متحدثة «أطباء بلا حدود»: «كورونا» لم يغير موقف النظام السوري من السماح لنا بالعمل

سلوى أبو شقرا تخوفت في حديثها إلى «الشرق الأوسط» من تفشي الفيروس باليمن

بائع يرتدي كمامة في سوق الميدان بدمشق أمس (أ.ف.ب)
بائع يرتدي كمامة في سوق الميدان بدمشق أمس (أ.ف.ب)
TT

متحدثة «أطباء بلا حدود»: «كورونا» لم يغير موقف النظام السوري من السماح لنا بالعمل

بائع يرتدي كمامة في سوق الميدان بدمشق أمس (أ.ف.ب)
بائع يرتدي كمامة في سوق الميدان بدمشق أمس (أ.ف.ب)

على عكس بعض الكوارث الطبيعية مثل السيول والأعاصير التي تستطيع الأقمار الصناعية التنبؤ بتوقيتها، تأتي الكوارث الصحية بشكل مفاجئ، مثل جائحة فيروس «كورونا» المستجد، والتي يعاني العالم من آثارها منذ شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وحتى الآن. وبينما كشف هذا التحدي الصحي المباغت أن الكثير من دول العالم لم تكن جاهزة لخوض الاختبار بعد أن كبدتها التداعيات المصاحبة للفيروس مصاعب شتى، فقد عزّز دور المنظمات الدولية ومنها «أطباء بلا حدود»، التي توجد بطواقمها الطبية ومشافيها المتنقلة، حيث توجد الكوارث والحروب لمد يد العون والمساعدة.
وفي حوارها مع «الشرق الأوسط»، استعرضت المتحدثة باسم «أطباء بلا حدود» سلوى أبو شقرا جهود المنظمة في مساعدة الأنظمة الصحية الهشة بالمنطقة على مواجهة أزمة فيروس «كوفيد - 19»، وكيف تستطيع المنظمة العمل في دول تتقاسمها قوى سياسية متنازعة.
وأوضحت أبو شقرا أن جائحة «كوفيد - 19» أدّت إلى إنهاك بعضٍ من أغنى الأنظمة الصحية في العالم وأفضلها تجهيزاً، «وهذا يضعنا دون شك أمام توقعات مقلقة جداً بالنسبة لبلدان على غرار اليمن وسوريا. كما أن الجائحة قد أنهكت كل من يقدم الرعاية الصحية على المستوى الوطني»، وأضافت «كذلك، فإننا نواجه في المنظمة صعوبات هائلة، وعلينا كغيرنا أن نتخذ قرارات صعبة في ظل الموارد المحدودة التي بين أيدينا، إلا أن هذه الخيارات سترتكز أولاً وأخيراً على حماية طواقمنا ومرضانا، وكذلك الحفاظ قدر الإمكان على الأنشطة التي من شأنها إنقاذ حياة الناس».

سوريا
وردا على كيف تتعامل المنظمة مع الانقسامات السياسية في الدول التي تعمل بها؟ أوضحت أبو شقرا أن «الجائحة لا تغير طريقة عملنا في مناطق الحروب، حيث نقدم الإغاثة لمن يحتاجها ومن دون أي تمييز مهما كان شكله. كما نستعين باستقلاليتنا وحيادنا للتفاوض مع مختلف أطراف النزاع كي نصل إلى الناس، ولكننا نواجه الكثير من القيود التي تعيق وصولنا إلى مناطق معينة في البلدان التي نعمل فيها، فلا نستطيع على سبيل المثال العمل في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية، بعد أن فشلت طلباتنا للحصول على إذن بذلك (حتى بعد أن بدأت جائحة كوفيد - 19). أما أنشطتنا المعتادة، وكذلك الخاصة بجائحة (كوفيد - 19) في المناطق التي لا تخضع حالياً لسيطرة الحكومة السورية، فإنها قائمة بالاتفاق والتنسيق مع السلطات الصحية المعنية في تلك المناطق».
وتابعت متحدثة عن طبيعة الخدمات التي تقدمها المنظمة للمناطق غير الخاضعة لنفوذ النظام: «تسهم طواقمنا العاملة بشمال شرق سوريا في فريق العمل الإنساني المعني بالتعامل مع (كوفيد - 19) والذي ترأسه السلطات الصحية المحلية. أما في مناطق شمال غربي سوريا، فإننا نراجع منذ بدء الجائحة أنظمة فرز المرضى وتدفقهم في المستشفيات والمراكز الصحية التي ندعمها في محافظة إدلب، وذلك لنضمن سرعة كشف حالات الإصابة المحتملة».

ليبيا ومراكز احتجاز اللاجئين
في ما يتعلق بليبيا، أوضحت أبو شقرا أن المنظمة تعمل، في ضوء الظروف الحالية التي تشهدها البلاد، على «مقاربة محلية لامركزية ساعدتنا في ضمان الأنشطة الصحية والإنسانية، وفقاً للاحتياجات الإنسانية وبغض النظر عن الانتماءات والولاءات السياسية».
واعتبرت أن «وضع المهاجرين في ليبيا يتحول من سيئ إلى أسوأ في ظل وصول (كوفيد - 19) وتصاعد النزاع. فليبيا ليست بلداً آمناً للمهاجرين واللاجئين الذين يتعرضون فيها لمخاطر شديدة تهدد حياتهم، كالاعتقال التعسفي والاحتجاز لأجل غير مسمى والعنف والاستغلال الشديد»، مضيفة أنه «في ضوء اشتداد القتال والقصف العشوائي وتناقص حضور المنظمات الإنسانية وتعليق رحلات الإجلاء الجوية من ليبيا وغياب سفن الإنقاذ البحري التابعة للمنظمات غير الحكومية والعاملة في منطقة وسط البحر الأبيض المتوسط في غياب إمكانيات أوروبية فاعلة للبحث والإنقاذ، فإن اللاجئين والمهاجرين قد باتوا عالقين في ليبيا ومعرضين للخطر أكثر من أي وقت مضى، علماً بأن الأغلبية الساحقة منهم ليسوا في مراكز احتجاز رسمية إنما محتجزون في مراكز غير رسمية ومعتقلات أو يصارعون للبقاء على قيد الحياة في المدن الرئيسية، وهم تحت رحمة الاعتقال التعسفي والخطف مقابل فدية والعمالة القسرية والعنف الجنسي».
وأوضحت المتحدثة باسم «أطباء بلا حدود» أن هناك «نحو 1.500 شخص في مراكز الاحتجاز الرسمية الخاضعة لسلطة جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية وهم معرضون لمخاطر كبيرة في حال تفشي (كوفيد - 19)، في ظل استحالة تطبيق أية إجراءات وقائية مثل التباعد بين الأشخاص. هذا وقد أفرج خلال الأشهر الأخيرة عن بعض المهاجرين واللاجئين لأسباب تعود في معظمها إلى دنوّ الاشتباكات، وليس نتيجة مخاوف من انتشار الفيروس».

اليمن
أما في ما يتعلق باليمن، فأوضحت أبو شقرا أن البلاد «تفتقر إلى معظم ما تحتاج إليه من معدات الوقاية والتشخيص التي تسمح لها بالاستجابة للجائحة، فقد حوّلت سنين الحرب الخمس نظام الرعاية الصحية في البلاد إلى أنقاض. إذ يمكن أن ينتشر المرض بسرعة كبيرة، وبالأخص في المناطق المكتظة كالمدن ومخيمات النازحين.
أما في المناطق الريفية، فإن عملية الاستجابة ستواجه مصاعب جمة في ظل ندرة المرافق الصحية وشبه انعدام أية إمكانات للتشخيص وتتبع العدوى والعزل وغيرها من إجراءات الصحة العامة، حيث إن المستشفيات والمراكز الصحية القليلة الموجودة هناك تفتقر إلى إمكانيات العناية المركزة لعلاج المرضى الذين تكون حالتهم حرجة جداً».
وأضافت أن منظمتها «تتفاوض مع الأطراف المعنية لكي نتمكن من إحضار الإمدادات والطواقم إلى اليمن، علماً بأننا سنُخضع من دون شك جميع أفراد الطاقم الذين يدخلون البلاد إلى حجر صحي لمدة 14 يوماً كي نضمن ألا يشكلوا خطراً على الشعب اليمني».

العراق
إلى ذلك، تطرّقت أبو شقرا إلى جهود المنظمة لمكافحة «كوفيد - 19» في العراق، وأوضحت «لا يزال عدد الإصابات المؤكدة المسجلة في محافظة بغداد هو الأعلى في العراق، علماً بأن أول أنشطتنا المتعلقة بالفيروس قد انطلقت من بغداد قبل بضعة أسابيع، حيث تدعم المنظمة مستشفى ابن الخطيب التابع لوزارة الصحة في مدينة بغداد، وهو واحد من ثلاثة مستشفيات تقدم العلاج لمرضى (كوفيد - 19)».
وتابعت «بدأنا كذلك بالإعداد للعمل في الموصل، حيث تبرعت المنظمة بأسرة لتجهيز مبنى بسعة 50 سريراً (تديره وزارة الصحة) في مجمع مستشفى السلام المزمع تخصيصه لعزل المرضى. هناك مستشفى آخر اسمه مستشفى الشفاء موجود في المجمع ذاته، كانت منظمة أطباء بلا حدود قد شيدته عام 2019 وهو يستخدم اليوم مقراً رئيسياً لاستقبال حالات المرضى الذين يشتبه بإصابتهم بـ(كوفيد - 19) من كافة أنحاء محافظة نينوى، وتدعمه المنظمة حالياً من خلال إنشاء 40 غرفة عزل وتوفير 30 سرير لإدارة الحالات الخفيفة والشديدة».
وعن سبب تدنّي عدد حالات الإصابة المعلن عنها في العراق، قالت أبو شقرا: «يصعب تخمين العبء الحقيقي الذي يلقيه (كوفيد - 19) على كاهل أي بلد، وثمة نقاشات محتدمة تدور حول العدد الحقيقي للمصابين بالعدوى أو المرضى أو الوفيات بـ(كوفيد - 19) في البلدان الأوروبية على سبيل المثال، فما بالك بالبلدان التي تفتقر إلى إمكانيات مخبرية سواء نتيجة النزاعات أو لأسباب أخرى. والأمر لا يقتصر على إمكانات إجراء الفحوصات، إذ إنَّ المراقبة الجيدة تتطلب نظاماً صحياً قوياً، غير أن الأنظمة الصحية في المناطق المتضررة بالنزاعات مثل سوريا واليمن قد أُضعِفَت. لكن ربما تكون هناك تفسيرات أخرى، إذ يبدو أن (كوفيد - 19) يترقى إلى شكله الشديد لدى كبار السن الذين يقل عددهم نسبياً في مثل هذه البلدان، وبالتالي يقل عدد الإصابات الشديدة».
إيران
تحدثت أبو شقرا عن سبب غياب منظمة «أطباء بلا حدود» عن مشهد مكافحة «كورونا» في إيران، رغم إدارتها أنشطة طبية في هذا البلد منذ سنوات طويلة. وقالت: «تقدم فرق أطباء بلا حدود العاملة في طهران الرعاية الصحية للناس المستضعفين جداً كمتعاطي المخدرات واللاجئين الأفغانيين الذين يواجهون صعوبات في الحصول على الرعاية الصحية. وكانت المنظمة تخطط في نهاية مارس (آذار) 2020 للتدخل في أصفهان (بؤرة انتشار الفيروس) وكانت قد استأجرت طائرتي شحن وحملتهما بالمواد التي تحتاج إليها لتشييد وحدة علاج مؤقتة تضم 50 سريراً هناك وفقاً لما اتفقت عليه مع السلطات الإيرانية، إلاَّ أن العملية لم تتم في نهاية المطاف، علماً بأن شحنة المستشفى المؤقت لا تزال في طهران ونخطط لاستخدامها في أماكن قد تحتاج للاستجابة إلى جائحة (كوفيد - 19)».


مقالات ذات صلة

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق امرأة ترتدي الكمامة خلال فترة انتشار الجائحة في كندا (رويترز)

كيف أثّر وباء «كوفيد» على مرحلة البلوغ لدى الفتيات؟

تسبب الإغلاق الذي فُرض بعد انتشار جائحة «كوفيد - 19» في توقف شبه تام للحياة، وشهد مئات الملايين من الأشخاص تغيُّرات جذرية في أنماط حياتهم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

صنعاء: الحوثيون يزرعون «زينبيات» للتجسس داخل المشافي

مجندات حوثيات شاركن بتدريبات قتالية في باحة مدرسة بصنعاء (إكس)
مجندات حوثيات شاركن بتدريبات قتالية في باحة مدرسة بصنعاء (إكس)
TT

صنعاء: الحوثيون يزرعون «زينبيات» للتجسس داخل المشافي

مجندات حوثيات شاركن بتدريبات قتالية في باحة مدرسة بصنعاء (إكس)
مجندات حوثيات شاركن بتدريبات قتالية في باحة مدرسة بصنعاء (إكس)

اتسعت رقعة الاتهامات الموجهة إلى جماعة الحوثيين بفرض مزيد من القبضة الأمنية على المؤسسات الصحية في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، مع تواتر شكاوى أطباء وعاملين في هيئة مستشفى الثورة العام، أكبر المرافق الطبية الحكومية في البلاد، من لجوء الجماعة إلى زرع عناصر نسائية تابعة لما يُعرف بكتائب «الزينبيات» داخل المستشفى بذريعة «الرقابة».

وحسب شهادات متطابقة حصلت عليها «الشرق الأوسط»، فإن قيادات حوثية تُدير المستشفى استقدمت عناصر نسائية أمنية للعمل تحت اسم «مُراقبات»، دون صدور أي توضيح رسمي حول طبيعة مهامهن أو الصفة القانونية التي يعملن بموجبها، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة داخل أوساط الكادر الطبي من تحوّل المرفق الصحي إلى ساحة مراقبة أمنية دائمة.

وقالت الطبيبة حنان العطاب، وهي إحدى العاملات في المستشفى، إن هذه الإجراءات تمثل سابقة خطيرة داخل منشأة يفترض أن تقوم على الثقة والخصوصية المهنية، خصوصاً في الأقسام الحساسة التي تتطلب بيئة عمل مستقرة وآمنة.

دفعة سابقة من «الزينبيات» عقب إخضاعهن لتدريبات قتالية في صنعاء (فيسبوك)

وأضافت، في منشور على موقع «فيسبوك»، أن أي إجراء رقابي يجب أن يكون واضحاً ومعلناً، ويتم عبر جهات إدارية وقانونية معروفة الصلاحيات، وليس عبر أساليب تُثير القلق وتنعكس سلباً على أداء الطواقم الطبية.

وطالبت العطاب مدير هيئة مستشفى الثورة المُعيَّن من قبل الحوثيين، خالد المداني، بتقديم توضيح رسمي وشفاف حول دوافع هذه الخطوة، محذّرة من أن الصمت عنها يفتح الباب أمام فوضى إدارية تُقوّض الثقة داخل أهم مرفق صحي يخدم ملايين المواطنين في صنعاء والمحافظات المجاورة.

ترهيب أمني

ويرى أطباء وموظفون أن هذه الخطوة تندرج ضمن سياسة أوسع تعتمدها الجماعة لإدارة ما تبقى من مؤسسات الدولة الخاضعة لها بـ«الترهيب الأمني»، عبر نشر الجواسيس لرصد تحركات الموظفين، وكبح أي تحركات احتجاجية محتملة للمطالبة بالرواتب أو التنديد بالفساد.

ويخشى العاملون الصحيون من تعميم هذه الإجراءات على بقية المستشفيات والمراكز الطبية في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يُنذر بمزيد من التدهور في القطاع الصحي المنهك أصلاً بفعل الحرب ونقص التمويل.

ويؤكد موظف في مستشفى الثورة، أن هذه الممارسات ليست جديدة، مشيراً إلى أن قيادات حوثية سابقة كانت قد استقدمت عشرات الجواسيس من خارج الهيئة لرصد تحركات الأطباء والموظفين، ما أدى إلى اعتقال المئات منهم أو فصلهم تعسفياً، لمجرد الاشتباه بتخطيطهم لأي احتجاجات سلمية.

هيئة مستشفى الثورة العام الخاضع للجماعة الحوثية في صنعاء (فيسبوك)

وأضاف أن الوشايات الأمنية لعبت دوراً مركزياً في ملاحقة أعضاء من الكوادر التمريضية والإدارية، وإخضاعهم لسلسلة من الانتهاكات شملت الاعتقال التعسفي، والإخفاء القسري، والحرمان من المرتبات، إلى جانب الإقصاء المنهجي للكفاءات الطبية لصالح عناصر موالية للجماعة تفتقر إلى المؤهلات المهنية.

وسبق أن اتهم ناشطون حقوقيون الجماعة الحوثية بتوسيع شبكات التجسس المجتمعي في مناطق سيطرتها، عبر تجنيد النساء، واستغلال الشباب العاطلين عن العمل، وسائقي وسائل النقل، وحتى عقال الحارات، في انتهاك صارخ للخصوصية والحقوق الأساسية.

نهب المستحقات

وتأتي هذه التطورات في وقت يشكو فيه العاملون بالمستشفى من استمرار نهب مستحقاتهم المالية وحرمانهم من أبسط حقوقهم الوظيفية، وسط مفارقة لافتة تمثلت - وفق شهادات الأطباء - في صرف مخصصات يومية مرتفعة لعناصر «المراقبة» الحوثيات، تفوق في بعض الحالات أجور العاملين الصحيين أنفسهم.

طفلة تتلقى الرعاية في مستشفى يمني بعد إصابتها بـ«حمى الضنك» (رويترز)

وخلال الأشهر الماضية، نفّذ الكادر الطبي في مستشفى الثورة عدة وقفات احتجاجية للمطالبة بصرف مستحقاته المالية من إيرادات المستشفى، التي كان من شأنها ضمان الحد الأدنى من العيش الكريم، واستمرار تقديم الخدمات الصحية للمرضى.

ورغم ما يحظى به المستشفى من دعم مالي وإيرادات كبيرة، تؤكد شهادات العاملين أن الجماعة تستحوذ على تلك الموارد وتوظفها لصالح مجهودها الحربي أو لمصالح قياداتها، بينما يعاني المرضى من نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، في مشهد يعكس عمق الأزمة الإنسانية والإدارية التي تضرب القطاع الصحي في صنعاء.


الرئاسة اليمنية تلوّح بإجراءات ضد البحسني لحماية القرار السيادي

فرج البحسني خلال حديث سابق لـ«الشرق الأوسط» (تصوير: تركي العقيلي)
فرج البحسني خلال حديث سابق لـ«الشرق الأوسط» (تصوير: تركي العقيلي)
TT

الرئاسة اليمنية تلوّح بإجراءات ضد البحسني لحماية القرار السيادي

فرج البحسني خلال حديث سابق لـ«الشرق الأوسط» (تصوير: تركي العقيلي)
فرج البحسني خلال حديث سابق لـ«الشرق الأوسط» (تصوير: تركي العقيلي)

استغرب مصدر مسؤول في الرئاسة اليمنية التصريحات الأخيرة الصادرة عن عضو مجلس القيادة الرئاسي فرج البحسني، والتي أبدى فيها معارضته لقرارات سيادية اتخذتها قيادة المجلس، وفي مقدمتها توحيد القوات العسكرية والأمنية تحت مظلتي وزارتي الدفاع والداخلية، بالتنسيق مع قيادة تحالف دعم الشرعية، وفقاً لما نص عليه اتفاق الرياض وإعلان نقل السلطة.

وأكد المصدر في بيان رسمي، أن هذه التصريحات تمثل خروجاً واضحاً عن مبدأ المسؤولية الجماعية التي أقسم عليها رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي، وتتناقض مع المرجعيات الحاكمة للمرحلة الانتقالية، ومع الصلاحيات الدستورية المخولة للمجلس في إدارة الملفين العسكري والأمني، بما يضمن استعادة مؤسسات الدولة، ومنع منازعتها سلطاتها الحصرية، وترسيخ هيبة الدولة في مواجهة التحديات الراهنة.

وأشار المصدر إلى أن التشكيك بالجهود التي تبذلها السعودية لرعاية الحوار الجنوبي، والدعوة إلى نقل هذا الحوار خارج إطار الرعاية المتوافق عليها، خلافاً لتصريحات سابقة للبحسني نفسه، كل ذلك يحمل رسائل سلبية لا تخدم مسار التهدئة، ولا تصب في مصلحة القضية الجنوبية، التي أكد مجلس القيادة الرئاسي مراراً التزامه بمعالجتها معالجة عادلة وشاملة ضمن الإطار الوطني الجامع.

جندي من القوات الحكومية اليمنية أثناء قيامه بدورية خارج مقر البنك المركزي في مدينة عدن (إ.ب.أ)

ولفت المصدر الرئاسي اليمني إلى أن هذه المواقف ليست معزولة عن سياق سابق، إذ سبق للبحسني أن عبّر في أكثر من مناسبة، عن مواقف مؤيدة أو متساهلة مع التمرد والإجراءات الأحادية في محافظتي حضرموت والمهرة، إضافة إلى إقالة موظفين في مكتبه بسبب انحيازهم لصف الدولة ومؤسساتها الوطنية، في سلوك يتعارض مع المهام السيادية والمسؤوليات الدستورية المناطة بعضوية مجلس القيادة الرئاسي.

التعامل بحزم

وأكد المصدر أن مجلس القيادة الرئاسي سيتعامل مع هذه الممارسات بما تفرضه المسؤولية الوطنية، ووفقاً للدستور والقانون والمرجعيات الحاكمة للمرحلة الانتقالية، واتخاذ ما يلزم من إجراءات للحفاظ على وحدة القرار السيادي، ومنع أي إخلال بالتوافق الوطني، أو تقويض لجهود استعادة الأمن والاستقرار.

وشدد على أن المرحلة الراهنة تتطلب خطاباً مسؤولاً ومواقف منسجمة مع التحديات المصيرية التي تواجه البلاد، بعيداً عن الحسابات الضيقة، أو الرسائل الملتبسة التي لا تخدم إلا خصوم الدولة ومشروعها الوطني الجامع.

وكانت الرئاسة اليمنية طالبت في وقت سابق، دولة الإمارات العربية المتحدة، بالسماح لعضو مجلس القيادة فرج البحسني، بمغادرة أراضيها إلى الرياض، للعمل مع قيادة المجلس والمشاركة في الجهود التي ترعاها السعودية لمعالجة الأوضاع في اليمن، وبما يزيل أي غموض أو التباس قائم.

وأكدت الرئاسة على لسان مصدر مسؤول، أن عضوية مجلس القيادة الرئاسي مسؤولية دستورية عليا لا يجوز تعطيلها أو إخضاعها لحسابات فردية أو خارج إطار الدولة، في وقت تتطلب فيه المعركة الوطنية أعلى درجات التماسك لاستعادة مؤسسات الدولة وإنهاء معاناة اليمنيين.


أسبوع لحصر وإغلاق السجون غير القانونية في جنوب اليمن

تفعيل العمل في محاكم عدن عقب الأحداث الأخيرة (إعلام محلي)
تفعيل العمل في محاكم عدن عقب الأحداث الأخيرة (إعلام محلي)
TT

أسبوع لحصر وإغلاق السجون غير القانونية في جنوب اليمن

تفعيل العمل في محاكم عدن عقب الأحداث الأخيرة (إعلام محلي)
تفعيل العمل في محاكم عدن عقب الأحداث الأخيرة (إعلام محلي)

منح النائب العام في اليمن، القاضي قاهر مصطفى، نيابات الاستئناف مدة أسبوع لإنجاز عملية حصر وإغلاق السجون غير القانونية في مناطق سيطرة الحكومة، استناداً إلى التوجيهات الرئاسية التي قضت بإغلاق هذه المعتقلات وإطلاق سراح من فيها ومحاكمة المتورطين في الانتهاكات، بالتزامن مع متابعة انضباط عمل المحاكم في مدينة عدن العاصمة المؤقتة للبلاد.

وأمر النائب العام في اليمن، رئيسَ شعبة السجون بديوان النيابة العامة، ورؤساءَ نيابات الاستئناف العامة والجزائية المتخصصة والعسكرية، بالنزول الميداني الفوري لتفتيش أماكن التوقيف والاحتجاز الواقعة ضمن نطاق الاختصاص المكاني لكل جهة، والإفراج الفوري عن كل من ثبت احتجازه دون مسوغ قانوني.

كما نصّت توجيهات النائب العام على نقل المحتجزين الذين لديهم قضايا أو أوامر ضبط قانونية إلى السجون الرسمية، وإحالة قضاياهم إلى النيابات المختصة، وإغلاق جميع أماكن التوقيف والاحتجاز غير المعتمدة، وإثبات ذلك في محاضر رسمية، وتحديد المسؤولية عن أي احتجاز غير قانوني واتخاذ اللازم حيال ذلك، مع رفع تقارير تفصيلية بالنتائج خلال أسبوع.

صورة ضوئية لتوجيهات النائب العام بشأن إعلان السجون غير القانونية (إكس)

كان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، قد أمر بتصفية جميع السجون غير الشرعية في محافظات عدن ولحج والضالع، مع تحذيره من دعم التشكيلات المسلحة خارج سلطة الدولة، وذلك ضمن سعيه في اتجاه إعادة بناء المؤسسات وإنهاء الفوضى الأمنية وتعدد مراكز القوة في المحافظات المحررة.

وتضمنت توجيهات العليمي إغلاق جميع السجون ومراكز الاحتجاز غير الشرعية، والإفراج الفوري عن المحتجزين خارج إطار القانون بشكل عاجل، مكلّفاً الأجهزة الأمنية والعسكرية، بالتنسيق مع النيابة العامة ووزارة العدل، بإنجاز هذه المهمة.

تأتي هذه الخطوة وسط اتهامات حقوقية لقوات تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ بإدارة سجون خارج سلطة الدولة.

عودة المحاكم في عدن

هذه التحركات أتت متوازيةً مع تفعيل أداء المحاكم في مدينة عدن، حيث اطّلع رئيس هيئة التفتيش القضائي، القاضي ناظم باوزير، على سير العمل بمحكمة استئناف المحافظة، وذلك في إطار الرقابة لتعزيز كفاءة الأداء القضائي وترسيخ مبادئ الانضباط الوظيفي والالتزام المؤسسي.

وخلال الزيارة التي رافقه فيها نائب رئيس التفتيش لقطاع المحاكم القاضي حسن شيباني، قام رئيس التفتيش، بمعية رئيس محكمة استئناف عدن القاضي محمد الجنيدي، بجولة شملت شُعب المحكمة ومختلف الأقسام، اطّلعوا خلالها على مستوى الانضباط الوظيفي وآليات سير العمل ونسب الإنجاز في قضايا المواطنين.

رئيس هيئة التفتيش القضائي أكد أهمية مضاعفة الجهود وتسريع وتيرة الفصل في القضايا بما يحقق العدالة الناجزة ويعزز ثقة المجتمع بالقضاء، وضرورة الالتزام بالدوام الرسمي والأنظمة والقوانين النافذة، وتحسين الأداء الإداري والقضائي بما يسهم في الارتقاء بالخدمات المقدمة للمتقاضين. وأشاد بالجهود المبذولة من قيادة المحكمة وكوادرها في تسيير العمل رغم التحديات. كما زار محكمة صيرة الابتدائية للاطلاع على سير العمل فيها.

تفقّد سجون حضرموت

على صعيد متصل بعملية تطبيع الحياة في المحافظات التي أُخرجت منها قوات المجلس الانتقالي المنحل، زار رئيس نيابة استئناف وادي حضرموت، القاضي فؤاد لرضي، السجن المركزي في الوادي، واطّلع على أوضاع السجناء فيه، عقب الأحداث الأخيرة التي شهدها وادي حضرموت.

وقام بجولة ميدانية داخل مرافق السجن، والتقى عدداً من السجناء واستمع إلى ملاحظاتهم ومطالبهم، وناقش أوضاعهم القانونية والمعيشية، واطلع على مستوى الخدمات المقدمة لهم.

تحركات قضائية للاطلاع على أوضاع السجناء في حضرموت (إعلام محلي)

رئيس استئناف وادي حضرموت أشاد بالجهود الكبيرة التي بذلتها إدارة السجن العام ممثلة بالرائد علي بن دهري، وكذا طاقم الحراسة، في حماية السجن والحفاظ على سلامة السجناء، واتخاذ التدابير الأمنية اللازمة خلال الفترة الماضية.

ووجّه إدارة السجن بعرض الحالات المرضية من السجناء على مستشفى سيئون العام لتلقي العلاج اللازم، واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة بشأنهم. كما أصدر توجيهات للنيابات بضرورة سرعة التصرف في القضايا المعروضة لديها بحق المحبوسين على ذمة تلك القضايا، ومتابعة القضايا المنظورة أمام المحاكم، والعمل على تسريع الفصل فيها وإصدار الأحكام وفقاً لأحكام القانون.