سياسياً». وقال أشرف بودوارة، رئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني لتفعيل «دستور الاستقلال والعودة للملكية الدستورية في ليبيا»، إن «العقبة التي واجهت الحكومات السابقة، وستواجه المقبلة، هي السلطات التشريعية والاستشارية الموجودة حالياً، في ظل غياب القاعدة الدستورية».
جملة من تعقيدات المشهد ستطفو على السطح السياسي في قادم الأيام عبر ملفات شائكة مثل «المصالحة الوطنية» بين القبائل، بما تشمله من جبر للضرر وعودة النازحين والمهجرين إلى منازلهم، بالإضافة إلى معاقبة المتورطين في جرائم القتل والاغتيالات منذ إسقاط النظام السابق عام 2011. وتحدث باشاغا خلال تقديم رؤيته كمرشح لرئاسة الحكومة عن أوضاع الميليشيات، فقال «إنها متواجدة في غرب ليبيا وشرقهاً»، لكنه نوّه إلى «اتباع سياسة لتحجيمها وليس إنهاءها؛ لأن تلك كانت سياسة الحكومة»، وأردف «لدينا برامج وتعاون مع الدول في تصنيف الكتائب المسلحة، وكيفية الدمج والأمر يحتاج إلى إصدار توجيهات من الحكومة».

اتفاقيات السراج و«الهدنة»
رغم كل ما يجري في ملاعب السياسة، وما قد يسفر عن نتائج تغيّر خريطة ليبيا مستقبلاً، فما تشهده محاور الاقتتال بالقرب من سرت - الجفرة، يبرهن على هشاشة الهدنة بين طرفي الحرب، خصوصاً في ظل تقارير تتحدث عن مواصلة تركيا الدفع بـ«المرتزقة» إلى جبهات الاقتتال في مسعى منها لإبقاء الوضع على ما هو عليه، في ظل جهود اللجنة العسكرية المشتركة.
ويعزز من هذا التوجس إعلان الميليشيات المنضوية تحت «قوة حماية طرابلس» والمنطقة الغربية، الموالية لـ«حكومة الوفاق»، رفضها نتيجة تصويت «ملتقى الحوار السياسي»، والزعم أن رئيسة البعثة الأممية «تضغط من أجل تحقيقها قبل انتهاء مهامها في مشهد يسلب إرادة الأغلبية من الشعب الليبي، وفي عجلة من الوقت تعكس استهتارها بمصالح الشعب الليبي، الذي يعاني ويلات المرض والحروب والفاقة المالية».
الدرب ذاته، تسير عليه عملية «بركان الغضب» التابعة لقوات «حكومة الوفاق»؛ إذ بدت خلال الأيام الماضية أكثر دفاعاً عن الاتفاقيات الأمنية التي وقّعها السراج مع تركيا، وذلك من خلال بث مقاطع مصورة تُظهر جانباً من التدريبات العسكرية لقواتها على يد الجيش التركي. وشملت البرامج التدريبية أنظمة أسلحة الدفاع الجوي ومضادة للطائرات من دون طيار وأنظمة الرادار والمدافع الحديثة. وهنا تساءل مسؤول عسكري بـ«الجيش الوطني» عن الموقف من القوات التركية المتواجدة على الأراضي الليبية، وقال في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، «هل ستعمل سلطات طرابلس مستقبلاً عن إلغاء هذه الاتفاقيات؟ أم أنها ستبقي عليها؟ وبالتالي يظل الباب موارباً للقوات الأجنبية لتظل بأجهزة استخباراتها تعبث في أرضنا».

العالم يترقب ليبيا
البعثة الأممية لدى ليبيا من جهتها سارعت الخطى لإنجاز هذا الذي يرقبه العالم؛ فسفارة فرنسا لدى ليبيا عبّرت عن دعمها الكامل لملتقى الحوار السياسي لانتخاب سلطة تنفيذية جديدة وموحدة، تكون مسؤولة عن قيادة البلاد إلى «الانتخابات الوطنية». وفي حين قالت «لقد حان وقت التغيير لصالح وحدة ليبيا وسيادتها وازدهارها»، قال وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، منتصف الأسبوع الماضي، إنه «يريد من الولايات المتحدة تحت قيادة الرئيس الجديد جو بايدن، إظهار مزيد من الاهتمام بشأن ليبيا التي تعاني من الفوضى والصراعات منذ نحو عشر سنوات». غير أن سفارة الولايات المتحدة لدى ليبيا كانت من المسارعين بتهنئة ملتقى الحوار، وجميع الليبيين على عملية الترشيح للسلطة الجديدة.

حروب ونزوح ومؤتمرات... 10 سنوات على المعضلة الليبية
> شهدت الأزمة الليبية تطورات عديدة منذ اندلاع «ثورة 17 فبراير (شباط)» 2011، مروراً بمقتل الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، وصولاً إلى منتدى الحوار السياسي الذي ترعاه البعثة الأممية لدى ليبيا. وعاشت البلاد خلالها حروباً ونزوحاً للمواطنين، في ظل انفلات أمني وانقسام سياسي، وتنافس حكومتين على الشرعية في شرق ليبيا وغربها.
27 فبراير 2011، تشكل «المجلس الوطني» الانتقالي. وفي الخامس من الشهر التالي تشكلت حكومة انتقالية برئاسة الدكتور محمود جبريل، وتعهد رئيسها بإجراء انتخابات عامة في غضون ثمانية أشهر على أبعد تقدير، وتولى علي زيدان الحكومة الجديدة.
في أكتوبر (تشرين الأول) 2011، قُتل الرئيس الليبي السابق معمر القذافي على يد ما يسمى بـ«الثوار».
12 فبراير عام 2012، وضع المجلس الوطني الانتقالي قانوناً لانتخابات «المؤتمر الوطني».
في أغسطس (آب) 2013، حلف عبد الله الثني اليمين كرئيس وزراء للحكومة الليبية المؤقتة بشرق ليبيا، وما زال يترأس حكومته في مدينة البيضاء بشرق البلاد إلى الآن.
في مايو (أيار) 2014، بدأ المشير خليفة حفتر «عملية الكرامة» للقضاء على «الجماعات الإرهاب» في مدن شرق ليبيا، وفي 24 أغسطس أجريت انتخابات مجلس النواب وأسفرت عن خسارة كبيرة لتيار الإسلام السياسي. وفي سبتمبر (أيلول) من العام ذاته، أعلنت قوات ما تسمى «فجر ليبيا»، تعيين عمر الحاسي رئيساً لحكومة إنقاذ مقرها طرابلس.
في مطلع أبريل (نيسان) 2015 سلم الحاسي رسمياً مهام رئاسة الحكومة لنائبه الأول خليفة الغويل، الذي قال عقب مراسم التسليم والتسلم هذه الخطوة تدل على الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة.
في نهاية 2015، احتضنت مدينة الصخيرات المغربية الأفرقاء الليبيين، وشهدت التوقيع على الاتفاق السياسي، الذي نصّ على تشكيل حكومة وحدة وطنية، برئاسة السراج، غير أن الاتفاق لم يحظ بالإجماع.
في عام 2016، حظيت «حكومة الوفاق» على دعم عربي ودولي واسع.
في 28 ديسمبر (كانون الأول) 2017، أعلن «الجيش الوطني» بقيادة خليفة حفتر، «تطهير» بنغازي بشرق البلاد من «الجماعات الإرهابية»، وأعقب ذلك بالسيطرة على «الهلال النفطي» في العام التالي، تمت محاربة «الجماعات الإرهابية» من مدينة درنة.
في عام 2017، دخت تونس على خط الأزمة الليبية، وأعلنت عن مبادرة للحل بحضور وزراء خارجية مصر والجزائر؛ وذلك لدعم التسوية السياسية الشاملة في البلاد، على أساس الحوار والمصالحة الوطنية.
في مايو 2018، عقدت فرنسا مؤتمراً للحوار الليبي، واتفقت أطراف الأزمة المجتمعة في باريس حينها على تنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية في أقرب وقت ممكن، مع الالتزام بتهيئة الأجواء. وأكّد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بعد لقائه بالسراج دعم بلاده لـ«حكومة الوفاق». وشهدت ليبيا في تلك الأثناء مبادرات عديدة من دول الجوار، بالإضافة إلى الاتحاد الأفريقي.
في بداية عام 2019، أعلن المبعوث الأممي السابق لدى ليبيا غسان سلامة، عن عقد «مؤتمر وطني» يعقد في الرابع عشر من شهر أبريل للمضي قدماً بالعملية الانتخابية في ربيع العام المقبل، لكن تم تأجيله بسبب الحرب على طرابلس التي أمر حفتر قوات الجيش بشنها على العاصمة في الرابع من الشهر ذاته لـ«تطهيرها» من «الجماعات الإرهابية»، وأسفرت عن مقتل آلاف المواطنين والمقاتلين، فضلاً عن نزوح مناطق بأكملها خارج العاصمة.
في يناير (كانون الثاني) 2020، قررت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، بالاتفاق مع الأمين العام للأمم المتحدة الدعوة إلى مؤتمر حول ليبيا عقد في برلين على مستوى رؤساء الدول والحكومات، بالإضافة إلى الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية.
في 4 يونيو (حزيران) عام 2020، أعلنت قوات «حكومة الوفاق» الليبية «تحرير» كامل العاصمة طرابلس، بعدما تراجعت قوات «الجيش الوطني» نحو 50 كيلومتراً إلى خط سرت - الجفرة. ونجحت البعثة الأممية في عقد مؤتمر بجنيف بين اللجنة العسكرية المشتركة أسفر عن تثبيت نسبي للهدنة، مع توصل اللجنة إلى إخراج المرتزقة من البلاد، وفتح الطرق المغلقة بين وسط وغرب البلاد.
في 9 من نوفمبر 2020، انعقد «ملتقى الحوار السياسي» في تونس، برعاية أممية. وشدد الرئيس التونسي قيس سعيد خلال كلمته في افتتاح المنتدى الحوار السياسي الليبي، على أن «الحل لا يمكن أن يكون إلا ليبيّاً خالصاً».



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.