الكونغرس يسابق الوقت لتجنب «الإغلاق الفيدرالي»

يسعى إلى اتفاق بشأن الموازنة والدفاع والمساعدات

ينتهي العمل بقانون الموازنة الأميركية الحالية في 11 ديسمبر وإذا لم يُتوصل إلى اتفاق فإن موارد المالية العامة الأميركية ستجف فجأة (أ.ف.ب)
ينتهي العمل بقانون الموازنة الأميركية الحالية في 11 ديسمبر وإذا لم يُتوصل إلى اتفاق فإن موارد المالية العامة الأميركية ستجف فجأة (أ.ف.ب)
TT

الكونغرس يسابق الوقت لتجنب «الإغلاق الفيدرالي»

ينتهي العمل بقانون الموازنة الأميركية الحالية في 11 ديسمبر وإذا لم يُتوصل إلى اتفاق فإن موارد المالية العامة الأميركية ستجف فجأة (أ.ف.ب)
ينتهي العمل بقانون الموازنة الأميركية الحالية في 11 ديسمبر وإذا لم يُتوصل إلى اتفاق فإن موارد المالية العامة الأميركية ستجف فجأة (أ.ف.ب)

كان المشرّعون في الكونغرس الأميركي يسابقون الوقت، الأحد، للتوصل إلى اتفاقات صعبة بأسرع ما يمكن فيما يتعلق بخطة لمساعدة الاقتصاد المتضرّر من جائحة «كوفيد19»، وقانونٍ للتمويل، تجنّباً «لإغلاق» الإدارات الفيدرالية، والتصويت على ميزانية وزارة الدفاع (بنتاغون).
وقد بدأ الوقت أمام هؤلاء ينفد، ففي 11 ديسمبر (كانون الأول) الحالي، ينتهي العمل بقانون الموازنة الحاليّة، وإذا لم يتمّ التوصّل إلى اتفاق بحلول هذا التاريخ، فإن موارد الماليّة العامّة الأميركيّة ستجفّ فجأة.
ولتجنّب حدوث هذا «الإغلاق»، يمكن للكونغرس اتّخاذ قرار بإجراء تصويت على قانون موقّت لبضعة أيّام، من أجل إتاحة القليل من الوقت حتّى أعياد الميلاد للتوصّل إلى اتفاق سنوي واسع يتعلّق بقانون موازنة 2021، خصوصًا أنّ زعيمي الجمهوريين والديمقراطيين في الكونغرس أشارا إلى رغبة في أن يكون هذا القانون مُشتملاً على الإجراءات المقبلة المتعلّقة بالمساعدة الاقتصاديّة للتعامل مع وباء «كوفيد19»؛ والتي ما زالت تخضع لمفاوضات شاقّة.
وقال السيناتور الديمقراطي ديك دوربين لقناة «إيه بي سي» الأحد: «هذا حقاً جهد خارق من جانبنا، لمساعدة الأميركيين بأسرع ما يُمكن». وهو يؤيّد خطّة مساعدات بقيمة 908 مليارات دولار اقترحتها هذا الأسبوع مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين والجمهوريين.
من جهته، قال السيناتور الجمهوري بيل كاسيدي لقناة «فوكس نيوز»، إنّ أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين والجمهوريين عملوا مع فِرَقهم طوال عطلة نهاية الأسبوع لصياغة النصّ التفصيلي لمشروع القانون الذي «يُحتمل أن يصدر في وقت مبكر هذا الأسبوع».
وقد وافقت رئيسة مجلس النواب الديمقراطيّة نانسي بيلوسي على جعل هذا الاقتراح «أساساً» للتفاوض على النصّ النهائي، لكنّ زعيم الغالبيّة الجمهوريّة في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل، والرئيس المنتهية ولايته دونالد ترمب الذي سيتعيّن عليه التوقيع عليه، لم يوضحا موقفيهما، رغم أنّ الأوّل أبدى تفاؤلًا حيال إمكان التوصّل إلى اتفاق.
توازياً، يأمل أعضاء الكونغرس في تمرير ميزانية وزارة الدفاع سريعاً. وتوصّل الديمقراطيّون والجمهوريّون إلى توافق على مشروع قانون بقيمة 740 مليار دولار، لكنّ ترمب يهدّد باستخدام حقّ النقض (فيتو) ضدّه ما لم يتمّ في المقابل إلغاء قانون يحمي الوضع القانوني لشبكات التواصل الاجتماعي التي يتّهمها بالانحياز ضدّه.
لكنّ الجمهوريين يعتقدون أنّ لديهم الأصوات اللازمة لتجاوز حقّه في النقض، قائلين إنّ الجيش لا يمكنه الانتظار، وإنّ هذه القضايا يمكن معالجتها بشكل منفصل.
وقد حدّد زعيم الغالبيّة الديمقراطيّة في مجلس النوّاب ستيني هوير، الثلاثاء موعداً للتصويت.
ومع ترقب خطوات التحفيز، ظل مؤشر الدولار الأميركي، الاثنين، قرب قاع عامين ونصف العام الذي بلغه يوم الجمعة؛ إذ عززت بيانات ضعيفة للوظائف الأميركية التوقعات لمساعدات اقتصادية، في حين هبط الجنيه الإسترليني في الوقت الذي تعكف فيه بريطانيا والاتحاد الأوروبي على محاولة أخيرة لإبرام اتفاق تجارة، حيث تتنامى المخاوف من خروج بريطاني دون اتفاق تجارة في 31 ديسمبر الحالي، عندما تنسحب بريطانيا نهائياً من الاتحاد الأوروبي.
وفي الولايات المتحدة، أظهرت البيانات يوم الجمعة أن الوظائف غير الزراعية زادت 245 ألفاً في الشهر الماضي، وهي أقل زيادة منذ مايو (أيار) الماضي، في مؤشر على أن تعافي التوظيف يتباطأ في ظل الموجة الثالثة من الإصابات بفيروس «كورونا».
وارتفع مؤشر الدولار 0.1 في المائة إلى 90.96. قريباً من أدنى مستوياته منذ أبريل (نيسان) 2018 البالغ 90.47، وازداد بيع الدولار تسارعاً في الأسبوع الماضي، لا سيما مقابل الفرنك السويسري واليورو والدولار الكندي.
وهبط اليورو 0.1 في المائة إلى 1.2107 دولار، لكنه ظل قرب مستوى 1.2177 دولار، وهو الأعلى له منذ أبريل 2018. وتراجع الإسترليني واحداً في المائة إلى 1.3287 دولار، وهبط واحداً في المائة أيضاً مقابل اليورو إلى 91.07 بنس.
وفقدت الكرونة النرويجية 0.8 في المائة لتسجل 8.8590 للدولار، مع هبوطها 0.5 في المائة مقابل اليورو إلى 10.7255، وذلك بعد أن لامست في وقت سابق قاع أسبوعين ونصف الأسبوع عند 10.7340. وهبط الدولار الأسترالي 0.2 في المائة إلى 0.7407 مقابل الدولار.


مقالات ذات صلة

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

حصاد الأسبوع أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة،

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد لافتة «مطلوب موظفون» معروضة خارج متجر تايلور لتأجير لوازم الحفلات والمعدات في سومرفيل بماساتشوستس (رويترز)

الاقتصاد الأميركي يفقد وظائف في فبراير... والبطالة تقفز لـ4.4 %

شهد الاقتصاد الأميركي انخفاضاً غير متوقع في عدد الوظائف خلال شهر فبراير، نتيجة إضراب العاملين في قطاع الرعاية الصحية والظروف الشتوية القاسية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد العلم الأميركي مصحوباً بكلمة «الرسوم الجمركية» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

قاضٍ أميركي يعقد جلسة مغلقة لبحث استرداد 175 مليار دولار من الرسوم

يعقد قاضٍ أميركي، الجمعة، جلسة مغلقة مع محامي الحكومة لبحث آلية لاسترداد ما يصل إلى 175 مليار دولار من الرسوم الجمركية التي جُمعت بشكل غير قانوني.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد ميران يلقي كلمة خلال محاضرة منتدى دلفي الاقتصادي (أرشيفية - رويترز)

ميران المقرّب من ترمب: مخاطر الصراع الإيراني لا تُبرر تأجيل خفض الفائدة

قال محافظ «الاحتياطي الفيدرالي»، ستيفن ميران، إن مخاطر الصراع الإيراني لا تُبرر تأجيل خفض أسعار الفائدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد بيث هاماك رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند تتحدث خلال مقابلة مع «رويترز» في نيويورك (رويترز)

رئيسة «فيدرالي كليفلاند» تدعو للتمهل: الوقت مبكر لتقييم آثار الحرب

قالت بيث هاماك، رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، إنه من المبكر تقييم التداعيات الاقتصادية للحرب الإيرانية، مؤكدةً دعمها الإبقاء على أسعار الفائدة.

«الشرق الأوسط» (كليفلاند )

البيت الأبيض لاتخاذ إجراءات أكثر جرأة بشأن أسعار النفط

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة إكسون خلف العلم الأميركي في نيوجيرسي (رويترز)
أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة إكسون خلف العلم الأميركي في نيوجيرسي (رويترز)
TT

البيت الأبيض لاتخاذ إجراءات أكثر جرأة بشأن أسعار النفط

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة إكسون خلف العلم الأميركي في نيوجيرسي (رويترز)
أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة إكسون خلف العلم الأميركي في نيوجيرسي (رويترز)

طلب البيت الأبيض من الوكالات الاتحادية تكثيف الجهود لمعالجة ارتفاع أسعار الطاقة بسبب الصراع مع إيران، مما يشير إلى قلق من أن الخطوات المتخذة حتى الآن قد لا تكون كافية. حسبما نقلت وكالة «رويترز» عن مصدرين مطلعين.

وذكر أحد المصدرين، أن مسؤولين من وزارات الطاقة والنقل والمالية ووكالة حماية البيئة طلبوا تقديم المزيد من الخيارات السياسية، مع التركيز على التدابير التي يمكن للرئيس دونالد ترمب تنفيذها دون موافقة الكونغرس.

وتشير هذه الطلبات إلى أن البيت الأبيض يستعد لاحتمال اتخاذ إجراءات أكثر جرأة إذا استمرت أسعار النفط والغاز في الارتفاع. ويقول محللون سياسيون إن ارتفاع أسعار البنزين قد يضر بترمب وحزبه الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني)، عندما تكون السيطرة على الكونغرس على المحك.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض تايلور روجرز في بيان: «من الواضح أن البيت الأبيض ينسق مع الوكالات المعنية بشأن هذه القضية المهمة، ولو لم نفعل ذلك، لكانت هناك مشكلة. وضع الرئيس ترمب وفريقه المعني بالطاقة خطة قوية للحفاظ على استقرار أسعار النفط قبل بدء عملية ملحمة الغضب بوقت طويل، وسيواصلون مراجعة جميع الخيارات الموثوقة وتنفيذها عند الاقتضاء».

الخام الأميركي أعلى من 90 دولاراً

وارتفعت أسعار العقود الآجلة للنفط الخام الأميركي والعالمي إلى فوق 90 دولاراً للبرميل مساء الجمعة، مع ارتفاع الأسعار الأميركية بأكثر من 12 في المائة، في ظل محدودية الإمدادات من الشرق الأوسط بسبب الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز وسط توسع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

ونتيجة لذلك، ارتفعت أسعار البنزين في الولايات المتحدة في الأسابيع الأخيرة، لتصل إلى مستويات لم تشهدها منذ أواخر عام 2024. وارتفع متوسط سعر البنزين العادي الخالي من الرصاص إلى ما يزيد عن 3.30 دولار للغالون، بينما ارتفع سعر الديزل إلى 4.26 دولار للغالون.

نهج حَذِر

واتخذ البيت الأبيض نهجاً حذراً في التدخل في أسواق الطاقة، خشية أن تؤدي استراتيجية مفرطة في التشدد إلى نتائج عكسية.

ويقول المسؤولون إن أي تدابير واسعة النطاق يجب أن يتم تقييمها بعناية، مشيرين إلى أن الخطوات الصارمة التي تفشل في خفض أسعار البنزين أو النفط الخام قد تزعزع استقرار الأسواق وتقوض الثقة وتؤدي إلى رد فعل سياسي عنيف.

حفارة نفط تعمل قرب محطة توربينية لتوليد الغاز في حقل نفط حوض بيرميان خارج أوديسا بولاية تكساس الأميركية (رويترز)

في غضون ذلك، عبَّر محللون عن شكوكهم بشأن مدى قدرة البيت الأبيض على كبح الأسعار.

وناقش المسؤولون مجموعة واسعة من الخيارات، بما في ذلك إعفاء البنزين من الضرائب الاتحادية وتخفيف اللوائح البيئية المتعلقة ببنزين الصيف، مما سيسمح بخلط كميات أكبر من الإيثانول، حسبما أفادت «رويترز» سابقاً.

العقود الآجلة

وذكرت «رويترز» أن وزارة الخزانة تدرس خطة تنطوي على استخدام سوق العقود الآجلة للنفط، لكن لا توجد خطة فورية للإعلان عن هذه الخطوة.

وأمر ترمب يوم الثلاثاء بأن توفر مؤسسة التمويل الدولية للتنمية الأميركية تأميناً ضد الخسائر الناجمة عن عدم الاستقرار السياسي أو الصراع في التجارة البحرية في الخليج. وجاءت هذه الخطوة بعد توقف عبور ناقلات النفط والغاز الطبيعي المسال في مضيق هرمز، وهو ممر حيوي لنحو 20 في المائة من إمدادات النفط اليومية في العالم.

استقبلت الأسواق هذه الخطوة ببعض الشك. ويتساءل المحللون عما إذا كانت الضمانات المالية وحدها قادرة على تعويض المخاطر التشغيلية والأمنية الناجمة عن تصاعد التوتر في المنطقة.

وأعلنت الإدارة الأميركية، الخميس، أنها ستوفر إعادة تأمين ضد الخسائر تصل إلى 20 مليار دولار في منطقة الخليج لتعزيز ثقة شركات شحن النفط والغاز خلال الحرب مع إيران.


التضخم في فنزويلا يصل إلى 475 % في 2025

صورة توضح مقدار العملة الفنزويلية اللازمة لشراء كيلوغرام واحد من الطماطم قبل التوقف عن نشر بيانات التضخم (رويترز)
صورة توضح مقدار العملة الفنزويلية اللازمة لشراء كيلوغرام واحد من الطماطم قبل التوقف عن نشر بيانات التضخم (رويترز)
TT

التضخم في فنزويلا يصل إلى 475 % في 2025

صورة توضح مقدار العملة الفنزويلية اللازمة لشراء كيلوغرام واحد من الطماطم قبل التوقف عن نشر بيانات التضخم (رويترز)
صورة توضح مقدار العملة الفنزويلية اللازمة لشراء كيلوغرام واحد من الطماطم قبل التوقف عن نشر بيانات التضخم (رويترز)

كشف البنك المركزي الفنزويلي في إحصائياته المتعلقة بالتضخم، بعد أكثر من عام من الانقطاع، عن ارتفاع كبير في الأسعار التي زادت بنسبة 475 في المائة خلال سنة 2025، وفقاً لبيانات رسمية.

ويمثِّل هذا العودة الأولى لأرقام مؤشر أسعار الاستهلاك منذ شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، وهو التاريخ الذي توقَّفت فيه المؤسسة عن النشر المنتظم لمؤشراتها الاقتصادية.

وتظهر البيانات الرسمية أن التضخم السنوي تسارع بقوة خلال العام الماضي، منتقلاً من 48 في المائة في سنة 2024 إلى 475 في المائة في سنة 2025.

وتشير الإحصاءات الشهرية إلى تباطؤ التضخم في بداية العام الجاري 2026، فقد بلغ ارتفاع الأسعار 32.6 في المائة خلال شهر يناير (كانون الثاني)، وهو أعلى مستوى له منذ يناير 2023، قبل أن يتباطأ إلى 14.6 في المائة خلال شهر فبراير (شباط)، وفقاً للبنك المركزي.


الصراع في الشرق الأوسط يعيد صياغة النظام الاقتصادي العالمي

حاويات شحن مكدسة في ميناء لونغ بيتش، لونغ بيتش، كاليفورنيا (إ.ب.أ)
حاويات شحن مكدسة في ميناء لونغ بيتش، لونغ بيتش، كاليفورنيا (إ.ب.أ)
TT

الصراع في الشرق الأوسط يعيد صياغة النظام الاقتصادي العالمي

حاويات شحن مكدسة في ميناء لونغ بيتش، لونغ بيتش، كاليفورنيا (إ.ب.أ)
حاويات شحن مكدسة في ميناء لونغ بيتش، لونغ بيتش، كاليفورنيا (إ.ب.أ)

بينما تتوالى أنباء الصراع من مضيق هرمز، لا يتوقف الضجيج عند حدود أسعار النفط المتقلبة؛ فخلف الستار، يخوض العالم معركة اقتصادية صامتة تضع صنّاع السياسات النقدية أمام أكبر اختبار منذ عقود؛ إذ إن البنوك المركزية الكبرى تجد نفسها اليوم، مرة جديدة، في مواجهة صدمة إمدادات جديدة تفرض عليها خيارات بالغة الصعوبة بين كبح التضخم الجامح وحماية نمو اقتصادي بدأ يترنح.

وهنا يبرز التساؤل الجوهري: هل تنجح البنوك المركزية في احتواء هذه الموجة؟ أم أننا أمام صدمة ستغير قواعد اللعبة الاقتصادية للأبد؟ لم يعد التحدي مجرد تقلبات لحظية في أسعار النفط أو أرقام التضخم؛ بل في كيفية تأقلم الاقتصاد العالمي مع واقعٍ جديد تتفكك فيه سلاسل الإمداد.

بين التضخم والركود

تجد البنوك المركزية الكبرى حول العالم نفسها اليوم، أمام مأزق أكثر تعقيداً مما كانت عليه الحال في الأزمات السابقة؛ إذ يراود صناع القرار شبح «الركود التضخمي»، وهو السيناريو الأكثر رعباً في علم الاقتصاد، حيث تجتمع ضغوط ارتفاع الأسعار الناتجة عن صدمة إمدادات الطاقة، مع ضعف في الطلب الاستهلاكي الناتج عن تآكل القوة الشرائية.

وفي ظل هذا الضغط، تتباين الاستراتيجيات؛ فبينما تحاول بنوك مركزية كبرى الحفاظ على مساراتها المتشددة لمواجهة الضغوط التضخمية، تميل مؤسسات مثل «الاحتياطي الفيدرالي»، إلى تبني نهج حذر يتسم بالانتظار والترقب، متأثرة بمسارها التاريخي في التعامل مع الصدمات الجيوسياسية.

هذا النهج يهدف بشكل أساسي، إلى تفضيل تجاهل الارتفاعات المؤقتة والمفاجئة في تضخم أسعار الطاقة، وذلك لتجنب الإضرار المباشر بسوق العمل التي بدأت تظهر عليها علامات الإنهاك في القطاعات غير الطاقية، خوفاً من أن يؤدي رفع الفائدة في توقيت خاطئ، إلى تعميق التباطؤ الاقتصادي بدلاً من كبح التضخم.

الناس يصطفون في طوابير أمام محطة وقود في إسطنبول (أ.ف.ب)

ولا تتوقف هذه المعضلة عند الإجراءات الفنية؛ بل تمتد لتشمل التوقعات المستقبلية والتحولات في هيكلية القيادة النقدية؛ إذ يراقب المستثمرون والأسواق المالية باهتمام بالغ، التغيرات المرتقبة في هرم القيادة لعدد من البنوك المركزية؛ وعلى رأسها التغييرات المتوقعة في «الاحتياطي الفيدرالي» بحلول مايو (أيار) المقبل.

وهناك رهان متزايد في الأسواق بأن القيادات الجديدة قد لا تلتزم بالضرورة بـ«إرث» التشدد السابق؛ بل قد تميل نحو «تحيز تيسيري» يعتمد على رؤية استراتيجية مفادها أن صدمات الطاقة، وإن كانت قاسية، تظل مؤقتة بطبيعتها. هذه الرؤية قد تدفع البنوك المركزية إلى «النظر عبر» تقلبات الأسعار قصيرة المدى، والتركيز بدلاً من ذلك على استدامة النمو الاقتصادي بوصفه هدفاً أسمى.

هذا التوجه يضع البنوك المركزية في مواجهة مباشرة مع الأسواق التي قد ترفض هذا التراخي؛ ففي الوقت الذي قد تسعى فيه هذه البنوك لخفض أسعار الفائدة لضمان عدم انزلاق الاقتصاد نحو الركود، قد تؤدي هذه الخطوة إلى تأجيج توقعات التضخم لدى المستثمرين، مما يخلق فجوة ثقة بين صانع القرار والأسواق المالية.

وبذلك، تصبح البنوك المركزية مقيدة بحلقة مفرغة: فرفع الفائدة يهدد بزيادة البطالة والركود، وخفضها يهدد بترسيخ التضخم بوصف ذلك حالة هيكلية دائمة، مما يجعل كل قرار نقدي في هذه الفترة يمثل مجازفة كبرى في مسار الاقتصاد العالمي ككل.

شريان الطاقة العالمي

يمثل مضيق هرمز القلب النابض لتدفقات الطاقة العالمية، حيث يمر عبره خُمس الإنتاج اليومي من النفط والغاز المسال. إن شبه التوقف في حركة السفن التجارية عبر هذا المعبر، تسبب في قفزات حادة بأسعار الطاقة العالمية، مما يفرض ضغوطاً تصاعدية على ميزانيات الدول والمستهلكين الأفراد على حد سواء.

وفي حين تحاول أوروبا التعامل مع هذه الضغوط عبر تكثيف الجهود لإعادة ملء المخزونات بتكلفة متزايدة، تظل الاقتصادات الآسيوية هي الأكثر انكشافاً للمخاطر، نظراً لاعتمادها المكثف على واردات الطاقة عبر المضيق.

وإذا استمر هذا الاضطراب لفترة طويلة، فمن المحتمل أن تتحول الضغوط التضخمية من حالة مؤقتة إلى حالة هيكلية مستدامة، مما قد يؤدي إلى تآكل جزء ملموس من نسب النمو الاقتصادي العالمي المتوقعة لهذا العام.

منظر جوي لجزيرة قشم المفصولة عن البر الإيراني الرئيسي بمضيق كلارنس في مضيق هرمز (رويترز)

الضغوط المالية والديون السيادية

لا تقتصر تداعيات النزاع على أسواق السلع، بل تمتد لتلقي بظلالها على المالية العامة للدول؛ ففي الولايات المتحدة، أدى تضافر القرارات القضائية التي أبطلت بعض الرسوم الجمركية، مع تزايد الحاجة للإنفاق الحكومي في بيئة غير مستقرة، إلى تفاقم أزمة العجز المالي. وقد أدى بيع المستثمرين المكثف للسندات الحكومية، مدفوعاً بمخاوف التضخم، إلى رفع عوائد السندات، وهو ما أدى بدوره إلى «تشديد غير مباشر» للظروف المالية، مما رفع تكلفة الاقتراض على الشركات والحكومات، وقلص الحيز المالي المتاح لدعم الانتعاش الاقتصادي.

سلاسل الإمداد والأمن الغذائي

تتجاوز تأثيرات الأزمة قطاع الطاقة، لتصل إلى سلاسل توريد الغذاء العالمية والمواد الخام الحيوية. ويعدّ تعطل الملاحة تهديداً للأمن الغذائي الدولي، نظراً لأن المضيق يمثل ممراً رئيسياً لصادرات اليوريا والأسمدة التي يعتمد عليها نصف الإنتاج الزراعي العالمي. بالإضافة إلى ذلك، تواجه السلع عالية القيمة، مثل الإلكترونيات والرقائق الدقيقة، تأخيرات لوجيستية ناتجة عن تقييد المجالات الجوية واضطرابات الشحن البحري، مما يجبر الشركات العالمية على التخلي عن استراتيجيات «التوريد في الوقت المناسب»، والتوجه نحو استراتيجيات «التوريد الوقائي». وعلى الرغم من أن هذا التحول يمنح الشركات حماية ضد النقص المفاجئ، فإنه يترجم في نهاية المطاف، إلى تكاليف مخزون أعلى وأسعار نهائية مرتفعة للمستهلك.

ناقلات نفط قبالة سواحل الفجيرة (رويترز)

التبعات الهيكلية على العولمة

يشهد العالم في هذا العقد، مرحلة مفصلية يمكن وصفها بـ«عقد صدمات الإمداد»، حيث أثبتت الحرب الحالية هشاشة الترابط المفرط للأسواق العالمية. ومع استمرار هذه الاضطرابات، ستجد الحكومات والشركات نفسها مضطرة لإعادة توطين الصناعات الحيوية، وتقليل الاعتماد على المسارات اللوجيستية التي تعبرها مناطق النزاع، وذلك حتى لو جاء هذا التوجه على حساب الكفاءة الاقتصادية القصوى. وسيظل المدى الزمني لهذا النزاع هو المتغير الحاسم في هذه المعادلة، فبينما تحاول الأسواق استيعاب الصدمات اللحظية، يظل الخوف الحقيقي في تحول هذه الاضطرابات إلى واقع هيكلي، يفرض قيوداً جديدة على مسارات النمو العالمي.