عودة «كوفيد ـ 19» إلى أوروبا الغربية

بعد انفلاته مع السياحة الصيفية... شبح الفيروس يهدد الموسم الدراسي

عودة «كوفيد ـ 19» إلى أوروبا الغربية
TT

عودة «كوفيد ـ 19» إلى أوروبا الغربية

عودة «كوفيد ـ 19» إلى أوروبا الغربية

عاد القلق يخيّم على البلدان الأوروبية من موجة ثانية لجائحة «كوفيد - 19»، بعدما خابت جميع التوقعات التي كانت تتحدث عن انحسارها مع قدوم فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، وواصل فيروس الجائحة انتشاره على نطاق واسع في بؤر القارة الأميركية من الولايات المتحدة إلى البرازيل والمكسيك والبيرو، وتفاقمت إصاباته في الهند والاتحاد الروسي وبعض البلدان الأفريقية.
إذ سجّلت عودة قويّة للفيروس من فرنسا إلى إسبانيا وإيطاليا ودول البلقان، تهدّد بفصل جديد من العزل تجهد الحكومات لتحاشيه بأي ثمن، في أعقاب الخسائر الاقتصادية الفادحة التي نجمت عن تدابير الفصل الأول التي شلّت الحركة في بلدان الاتحاد الأوروبي ومحيطها لما يقارب الثلاثة أشهر.
تسعى المفوضية الأوروبية إلى استعادة المبادرة في إدارة الجهود الوطنية لاحتواء عودة «كوفيد - 19». ومن ثم ضبط هذه الأزمة الصحية غير المسبوقة التي تحوّلت إلى أزمة اقتصادية واجتماعية امتدت تداعياتها في عمق المشهد السياسي، وغيّرت بشكل جذري أوجهاً عديدة من الحياة اليومية.
في أواخر مايو (أيار) الماضي، كانت أرقام الإصابات الجديدة والوفيّات في معظم البلدان الأوروبية تبشّر بانحسار شبه تام للجائحة، وتمهّد لعودة تدريجية إلى الحياة الطبيعية والمباشرة بمرحلة النهوض من الانهيار الذي أحدثته أسوأ أزمة صحية واقتصادية في التاريخ الأوروبي منذ الحرب العالمية. ومع بداية يونيو (حزيران) كانت دول الاتحاد تتنافس بعضها مع بعض على فتح الحدود واستعادة الحركة الاجتماعية والنشاط الاقتصادي وإنقاذ ما أمكن من الموسم السياحي الذي يشكّل العماد الأساسي للعديد من الاقتصادات الأوروبية، والذي كان القطاع الأكثر تضرراً جرّاء تدابير العزل وقطع التواصل داخل الاتحاد وخارجه.
إلا أنه ما إن عادت الحركة إلى الأوصال الأوروبية، وخرج الملايين من عزلتهم الطويلة، حتى بدأت تظهر المؤشرات على أن الفيروس ما زال نشطاً ويتفشّى، بعكس التوقعات، منذراً بموجة ثانية أوسع امتداداً وبمواصفات مختلفة عن الأولى.
وما كادت القمة التي عقدها الاتحاد الأوروبي، بحضور مباشر للمرة الأولى منذ بداية الأزمة، تعلن إنجاز الاتفاق التاريخي حول صندوق الإنقاذ من تداعيات الوباء بقيمة 750 مليار يورو، حتى بدأت الحكومات بالعودة إلى تشديد تدابير الوقاية، وفرض إجراءات الحجر الصحي على التنقلات عبر الحدود الداخلية، وتوصية مواطنيها بتحاشي السفر إلى أماكن وبلدان معيّنة داخل الاتحاد.

الحالة الإسبانية
الحالة الإسبانية هي التي تثير الآن أكبر قدر من القلق، لأسباب عدة يتداخل فيها الصحي مع الاقتصادي والسياسي بالإداري، بعدما تجاوز عدد الإصابات المؤكدة فيها 480 ألفاً من أصل ما يزيد على 4 ملايين إصابة في القارة الأوروبية، منها مليون في الاتحاد الروسي وحده.
والواقع أنه بعدما تمكّنت إسبانيا من احتواء الجائحة بشكل شبه تام مطلع يونيو الماضي، نتيجة التدابير المشدّدة التي فرضتها منذ منتصف مارس (آذار) الماضي، وبعدما فتحت حدودها الخارجية والداخلية أمام الحركة السياحية والنشاط الاقتصادي والاجتماعي، عاد الفيروس إلى الانتشار في معظم المناطق. وبالفعل، تكاثرت بؤر ظهوره، وأخذ عدد الإصابات الجديدة يرتفع بسرعة إلى أن وصل في الأيام الأخيرة إلى المستويات التي بلغها خلال فترة الذروة خلال الربيع الماضي.
ومع تفاقم معدلات الانتشار واتساع نطاقه، عمدت السلطات الإقليمية، التي كانت قد استعادت صلاحيات إدارة الأزمة الصحية من الحكومة المركزية في مدريد، إلى عزل بعض المناطق بشكل تام، وفرض تدابير شديدة نجحت نسبيّاً في احتواء الفيروس وحصر انتشاره. بيد أن استئناف الحركة السياحية والانفلات إزاء التقيّد بتدابير الوقاية ونقص التنسيق بين الأقاليم أدى إلى الاستمرار استمرار التفشي. وهذا ما دفع عدداً كبيراً من الحكومات الأوروبية إلى فرض الحجر الصحي على الوافدين من إسبانيا، وتوصية مجموعة منها مواطنيها بتحاشي السفر إلى معظم الأقاليم الإسبانية إلّا في حالات الضرورة. وكانت ألمانيا وبلجيكا آخر البلدان الأوروبية التي فرضت تدابير الحجر الصحي على الوافدين من إسبانيا التي غدت شبه معزولة عن محيطها الأوروبي.

الوضع الاقتصادي... والعام الدراسي
ومن العوامل الأخرى التي تزيد من خطورة الحالة الإسبانية ومن تعقيدات معالجتها، الوضع الاقتصادي الذي كان مترديّاً قبل ظهور الجائحة وتدهور أكثر من أي اقتصاد أوروبي آخر بسببها، والارتفاع الكبير في نسبة البطالة التي عادت لتتجاوز 20 في المائة.
يضاف إلى ذلك المناخ السياسي المشحون بسبب الأزمة الانفصالية في إقليم كتالونيا (قطالونية) وهشاشة القاعدة البرلمانية للحكومة المهدّدة بالسقوط في كل تصويت أو أي مبادرة لطرح الثقة.
كل هذه العوامل تزداد خطورتها اليوم على أبواب الامتحان الكبير الذي تتهيّبه كل الدول الأوروبية مع استئناف العام الدراسي، وما ينتظر أن ينشأ عنه من تداعيات على المشهد الوبائي الذي كان الجميع يتوقع أن يكون أقل سوءاً بكثير مما هو عليه الآن.
ويُذكر أنه بعد مرحلة طويلة من التجاذبات بين الحكومة المركزية والسلطات الإقليمية، تمّ الاتفاق على خطة استئناف النشاط الدراسي في أكثر من 30 ألف مركز تعليمي، وترك الباب مفتوحاً أمام الأقاليم الراغبة في تأجيل بداية العام الدراسي بسبب الوضع الوبائي فيها.
ونبّهت وزارة التربية إلى أنه رغم إعطاء أهمية كبرى للعودة إلى المدارس، يبقى الوضع الصحي الأولوية المطلقة للحكومة في هذه المرحلة. وبالتالي، فإنها لن تتردّد في اتخاذ التدابير اللازمة في حال تفاقم المشهد الوبائي أو تعذّر التقيّد بالإجراءات الواجبة في المدارس والجامعات.
هذا، وفي حين أكّد فرناندو سيمون، مدير مركز الطوارئ في وزارة الصحة الإسبانية، استحالة ضمان ألا يتفشى الفيروس في المدارس، ودعا الأهل إلى أقصى درجات التعاون ريثما يتمّ التوصل إلى لقاح ضد الفيروس، كانت أرقام الإصابات اليومية الجديدة تواصل ارتفاعها إلى أن بلغت آخر الشهر الماضي خمسة أضعاف ما كانت عليه في يوليو (تموز) الماضي.
ومع الإعلان عن 23572 إصابة جديدة و83 حالة وفاة نهاية الأسبوع الماضي، قال وزير الصحة: «هذه الزيادة أكبر مما كنّا نتمنّى، لكنها ضمن التوقعات.
عدد الإصابات اليوم يوازي ما كان عليه خلال فترة الذروة خلال الربيع، إلا إصابات تختلف بشكل كلّي عن تلك السابقة، ولا داعي للهلع لكن لا بد من الحذر والانتباه».

مدريد البؤرة الأخطر
وفي هذا السياق، نشير إلى أن الوضع الوبائي في العاصمة مدريد هو مصدر القلق الرئيسي حالياً بالنسبة للسلطات الصحية الإسبانية، إذ بلغ عدد الإصابات الجديدة في العاصمة ثلث الإصابات الإجمالية في عموم البلاد، وتلك التي تستدعي العلاج في المستشفى 40 في المائة من الحالات الوطنية.
وكان عدد الإصابات الجديدة المؤكدة في إسبانيا خلال الأسبوع الماضي قد تجاوز 49 الفاً، منها 14871 في مدريد، التي يعيش فيها 14 في المائة من مجموع السكّان.
ويعزو الاختصاصيون هذه الأرقام المرتفعة في مدريد إلى عدة أسباب، منها: الكثافة السكانية العالية في العاصمة، وكونها المركز الرئيسي للمواصلات، إضافة إلى نقص تدابير الوقاية والفحص ومتابعة الإصابات. ويحذّر الخبراء من أن استمرار تدهور الوضع الوبائي في مدريد سيؤدي إلى انتشار واسع للفيروس في بقيّة الأقاليم، والاضطرار للعودة إلى تدابير العزل التام الذي سيدفع البلاد إلى كارثة اقتصادية وخيمة العواقب.
وكان رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانتشيز قد أعرب أخيراً عن قلقه الشديد من الوضع الصحي في مدريد، التي كانت السلطات الإقليمية قد ناشدت سكانها ألا يغادروا منازلهم إلا في حالات الضرورة.
وقال إن «الحكومة المركزية على استعداد لتقديم كل المساعدة اللازمة للسلطات الإقليمية، والجيش جاهز أيضاً للمساهمة، لكننا لن نتردد في اتخاذ القرارات اللازمة إذا لم تُتخذ التدابير الكفيلة بتحسين الوضع، لأن نجاح خطة مكافحة الجائحة على الصعيد الوطني يتوقف اليوم بنسبة كبيرة على تحسن الوضع الوبائي في العاصمة». وتجدر الإشارة إلى أن بلدية مدريد وحكومتها الإقليمية هي حالياً بيد المعارضة اليمينية.
من جانب آخر، ذكر ناطق باسم وزارة الصحة الإسبانية أن التدابير التي ستتخذ خلال الأيام القليلة المقبلة في مدريد ستكون حاسمة بالنسبة للوضع الوبائي في العاصمة وفي بقية الأقاليم.
وأوضح أن العامل الأساسي الذي سيحدّد مصير هذه التدابير هو معدّل ارتفاع حركة التنقّل والمواصلات بعد العودة من العطلة واستئناف النشاط المدرسي.
وكان خبراء الوزارة قد اقترحوا على السلطات الإقليمية السعي إلى رفع نسبة الذين يعملون عن بُعد إلى 30 في المائة، مع بعض تدابير العزل التام لفترة معيّنة في بعض أرباض المدينة حيث الكثافة السكانية العالية، منعاً لانتشار الفيروس فيها على نطاق كثيف وواسع وانتقاله إلى الأقاليم الأخرى.
في المقابل، رغم الارتفاع المطرد الذي يسجّله عدد الإصابات الجديدة في جميع الأقاليم الإسبانية تقريباً، والذي يعيد إلى الأذهان المشهد المخيف الذي عاشته إسبانيا ومستشفياتها في ذروة الجائحة خلال المرحلة الأولى، أفادت وزارة الصحة بأن الوضع في المستشفيات لا يدعو إلى القلق.
وأوردت أنه يوجد حالياً 6924 مريضاً يُعالجون من «كوفيد - 19». أي ما يعادل 6 في المائة من عدد الإجمالي للأسرة، ويخضع 874 منهم للعناية الفائقة. ويشكّل عدد الذين يُعالجون في مستشفيات مدريد وكتالونيا (عاصمتها مدينة برشلونة) وإقليم الأندلس أكثر من نصف الحالات الإجمالية.

إيطاليا وفرنسا... في الصورة القاتمة من جديد
> إلى جانب «الجبهة الإسبانية»، وتلك التي تشكّلها دول البلقان التي تكاد تكون جميع مواصلاتها مقيّدة مع الدول الأوروبية الأخرى، يزداد القلق من تطور المشهد الوبائي في فرنسا وإيطاليا.
فرنسا أعلنت أخيراً عاصمتها باريس «منطقة حمراء»، وفرض استخدام الكمامات الواقية حتى في شوارعها بعد الارتفاع الكبير في عدد الإصابات اليومية الجديدة، وتكاثر بؤر الانتشار في معظم المناطق السياحية على الساحل.
ورغم تأكيدات الحكومة الفرنسية أنها ستبذل ما يلزم من جهد لمنع العودة إلى العزل التام، يخشى الخبراء من أن استئناف النشاط الدراسي سيؤدي إلى قفزة إضافية كبيرة في انتشار الفيروس ستضطر معها الحكومة لإعادة النظر في موقفها، ولا يستبعدون أن تلجأ إلى تدابير عزل مؤقتة ومحصورة في المناطق التي تتفشّى فيها الجائحة بكثافة.
ومن الدلائل على خطورة المنحى الذي فيه المشهد الوبائي الفرنسي إعلان السلطات السويسرية أنها باتت قاب قوسين من وضع فرنسا على «اللائحة الحمراء»، بعدما تجاوز معدل الإصابات فيها عتبة الستين إصابة لكل مائة ألف مواطن. ومن شأن إدراج فرنسا على هذه اللائحة إخضاع جميع التنقلات على الحدود بين البلدين إلى تدابير الحجر الصحي وفرض الفحوص على الوافدين منها إلى سويسرا.
أما فيما يخص إيطاليا، فتتجه الأنظار الأوروبية أيضاً بشكل خاص منذ أيام، وهي التي كانت البؤرة الرئيسية للجائحة خلال المرحلة الأولى، و«المختبر الأوروبي» بامتياز لمواجهتها الجائحة. والحقيقة أنه بعدما كانت إيطاليا طوال أشهر البلد الأوروبي الأكثر تضرراً على الصعيد الصحي من «كوفيد - 19».
قبل أن تتجاوزها بريطانيا بعدد الوفيّات، تمكّنت إيطاليا مطالع الشهر الماضي من احتواء انتشار الفيروس بنسبة عالية، وباتت بالنسبة لبلدان كثيرة وجِهات علمية عديدة مثالاً يُحتذى في مكافحة الفيروس الذي أوقع فيها أكثر من 35 ألف ضحية.

السياحة... والمدارس
ولكن على غرار معظم الدول الأوروبية الأخرى حملت الأسابيع الأخيرة رياحاً معاكسة إلى المشهد الوبائي الإيطالي مع ازدياد حركة التنقلات السياحية، وما رافقها من انفلات وتسيّب في التقيّد بتدابير الوقاية والتباعد. وهذا ما أدى إلى ارتفاع كبير في عدد الإصابات اليومية، ترافق مع انخفاض ملحوظ في المعدّل العمري للمصابين الذي أصبح دون الأربعين سنة.
ولقد توزّعت المصادر الرئيسة للإصابات الجديدة بين الوافدين الذين أمضوا عطلة الصيف في الخارج، خاصة في إسبانيا وكرواتيا واليونان ومالطة، والمراكز السياحية مثل جزيرة سردينيا، التي شهدت أخيراً انتشاراً كثيفاً لمئات الإصابات في بعض المرابع الليلية، إضافة إلى الإصابات التي يحملها المهاجرون غير الشرعيين الذي يتكدسّون بالآلاف في مراكز الاستقبال المكتظة على السواحل الجنوبية المطلّة على أفريقيا.
وما يزيد من تعقيدات الوضع الوبائي في إيطاليا، التي تحبس أنفاسها أمام العودة إلى المقاعد الدراسية في الرابع عشر من هذا الشهر، والتي تليها الانتخابات الإقليمية في عشر محافظات والبلدية في أكثر من ألف مدينة، تنامي الحركات المناهضة لتدابير الوقاية والتباعد. والمعروف أن هذه الحركات تعتبر «كوفيد - 19» بمثابة «ذريعة تآمرية» تلجأ إليها الحكومات لتضييق مساحات الحريّة «وإفقار المواطنين لصالح النخبة المالية».
ومن المنتظر أن تشهد العاصمة روما اليوم، اليوم (السبت)، مظاهرة حاشدة تحت عنوان «(كوفيد) خدعة، هلمّوا نحرّر إيطاليا»، تشارك فيها تنظيمات الفاشيين الجدد والتيّارات السيادية المناهضة للاتحاد الأوروبي و«السترات البرتقالية» (رديفة «السترات الصفراء» الفرنسية) وهيئات نسائية وجمعيّات تجّار وتجمعات لسائقي التاكسي والجماعات العنصرية المتطرفة بين جمهور كرة القدم. ويتولّى تنظيم المظاهرة اليميني المتطرف «القوة الجديدة»، وسيشارك فيها أيضاً الأسقف كارلو ماريّا فيغانو، المعروف بمواقفه المعادية للبابا فرنسيس والمؤيدة للرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى جانب عدد من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ ومنهم السياسي المعروف والوزير السابق وأحد أشهر النقّاد الفنيين في إيطاليا فيتّوريو زغاربي الذي اتخذ أخيراً قراراً بمنع استخدام الكمامات الواقية في مدينة سوتري التي يرأس بلديتها. ورغم أنه لن ينضم إلى المظاهرة، قال ماتّيو سالفيني، زعيم المعارضة اليمينية المتطرفة في إيطاليا إنه يتعاطف مع شعاراتها.

خوف من المستقبل
وعلى صعيد متصل، تفيد دراسة صدرت أخيراً عن «مركز الدراسات الاجتماعية» التابع للمصرف المركزي الإيطالي أن 82 في المائة من المواطنين يشعرون بالقلق أو الخوف على مستقبلهم بسبب من «كوفيد - 19»، وأن الخوف الذي يشعرون به اليوم تبدّلت أوصافه الاقتصادية والاجتماعية عن الذي كانوا يشعرون بها خلال المرحلة الأولى من الجائحة.
ووفق الدراسة، كان الخوف في المرحلة الأولى يسود أوساط المسنّين الذين دفعوا ثمناً باهظاً في الإصابات والضحايا، وأيضاً بين أصحاب المهن الحرّة والمتقاعدين. لكن الخوف انتقل اليوم إلى أوساط الشباب الذين أطلقوا العنان لرغباتهم ونزواتهم بعد فترة العزل الطويلة، وأصبح منتشراً في جميع الأوساط المهنية تقريباً بعد اتساع رقعة الانهيار الاقتصادي الذي لم يسلم منه أي قطاع.
أيضاً، انتقل الخوف من مناطق الشمال حيث كانت الجائحة شبه محصورة خلال المرحلة الأولى، إلى مناطق الوسط والجنوب التي تشهد اليوم الانتشار الأوسع للفيروس، الذي تفيد الدراسة أيضاً بأنه بات يثير المخاوف في أوساط اليسار السياسي أكثر منه في أوساط اليمين، وبخاصة الأحزاب المتطرفة.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.