حفيد روزفلت يقود مجلس الأعمال السعودي ـ الأميركي لمرحلة جديدة من تعزيز التعاون

في الاحتفال باليوبيل الماسّي للقاء الرئيس الأسبق مع الملك عبد العزيز آل سعود على السفينة «كوينسي»

هال دلنو روزفلت أمام الصورة التاريخية للقاء جده والملك المؤسس في فبراير 1945 على متن «كوينسي» (الشرق الأوسط)
هال دلنو روزفلت أمام الصورة التاريخية للقاء جده والملك المؤسس في فبراير 1945 على متن «كوينسي» (الشرق الأوسط)
TT

حفيد روزفلت يقود مجلس الأعمال السعودي ـ الأميركي لمرحلة جديدة من تعزيز التعاون

هال دلنو روزفلت أمام الصورة التاريخية للقاء جده والملك المؤسس في فبراير 1945 على متن «كوينسي» (الشرق الأوسط)
هال دلنو روزفلت أمام الصورة التاريخية للقاء جده والملك المؤسس في فبراير 1945 على متن «كوينسي» (الشرق الأوسط)

«التاريخ يعيد نفسه» هي بالفعل مقولة صحيحة، وهذا الحوار مع هال دلنو روزفلت، يثبت صحة هذه المقولة، فالرجل يتولى رئاسة مجلس الأعمال السعودي الأميركي، الذي يعد من أهم مهامه الترويج للتعاون والاستثمار ما بين السعودية والولايات المتحدة. وهو نفس ما قام به جده الرئيس الأميركي الأسبق فرانكلين روزفلت، حينما التقى الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود في 14 فبراير (شباط) 1945، على متن السفينة البحرية الأميركية «كوينسي»، ومنذ ذلك التاريخ بدأ تعزيز العلاقات بين البلدين وترويج التجارة والاستثمار وفتح المجال أمام عمل الشركات الأميركية في المملكة.
اليوم يعد اليوبيل الماسّي على هذا اللقاء التاريخي الذي وقّع فيه البلدان اتفاقية لتأسيس العلاقات الدبلوماسية والتجارية، وتطورت فيما بعد لاتفاقية تعاون شامل، ومنحت المملكة في نفس العام أول امتياز للتنقيب عن البترول لشركة «ستاندارد أوبا» في ولاية كاليفورنيا والتي انضمت لها فيما بعد شركات «موبيل» و«أكسون» و«تكساسكو» لتشكيل شركة الزيت العربية الأميركية «أرامكو». التي أصبحت تُعرف فيما بعد باسم «أرامكو السعودية» وتملكها الحكومة السعودية بالكامل.
في حواره مع «الشرق الأوسط»، يطرح حفيد الرئيس روزفلت أفكاراً جديدة لدفع العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وزيارات ترويجية لكل ولاية أميركية للتعريف بالفرص الاستثمارية في المملكة وتشجيع الشركات الراغبة في إنشاء مشروعات واستغلال الفرص والحوافز الاقتصادية التي توفرها المملكة وأيضاً توفير الفرص للشركات السعودية للاستثمار في الولايات المتحدة. وإلى نص الحوار...
> تحتفل الولاية المتحدة والسعودية بتحالفهما القوي لأكثر من ثلاثة أرباع القرن، ورسخ اللقاء على متن السفينة الأميركية البحرية «كوينسي» الأساس لهذه العلاقة القوية، لماذا كان هذا اللقاء مهماً ومحورياً؟
- التقى الرئيس فرانكلين روزفلت مع الملك عبد العزيز آل سعود في نهاية الحرب العالمية الثانية، وكان روزفلت قد التقى الرئيس السوفيتي آنذاك جوزيف ستالين، ورئيس الوزراء البريطاني وقتها وينستون تشرشل، في مؤتمر «يالتا» في قمة تاريخية لما بعد الحرب العالمية الثانية، وكان من المفترض أن يلتقي الملك عبد العزيز آل سعود مع رئيس الوزراء البريطاني تشرشل، لكنه فضّل اللقاء مع الرئيس الأميركي روزفلت أولاً، وكان هذا اللقاء على متن السفينة «يو إس إس كوينسي» واستمر لمدة ما بين 18 و20 ساعة. وتركزت المحادثات على النفط بالطبع، ومهّدا لعمل شركة النفط في تكساس التي أصبحت «تكساسكو»، وانضمت إليها شركات أخرى لتُعرف فيما بعد باسم «أرامكو». وبالإضافة إلى النفط تحدّث الزعيمان أيضاً عن التعاون في القطاع الزراعي وناقشا كيف يمكن أن تقدم وزارة الزراعة الأميركية المساعدة في زراعة سلالة جديدة من القمح أقدر على النمو في البيئة الصحراوية للمملكة، وأرسل الرئيس روزفلت طائرة كانت تسمى «ماكدونالد دوغلاس» (بوينغ حالياً) الجوية بالطيار غاي غرانت، الذي قام بقيادة الطائرة للعائلة المالكة ونتج عن ذلك بدء تشغيل شركة الخطوط الجوية السعودية وشراء المزيد من طائرات «بوينغ».
وحينما عاد الرئيس روزفلت إلى الولايات المتحدة قام باستدعاء الكونغرس وأبلغ المشرعين بأنه التقى الملك عبد العزيز آل سعود، وأن ما أنجزه في الساعات العشرين من التواصل وجهاً لوجه مع الملك كان أكثر مما أنجزته الولايات المتحدة في عدة سنوات، وأعتقد أن هذه كانت رسالة قوية مفادها أن التواصل الإنساني هو الأفضل دائماً.
> وكيف بدأت علاقتك مع المملكة، وما الذي يمكن أن تقدمه لتعزيز العلاقات التجارية الثنائية من خلال التجارة والاستثمار، وهو الشعار الذي ترفعه منذ توليك منصب الرئيس التنفيذي لمجلس الأعمال السعودي الأميركي منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي؟
- بدأت العلاقة في عام 2005 في الذكرى الستين لهذا اللقاء بين الرئيس روزفلت والملك عبد العزيز، حيث رن الهاتف في منزلي في كاليفورنيا، وقال المتحدث إنه الدكتور مايكل صفا، ويعمل مع الهيئة العامة للاستثمار في السعودية، وأوضح أنه يتحدث نيابةً عن الملك (الراحل) عبد الله بن عبد العزيز الذي يريد إعادة بناء جسور الصداقة والتعاون بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، ويقترح أن يعمل حفيد الرئيس روزفلت مع حفيد الملك عبد العزيز على هذا الهدف ويتجولا في الولايات المتحدة لإعادة التواصل مع الأميركيين وإخبارهم بأن السعودية لا تزال حليفاً قوياً وصديقاً للولايات المتحدة، وأن العلاقات الاقتصادية والتجارية أدت إلى نمو الشركات الأميركية كما أدت إلى نمو الاقتصاد السعودي، ويجب المضي قدماً في هذا المسار.
وفي الأسبوع الذي يليه التقيت مع الحفيد الذي اختاره، وهو ابنه الأكبر الأمير عبد العزيز بن عبد الله، وبدأنا بالفعل السفر والحديث إلى الشركات التي نعرفها، ووجدنا أن معرفتهم بالسعودية ومجلس التعاون الخليجي منحصرة فيما تقدمه شبكات إعلامية مثل «فوكس نيوز» و«سي إن إن» وغيرها. ذهبنا إلى الجامعات التي يوجد بها طلاب سعوديون، وإلى ساوث داكوتا وعدة ولايات لمدة ثلاث إلى أربع سنوات، وساعدنا صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل الذي كان سفيراً للمملكة لدى الولايات المتحدة في ذلك الوقت.
وبحلول عام 2005، كوّنت صداقات مع عدد من أعضاء مجالس الإدارة لكل من الشركات الأميركية والسعودية. وتحدث معي أحد أعضاء مجلس إدارة من عائلة علي رضا عن المساعدة في جذب الأعمال التجارية الأميركية. وتوليت منصب مدير تطوير الأعمال لمجموعة علي رضا، وكنت أنتقل ما بين المملكة والولايات المتحدة، ثم أقمت في منطقة الخُبر بالسعودية من 2008 إلى 2010، ثم انتقلت زوجتي من كاليفورنيا إلى البحرين وعشنا هناك عشر سنوات، وشاركت زوجتي في أنشطة جمعية السيدات الأميركية في كل من البحرين والظهران، وكونتْ العديد من الصداقات.
وعدنا إلى الولايات المتحدة واتصل بي الرئيس السعودي للمجلس عبد الله الجمعة، وحدثني عن المنصب والرغبة في قيادة تمتلك خبرة في كلا البلدين وتساعد في تقوية الجسور بين الشركات الأميركية والسعودية. وكان الأمر جذاباً بالنسبة إليّ لأنني بذلك سأستمر فيما رسّخه جدي الرئيس روزفلت من إرث في تقوية العلاقات مع المملكة، ومواصلة بناء جسور الصداقة التي بدأها منذ عام 1945.
> تحتفل المملكة والولايات المتحدة بتحالفهما القوي لأكثر من ثلاثة أرباع القرن، وشهدت العلاقات تقلبات وتحديات سياسية، بصفتك حفيد الرئيس روزفلت والمؤسس المشارك وعضو مجلس إدارة العديد من المنظمات الأميركية العربية، هل الشراكة السياسية أم الاقتصادية أم العسكرية هي الأقوى بين البلدين؟ وما الذي يمكن أن تضيفه في مجلس الأعمال السعودي الأميركي؟
- مجلس الأعمال السعودي الأميركي ليس كياناً سياسياً، نحن منظمة تتطلع لخلق فرص عمل ودفع للفرص التجارية، والعلاقات الثنائية هي علاقات استراتيجية للغاية تذهب إلى ما هو أكثر من الجغرافيا السياسية للعلاقات التجارية، لأنها بمثابة الغراء الذي يبقي كل الأشياء تعمل معاً. وخلال عملي، فإن التعاون العسكري والأمني يوفر الأمان الذي تزدهر فيه التجارة، وأي رئيس شركة يفكر في التوجه إلى السعودية أو أوروبا أو أفريقيا فإن السؤال المطروح دائماً: «هل هذا مكان آمن لعائلتي؟»، ففي المحادثات مع أي شركة أميركية حول ممارسة الأعمال التجارية في المملكة، نستغرق عشر دقائق في مناقشة الفرص وهم يعرفون الفرص المتوفرة، وبعدها نتحدث عن الحياة الاجتماعية. ومن واقع تجربتي بالحياة والعمل في المملكة، أعطي الكثير من المعلومات وكيف نشعر بالأمان وتتسوق زوجتي بكل أمان في الأسواق في فصل الصيف حتى الواحدة صباحاً، في مقابل ما تعرفه من معدلات جريمة مرتفعة في ولاية مثل تكساس على سبيل المثال.
> كان محور المحادثات بين الرئيس روزفلت والملك عبد العزيز حول النفط، واليوم يتحدث الرئيس ترمب عن أن الولايات المتحدة لم تعد بحاجة للاعتماد على النفط من منطقة الشرق الأوسط، ويجادل بعض الخبراء في ذلك وأن الولايات المتحدة لا يمكنها الاستغناء عن نفط المنطقة، فما رأيك؟
- نعم أصبحت الولايات المتحدة الأولى في إنتاج النفط والغاز الطبيعي تحت إدارة ترمب لأنه تم تغيير القوانين بما يسمح لصناعة النفط بالازدهار، والأمر يتوقف على نتائج الانتخابات الرئاسية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، فإن كان هناك رئيس ديمقراطي في البيت الأبيض فإنه قد يتم تغيير الكثير من تلك الأمور التنظيمية للصناعة مرة أخرى، وقد يتم تغيير القرارات التي سمحت للولايات المتحدة بأن تصبح مستقلة ولا تعتمد على استيراد النفط، لكني لا أعتقد أن العلاقة بين المملكة والولايات المتحدة كلها تتعلق بالنفط، والمملكة تعمل كل ما في وسعها لتقليل الاعتماد على صناعة النفط وتتجه إلى تنويع الاقتصاد وفقاً لـ«رؤية 2030» لسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وتتطلع لتطوير قطاع التكنولوجيا والتصنيع والتصدير، وأن تصير دولة مصدرة للمنتجات والسلع والخدمات.
> كانت المملكة هدفاً للهجمات الإلكترونية وعملت خلال السنوات الماضية في تنمية قطاع التكنولوجيا وتعزيز الإنفاق على مشروعات الأمن الإلكتروني وتأمين البيانات، كما أعلنت الرياض بداية الشهر عن مبادرتي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في مجال الأمن السيبراني. مجلس الأعمال السعودي الأميركي أصدر دراسة توقع فيها أن تنمو سوق الأمن الإلكتروني السعودي بمعدل نمو سنوي 16.5% بين عامي 2018 و2023 بما يمثل أكبر سوق في الشرق الأوسط، في رأيك ما المخاطر والتحديات المحتملة في مجال الأمن السيبراني؟
- نعم الأمن السيبراني أصبح مجالاً مهماً بشكل لا يصدَّق. وجميع الدول، وليس فقط السعودية، تدرك أهمية هذا القطاع. ويجب على أي شركة صناعية أن تتأكد أن جميع سجلاتها آمنة، وهذا ينطبق على كل الشركات مثل شركات النفط والغاز حتى القطاع الصحي. ولدينا حالياً وفد من الشركات الأميركية العاملة في مجال الأمن السيبراني يزور المملكة، فلم يعد يهم ما هو القطاع الذي تعمل فيه، فإذا لم تقم بوضع بروتوكول أمنى سيبراني فإن الأمر قد يكون مدمراً لشركتك مع خطر سرقة المعلومات. وهذا جعل الأمن السيبراني ضرورة ملحّة. وبالفعل اهتمام المملكة بهذا المجال يفتح الباب لكي تصبح المملكة منتجة للتكنولوجيا أكثر من مجرد مستهلكة لها، وهذا شيء رائع للسعودية، خصوصاً أن هناك جيلاً رائعاً من الشباب السعودي لديهم إمكانات هائلة، إضافةً إلى أن شركات مثل «بوينغ» تقدم منحاً دراسة للسعوديين وتساعدهم على خلق فرص للنمو، وأعتقد أن هذا أمر رائع.
> تتجه المملكة السعودية أيضاً إلى تنمية صناعة الترفيه والسياحة، والاستحواذ على مكان لها على خريطة السياحة العالمية، فما فرص نمو هذا القطاع؟
- بالفعل خلال العامين الأخيرين ازدهر قطاع الترفيه في المملكة بشكل كبير. والرياض اليوم اختلفت عما كانت عليه منذ خمس سنوات. اليوم هناك حفلات للمغنية ماريا كاري وحفلات موسيقية يحضرها الرجال والنساء. وينظم المجلس رحلة لوفد سعودي للترويج في الولايات المتحدة للسياحة الترفيهية، وبدأت بالفعل مفاوضات مع شركة «Six Flags» للألعاب الترفيهية، والتي يقال إن مشروعها في المملكة سيكون أكبر مرتين من مساحة «ديزني». وعندما ننظر إلى ديمغرافية السكان في المملكة نجد أن 80% من السكان تقل أعمارهم عن 40 عاماً، وهم يريدون أن يملكوا القدرة على التمتع بالأفلام والحفلات الموسيقية ومتنزهات الترفيه داخل بلادهم. والمملكة تملك أيضاً فرصاً هائلة في مجال سياحة الغوص في البحر الأحمر وهو مجال لم يتم اكتشافه بعد.
> وافقت إدارة ترمب على نقل الخبرة النووية إلى السعودية، حيث تخطط المملكة لبناء سبعة مفاعلات نووية توفر احتياجاتها من الطاقة، كيف يمكن لمجلس الأعمال السعودي الأميركي المساعدة في تمهيد الطريق لتحقيق هذا النقل للتكنولوجيا؟
- نحن كمنظمة ليست لدينا القدرة على لعب دور الترويج السياسي عند المشرعين الأميركيين، لأننا لسنا هيئة سياسية، لكننا نضع أنفسنا في وضع استعداد للتحرك بمجرد اتخاذ تلك القرارات، ويمكننا مساعدة الشركات الأميركية للمساهمة في هذه المشروعات، وحينما يتم اتخاذ القرار فإننا سنركز على استغلال الفرص للموردين الأميركيين لتوفير سلعهم وخدماتهم. ومن المهم أن يعرف المشرع الأميركي عدد الوظائف التي يمكن أن تتولد حينما تقوم الشركات الأميركية بتصدير منتجاتها.
> استحوذ صندوق الثروة السيادية السعودي على حصص في شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى بحصة 5% في شركة «تسلا» لصناعة السيارات الكهربائية والتي تقدَّر بنحو ملياري دولار، وحصة تقدر بنحو 3.5 مليار دولار في شركة «أوبر»، فكيف ترى الاستثمارات السعودية للصندوق وجذب الاستثمارات الأجنبية؟
- لا جدال أن المملكة تقوم بعمل رائع في تنويع مصادر الدخل كمحرك فعال لتنويع الاقتصاد وتعظيم أصول الصندوق، وتتخذ خطوات لتضع قوانين تتوافق مع قوانين الأعمال والاستثمار الدولية، لذلك حينما تفكر شركة في الولايات المتحدة في الاستثمار في السعودية فإن الأسئلة التي ستُطرح ستكون حول القوانين التي تحكم القيام بالأعمال والأحكام. والآن يمكن لأي شركة أن تكون مملوكة للأجانب بنسبة 100%. وكل هذه الخطوات تمهد الطريق لنمو وازدهار التجارة.
مهمّتنا الآن أن نكون قادرين على التواصل مع الشركات الأميركية لتعريفهم بكل تلك الإنجازات، وأيضاً خلق الفرص للشركات السعودية الصغيرة والمتوسطة التي ترغب في النمو والمجيء إلى الولايات المتحدة، ولدينا في المجلس خبراء اقتصاديون يقومون بدراسة الفرص التجارية ودراسة السوق ويقيّمون الفرص المتوفرة وعدد الشركات التي تقدم منتجات مشابهة، فإذا كانت شركة أميركية ترغب في دراسة الفرص في السعودية وفرص التصنيع، فهناك حوافز جديدة للاستثمار الأجنبي المباشر وفرص لبيع المنتج بنسبة أقل 25% من المنتجات المنافسة، وهو ما نحاول مساعدة الشركات الأميركية لمعرفته عن تلك التطورات وأن تكون جاهزة للاستفادة منها.
والاتجاه الآن إلى الفرص الهائلة للسلع والخدمات، وإلى قطاعات مثل الأمن السيبراني وتطور التكنولوجيا، وانظروا إلى جامعة الملك عبد الله للعلوم والتكنولوجيا، لديها تخصصات مجالات في الطاقة والبيئة والزراعة، وهناك توجه لتشجيع توطين التكنولوجيا المحلية وتشجيع القطاعات الصناعية على النمو المحلي لكي تصبح السعودية منتجاً للسلع والخدمات والتكنولوجيا وليس مستهلكاً لها.
> في تقرير حديث للبنك الدولي، وضع السعودية كأكبر مصلح من بين 190 اقتصاداً في مجال تمكين المرأة والقيام بالأعمال، وأشاد بالإنجاز الذي حققته المملكة في تمكين المرأة. في رأيك كيف يسهم تشجيع تمكين المرأة اقتصادياً في دفع النمو الاقتصادي وتشجيع جذب الاستثمارات الأجنبية؟
- لقد لمست خلال السنوات الخمس الماضية تطوراً إيجابياً هائلاً، وهناك تشجيع كبير لعمل المرأة وتوليها مناصب قيادية وتوجيه المرأة السعودية إلى التفوق في الدراسات الهندسية. واليوم سنجد السيدات السعوديات في كل الأعمال، ليس فقط في الإدارات الحكومية وإنما أيضاً في القطاع الخاص، وقد أثبتن جدارة كبيرة والتزاماً قوياً بأخلاقيات العمل ويردن إثبات أنفسهن. وهناك شركات سعودية لديها عدد من المشاريع مع الشركات الأميركية التي توفر برامج تدريبية للطلبة السعوديين للحصول على تجربة العمل وفقاً لثقافة العمل الأميركية، وتجد إقبالاً كبيراً بين الطلبة السعوديين وبصفة خاصة النساء للحصول على خبرة العمل في شركة أميركية. والمثير في الأمر أن الطالبات السعوديات حينما يبدأن هذه البرامج يكون طموحهن هو الحصول على درجة البكالوريوس ثم تتزايد لديهن الرغبة في الدراسة للحصول على درجة الماجستير ثم الدكتوراه، وفي مجالات تخصصية فريدة. وهذا أمر رائع للاستفادة منهن وخبراتهن في دفع الاقتصاد السعودي حينما يعدن للعمل في المملكة.
ويتطلع المجلس للعمل والتعاون عن كثب مع السفارة السعودية بالولايات المتحدة للتواصل مع كل ولاية أميركية للتعريف بالفرص التجارية في المملكة وزيادة العلاقات التجارية ونتطلع إلى مزيد من هذا التعاون.


مقالات ذات صلة

محافظ «المركزي السعودي»: نموذجنا الوطني حصّن الاقتصاد ضد الصدمات

الاقتصاد محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (صندوق النقد الدولي)

محافظ «المركزي السعودي»: نموذجنا الوطني حصّن الاقتصاد ضد الصدمات

قال محافظ البنك المركزي السعودي (ساما)، أيمن السياري، إن الاقتصاد السعودي بات اليوم نموذجاً للمرونة والقدرة على مواجهة الأزمات من موقع قوة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص إحدى المزارع في السعودية (المعرض الزراعي السعودي)

خاص الاكتفاء الغذائي السعودي… «درع سيادية» في مواجهة عاصفة «هرمز»

في ذروة أزمة «هرمز»، نجحت استراتيجية الأمن الغذائي السعودي في تحويل التحديات العالمية إلى استقرار محلي مستدام.

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس) p-circle 00:33

تحليل إخباري الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة محمد شهباز شريف للمملكة تجسيداً لعمق العلاقة

جبير الأنصاري (الرياض)
الاقتصاد مستثمر يطالع كتيباً للتعرف على خدمات «المركز السعودي للتنافسية والأعمال» (المركز)

18 مليون خدمة و4 ملايين مستثمر... قفزة نوعية لبيئة الأعمال في السعودية

تشهد بيئة الأعمال في السعودية تطوراً متسارعاً؛ مدعوماً بحزمة من الإصلاحات والخدمات الرقمية المتكاملة، حيث تجاوز عدد الخدمات المقدمة 18 مليون خدمة.

بندر مسلم (الرياض)

الأسهم السعودية تتراجع إلى 11464 نقطة في أولى جلسات الأسبوع

شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
TT

الأسهم السعودية تتراجع إلى 11464 نقطة في أولى جلسات الأسبوع

شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)

أغلق مؤشر سوق الأسهم السعودية الرئيسية (تاسي)، جلسة الأحد، متراجعاً بنسبة 0.8 في المائة، إلى 11464.5 نقطة، وبتداولات بلغت قيمتها 5 مليارات ريال (1.3 مليار دولار).

وانخفض سهم «أرامكو السعودية»، الأثقل وزناً في المؤشر، بنسبة 1 في المائة إلى 27.2 ريال. كما تراجع سهما «معادن» و«أديس» بنسبة 1.5 و1 في المائة، إلى 70.3 و 18.73 ريال على التوالي.

وفي القطاع المصرفي، انخفض سهم «الراجحي» بنسبة 0.7 في المائة، في حين تراجع سهم «الأهلي» بنسبة 1.4 في المائة. وتراجع سهم «السعودية للطاقة» بنسبة 3 في المائة، إلى 17.12 ريال.

في المقابل، تصدّر سهما «نايس ون» و«الأندية للرياضة» الشركات الأكثر ارتفاعاً بنسبة 6 و5 في المائة على التوالي. وصعد سهم «تسهيل» بنسبة 2.7 في المائة، إلى 132 ريالاً.


كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
TT

كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)

لم تعد الصين مجرد أكبر مستورد للغاز في العالم، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى لاعب محوري يُعيد تشكيل سوق الطاقة في آسيا، مستندة إلى شبكة معقدة من الإمدادات وخطوط الأنابيب وعقود الغاز المُسال، ما يمنحها نفوذاً متنامياً، خصوصاً في أوقات الأزمات. هذا ما أكده فيودور دميتريينكو، الباحث والمحلل الجيوسياسي في مجال سياسات الطاقة والتنمية المستدامة، في تقرير نشرته مجلة «ناشونال إنتريست» الأميركية.

وقال دميتريينكو إن حرب إيران كشفت ما بنته سنوات من صفقات خطوط الأنابيب وعقود الغاز الطبيعي المُسال بهدوء، وهو ما وصفه بـ«القبضة الصينية» على إمدادات الغاز في آسيا. فعندما ترددت أنباء عن قيام شركات صينية بإعادة بيع رقم قياسي بلغ 19 شحنة من الغاز الطبيعي المُسال خلال الربع الأول من عام 2026، منها 10 شحنات إلى كوريا الجنوبية، و5 إلى تايلاند، والبقية موزعة بين اليابان والهند والفلبين، قُدّم ذلك بوصفه تداولاً ذكياً، وكان كذلك بالفعل. إذ تبلغ تكلفة الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب بالنسبة لبكين نحو 250 دولاراً لكل ألف متر مكعب، في حين تجاوزت الأسعار الفورية في آسيا 830 دولاراً. وقد كان هامش الربح كبيراً للغاية، غير أن القصة الحقيقية تتجاوز بكثير أرباح مضاربات ربع سنوي واحد.

مخازن للغاز الطبيعي في نقطة تسلم تابعة لشركة «بتروتشاينا» في مدينة داليان الصينية (رويترز)

حرب إيران

وقال دميتريينكو إن ما كشفته حرب إيران هو تحول هيكلي جرى بناؤه على مدى عقد، إذ لم تعد الصين تكتفي بإعادة بيع فائض الغاز، بل تعمل على إنشاء نموذج لم تُجربه أي دولة من قبل، يتمثل في هيكل إمداد ثلاثي المستويات يجعلها المورد المرجّح لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ بأكملها. فهي تشتري الغاز بأسعار منخفضة عبر خطوط الأنابيب، وتبرم في الوقت نفسه عقوداً ضخمة للغاز الطبيعي المُسال عالمياً، ثم تُعيد توجيه الفائض إلى الدول المجاورة، حسب أسعار السوق أو متطلبات الأزمات.

ويضيف دميتريينكو أن الفجوة بين ما تتعاقد عليه الصين وما تستهلكه فعلياً تمثل فائض إعادة البيع. حالياً تبدو هذه الفجوة محدودة، في حدود 5 إلى 15 مليار متر مكعب، لكنها قد تتسع بحلول عام 2030 إلى ما بين 15 و50 مليار متر مكعب. وبحلول 2035، وإذا تحقق جزء حتى من مشروع «قوة سيبيريا 2»، فقد يصل الفائض إلى نحو 70 مليار متر مكعب، وهذه ليست أرقاماً هامشية، إذ إن 70 مليار متر مكعب تتجاوز إجمالي واردات اليابان السنوية من الغاز الطبيعي المُسال.

تعطل مضيق هرمز وميزة أمن الطاقة للصين

قبل 28 فبراير (شباط)، كانت هذه مجرد نظرية، لكن بعد هذا التاريخ أصبحت سياسة واقعية.

فعندما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران، وأقدم «الحرس الثوري» الإيراني على خنق مضيق هرمز، بات لدى مستوردي الطاقة في آسيا أسباب جدية للقلق. إذ تحصل اليابان على نحو 93 في المائة من احتياجاتها النفطية عبر هذا المضيق. كما أعلن مجمع رأس لفان في قطر، وهو الأكبر من نوعه في العالم، حالة القوة القاهرة بعد هجوم بطائرة مُسيّرة.

وفي السياق ذاته، لم يكن لدى الفلبين سوى أقل من 10 أيام من مخزون الديزل، ما دفعها إلى إعلان حالة طوارئ في قطاع الطاقة، في حين أُغلق أكثر من 40 في المائة من محطات الوقود في لاوس.

وكانت إعادة بيع شحنات الغاز الطبيعي المُسال الجزء الأكثر وضوحاً في المشهد. ففي مارس (آذار) وحده، أعادت الصين بيع ما بين 8 و10 شحنات، وهو رقم قياسي شهري، إلى مشترين لم يكن لديهم خيار آخر. وجاء بعض هذه الشحنات من مشروعات روسية، وقد اشترتها اليابان رغم العقوبات المفروضة على الطاقة الروسية، إذ لم يكن أمامها بديل عملي سوى مواجهة خطر انقطاع الكهرباء.

دور الصين في سوق الغاز: صانع سوق لا منافس مباشر

يقول دميتريينكو إن السردية الناشئة، التي تصوّر الصين بوصفها منافساً للولايات المتحدة في سوق الغاز الطبيعي المُسال، تخلط بين الشكل والمضمون، فالولايات المتحدة ستضيف بحلول عام 2030 نحو 260–270 مليار متر مكعب من طاقة التصدير، أي ما يزيد على 30 في المائة من الإمدادات العالمية. في المقابل، لا تقوم الصين بتصدير أي كميات من الغاز المسال.

وبالمعنى الإنتاجي البحت، لا توجد منافسة مباشرة، لكن الصين، حسب دميتريينكو، لا تخوض هذه المنافسة أصلاً، بل تدير في الوقت نفسه 3 استراتيجيات مختلفة داخل السوق العالمية للغاز.

سفينة تحمل شحنة من الغاز الطبيعي المسال من روسيا في محطة للغاز بمقاطعة جيانغسو الصينية (رويترز)

ويقول دميتريينكو إن الاستراتيجية الأولى تتمثل في ضغط الأسعار عبر التحكيم السعري، إذ إن كل شحنة تضخها الصين في السوق الفورية الآسيوية تزيد السيولة وتدفع الأسعار إلى الانخفاض، ما يقوّض هامش العلاوة الذي يعتمد عليه المنتجون الأميركيون.

وتبلغ نقطة التعادل للغاز الأميركي نحو 7 إلى 9 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية عند التسليم إلى آسيا. ومع تزايد الشحنات المعاد بيعها، قد تنخفض الأسعار إلى نحو 6 دولارات أو أقل، ما يجعل المشروعات الجديدة أقل جدوى ويثني المستثمرين.

الاستراتيجة الثانية هي تآكل الطلب الهيكلي. فكل مليار متر مكعب من الغاز الروسي أو التركماني المنقول عبر الأنابيب إلى الصين يقابله تراجع مماثل في الحاجة إلى الغاز الطبيعي المُسال من مصادر أخرى. وإذا ضخ مشروع «قوة سيبيريا 2» حتى 30 مليار متر مكعب من طاقته التصميمية البالغة 50 مليار متر مكعب، فإن ذلك وحده كفيل بتقليص الطلب الصيني على الغاز المُسال، بما يعادل إنتاج محطة تصدير أميركية كبرى.

ومع التوسع في الطاقة النووية والمتجددة، يتضح أن اعتماد الصين على الغاز المنقول بحراً يتراجع تدريجياً، في الوقت الذي يستعد فيه المعروض العالمي من الغاز المُسال للارتفاع.

وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى فائض في الغاز المُسال قد يبلغ نحو 65 مليار متر مكعب بحلول عام 2030، في حين قد تصل الطاقة الفائضة إلى نحو 130 مليار متر مكعب، أي ما يقارب 15 في المائة من القدرة العالمية غير المستغلة. وفي حين تستطيع قطر، بفضل انخفاض تكاليف إنتاجها، تحمّل هذا الفائض، يواجه منتجون آخرون تحديات أكبر بكثير.

ناقلة غاز طبيعي مسال تغادر الرصيف بعد تفريغها في محطة الاستلام التابعة لشركة «بتروتشاينا» في داليان بمقاطعة لياونينغ الصين (رويترز)

الاستراتيجية الثالثة هي النفوذ في أوقات الأزمات، وهي الأكثر إثارة لقلق صناع القرار في طوكيو وسيول ومانيلا ونيودلهي. فعندما أُغلق مضيق هرمز، كانت الصين الاقتصاد الآسيوي الكبير الوحيد الذي يمتلك فائضاً من الغاز يمكن طرحه في السوق. ولم يكن ذلك بدافع السخاء، بل بوصفه أداة نفوذ. كما أرسلت بكين ناقلات ديزل إلى الفلبين بعد أن بلغت أزمة الطاقة في مانيلا مستوى حاداً. وكانت الرسالة إلى كل جار يعتمد على الطاقة واضحة: أمن إمداداتكم تمر عبرنا الآن.

ما ينبغي أن يثير قلق واشنطن وطوكيو، خصوصاً منتجي الغاز الطبيعي المُسال الأميركيين، هو أن التوقيت يبدو قاسياً. فالولايات المتحدة على وشك تشغيل أكبر موجة من قدرات الإسالة في تاريخها، بنحو 100 مليار متر مكعب من طاقة التصدير الجديدة بحلول عام 2028، مع دخول مشروعات إضافية الخدمة لاحقاً.

وقد تمت الموافقة على هذه المشروعات على افتراض أن الطلب الآسيوي، وفي مقدمته الطلب الصيني، سيواصل نموه. وقد يتحقق ذلك جزئياً، لكن كل مليار متر مكعب من الغاز المنقول عبر الأنابيب من روسيا أو تركمانستان إلى الصين يعني عملياً تراجعاً مماثلاً في الطلب على الغاز الطبيعي المُسال في السوق القابلة للاستهداف.

وإذا واصل المشترون الصينيون إعادة توجيه شحنات الغاز ذات المنشأ الأميركي إلى دول ثالثة، كما يفعلون لتفادي الرسوم الجمركية، فإن جزيئات الغاز الأميركية تنتهي إلى منافسة نفسها في أسواق جنوب شرق وجنوب آسيا.

أما بالنسبة لليابان، فالمشكلة أعمق، فقد كشفت حرب إيران عن اعتماد تدركه طوكيو منذ عقود، لكنها لم تنجح في معالجته. إذ يمر نحو 93 في المائة من واردات اليابان النفطية، وجزء كبير من وارداتها من الغاز الطبيعي المُسال، عبر مضيق هرمز. وعندما أُغلق المضيق، وجدت اليابان نفسها مضطرة لشراء شحنات أعادت الصين بيعها، وربما تضمنت غازاً روسياً، وهو ما كانت العقوبات اليابانية تهدف في الأصل إلى تجنّبه.

وتواجه كوريا الجنوبية والهند والفلبين وتايلاند المعضلة ذاتها بدرجات متفاوتة. فلا واحدة منها تمتلك خطوط أنابيب برية مباشرة إلى كبار منتجي الغاز، وجميعها تعتمد على ممرات بحرية تمر عبر نقاط اختناق استراتيجية. والصين وحدها بين كبار مستوردي آسيا هي التي نجحت في بناء بديل بري متكامل، لا تستخدمه فقط لتعزيز أمنها الطاقي، بل أيضاً أداة نفوذ تجاري وسياسي في أنحاء المنطقة.

ويخلص دميتريينكو إلى أن هذا الوضع لم يتشكل مصادفة، بل جاء نتيجة استثمار امتد لنحو 15 عاماً وبمئات المليارات من الدولارات، شمل تطوير خطوط الأنابيب، ومحطات الغاز الطبيعي المُسال، والعقود طويلة الأجل، إلى جانب برامج تطوير الغاز الصخري والطاقة النووية. وعليه، لم تكن حرب إيران سبباً في خلق النفوذ الصيني في سوق الطاقة الآسيوية، بل كشفت عن حجمه الحقيقي. وبالنسبة للدول التي تسارع اليوم إلى تأمين إمداداتها من الوقود، فإن هذا الإدراك جاء متأخراً أكثر مما ينبغي.


لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
TT

لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)

يشهد الملف المالي اللبناني زخماً موازياً لمسار الملف السياسي الذي أفضى إلى اتفاق هدنة لمدة 10 أيام قابلة للتجديد، في ظل ترجيحات باستكمال استجابة صندوق النقد الدولي لتمكين لبنان من الحصول على دعم مالي طارئ، إلى جانب إبرام اتفاقات تمويلية إضافية مع البنك الدولي. ومن المتوقع أن تُخصَّص مجمل هذه القروض لمواجهة جزء من الأعباء التراكمية الناجمة عن الحرب المتكررة في نسختها الثانية، بما في ذلك متطلبات النزوح السكاني وتقديم المساعدات الإنسانية.

ومع تكريس معادلة مرجعية تقضي بالربط التلقائي بين تدفق الدعم المالي والتمويل وتثبيت وقف إطلاق النار، والانطلاق في مسار إنهاء المواجهات العسكرية عبر اتفاق شامل، تُفيد المعلومات الواردة من واشنطن -حسب مسؤول مالي كبير تواصلت معه «الشرق الأوسط»- بسيادة «أجواء إيجابية» ومشجّعة رافقت مباحثات الوفد الوزاري اللبناني مع كبار المسؤولين في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ويأتي ذلك في إطار مساعٍ مكثفة لحشد دعم مالي «استثنائي» مخصّص لمعاونة النازحين، وإعادة إعمار البنى التحتية، والتحضير لمرحلة إعادة إعمار المساكن والقرى المدمّرة.

إشارات واعدة

وثمة إشارات واعدة، وفق المسؤول المعني، برزت في الاستجابة العاجلة لطلب الوفد اللبناني من قبل البنك الدولي، بتوقيع اتفاقية تمويل 200 مليون دولار مخصصة لدعم برنامج «أمان» للأسر الأكثر فقراً وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي.

بينما أظهرت إدارة صندوق النقد الدولي تفهماً معمقاً للاحتياجات المالية الطارئة، يؤمل ترجمته قريباً في اعتماد بدائل ملائمة لخطوط تمويلية تتعدّى المانع القانوني لفقدان لبنان شرط استدامة الدين العام، والناتج تلقائياً عن قرار «التعثر عن سداد مستحقات الديون السيادية» منذ ربيع عام 2020.

ومع تطلّع لبنان، وفق مساعي الوفد الرسمي، إلى شراكة متجددة مع البنك الدولي، تقوم على المرونة وسرعة الاستجابة، ومراعاة حجم التحديات الاقتصادية والإنسانية والتنموية التي تواجه البلاد، فقد ركّز على ضرورات توفير تمويل إضافي على شكل منح لدعم المجتمعات المتضررة، مع إعطاء أولوية خاصة لقطاع الإسكان، نظراً لما يُشكله من حاجة ملحّة في مرحلة ما بعد الحرب، إلى جانب دوره الأساسي في دعم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

من اليسار: وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط ووزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيّد ووزير المال ياسين جابر (إكس)

وقد فرضت الحرب والمواجهات العسكرية، على مدى 45 يوماً، بتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، تغييراً جوهرياً في مهمة الوفد اللبناني المشارك في الاجتماعات الربيعية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إذ جرى حصرها بهذه المستجدات. في المقابل، تم تعليق ملف الاتفاق التمويلي العالق، بما يتضمنه من التزامات تشريعية وتنفيذية مرتبطة بخطة التعافي الاقتصادي والإنقاذ المالي، إلى وقت لاحق، ريثما يتم احتواء الخسائر المستجدة وتلك الناجمة عن الحرب الأولى قبل أقل من عامين.

وفي ختام برنامج مكثّف من الاجتماعات مع كبار مسؤولي المؤسسات المالية الدولية والدول الصديقة، الهادفة أساساً إلى حشد الدعم للبنان وتعزيز فرص التعافي والاستقرار، واصل وزير المالية ياسين جابر، برفقة الوفد الرسمي، لقاءاته في العاصمة الأميركية. وشملت هذه اللقاءات بحثاً مع مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، جهاد أزعور، في الاستحقاقات المالية الداهمة، وتأكيد أهمية مواصلة الحوار البناء بين الطرفين، بما يفضي إلى التفاهم على أولويات المرحلة المقبلة والإصلاحات المطلوبة لتعزيز الاستقرار واستعادة الثقة.

وشدّد وزير المال في مباحثاته المتواصلة مع كبار المسؤولين في البنك الدولي، على «أهمية إعطاء الأولوية للمحفظة الحالية من المشروعات المموّلة من قبله، والتي تتعدى قيمتها الإجمالية 1.3 مليار دولار أميركي، والعمل على توجيهها، بما ينسجم مع الحاجات المستجدة، ولا سيما تلك المرتبطة بإعادة تأهيل البنى التحتية والخدمات الأساسية وتعزيز الصمود الاجتماعي». وبالتالي المساهمة في تحسين قدرات الحكومة على مواجهة الاحتياجات الأساسية للنازحين وإعادة تأهيل البنى التحتية الأساسية.

ومن المرتقب، وفق المسؤول المالي المعني، أن يبادر البنك الدولي إلى إعلان تقديرات أولية لإجمالي الخسائر المالية والاقتصادية الناجمة عن الحرب الجديدة، وذلك بعد التثبت من تثبيت وقف المواجهات العسكرية. وسيأتي هذا التقييم على غرار التقدير السريع للحرب السابقة الذي نُشر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، والمستند إلى قاعدة بيانات إحصائية معزّزة بمسوحات ميدانية، بما يمهّد لتحديد الاحتياجات التمويلية العاجلة، ووضع برامج المساعدة على المديين المتوسط والطويل.

خسائر تتعدى الـ5 مليارات دولار

وثمة تقديرات أولية تشير إلى أن حجم الخسائر المسجّلة حتى إعلان الهدنة القائمة تجاوز 5 مليارات دولار، ما يرفع حكماً احتياجات إعادة الإعمار والتعافي التي كان البنك الدولي قد قدّرها بنحو 11 مليار دولار بنهاية الحرب السابقة. وقد بلغت الأضرار التي لحقت بالمباني وحدها آنذاك 6.8 مليار دولار، لتُشكل مجدداً مركز الثقل في التقديرات المرتقبة، فضلاً عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن تراجع الإنتاجية وفقدان الإيرادات وارتفاع تكاليف التشغيل، التي كانت قد ناهزت سابقاً 7.2 مليار دولار.

صدمة سلبية على الاقتصاد

وحسب رصد تقييمي لمعهد التمويل الدولي، عقب انقضاء الشهر الأول على اندلاع المواجهات العسكرية الجديدة، فإن العدوان على لبنان شكّل صدمة سلبية متكررة للاقتصاد، الذي كان ولا يزال يعاني أزمات حادة منذ خريف عام 2019، تمثّلت في الضغوط على الناتج المحلي الإجمالي، وتدهور الميزانية، وضعف المؤسسات.

وأشار معهد التمويل الدولي إلى أن هذه الحرب قد تؤدي إلى تراجع الناتج المحلي الحقيقي بنسبة تتراوح بين 12 و16 في المائة خلال العام الحالي، تبعاً لمدة الصراع. وفي المقابل، قدّر وزير المالية، خلال اجتماعاته في واشنطن، احتمال انكماش الناتج بنحو 7 في المائة نتيجة الحرب والخسائر الأولية. علماً بأن التقديرات الموثقة ستظل مرتبطة سلباً أو إيجاباً بمسار تطورات إنهاء الحرب وتدفّق الدعم الخارجي من المؤسسات الدولية والدول المانحة.

ومع تأكيده أن الدمار الأساسي الذي لحق بالبنى التحتية (كالطرقات والمرافق وشبكات الاتصال) قد تُسبب خسائر كبيرة، لاحظ المعهد الدولي أنّ تراجع حركة السياحة يُشكل السبب الرئيسي للانكماش، والمعزز بتأثراته على حركة الفنادق والمبيعات والنقل. بالإضافة إلى أن قطاعات منتجة، كقطاع الزراعة وقطاع الصناعة، قد عانت مشكلات وتعقيدات طرأت على صعيد سلسلة الإمداد، وتضرر الأراضي الزراعية وصعوبة تنقل القوى العاملة، ما أدّى إلى خفض الإنتاج وتراجع في حجم الاقتصاد.

وبالتوازي، أشار المعهد إلى أن نزوح أكثر من مليون شخص، أي نحو 20 في المائة من السكان، فاقم الضغوط على السكن والخدمات العامة وأسواق العمل. كما أسهمت الخسائر الكبيرة في الدخل، وارتفاع معدلات البطالة، وتعطل الأعوام الدراسية، والاضطرابات التي طالت قطاع الرعاية الصحية، في تراكم تكلفة اجتماعية مرتفعة، ولا سيما على الأسر ذات الدخل المحدود والأسر النازحة.