الأدب والفلسفة... عضوان في عائلة واحدة

كتاب «مقدمة كمبردج» يقدم رؤية عن الكيفية التي يعملان بها

أنتوني جَيْ. كاسكاردي
أنتوني جَيْ. كاسكاردي
TT

الأدب والفلسفة... عضوان في عائلة واحدة

أنتوني جَيْ. كاسكاردي
أنتوني جَيْ. كاسكاردي

تشارك الأدبُ والفلسفة منذ أزمانٍ بعيدة اهتماماً بأسئلة الحقيقة، والقيمة، والشكل؛ ولكن رغم ذلك فقد أظهرا تباعداً حاداً بينهما منذ عصور قديمة وحتى يومنا هذا، وظهر ذلك التباعد في مقاربة كلّ منهما لتلك الأسئلة، وفي علاقة كلّ منهما مع الآخر. يُضافُ لذلك أن الاختلافات العميقة بين الكُتّاب الأفراد، والحقب التاريخية، واللغات فرضت تحدّياتٍ على كلّ من ينشد فهم العلاقة بين هذين الحقلين المعرفيين.
يوفّرُ كتاب «مقدّمة كمبردج في الأدب والفلسفة Cambridge Introduction to Literature and Philosophy» - الصادر بطبعة ثانية عام 2019 عن جامعة كمبردج - دليلاً مركّباً معمّقاً وتأصيلياً لفهم هذه الإشكالية الكبيرة عبر مقاربة تعتمد الكشف عن الاهتمامات العميقة التي يتشارك بها الأدب والفلسفة في الوقت ذاته الذي لا تغفلُ فيه المقدّمة عن تقديم أطروحة بيّنة بشأن الاختلافات الحاسمة بينهما. تُلقي هذه المقدّمة أضواء كاشفة جديدة على الكثير من المناقشات الجدلية القائمة، وتوفّر لطلبة وأساتذة كلّ من النقد الأدبي، والنظرية النقدية، والفلسفة الفرصة للتفكّر الهادئ والرصين غير المسبوق في تلك الأسئلة التي شغلت التقاليد الفكرية الغربية طويلاً منذ بداياتها وحتى عصرنا الحاضر.
يعمل البروفسور أنتوني جَيْ. كاسكاردي Anthony J. Cascardi عميداً لقسم الفنون والإنسانيات بجامعة كاليفورنيا - بيركلي، وفي الوقت ذاته يشغل منصب أستاذ مميّز Distinguished Professor في الأدب المقارن، والبلاغة، والدراسات الإسبانية في الجامعة ذاتها، وقد نشر الكثير من الكتب التي صارت مرجعيات معتمدة في ميادينها البحثية.
يؤكّد المؤلف في تقديمه الممتاز للكتاب، أنّ الأدب والفلسفة يشبهان في نواحٍ كثيرة عضوين في عائلة واحدة: يتنازعان أحياناً بخصومة عنيفة، وفي أحيان أخرى يتشاركان الهدوء والدعة من خلال إنكار وجود الآخر أو من خلال مشاركة كلّ الاهتمامات الثنائية الممكنة، ثم يؤكّد المؤلف أيضاً أنّ هذا الكتاب هو مقدّمة للكشف عن صلة القرابة التي تقبعُ في الجذور العميقة للعلاقة بين الأدب والفلسفة، وكذلك للكشف عن الخصومات النزاعية بينهما.
يبدأ الكتاب مادّته بتأكيد حقيقة أنّ الأدب والفلسفة - مثل أي أعضاء في العائلة ذاتها - يتشاركان تأريخاً يحملُ كلّ اهتماماتهما المشتركة، وبالنظر لكون التأريخ مادة ضاربة في القدم إلى حدّ أنّ أفلاطون، في أقلّ التقديرات، دعاه «الأزمنة القديمة»؛ فإنّ المترتّبات الناتجة من التأريخ ووقعها على الحاضر ستكون – بلا شك - كثيرة. إنّ التحدّيات الأدبية أمام الفلسفة، والتي لا تقلّ عنها شأناً بعض الممانعات الفلسفية تجاه الأدب، تمضيان في الاستمرار بموقفهما - جزئياً - بسبب أنّ مُناصري كلّ طرفٍ يؤمنون إيماناً قاطعاً بوجود قيمة أساسية جوهرية لديهم لا يمتلك الآخرون القدرة على رؤيتها؛ غير أنّ موضوعة هذا الكتاب ليست التأكيد على موضع الاختلافات بين الأدب والفلسفة فحسب. إنّ الصلات القرابية الوثيقة بين الفلسفة والأدب جوهرية وعميقة، وعلى هذا الأساس فإنّ الاختلافات المزعومة بينهما قلّما تكون أمراً مؤثّراً إلّا في الحالات التي يُرادُ من ورائها التأكيد على كون الأدب والفلسفة يتشاركان اهتماماتٍ أساسية وجوهرية؛ إذ إنّ موضوعاتٍ من قبيل الحقيقة، والقيمة، والشكل (التي تمثل عناوين ثلاثة للمحاور التي جعلها المؤلف هياكل تنظيمية لهذه المقدّمة) هي ليست مملكة حصرية لأي من الأدب والفلسفة؛ ولكن رغم ذلك فإنّ كلاً منهما يسعى للمضي في مسلكه بوسائل مختلفة تماماً (وأحياناً تكون النتائج المتحصّلة من هذا السعي مختلفة) في مقاربة كلّ منهما لموضوعات الحقيقة والقيمة والشكل؛ وعليه توفّرُ هذه المقدّمة - كما يؤكّد المؤلف في غير موضع - وسيلة لفهم صلات التقارب والاختلافات التي تبدو نتيجة حتمية بين الأدب والفلسفة، كما توفّرُ هذه المقدّمة للقارئ صورة واسعة عن حقل معرفي يسوده التنازع الخلافي الشديد أحياناً؛ لكن وراء تلك الصورة الخلافية الواسعة يكمن الجواب الحاسم للسؤال التالي (لِمَ يتوجب على الأدب والفلسفة أن يكون كلّ منهما ذا أهمية قصوى للآخر حتى في الحالات التي يعجزان فيها دوماً عن إدراك هذه الحاجة ؟).
قد يقع المرء، على سبيل المثال، تحت غواية التفكير بأنّ الأدب يستطيب التعامل مع الروايات التخييلية، وأنّ التزام الفلسفة الصارم بالحقيقة أمرٌ يستوجب استنكار المنحى التخييلي في الأدب؛ لكنّ هذا الأمر سرعان ما ينجلي خطله؛ لأنّ ثمة الكثير من اللجوء إلى التخييل في بعض أنواع الفلسفة بقدر ما يوجد في الأدب، وبالشاكلة ذاتها ثمّة الكثير من الأدب القائم على الوقائع المادية؛ لكن هناك أيضاً ولعاً أدبياً بالحقيقة التي قد لا تعتمد على الثقة المطلقة بالوقائع الصلبة، أو يمكن أن يجد المرء غواية في القول بأنّ الفلسفة تُعنى بتخليق أدلّة حجاجية صالحة، وأنّ الأدب لا يشاركُها هذا الاهتمام، بل يعتمدُ في المقابل على معقولية مواضعاته المُدّعاة. ثمّة تأريخ طويل من التفكّر في الأدب بتوسّل هذه المفردات التي تمتدّ عميقاً في مجاهل الزمن حتى أرسطو في أقلّ التقديرات؛ لكنّ هذه مقاربة لا يمكن الاعتماد عليها - كذلك - في التفريق بين الأدب والفلسفة.
صُممت هذه المقدّمة لعرض بيان مجملٍ للمثابات المشرقة التي لمعت في سماء الأدب والفلسفة؛ غير أنّ الغرض من هذا العرض يذهب مذهباً أبعد من محض إلقاء الضوء على الاهتمامات الثنائية التي يتشاركُها الأدب والفلسفة؛ إذ يحصل أحياناً أن يوضّح هذا العرض اختلافاتٍ حادّة بينهما غير أنّها تقدّم في الوقت ذاته رؤية عن الكيفية التي يمكنُ بها لكلّ من الأدب والفلسفة امتلاك القدرة على التنويه بالعرفان والتقدير تجاه الموضوعات التي يرى فيها الطرف الآخر منطوية على قيمة عظمى. إنّ المسير على هذا النحو يقودُ إلى سلسلة من تساؤلات إضافية، منها: كيف يعمل الأدب - بالضبط - من الناحية الفلسفية (هذا إن فعل حقاً)؟ ما الوسائل التي يظنّ المرء أنّ الفلسفة تلجأ إليها في توظيف القيم التي يراها الأدب أثيرة لديه (مثل: الأسلوب، القدرة التعبيرية)؟ ما أهمية هذه الاختلافات المتمايزة بين الأدب والفلسفة بالنسبة لأسئلة الحقيقة، والقيمة، والشكل؟
إنّ تناول موضوعات من قبيل التشابه والاختلاف، والتقارب والمبيعدة بين الأدب والفلسفة لهو أمرٌ خليق بجعلنا نرى المواضع التي يكتشف كلّ منهما حدوده الخاصة اللصيقة به فضلاً عن المشتركات الجوهرية بينهما، وأحسبُ أنّ «مقدّمة كمبردج في الأدب والفلسفة» نجحت في تناول هذه المشتركات والاختلافات بين الأدب والفلسفة رغم مشقة هذه المقاربة البحثية التي تستلزم قارئاً ذاً ذائقة أدبية – فلسفية مركّبة اجتهدت في قراءاتها منذ بواكير نشأتها الفكرية.
يقدّم المؤلف عقب الأجزاء الثلاثة للكتاب خلاصة كاشفة لحدود كلّ من الأدب والفلسفة، كما لا ينسى أن يقدّم مسرداً تعريفياً بالمصطلحات التقنية الواردة في الكتاب، وتلك خصيصة مميزة لكلّ كتب «مقدّمات كمبردج» التي أراها رافداً مهماً في تعزيز ثقافة القارئ الشغوف أينما كان في هذا العالم.
- كاتبة وروائية ومترجمة عراقية تقيم في الأردن



محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً