«مصير روما»... دور مهيمن لعوامل غير بشرية في تدوير عجلة التاريخ

كايل هابر يقدم رؤية مغايرة لأسباب سقوط الإمبراطورية الرومانية

كايل هاربر
كايل هاربر
TT

«مصير روما»... دور مهيمن لعوامل غير بشرية في تدوير عجلة التاريخ

كايل هاربر
كايل هاربر

جاء على روما وقت، كانت فيه عاصمة إمبراطوريّة حكمت أراضي ولأوقات ممتدة أكثر من أي دول العالم القديم، وخضع لها ربع سكان الكوكب من شمال بريطانيا إلى حوض الفرات، ومن محيط الراين إلى أطراف الصحراء الأفريقيّة. العاصمة التي كان يقطنها في حدود عام 400 نحو ثلاثة أرباع المليون من البشر وتتوفر على 28 مكتبة، و856 حماماً عامّاً، و47 ألف عمارة سكنيّة ما لبثت وخلال عقود قليلة من الزمن أن تحوّلت إلى خرابة لا تشبه تاريخها، بعدما فرط عقد الإمبراطوريّة الرومانيّة وتقاسمت أراضيها الممالك الجرمانيّة شمالاً وجيوش الفتح الإسلامي شرقاً، في حين ورثت الإمبراطوريّة البيزنطيّة بقيّة المناطق بينهما متخذة من القسطنطينيّة عاصمة جديدة.
أذهل هذا السقوط المدوّي غير المسبوق سرعة واتساعاً، مقارنة بكل الحضارات البشريّة السابقة، المؤرخين وعلماء الآثار، فاجتهدوا لتفسيره وتشريح جثته، حتى أن أستاذاً ألمانياً في الكلاسيكيّات وضع عام 1984 قائمة بأكثر من 200 سبب سجلها هؤلاء عبر القرون بوصفها عوامل تسببت في انحدار وسقوط الإمبراطوريّة الرومانيّة، من استنفاد القدرة العسكريّة على خطوط جبهات طويلة ومتباعدة، إلى تزايد الاعتماد اقتصادياً على عمالة العبيد، ومن إنفاق ماليّة الدّولة على سياسة «الخبز والسيركات» لإبهاج المواطنين - من قبل سياسيين شعبويين أرادوا كسب تأييد الكتل الشعبيّة الحمقاء -، إلى صعود نجم المسيحيّة من الشرق، وغيرها.
ومن غير شك، فإن الإمبراطوريّة الرومانيّة لم تسقط في ليلة وضحاها، وبالضرورة تضافرت عوامل عدة معاُ لتنسج قدرها عبر عقود، لكنّ هذه القائمة المديدة التي وصفها مؤرخو العصور الكلاسيكيّة لا تكفي وفق البروفسور كايل هابر في كتابه «مصير روما: مناخ، وباء، ونهاية إمبراطوريّة»* لتفسير ما وقع بالفعل، معتبراً إياها بجملتها منصرفة إلى وصف تدخلات البشر في حين كانت العوامل الحاسمة مرتبطة أكثر بالطبيعة: تحولات المناخ، وتقلبات الطقس كما السهولة الفائقة في انتشار أنواع الأوبئة من أقصى الإمبراطوريّة إلى أقصاها عبر شبكة الطرق العبقريّة التي أنجزها المهندسون الرومانيّون ومخازن الطعام المركزيّة التي أنشأوها لإطعام مواطنيهم عبر مختلف مراكزها الحضريّة، وأصبحت أهدافاً مفضّلة للقوارض النّاقلة للطاعون، وغيره من الأوبئة القاهرة.
وللحقيقة، فإن البروفسور هاربر – أستاذ الكلاسيكيّات في جامعة أكلاهوما بالولايات المتحدة – عبر رؤيته المغايرة لأسباب سقوط الإمبراطوريّة إنما يكرّس اتجاهاً متعاظماً في علم السيكولوجيا يميل إلى اعتبار القدرات العقليّة للبشر غير مؤهلة كفاية لقراءة التحولات البطيئة المتراكمة، أو تلك التي لا تمسّهم مباشرة أو تخرج عن إطار تجاربهم المعاشة، وبالتالي هم انصرفوا في مدوناتهم التأريخيّة القديمة عن التهديدات الحاسمة لوجودهم - كتغييرات المناخ المتراكمة ببطء، وانحطاط إنتاجيّة الأرض وانتشار الأوبئة - إلى عوامل ثانوية، لكنها مباشرة رأوها رأي العين، وتتعلق بأحداث أبطالها البشر أفراداً وجماعات. هذا الاتجاه يدين بشكل أو بآخر علم التاريخ وحفريات الآثار التقليديّة المعنيّين أساساً بالسرديّات الموثقة وشهادات معاصري الأحداث وما تركه الراحلون من منتجات ماديّة توثّق حضاراتهم المحليّة دون منح اهتمام كافٍ بالإطار الطبيعي الكلي الشامل الذي لم تكن تلك السرديّات واللقى سوى هوامش على أطرافه. على أن هجوم السيكولوجيين القاسي هذا يكاد يقتصر على التاريخ الكلاسيكيّ؛ إذ إن العشرين سنة أخيرة شهدت تقدماً هائلاً لناحية قدرة العلماء على تفكيك مسائل معقدة، كالتغييرات التي تمس مناخ كوكب الأرض وطرائق انتقال الأمراض والأوبئة، والسجلات الجيولوجيّة التي تسجّل تاريخ الجغرافيا والعمران البشري دون هوى المسجلين وفساد آرائهم أو قصر نظرهم، وهو ما يمنح المؤرخين المعاصرين أدوات فائقة القدرة لم تكن تتوفر لأسلافهم في العصور السابقة.
وبحسب هاربر عن «مصير روما»، فإن القراءات الكلاسيكيّة للتاريخ الروماني لم تهمل تأثيرات العوامل الطبيعيّة الحاسمة في سقوط الحضارات والإمبراطوريّات فحسب، بل وفشلت في ربط مصادر قوّة الإمبراطوريّة الرومانيّة وعبقريّة ناسها في تسهيل مهمّة الطبيعة تنفيذها لحكم القدر. فالهندسة الرومانيّة التي أعادت تشكيل وجه الأرض من خلال المشاريع الضخمة لاستصلاح الأراضي وإزالة الغابات ونقل المياه خلقت فضاءات طبيعيّة متسعة صديقة للبعوض والحشرات الناقلة للأمراض، وكذلك قدّمت شبكات الطرق المعبدة مع إمكانات التجارة عبر الإمبراطوريّة فرصاً لانتقال الأمراض من الشرق إلى الغرب وبالعكس؛ الأمر الذي كثيراً ما تسبب بفناء مجموعات السكان المحليين الذين لم تتوافر لديهم المناعة لمواجهة فيروسات وآفات مستوردة من أقاصي الأرض. ويضيف هاربر، أن الإمبراطوريّة بلغت أقصى مجدها في فترة اعتدال مناخي دامت قروناً عدّة قبل أن يقطعها عصر جليدي قصير (دام لحدود 125 عاماً بداية من عصر الإمبراطور جستنيان في القرن السادس الميلادي) تسبب في اضطراب دورة الفصول وفشل مواسم الزراعة عبر عمر أجيال عدة؛ مما تسبب في المجاعات والقلاقل الأمنيّة، وغياب شبه كلي للسلطة المركزيّة على الأطراف.
ويربط هاربر في قراءته المثيرة للتاريخ الروماني بين التحولات الثقافيّة الكبرى في الإمبراطوريّة وبين ضربات الطبيعة، ومنها مثلاً انتشار وباء الطاعون منتصف القرن الثالث الميلادي، الذي تسبب إلى جانب ملايين الوفيّات المؤلمة في غلبة نظرة متشائمة للحياة بين من نجا على نحو أفقد السكان ثقتهم بدين الدولة الوثني، ومنح فرصة - كان يمكن ألّا تتكرر - للمسيحيّة بالانتشار، ومن ثمّ تبنيها لاحقاً ديناً رسميّاً.
قد يُستشفّ من «مصير روما»، أنّ سقوط الإمبراطوريّة لم يكن ممكناً تجنبه مهما اتسم الرّومان بالحصافة والحكمة، ومن الواضح أنهم كانوا وهم ينجزون مآثرهم المعماريّة والهندسيّة المبهرة إنما يخلقون في آن الوقت بيئة مثاليّة لانتشار الأوبئة التي ستضعضع دولتهم، ولم يكن ليتسنى لهم حينها فهم طبيعة التحولات المناخيّة العميقة التي تلمّ ببيئتهم وتتحفّز تدريجياً للقضاء على عالمهم. ومع ذلك، فإن هاربر يميل في النهاية إلى تصوّر تاريخ البشر والحضارات نوعاً من بناء جدلي ديالكتيكي الطابع ينشأ عن تقاطع بين العوامل البشريّة وغير البشريّة، وأن هذه العوامل تتغذى على بعضها وتتفاعل بطرق غير متوقَعة المسارات وغير مفهومة على المدى القصير لتنتج الحالة الجديدة، سواء صعود إمبراطوريّات كبرى أو دوامها أو انحطاطها.
على الصعيد النظريّ، فإن نصّ هاربر يعدّ بحق أوّل إضافة نوعيّة جذريّة في استعادة العصر الكلاسيكي الروماني بأدوات جديدة منذ العمل الموسوعي للسير إدوارد جيبون عن «انحطاط وسقوط الإمبراطوريّة الرومانيّة» الذي نشره عام 1776 وبقي المؤرخون عيالاً عليه إلى وقت قريب. وهو اكتسب مزيداً من القبول (والمبيعات) بحكم ترافق ظهوره مع تزايد الوعي بمظاهر عطن عام لا تخفى تتعرّض لها الحضارة البشريّة في عصر الرأسماليّة المتأخرّة بما فيها تصاعد فرص حدوث الكوارث المناخيّة نتيجة تراكم استهلاك الموارد والإساءة إلى الطبيعة، كما انتشار وباء «كوفيد - 19 المستجد» الذي قضى إلى الآن على ما يقرب من نصف مليون إنسان وأصاب ملايين عدّة أخرى، وتسبب في إجراءات عزل غير مألوفة.
عربيّاً، يُلقي «مصير روما» المغاير حجراً في المياه الراكدة للدراسات التاريخيّة عن بلادنا، والتي لطالما تجنبت الخروج من دائرة النّصوص الكلاسيكيّة والسرديّات المؤدلجة المنسوجة غالباً حول أدوار الحكام والأفراد الأفذاذ في تدوير عجلة التاريخ، وربما يدفع باتجاه وضع سياق كلّي شامل لتلك الدراسات يأخذ بعين الاعتبار دور العوامل الطبيعيّة - على تعددها - في تشكيل بيئة المنطقة الحضارية وصوغ التحولات فيها بين الحقب، ومدى تفاعلها مع العوامل الأخرى المتعلقة بكيد البشر الفانين.


مقالات ذات صلة

نجيب محفوظ صاحب العمود الأسبوعي

ثقافة وفنون قراءة حصاد عدة سنوات من المقالات يسهِّل رصد الفرق بين محفوظ الروائي المبدع ومحفوظ كاتب العمود الصحافي

نجيب محفوظ صاحب العمود الأسبوعي

يصادف اليوم مرور عشرين سنة على رحيل نجيب محفوظ في الثلاثين من أغسطس (آب) 2006، ومع ذلك، ما زال تأثيره طاغياً في المشهد الروائي المصري والعربي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون محمد بدوي يعيد «أولاد حارتنا» إلى أرض النقد الأدبي

محمد بدوي يعيد «أولاد حارتنا» إلى أرض النقد الأدبي

بعد عشرين عاماً على رحيل نجيب محفوظ، الذي غادر عالمنا في الثلاثين من أغسطس عام 2006، يمعن الناقد المصري الدكتور محمد بدوي النظر والتأمل في عالم أديب نوبل

عمر شهريار
كتب كورت أندرسن

«الانفصال»... صورة أميركا عام 2045

لا تقتصر الروايات التي تدور أحداثها في المستقبل على أدب الخيال العلمي؛ فالأوقات العصيبة والمشحونة بالقلق غالباً ما تولّد أعمالاً أدبية تصوّر عوالم مستقبلية...

جوناثان دي
كتب «مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

تُطلق «دار رفّ للنشر»، الذراع المتخصصة في قطاع النشر والتابعة للمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)، كتاب «مذكرات عبد الحليم خدّام»

«الشرق الأوسط» (الرياض)
كتب التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

صدر حديثاً، عن بيت الحكمة للثقافة في القاهرة، كتاب «صنع الله إبراهيم: سردية التحوُّلات الاجتماعية في مصر» للناقد المصري الدكتور محمد ماهر بسيوني

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«الانفصال»... صورة أميركا عام 2045

كورت أندرسن
كورت أندرسن
TT

«الانفصال»... صورة أميركا عام 2045

كورت أندرسن
كورت أندرسن

لا تقتصر الروايات التي تدور أحداثها في المستقبل على أدب الخيال العلمي؛ فالأوقات العصيبة والمشحونة بالقلق غالباً ما تولّد أعمالاً أدبية تصوّر عوالم مستقبلية قاتمة (ديستوبيا) تتسم بالقلق والتحذير - ومتى كانت آخر مرة شعرت فيها بالاطمئنان التام؟ لقد حفلت حقبة القرن العشرين، على وجه الخصوص، بمثل هذه الرؤى؛ وقد أثبتت بعض الأعمال مثل «حكاية الجارية» (The Handmaid’s Tale) لمارغريت آتوود، أو «عالم جديد شجاع» (Brave New World) لألدوس هكسلي، التي نُشرت عام 1932، وتزداد أحداثها إثارةً للرعب يوماً بعد يوم - أنها كانت أكثر دقة في استشراف المستقبل مقارنة بغيرها. ومع ذلك، فإن أفضل طريقة لفهم هذه الأعمال ليس باعتبارها تنبؤات حقيقية لمستقبلنا، بل كإطلاقٍ لجام المخاوف الراهنة - التي تشبه أحلام اليقظة - بشأن التقلبات العمياء التي تميز لحظتنا الحالية.

غلاف الرواية

في روايته الجديدة «الانفصال» (The Breakup)، يقدم كورت أندرسن شيئاً نادراً ما نراه في هذا النوع من الكتب (وتتبادر إلى الذهن هنا رواية جون رايموند الممتازة الصادرة عام 2022 حول الكوارث المناخية، وهي «الإنكار» Denial)؛ فهو لا يختار مسرحاً لأحداثه في قرن بعيد حيث تصبح مشاكلنا الحالية مجرد جزء من التاريخ، بل يختار وقتاً لا يبعد سوى 19 عاماً من الآن، وهي فترة من المرجح أن يعاصرها معظم قرائه.

وفي محاولة لاستشراف الحالة الانتقالية المقلقة للحياة الأميركية في عام 2026، يرسم الكاتب صورة لعام 2045 - بعد مرور سنوات على حرب أهلية أميركية ثانية قصيرة وقذرة ومصوّرة ببراعة لافتة، حيث انقسمت البلاد إلى كيانين منفصلين بشكل فوضوي ولكنهما لا يزالان رسميين: «الولايات المتحدة الأميركية» (التي تقلصت لتضم 39 ولاية فقط) و«الجمهورية الأميركية الحرة» (Free American Republic)، وهي كيان يغلب عليه السكان البيض والمسيحيون، ويمثل عودة إلى أفكار رجعية نألفها جميعاً - ونشعر بالأسى تجاهها - في واقعنا الحالي.

ومع حلول السلام، يُسمح لسكان الولايات المتحدة السابقة بأسرهم التصويت لتحديد الكيان الذي يرغبون في الانضمام إليه. وهكذا، لا نجد هذه المرة حدوداً فاصلة مرتبة جغرافياً أو متخيلة بوضوح كما كان الحال مع «خط ميسون - ديكسون»؛ فعلى سبيل المثال، نرى المسافرين عبر الولايات الجنوبية - حيث لا ترغب المناطق الحضرية في الانضمام إلى «الجمهورية الأميركية الحرة» (F.A.R)، تماماً كما أن الجمهورية نفسها لا ترغب في ذلك... - نراهم يعبرون الحدود «الوطنية» ذهاباً وإياباً طوال الوقت. إنها ليست حالة انفصال تام (secession)، بل «تفكك للوحدة» (disunion)؛ ورغم أن هذا الحل يمثل فوضى عارمة، فإنه أوقف على الأقل هجمات الطائرات المسيرة الإرهابية ونشر الجيش للروبوتات - كرد فعل - لقتل مواطنين أميركيين متمردين في الشوارع. هذا في الوقت الراهن على الأقل.

يأخذنا المؤلف في جولة عبر هذه الحياة الأميركية الجديدة عبر عائلة «زيمباليست»، التي تعكس خطوط التصدع فيها ما تعيشه الأمة بأسرها، وهو أمر تدركه العائلة تماماً. ففي عام 2044، انتقلت العائلة من ولاية تينيسي إلى سان فرانسيسكو ليتولى «آشر زيمباليست» إدارة «معهد» غامض المهام نيابةً عن شخص قد يمثل أندر الكائنات وجوداً: الملياردير المُحب للخير. لكن زوجته «ناتالي» لم تتحمل الصدمة الثقافية؛ فهي شاعرة - من بين كل المهن - وقد اكتسبت سمعة مثيرة للجدل (أو «سيئة السمعة» ثقافياً) لكونها صريحة ومباشرة في انتقاد المسلمات الليبرالية، بأسلوب يذكّرنا بالكاتبة ليونيل شرايفر؛ ونتيجة لذلك، عادت ناتالي إلى تينيسي قبل ستة أشهر.

إذن، هل انفصلا نهائياً؟ وهل السياسة هي السبب؟ لا أحد منهما متأكد (ولا حتى طفلاهما)، والآن يجدان نفسيهما أمام أمر واقع يفرض عليهما التحرك: اقتراب موعد جولة - خُطط لها منذ فترة طويلة - لزيارة جامعات محتملة لابنهما الأصغر «لوغان». ستأخذهم هذه الجولة عبر قلب أميركا الذي أعيد تشكيله حديثاً.

إنها بداية موفقة للقصة. لكن الأمر المحير هو انقضاء أكثر من 300 صفحة من الرواية قبل أن يدور محرك سيارة عائلة زيمباليست - وبالتالي محرك حبكة الرواية نفسها - وتبدأ أخيراً تلك الرحلة البرية التي طال الحديث عنها. فقبل ذلك، نواجه قسماً ضخماً وساكناً درامياً مما يمكن أن يطلق عليه أصحاب الخيال التأملي (أو التكهني) مصطلح «بناء العالم» (world-building)؛ وهو تصوير شامل ومبتكر ومفصل للغاية لرؤية الكاتب «أندرسن» للسنوات الـ19 المقبلة من التاريخ الأميركي. ورغم ذلك، فإن القراءة ممتعة، لا سيما أنها تتضمن تخيلات لمصائر العديد من المشاهير المعاصرين. (من بين عشرات الظهورات الخاطفة لشخصيات حقيقية، وبالتأكيد لن يضر الكشف عن تفصيل واحد: يموت إيلون ماسك إثر جرعة زائدة أثناء رحلته إلى المريخ).

بصفته روائياً، يُعد أندرسن - الذي تشمل أعماله غير الروائية «أرض الخيال: كيف فقدت أميركا صوابها» (Fantasyland) و«العباقرة الأشرار: تقويض أميركا» (Evil Geniuses) - فيلسوفاً أكثر منه صانعاً للحبكات القصصية. فالدراما العائلية التي تدور حول علاقة الزوجين «زيمباليست» - وما إذا كانت ستستمر أم ستنتهي - تفتقر إلى التشويق بمجرد أن تبدأ الأحداث فعلياً؛ إذ تشبه إلى حد كبير قضاء أسبوع في سيارة مع ثلاثة أشخاص يضحكون على سلسلة من النكات الخاصة بهم، ثم يشرحون لك لاحقاً سبب كون تلك النكات مضحكة.

ولكن، ما المشكلة في ذلك؟ الأعمال الأدبية التي تتناول الدراما العائلية منتشرة بكثرة في الأدب الأميركي. وما سيجذب قراء رواية «الانفصال» (The Breakup) في هذه اللحظة التي تتسم باستقطاب وغضب يبدوان غير قابلين للاستمرار، وبانتهاك صارخ للمؤسسات والمبادئ المدنية الأميركية، هو تقديم رؤية لمستقبلنا القريب؛ رؤية تتسم بالعنف والتحذير، وهي مروعة لدرجة تمنح شعوراً بالتفريغ العاطفي (التطهير)، ومع ذلك تظل قابلة للنجاة منها بطريقة ما. وفي هذا الجانب، ينجح أندرسن في تقديم تلك الجرعة من الإثارة والمتعة التي جعلت أعماله السابقة ضمن قائمة الكتب الأكثر مبيعاً.

* جوناثان دي هو مؤلف ثماني روايات، أحدثها رواية «شارع السكر» (Sugar Street)، وهو يشغل منصب مدير برنامج الدراسات العليا في الكتابة بجامعة سيراكيوز

*خدمة: «نيويورك تايمز»


«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية
TT

«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

تُطلق «دار رفّ للنشر»، الذراع المتخصصة في قطاع النشر والتابعة للمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)، كتاب «مذكرات عبد الحليم خدّام»، وهو كتاب في مجلد واحد مستمد من الأرشيف الشخصي والسياسي لنائب الرئيس السوري الأسبق الراحل عبدالحليم خدّام، الذي أمضى أكثر من ثلاثة عقود داخل دوائر الحكم في سوريا قبل إعلان انشقاقه في باريس عام 2005.

ويضع هذا الكتاب، الذي جمع مادته وحرّره إبراهيم حميدي، رئيس تحرير «المجلة» بين أيدي القارئ أرشيفاً سياسياً بُني على مدى عقود في قلب النظام السوري السابق، ويضم آلاف الوثائق، والمذكرات المكتوبة بخط اليد، والمراسلات الخاصة، والملفات الشخصية، والروايات المباشرة التي تغطي فترة حكم حافظ الأسد، وصعود بشار الأسد، وحقبة الأسدين في لبنان، وصولاً إلى العلاقات الإقليمية والدولية وانعكاساتها على منطقة الشرق الأوسط. ومن خلال ذلك، يكشف الكتاب عن مواد غير معروفة للمرة الأولى، وروايات جديدة من قلب دوائر السلطة.

ويعدّ الكتاب نافذة على الشؤون الداخلية لسوريا وصراعات القوة داخل النظام السوري السابق، فضلاً عن علاقاتها مع لبنان، والمملكة العربية السعودية، ومصر، إلى جانب الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا، حيث يسلط الكتاب الضوء على أكثر الأحداث تعقيداً وجدلاً في المنطقة خلال الحقبة الماضية.

ويتضمن الكتاب أيضاًً شهادة خدّام حول أحداث كبرى متعددة في المنطقة، بينها، أحداث الأشهر التي سبقت حادثة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، بما في ذلك تحذيره الأخير للحريري قبل ستة أيام من الاغتيال، مدعوماً بتفاصيل ولقاءات جرت بينهما. كما يغطي صراعات القوة الداخلية التي تلت وفاة حافظ الأسد، والادعاءات المحيطة بالإدارة المالية للنظام السوري السابق، وإبعاد شقيق حافظ الأسد، رفعت، من سوريا إثر صراع الأخوين على السلطة في أوائل الثمانينات. ويكشف الكتاب كذلك، وللمرة الأولى، عن مراسلات دبلوماسية مع قادة إقليميين ودوليين.

في تعليقه على إطلاق الكتاب، يقول إبراهيم حميدي: «تكمن أهمية هذا الأرشيف في كونه نابعاً من داخل المنظومة ذاتها. فهو ليس مجرد سرد استرجاعي من الهوامش، بل سجل توثيقي مبني على مستندات ومراسلات وشهادة مسؤول رفيع المستوى، كان حاضراً خلال بعض أهم اللحظات المفصلية في تاريخ سوريا الحديث».

ويضيف: «لا يسعى هذا الكتاب إلى طي صفحة التاريخ لتلك المرحلة، بل يفتح باباً أوسع لمزيد من القراءة والفهم؛ حيث يقدم للقراء والصحافيين والباحثين وصنّاع القرار مادة جديدة لدراسة الشأنين السوري واللبناني، والنظام الإقليمي الأوسع الذي أحاط بهما».

يُشكّل كتاب «مذكرات عبد الحليم خدّام» جزءاً من سلسلة كتب سياسية مرتقبة تُركز على منطقة الشرق الأوسط، ستصدرها «دار رفّ للنشر» بالتعاون مع حميدي. وسيكون متاحاً ابتداءً من 31 أغسطس (آب) 2026 على منصات «أمازون» (Amazon)، و«أبل بوكس» (Apple Books)، و«جوجل بوكس» (Google Books)، بالإضافة إلى توفره في مكتبات مختارة.


التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم
TT

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

صدر حديثاً، عن بيت الحكمة للثقافة في القاهرة، كتاب «صنع الله إبراهيم: سردية التحوُّلات الاجتماعية في مصر» للناقد المصري الدكتور محمد ماهر بسيوني، منطلقاً من أن الروائي الراحل، الذي تحل ذكرى رحيله الأولى هذه الأيام، قد امتلك وعياً حاداً بالتحولات الاجتماعية العميقة في مصر، وحساسية فائقة لانعكاساتها القاسية على أفراد المجتمع وطبقاته، مما جعله ينتقي شخصيات رواياته من الشعب المصري، ليحلل من خلال حيواتهم ومصائرهم بنية المجتمع وتغيراته الحادة، وجسَّد تحليله في شكل روائي معبراً عن الحقيقة، وإن اصطدم مع وجهة النظر السائدة، التي تفرضها قوة السلطة وغواية الدعاية.

ويؤكد الكتاب أن الواقع حاضر بقوة في روايات صنع الله، وأنه تناول قضاياه تناولاً جماليّاً، بعيداً عن ابتذال الالتزام السياسي الآيديولوجي، مهتمّاً بإنسان الحياة اليومية، الذي لا يتزين بالسياسة، ولا يتغنى بأناشيدها، ولا يؤمن بأساطيرها؛ إنسان البيوت والشوارع والعمل غير المجزي، ذو الآمال العريضة المجهضة دائماً، والآلام السائدة، والأفراح المختلسة. مشيراً إلى أن النظر العميق في واقع الإنسان المصري يكشف المأساة في كل تفاصيل حياته، التي لا تنفصل عن مأساة مجتمعه في عالمه الثالث، الذي صار عرضة لكل أشكال الاستغلال، فما إن تحرر من الاستعمار التقليدي حتى وقع في براثن استعمار أشد وأنكى، هو الاستغلال السلعي.ويقول المؤلف في مقدمته للكتاب إن صنع الله «يعد واحداً من أصحاب المشروعات الروائية المتكاملة التي تعمل على مقاربة المرجع الاجتماعي/ التاريخي دون أن يتنازل في سبيل ذلك عن القيمة الجمالية للنص السردي، بل نجده في تجريب مستمر يتجاوز نفسه دائماً ويضع لنصه سمات فريدة تدل على تصور خاص حول الإبداع الروائي، ويستنطق التاريخ الاجتماعي والسياسي مقترحاً تأويله الخاص لتحولات بنية المجتمع المصري المتسارعة والعنيفة في ستة عقود فحسب».

يتكون الكتاب من تمهيد يتناول تاريخ الدراسة الاجتماعية للأدب، ثم ثلاثة فصول، بعناوين «المنهج والمصطلح»، و«الإجراء السردي»، و«التأويل السردي»، ثم خاتمة عن أهم ما توصلت إليه الدراسة.

واعتمد المؤلف منهجياً على علم اجتماع النص، كما تقدمه مقولات بيير زيما، بغرض استخلاص رؤية العالم للجماعة التي يعبر عنها الروائي، وركز على دراسة عنصري الشخصية واللغة، اللذين كانا محل اهتمام الروائي في تبيان الأثر العميق للتحولات الاجتماعية المتباينة والمتسارعة على المجتمع المصري وأفراده. واستبعد بعض روايات صنع الله التي تناقش مجتمعات أخرى عربية وعالمية. وكان قد صدر لمحمد ماهر بسيوني من قبل كتابان: «الصين في 65 عاماً»، و«المكان في الرواية العربية (دراسة ثقافية تطبيقية)».