البشرية تدخل طور الإنسان «البيولوجي ـ الاستهلاكي»

تصورات جديدة عن دور الوفرة الغذائية في ظهوره

البشرية تدخل طور الإنسان «البيولوجي ـ الاستهلاكي»
TT

البشرية تدخل طور الإنسان «البيولوجي ـ الاستهلاكي»

البشرية تدخل طور الإنسان «البيولوجي ـ الاستهلاكي»

من بين الكتب التي استعرضتها الصحافة البريطانية حديثاً استوقفني كتاب من إدوين غَيْلْ Edwin Gale البروفسور الأسبق في الطب في جامعة بريستول، المعنون «النوع البيولوجي الذي غيّر نفسه» مع عنوان فرعي تابع «كيف أدى الازدهار إلى إعادة تكييف البشرية لنفسها».
يطرح الكاتب تصوراته عن أن وفرة الغذاء أدت إلى الوصول إلى نمط «المخلوق الاستهلاكي» الذي تطورت لديه سمات بيولوجية لم تكن موجودة لدى سابقيه من الأنماط البشرية. وإن كان النوع البيولوجي يتحدد بجيناته المتوارثة وبالوسط المحيط لنشأته، فإن الكاتب يرى أن هذا النوع البيولوجي الجديد من الإنسان، غيّر نفسه فعلاً بعد أن ازداد وسطه المحيط - الذي صنعه هو بنفسه - تأثيراً، مع ازدياد الوفرة وانتشار التعليم.

ربما تبدو التصورات التي يقدمها الكاتب غريبة في كونها تتحدث عن نمط «بيولوجي» حديث، إلا أن علينا أن نتذكر أن النشاطات البشرية قادت إلى خلق بيئة غير مسبوقة على الأرض، فقد أدت الثورة الصناعية، وخصوصاً منذ نهاية أعوام الأربعينات في القرن الماضي إلى انطلاقة عظمى في ميدان الأبحاث والتصنيع؛ ما زاد من تلوث البيئة بالمواد الجديدة والانبعاثات الضارة وملوثات التربة والجو والماء. وقد ارتد هذا الأمر على الإنسان على شكل أمراض تنفسية وقلبية وسرطانية، بل إنه أثر حتى على بنية الإنسان البيولوجية؛ إذ أشار العديد من الأبحاث مثلاً إلى تدهور القدرات التناسلية للرجال في أوروبا بعد أن قلّت حيوية وحركية الحيوانات المنوية وأعدادها لديهم، بتأثير الملوثات حسبما يعتقد.
وإضافة إلى ذلك، يبدو أن تأثير الإنسان على الأرض قاد مجموعات من العلماء في الجيولوجيا إلى اعتماد نوع جديد من العصور الجيولوجية يمثل «العصر الجيولوجي الناجم عن التأثير البشري».
ويسمى هذا العصر «الأنثروبوسين»، وهو حقبة مقترحة يعود تاريخها إلى بداية التأثير البشري الكبير على جيولوجيا الأرض والنظم الإيكولوجية، بما في ذلك، على سبيل المثال، تغير المناخ بسبب الإنسان.
النمط الجديد للإنسان الذي يتحدث عنه البروفسور غيل في كتابه يشتمل على خصائص بيولوجية ملاحظة، منها أن الإنسان المعاصر أضحى أكثر طولاً، وأكثر شحماً، وأطول عمراً، وأكثر تعاطفاً مع الآخرين، بل - وربما كما يقول - أكثر ذكاءً من كل أسلافه السابقين.
ووفقاً للكاتب الذي يستطرد في تأملاته، فإن الإنسان مر في الماضي بأول نمط، هو «الصياد - جامع القوت» الذي كان يتسم بطول قامته وطول رجليه ورشاقته؛ ما أهله لملاحقة الغزلان لزمن طويل، ويتمتع بأسنان ممتازة لانتفاء الحبوب والسكر من غذائه، كما أنه لم يتعرض لأي جائحات من الأمراض؛ لأن مجموعاته الصغيرة كانت تعيش متناثرة. ولا يعرف عنه معاناته من مرض السكري أو أمراض الشرايين، وعند الهرم لم يكن يزداد وزناً ولا يرتفع لديه ضغط الدم.
أما النمط الثاني للإنسان من الناحية التاريخية، فهو «الإنسان الزراعي» الذي ظهر بانطلاق الثورة الزراعية قبل 10 آلاف عام التي أدت إلى ازدياد تعاسة الإنسان، وفقاً للمؤلف. إذ هنا بدأت حياة الاستقرار وقلّ التنوع الغذائي؛ ما أدى إلى صغر حجم الإنسان وعيشه لأعمار أقصر، مصاباً بفقر الدم متعرضاً للفيروسات التي تنتقل من قطعان الماشية أو الحيوانات البرية التي تدور حول مستوطناته. وفي الوقت نفسه، ظهرت «المرأة الزراعية» التي ازدادت قوة عضلات اليدين لديها بعد أن عكفت على طحن الحبوب على مدار الزمن.
ويضم الكتاب مقتطفات تضفي عليه نوعاً من الظرافة عند حديثه عن عادات تسمين العروس لدى قبائل في نيجيريا داخل غرفة خاصة لأشهر عدة، ومخاطر استخدام الاسترويدات المصنعة للكمال الجسماني.
وعودة إلى النمط الجديد للإنسان، يتحدث الكاتب عن بزوغ فجر الوفرة الغذائية مع تطوير الأسمدة الزراعية. ويقول، إن السمنة هي أهم خصائص وعلامات النمط «البيولوجي الاستهلاكي» الجديد، مشيراً إلى أن السمنة ليست مرضاً، بل إنها جانب من نمط الإنسان الجديد؛ ولهذا فهو لا يوافق على مصطلح «وباء السمنة» الشائع؛ إذ إنه لا يشكل على سبيل المثل الخطر الذي تشكله أخطار التغيرات المناخية في الأرض.
ويقول، إن «ازدياد السمنة قد تصادف مع الانحسار المدهش لأعداد الوفيات بأمراض الشرايين التاجية في القلب»، مضيفاً أن سبب ذلك غير معروف، ربما قد يكون ناجماً عن سرعة التدخل العلاجي والإقلاع عن التدخين.
وعموماً، فإن «الإنسان أكثر تكيفاً الآن مع السمنة من السابق»؛ إذ أصبح الرقم 60 سنة للعمر حالياً معياراً شائعاً مقابل الرقم 50 سنة في السابق، كما أن «وزن 80 كيلوغراماً الآن قد حل كمعيار محل الـ70 كيلوغراماً في السابق».
وبشكل ظريف يقول، إن الحديث عن السمنة هو عملية تمييز اجتماعي؛ فالرفاهية والغنى يرتبطان بالرشاقة، بينما ترتبط السمنة بالفقر، و«هكذا أصبح النبذ أو العزل الاجتماعي مرتبطاً بالسمنة؛ إذ يغدو الأغنياء أكثر غنى بينما يغدو الفقراء أكثر سمنة»!
ويشير الكاتب إلى أن محو الأمية وانتشار التعليم أديا إلى ازدياد تعاطف النمط الجديد مع الإنسان مع أقرانه.
وتعتبر المراهقة أيضاً إحدى خصائص النمط الجديد للإنسان؛ «فالأطفال يدخلون الآن طور المراهقة في أعمار أصغر بـ4 سنوات تقريباً عما مضى». وتشير الإحصاءات في السويد مثلاً إلى أن متوسط العمر لأول دورة شهرية للفتيات انخفض من 16.5 إلى 12.5 سنة من بين القرنين التاسع عشر والعشرين.
ويشير الكاتب إلى أن المجتمعات المعاصرة تلجأ إلى وضع كبار السن في «خانة المرضى» بدلاً من أن تتقبل حقيقة أن العمر المتقدم –بكل صعوباته - هو جانب من جوانب النمط الجديد من الإنسان. ويقول منتقداً، إن نطاق «المعايير الاعتيادية» التي تتعلق بالوزن أو ضغط الدم وغيرهما يتم تحديدها لنطاق من البالغين الشباب... ولذا؛ فإن أي تغير في تلك المعايير، خصوصاً لدى كبار السن يعتبر غير صحي... وأن علينا أن نجبر على اعتبار حبوب الدواء جزءاً من الحياة مع تقدم العمر».

The Species That Changed itself
How Prosperity reshaped Humanity
By Edwin gale



فيليب وود يسبر تاريخ الأقليات الدينية في العصور القديمة

فيليب وود يسبر تاريخ الأقليات الدينية في العصور القديمة
TT

فيليب وود يسبر تاريخ الأقليات الدينية في العصور القديمة

فيليب وود يسبر تاريخ الأقليات الدينية في العصور القديمة

فيليب وود أستاذ متخصص في حقل الأديان المقارنة. حصل على درجة الماجستير في التاريخ من جامعة كمبردج، وعلى درجة الماجستير البحثي (MPhil) في الدراسات البيزنطية من جامعة أكسفورد. كما أنجز أطروحته للدكتوراه (DPhil) في أكسفورد حول سوريا في أواخر العصر الروماني (البيزنطي). عمل في جامعة أكسفورد، وكلية الدراسات الشرقية والأفريقية SOAS في لندن وفي جامعة كمبريدج قبل انضمامه إلى معهد دراسة الحضارات الإسلامية (ISMC) التابع لجامعة أغا خان، ابتداء من عام 2012، أستاذاً في حقلي التاريخ والأديان المقارنة، لطلبة الماجستير، وهناك شغل منصب منسق برنامج الماجستير بين عامي 2013 و2017، كما تولّى منصب رئيس التعليم والعميد بالإنابة عام 2023. وقد نال جائزة البحوث من جامعة الآغا خان عام 2021، وجائزة القيادة المتميزة عام 2024. وهو عضو في الأكاديمية الأوروبية (Academia Europaea)، وزميل في الجمعية الملكية التاريخية، وزميل في الجمعية الملكية الآسيوية.

حفريات في العراق الساساني

أثار كتاب فيليب وود «حولية سْعِرْت: المخيال التاريخي في عراق أواخر العصر القديم» الصادر عن دار جامعة أكسفورد للنشر، الكثير من الاهتمام بين المعنيين في التاريخ الروماني البيزنطي بشكل خاص وتاريخ الشرق الأوسط بشكل عام، وتجسد هذا الاهتمام بظهور العديد من المراجعات المعمقة في دوريات أكاديمية بريطانية وأميركية.

وتكمن أهمية الكتاب في أنه ليس تاريخاً عن العراق قبل الفتح العربي - الإسلامي الذي يؤرخ بسقوط طيسفون (المدائن) عاصمة الإمبراطورية الساسانية عام 637 ميلادية بل هو دراسة لوثيقة مهمة مكتوبة بالعربية في القرن العاشر، ترجمها أسقف كلداني يدعى أداي شير إلى الفرنسية، كان يقيم في مدينة سْعِرْت الواقعة في جنوب شرقي تركيا، وقد قُتل هذا العالم الملم بالعربية عام 1915 ضمن حملة إبادة تعرض لها المسيحيون في تلك المنطقة على يد عناصر تركية وكردية غير منضبطة.

وقد رأى عدد من الباحثين أن أهميته لا تكمن فقط في تحليل «حولية سْعِرْت»، بل في الطريقة الجديدة التي تعامل بها «وود» مع النص بوصفه بناءً تخييلياً - تاريخياً يعكس تطور هوية المسيحيين العراقيين عبر القرون.

نقرأ في دورية «يو إن آر في» المتخصصة بالتاريخ الروماني ما يلي: «حولية سْعِرْت كُتبت بالعربية خلال عصر الخلافة العباسية... ولأنها كُتبت بعد فترة طويلة عن وقوع الأحداث الموصوفة فيها، سمحت طريقة (وود) بإزاحة طبقة بعد أخرى منها كاشفاً العناصر المفبركة بها، وهذا ما سمح بإظهار صورة شاملة للمدونات الأقدم عن الأقلية المسيحية خلال عصر الإمبراطورية الساسانية».

وهذا ما جعلنا نرى كيف كان حال البطريركية في العاصمة طيسفون (المدائن)، وفيها عرض فيليب وود كيف أن كنيسة المشرق، الواقعة إلى شرق سوريا، تطورت وأصبحت مختلفة عن كنيسة المشرق الأرثوذوكسية الواقعة إلى غربها في سوريا خلال الحكم البيزنطي.

النتيجة النهائية هو أننا نقرأ تاريخاً مختلفاً عما كُتب سابقا عن المسيحيين خلال العصر الساساني وعلاقاتهم بالإمبراطورية البيزنطية الشرقية، ونظرة بديلة عن النظرة السابقة للملوك الساسانيين، التي ترى أنهم كانوا ينظرون إلى المسيحيين باعتبارهم عناصر مزعزعة نتيجة لما يحملون من آيديولوجيا ميالة إلى الرومان. ويبين الكتاب أن الاضطهاد الذي مارسه الشاهات الساسانيين للمسيحيين كان ناجماً عن طبيعة معتقدات المسيحيين وتصرفاتهم التي ينقصها الامتثال المتوقع من رعاياهم.

كذلك، تبين الحولية كيف أن رجال الدين المسيحيين تأقلموا مع الحكام المسلمين بعد الانهيار السريع لإمبراطورية فارس في العراق، وهو جانب لم تعطه الكتب السابقة اهتماماً كافياً.

الجانب الآخر الذي أشاد به معظم المراجعين لهذا الكتاب هو أن «وود» لم يتعامل مع الحولية كمجرد «مستودع معلومات» عن الماضي، بل بوصفها نصاً تراكمياً متعدد الطبقات، تشكلت رواياته عبر أجيال مختلفة من الكتّاب والمؤرخين. ولذلك فإن الكتاب، بحسب بعض المراجعات، لا يدرس «ما حدث» فقط، بل يدرس كيف تخيّل مسيحيو العراق تاريخهم الخاص وكيف أعادوا كتابة هذا الماضي لتأكيد هويتهم وعلاقتهم بالسلطة والمجتمع.

وأثنت عدة مراجعات مثل ما جاء في مجلة «المراجعة التاريخية الأميركية» و«دوريات جامعة شيكاغو» على المنهج الذي اتبعه فيليب وود في «تفكيك الطبقات» التاريخية داخل الحولية، أي محاولة إعادة بناء النصوص السريانية الأقدم المختبئة داخل النص العربي المتأخر. وقد اعتبر بعض الباحثين أن هذا المنهج يُشبه ما فعله مؤرخو الإسلام المبكر عند تحليل الطبقات المختلفة في روايات الطبري والبلاذري، لكن «وود» طبّقه على التراث السرياني - العراقي.

يمكن القول إن هذا الكتاب قدم صورة أكثر تعقيداً للعلاقة بين المسيحيين والدولة الساسانية. فهو يرفض الصورة التقليدية التي تختزل العلاقة في اضطهاد دائم بسبب «الولاء للروم»، ويُظهر بدلاً من ذلك شبكة أكثر تعقيداً من التفاوض والتكيّف والتعاون بين الكنيسة والنخب الساسانية، ثم لاحقاً مع الدولة العباسية.

ومن النقاط التي نالت اهتماماً واسعاً في المراجعات تحليل وود لدور الأديرة، والمدارس اللاهوتية، والنخب الأرستقراطية المسيحية، والبطريركية.

يُظهر هذا الكتاب أن التاريخ لم يكن مجرد تسجيل للأحداث، بل أداة لإنتاج الشرعية وصياغة هوية جماعية مسيحية داخل عالم ساساني ثم عباسي متعدد الأديان والثقافات.

كذلك رأى بعض النقاد أن من أهم إضافات الكتاب كشفُه كيف أُعيد دمج تاريخ الأديرة والمدارس والقديسين والأساقفة ضمن «سردية جامعة» تتمحور حول البطريرك في المدائن (طيسفون)، بحيث أصبح تاريخ الكنيسة أشبه بتاريخ سياسي - روحي موحَّد لكنيسة المشرق في شقها العراقي.

في المقابل، أشارت بعض المراجعات إلى أن الكتاب صعب نسبياً على القارئ غير المتخصص، بسبب كثافة الأسماء السريانية والتفاصيل التاريخية وتشابك الطبقات النصية. ورأى بعضهم أن الكتاب موجّه أساساً للباحثين المتخصصين بتاريخ المسيحية الشرقية والعراق الساساني، أكثر من القارئ العام.

ومع ذلك، فإن الانطباع العام في أغلب المراجعات كان إيجابياً جداً. فقد اعتُبر الكتاب دراسة رائدة أعادت وضع تاريخ المسيحيين العراقيين داخل مركز النقاش الأكاديمي الدائر حول أواخر العصر القديم Antiquity، بدلاً من النظر إليهم كهوامش تابعة للتاريخ البيزنطي أو الإسلامي فقط. كما رأى بعض الباحثين أن وود نجح في تحويل «حولية سْعِرْت» من نص مهمل نسبياً إلى مصدر أساسي لفهم تشكل الهوية المسيحية العراقية بين الساسانيين والعباسيين.

الخليفة المأمون وديونيسيوس التلمحري

في عام 2021 أصدر فيليب وود كتاباً جديداً عنوانه «إمام النصارى: عالم ديونيسيوس التلمحري (750- 850 ميلادياً)»، وفيه يتعقب حلقة أخرى تكشف مدى التعاون المثمر الذي تحقق خلال الخلافة العباسية وخصوصاً بعد وصول المأمون إلى سدة الحكم، وكانت من مظاهر هذا التعاون مشاركة العديد من المثقفين المسيحيين الذين يتقنون اللغات العربية والآرامية (السريانية) ترجمة الكثير من الكتب ذات الأصل الإغريقي إلى العربية، ومن أشهر الكتب التي لعبت دوراً في تطور الفلسفة العربية - الإسلامية كتاب «أثولوجيا أرسطو» الذي ترجمه المسيحي ابن ناعمة الحمصي وقام بتحريره الفيلسوف الكندي في بغداد.

من أهم أطروحات فيليب وود أن ديونيسيوس استخدم مفهوم «الإمام» لوصف موقعه الديني والسياسي داخل الجماعة المسيحية. ولم يكن ذلك مجرد استعارة لغوية، بل محاولة لإعادة تعريف سلطة البطريرك وفق النموذج السياسي الإسلامي. فالإمام، في التصور الإسلامي، ليس فقط من يؤم الصلاة، بل هو أيضاً مرجع أخلاقي وسياسي للجماعة. ديونيسيوس حاول أن يمنح البطريرك دوراً مشابهاً داخل المجتمع المسيحي الخاضع للدولة العباسية.

ويرى «وود» أن التحول الكبير بدأ بعد سقوط الإمبراطوريتين الرومانية والساسانية، إذ فقدت الكنائس القديمة علاقتها المباشرة بالدولة الإمبراطورية المسيحية، واضطرت إلى التكيف مع واقع سياسي جديد تقوده دولة إسلامية عربية. في البداية تمتعت النخب المسيحية المحلية بحرية واسعة نسبياً بسبب ضعف السيطرة المركزية بعد الفتوحات، لكن مع صعود العباسيين عاد نموذج الدولة المركزية والضرائب والإدارة المُحكمة. وهذا ما دفع القيادات المسيحية إلى تطوير أشكال جديدة من التنظيم والوساطة مع السلطة العباسية.

إحدى الأفكار المهمة في الكتاب هي أن الثقافة الإسلامية لم تؤثر في المسيحيين على مستوى اللغة فقط، بل على مستوى المخيال السياسي نفسه. فالمسيحيون السريان بدأوا يستعيرون مفاهيم من البيئة الإسلامية، مثل فكرة الجماعة المنظَّمة تحت قائد شرعي، وفكرة العلاقة بين السلطة الدينية والإدارة الاجتماعية. لذلك يصف «وود» هذه العملية بأنها نوع من «التخيّل السياسي المشترك» داخل العالم العباسي.

كما يركز الكتاب على أن المسيحيين كانوا جزءاً فعّالاً من الحياة العباسية: في الإدارة، والترجمة، والطب، والبيروقراطية، والثقافة الفكرية. فهم لم يكونوا معزولين عن المجتمع الإسلامي، بل شاركوا في تشكيل الحضارة العباسية نفسها، مع احتفاظهم بهويتهم الطائفية الخاصة.

ومن الأفكار اللافتة أيضاً أن «وود» يحاول تجاوز الصورة الأوروبية التقليدية للعلاقة بين الإسلام والمسيحية بوصفها مجرد صراع أو اضطهاد. بدلاً من ذلك، يقدم صورة أكثر تعقيداً: تفاعل، وتفاوض، وتكيّف متبادل، وصياغة لهويات جديدة داخل فضاء حضاري واحد. لذلك فالكتاب ليس مجرد سيرة لبطريرك سرياني، بل دراسة لكيفية تشكل «سياسة مسيحية» داخل العالم الإسلامي المبكر.

تركّزت أبحاث فيليب على موقع «الأقليات» الدينية داخل إمبراطوريات غرب آسيا خلال الفترة الممتدة ما بين القرنين الخامس والعاشر الميلاديين. وقد تناول جانب كبير من هذا العمل الجماعات المسيحية التي تستخدم السريانية (وهي إحدى لهجات الآرامية) إضافة إلى العربية، واعتمد على مصادر مكتوبة بهاتين اللغتين لدراسة الكيفية التي يعيد بها قادة الجماعات، التي تمثل أقليات، إنتاج الخطابات الصادرة عن المركز الإمبراطوري أو تكييفها، وقد تناولت كتبه الثلاثة، التي ابتدأ أولها كأطروحة للدكتوراه، هذه العلاقة في الإمبراطوريتين الرومانية والساسانية، وكذلك في الخلافتين الأموية والعباسية.

تبيّن حولية سْعِرْت كيف أن رجال الدين المسيحيين تأقلموا مع الحكام المسلمين بعد الانهيار السريع لإمبراطورية فارس في العراق


«التغريبة النجدية»... رحلات مسكونة بالخوف والصراع

«التغريبة النجدية»... رحلات مسكونة بالخوف والصراع
TT

«التغريبة النجدية»... رحلات مسكونة بالخوف والصراع

«التغريبة النجدية»... رحلات مسكونة بالخوف والصراع

بلغة وصفية جميلة، يفتتح الروائي السعودي محمد المزيني رباعيته الموسومة بـ«التغريبة النجدية». وهي تدور عن رجال طافوا في الآفاق، من وسط نجد إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، منها إلى الكويت والعراق والشام ومصر. وارتبطت مصائر بعض رجالهم بها وآثروا سكناها إلى يومنا هذا. وقد صدر من الرباعية جزآن عن «مؤسسة الانتشار العربي» اللبنانية. الجزء الأول يقع في 358 صفحة والثاني في 425 صفحة.

اعتمدت الرواية على مراجع ودراسات كثيرة عن أحداث تاريخية معينة، وإن جاء المتخيل رديفاً سردياً يخفف من صلادة الوقائع التاريخية ليسكبها في قوالب تشبه إعادة صياغة للبنية السردية التاريخية.

تنطلق مغامرة المؤلف لكتابة هذه الرباعية الروائية التي ننتظر صدور الجزئين المتبقيين من مشهد مهيب لعودة رجال عقيل إلى ديارهم ليجدوها وقد عاث بها الجوع والمرض، هذه الاستفتاحة السردية تنبئ عما تكتنفه من صراعات ومواجهات مع الخوف والانتظار لمفاجآت تبعث بها صحراء يعبث بها بطش محاربين وطامعين ينتزعون لقمة عيشهم التي تبقيهم على مشارف الحياة هذا إن نجوا من المرض أو القتل.

هنا يتساوى الناس في الخوف الذي يقبض على القلوب في فضاءات انتزع منها الأمن وغادرتها السكينة:

«ما بين البلدات المتناثرة رمال حمر تحركها هبات هواء ساخن ومباغت تقطعها أودية هرمت بالجفاف، تتناولها الرياح تقلبها، تتلاعب بها كحفلة جن، تصفق الأبواب المواربة، في البلدة المهجورة تقريباً إلا من أطفال يحتضن أطفالهن خشية الموت خلف جدران حرشاء يابسة، ورجال لم يعد لأنفاسهم رائحة سوى رائحة الخوف، كم من السنين انصرمت وهم يتقلبون ما بين الفاقة والجوع لا يذكرون متى ولا كيف تناسلوا، هل سقطوا في بئر سوداء عميقة موحلة، وقد أيقنوا أنهم وصلوا حافات الهلاك».

المزيني جعل قلمه مشرط تشريح للبعد الزمني والمكاني الذي تقع فيه هذه الأحداث بصورة جلية، ثم يربطها بصورة أخرى أشد إيلاماً، للمرض الغريب الذي اندس في أجساد الناس الضامرة من الجوع، ليشهدوا موتهم عياناً وهم يتساقطون الآخر تلو الآخر، هل يرهن المرء نفسه للموت المنتظر أم يبحث له عن وسيلة تنتزعه من براثنه، هكذا فكر روضان الرجعان، وهو يستذكر كيف نجا صغيراً مع أخته التي تصغره. كانت عناية الله ثم المرأة النازحة من ديار بعيدة زوجة أحد الذين قضوا نحبهم في هذه الجائحة، لتنتشلهم وترعاهم. هذه الصورة التي لم تكن تغادر ذاكرة روضان دفعت به ليقف أمام شيخ عقيل ويطلب منه أن يرافقه في رحلته وشيكة الانطلاق «جلس روضان الرجعان بين الرجال صافناً متلحفاً بعباءته الصوفية، وقد لف شماغه حول وجهه، وعيناه تنظران إلى الأفق البعيد، كانت الأرض يابسة جرداء، وأفواه الرجال ناشفة متشققة لا تقوى حتى على الكلام، وكأنهم ينتظرون الموت، وذاكرتهم لا تزال غضة طرية بالوجوه التي اختطفها الموت من بين أيديهم عنوة، ورائحة القبور لا تزال عالقة في أنوفهم، وقلوبهم متلظية بالفقد، ما زال روضان الرجعان يتذكر تلك الريح السوداء التي اختطفت عشرة من أهله وعمومته بما فيهم أمه وأباه وثلاثة من أخوته وأختان وهو لا يزال في العاشرة من عمره، لم يبق له سوى بنت عمه مزنة ذات الخمس سنوات التي رآها تقفز بين الأزقة المهجورة، كان يجلس مستنداً إلى جدار تنش منه رائحة الموت، وهو يرمق الرجال من بعيد يدفنون جثامين الموتى، حتى النحيب الذي كان يخامر الليل، لم يعد يسمع له حس، سقط الجميع في جب الحزن والانتظار، متى يخرون على الأرض صرعى الريح السوداء».

من هنا وبهذه الصورة المشهدية تبدأ الرحلة السردية لتصور لنا كيف واجهت النساء مصائرهن بين سراق الأرض والجوع المباغت، والمرض المحتمل، وقد تدربن على الدفاع عن أنفسهن ولبسن ثياب أزواجهن لإيقاع الخوف في قلوب كل من تسول له نفسه الاقتراب من بيوتهن، وما بين الرجال وهم في عرض الصحراء يواجهون مصائر مختلفة، هجوم مباغت لمحاربين تملكوا الصحراء برعونة القوة الغاشمة، وحناشل يترصدون لهم تحت عباءة الليل السوداء، وعبر تتابعات الأحداث المرة تقع المفاجآت والكوارث، وفي كل مرة يجد رجال عقيل أنفسهم وقد تعلموا لغة الصحراء وباتوا هم الأقدر على المواجهة إما بحكمة التاجر الحصيف، أو بالقدرة على المواجهة بلا خوف أو تردد.

التغريبة النجدية سفر مليء بالأحداث محتدم بالصراعات، مسكون بالرجال والنساء، عابر للصحارى والمدن العربية، وقد اتخذت جميعها وسوماً شكلت فيما بعد صورة للتحولات المتلاحقة التي أعقبتها، حتى قيض الله سبحانه وتعالى للجزيرة العربية المؤسس الملك عبد العزيز (طيب الله ثراه) الذي انتشلها من معاناتها وكان رجال عقيل يقفون جنوداً أوفياء في صفوف مسيرته المباركة، ننتظر صدور ما بقي من الملحمة السردية، والشوق يحدونا لمشاهدتها واقعاً ممثلاً على الشاشة الرمضانية.

* كاتب وصحافي سعودي


مستقبل القرار الطبي في عصر الذكاء الاصطناعي

مستقبل القرار الطبي في عصر الذكاء الاصطناعي
TT

مستقبل القرار الطبي في عصر الذكاء الاصطناعي

مستقبل القرار الطبي في عصر الذكاء الاصطناعي

في ظلّ التسارع المتزايد لدخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى العيادات والمستشفيات حول العالم، صدر حديثاً كتاب جديد بعنوان «الطبيب الجاهز للذكاء الاصطناعي» (The AI-Ready Doctor) للدكتور عميد خالد عبد الحميد، الباحث العراقي - البريطاني المتخصص في الذكاء الاصطناعي الطبي وأخلاقيات الرعاية الصحية.

ويستعرض الكتاب التحولات العميقة التي بدأت تعيد صياغة مفهوم القرار الطبي التقليدي، مع التوسع المتسارع في اعتماد الأنظمة الصحية على الخوارزميات الذكية في التشخيص والتحليل السريري والتنبؤ بالمضاعفات.

ويركز المؤلف على سؤال محوري بات يُطرح بقوة داخل المؤسسات الطبية العالمية: هل أصبح الأطباء مستعدين فعلاً لعصر الذكاء الاصطناعي؟ فالكتاب لا يناقش التكنولوجيا بوصفها أدوات تقنية فقط، بل يتناول أيضاً أبعادها الأخلاقية والفلسفية، خصوصاً ما يتعلق بحدود الثقة بالخوارزميات، ومسؤولية الطبيب، ومستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة داخل الرعاية الصحية.

كما يطرح الكتاب مفهوم «الصمت الخوارزمي»؛ أي الحالات التي ينبغي فيها لأنظمة الذكاء الاصطناعي الامتناع عن إصدار توصيات حاسمة عندما تكون درجة عدم اليقين مرتفعة، وهي فكرة بدأت تحظى باهتمام متزايد في النقاشات الحديثة حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي الطبي. وقد حظي الكتاب باهتمام من «المجلة البريطانية لطب الأسنان» (British Dental Journal - BDJ) الصادرة عن دار «سبرينغر نيتشر» العالمية، التي ناقشت صدوره ضمن الاهتمام الدولي المتنامي بمفهوم «الطبيب الجاهز للذكاء الاصطناعي»، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها القطاع الصحي.

ويُعرف الدكتور عميد خالد عبد الحميد بإسهاماته في مجال الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان والرعاية الصحية، وهو أستاذ زائر في الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية بجامعة شرق لندن، كما يكتب بانتظام في صفحة «علوم» في «الشرق الأوسط».

ويرى مراقبون أن الاهتمام المتزايد بهذا النوع من الكتب يعكس تحولاً أوسع داخل المؤسسات الطبية العالمية، التي بدأت تدرك أن التحدي القادم لن يكون بناء أنظمة أكثر ذكاءً فقط، بل إعداد أطباء قادرين على فهم حدود هذا الذكاء، والتعامل معه دون فقدان البعد الإنساني للمهنة.

يعكس هذا النوع من المؤلفات تصاعد الاهتمام العالمي بما يُعرف اليوم بـ«الأدبيات الطبية الرقمية»، الذي يحاول فهم العلاقة الجديدة بين الإنسان والخوارزمية داخل الطب الحديث.